|
|
|
أمضوا حيث شئتم
|
|
للشيخ: محمد المجذوب
|
|
|
المدرس في كلية الدعوة وأصول الدين بالجامعة |
|
|
|
|
|
كانوا ستين راكباً يقدمهم الثلاثة المعظمون، الذين لا يختلف على تقديمهم اثنان
من أهل نجران.. أما العاقب عبد المسيح فهو أمير القوم
وذو رأيهم وصاحب مشورتهم، الذي لا يصدرون إلاّ عن رأيه، ثم السيد الأيهم وهو قائد الركب، وإليه تنظيم أمرهم في رحيلهم
ونزولهم، ولا تتأخر مرتبة ثالثهم أبي حارثة بن علقمة البكري عن كلا الإثنين، إذ كان
أسقفهم الأعلى، الذي إليه ترجع نجران كلها في فقه دينها والفصل في أحكامه، ومن
أجل ذلك كان موضع إجلال الجميع، حتى ملوك الروم أنفسهم الذين عرفوا له قدره
العلمي، وإخلاصه لمذهب الدولة، فأحاطوا، بضروب الإكرام والإنعام، فلم يردوا عليه
طلباً، ولم يرفضوا إليه رغبة. |
|
|
وكانت وجهتهم يثرب ... لذلك كان معظم الحديث بين هؤلاء الثلاثة حولها، وفي
شأن الدعوة التي انتقلت من مكة إليها، ثم ما زالت أخبارها تتناقل على ألسنة
الوافدين إلى مكة ويثرب والصادرين عنهما إلى مختلف
أنحاء الجزيرة ... ولم يكن دور العاقب
والسيد على جلالة قدرهما،
يتجاوز ذكر ما بلغهم عن ذلك القرشي، الذي أحدثت دعوته كل هذه الضجة، واجتذبت من
سكان البوادي والحواضر كل ذلك الإهتمام .. حتى بلغت أذهان كبار الدواة الرومية، فبعثوا يستفسرون
عن محمد ودعوته أحبار نجران، يريدون أن يتحققوا من أمرهما ويحيطوا بواقعهما دون زيادة أو نقصان،
وكما هو شأن كل مسيحي تقي في نجران كان على العاقب
والسيد أن لا يعقبا بشيء على ما يذكران من أمر هذه المشكلة الجديدة، ثقة منهما بأنها من اختصاص كبار المقدسين من أحبار الكنيسة،
الذين أراحوا أتباعهم من أعباء التفكر بكل طاريء من
شئون الدين، فليس عليهم إلاّ أن يسمعوا قولهم حتى يسرعوا إلى قبوله، على أنه
الحق الذي لا ريب فيه.. |
|
|
ومن أحق من الحبر الثقة أبي حارثة بأن يرجع إليه في مثل هذا الأمر الخطير.. |
|
|
على أن أبا حارثة ظل مشغول الفكر عما يديرون من ذلك الحديث، لا يكاد يشاركهم
في شيء منه.. فلم يسعهم إلاّ احترام صمته، إذ قدروا
أنه لابد غارق في صلاة قلبية تقطعه عما حوله.. وقد قدّر هو بدوره موقفهم منه،
فكان لا يظن عليهم بالإلتفات
والكلام كلما أحوجهم رأيه في أمر الإبهام الذي يستحوذ على كثرتهم في شأن السيد
المسيح (ع).. ذلك أن اجتماعهم على عقيدة الدولة في تأليهه .لم يمنعهم من الإختلاف على تحديدها، فهو في مفهوم بعضهم عين الله، ولدى
غيرهم ولد الله، وعند الآخرين ثالث ثلاثة يؤلفون بمجموعهم ذات الله.. |
|
|
ولم يكن الموضوع أكثر وضوحاً في
ذهن أسقفهم الجليل منه في أذهانهم .. فكان كل ما يملكه
من رأي في هذا الشأن هو أن يردد عليهم كلام الأحبار، الذين اتخذوا قرارهم بتأليه
السيد المسيح في مجمع نيقية، وفقاً للفلسفة الأفلوطينية التي تشربتها من قبل، والتي تقرر ثلاثية الأقانيم في ذات واحدة، ومعتبرين كل من يخالفهم في هذا الإتجاه، فيقبل عقيدة أريوس في
بشرية المسيح، كافراً محروماً من نعمة الميسحية
... فإذا رأى أن كلامه غير واضح الدلالة في أذهان
الرجلين قطع كل تردد بقوله: "إن الأمر فوق تصورات العقل البشري.. فما على المسيحي المستقيم سوى التسليم".. |
|
|
وصدر أمر السيد الأيهم إلى الركب بالنزول لقضاء الليل.. ورفعت لأبي حارثة
خيمته الخاصة المنسوجة بالوبر والإبريسم، والتي أهديت
إليه من قيصر الروم، وتقدم كرز أخوه آخذاً بزمام بغلته إليها، حتى إذا قاربها
عثرت بأحد الأوتاد فأهوت قليلاً ثم اعتدلت، ومع
عثورها انطلق لسان كرز بكلمة سوء، ترجمت كرهه الشديد لصاحب الرسالة الإسلامية
الذي استغرق الكلام عنه وعن دعوته الكثير من حديثهم أثناء الطريق، ولكنه سرعان
ما تلقى رد أخيه على قولته بهذه العبارة المثيرة "بل أنت تعست يا كرز بن علقمة !.." وكانت صدمة غير متوقعة لدى كرز، الذي كان
على مثل اليقين بأن أخاه الأسقف هذا لن يقبل عنه بغضاً لمحمد بن عبد الله صلى
الله عليه وسلم .. ولهذا لم يتمالك أن سأله في دهشة
بالغة:" ولم يا أخي"؟ |
|
|
ولم يشأ أبو حارثة أن يجيب بشيء
قبل أن ينحدر عن بغلته ويستقر على مرتبته، وهناك دعا
بأخيه كرز وقال له بمثل الهمس: "والله إنه لنبي الذي كنا ننتظر.." |
|
|
وأطرق كرز يفكر بما يسمع، ثم
رفع رأسه ليقول لأخيه في صوت جاف متهدج خفيض: "النبي .. الذي
كنا ننتظر"؟ |
|
|
"- نعم يا كرز ..ألا تذكر الوضائع - المخطوطات - التي ورثناها عن كبار الأحبار ..أن فيها والله لبشرى عيسى
بمحمد .. ووصف مبعثه ومهجره .. وشمائله ودعوته..". |
|
|
"- إذا كنت تعلم هذا .. فما يمنعك
العمل به ؟ .. ألست أحق الناس باتباعه وتوجيه رعيتك
إلى متابعته "؟ |
|
|
وأمسك الأسقف لا يحير .. ثم أرسل زفرة طويلة أعقبها
بقوله الهامس: "يمنعني يا كرز ما صنع بنا هؤلاء القوم. شرفونا ومولونا
وأكرمونا وأخدمونا .. وقد أبوا إلاّ مخالفته .. فلو فعلت ما أشرت به نزعوا منا كل ما ترى..". |
|
|
وانتهى ركب نجران إلى مشارق
يثرب.. وهناك توقفوا قليلاً ليصلحوا من شأنهم، ينفضون عنهم غبار السفر، ويرتدون
أنفس ما يحملون من برود اليمن، مما يعد نادر الوجود في معظم أنحاء الجزيرة ثم
واصلوا سيرهم حتى وضعوا رحالهم على مداخل المسجد، الذي علموا أنه موضع استقبال
رسول الله، ثم انطلقوا إلى داخله، يجرون حبراتهم ويتقدمهم معظموهم الثلاث حتى صاروا إلى الغاية التي ينشدون.
وبادر الوفد نبي الله بتحيتهم الخاصة (الله معكم).. ثم
أخذوا مجالسهم على جانبي رؤسائهم الذين انتظموا في مواجهته.. |
|
|
وتكلم الأسقف ثم تلاه العاقب فأثنيا على الله، وأفاضا في ذكر فضائل دينهما، وما يحض عليه من البر والتواضع وحسن الخلق.. وكأنما
أرادا بذلك التوكيد على ما بين دعوته ودينهما من
القرب والتلاقي، وكأن رسول الله قد أراد إحاطتهما بأن
كل خير سيظل أبتر ما لم ينطلق عن الأساس الأول والأعظم، وهو إفراد الله وحده
بالألوهية والربوبية والحاكمية،
فلا تعنوا الوجوه لغيره، ولا يرفع دعاء إلى سواه، فقال لهما
:"أسلما".. ولكنهما
لم يريدا أن يكونا صريحين في الإجابة فعمدا إلى التورية باستعمال مفهوم الإسلام
على الأصل اللغوي دون الشرعي فقالا: "قد أسلمنا" يريدان بذلك أنهما وقومهما إنما يبغيان في كل ما يأتيان وجه الله، فهم إذا
مسلمون أزمتهم لله دون غيره. وما كان لمثل هذا الالتواء أن يرضي صاحب الرسالة
البينة، فرفض ادعاءهما، وأصرا على زعمهما، فلم يكن بد من مواجهتهما بالكلمة الحاسمة فقال: "كذبتما.. يمنعكما من الإسلام دعاؤكما لله ولداً
وعبادتكما الصليب وأكلكما الخنزير".. |
|
|
وكان في هذا التقرير ما أخرس الرجلين فلم يجدا مندوحة عن الإقرار بما يضمران،
والدفاع عما يعتقدان. |
|
|
وأنزل الله وحيه على نبيه بالأجوبة المفحمة لكل ادعاء في المسيح يخالف حقيقته،
وينسب إلى الله تبارك وتعالى ما ينافي كماله ووحدانيته، مقاطع محكمات خالدات
حاسمات، تستغرق صدر سورة آل عمران إلى بضع وثمانين آية. |
|
|
وكان لابد لبغاة الجدل أن
ينقطعوا أمام تلك الحقائق الدامغة، فلا يجدوا سبباً يتشبثون به سوى محض العناد،
وبذلك وقف عمل الحجة وجاء دور التحدي فأنزل الله على رسوله حكمه الرهيب {فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ} - في المسيح - {مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ} -
بحقيقته - {فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا
وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ
نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ}.. |
|
|
وبلغ رسول الله القوم إنذار ربه، فدعاهم - إن لم يذعنوا لأمر الحق - على
اللجوء للدعاء يسألون به الله أن يظهر الصادقين، وينزل لعنته على الكاذبين. |
|
|
وبهت القوم لا يعلمون ما
يعملون.. واتجهت أبصارهم جميعاً إلى أسقفهم، الذي إليه أسلموا قياد عقولهم، وكان
على هذا أن يبت بالأمر قبل أن تختلف الكلمة فيحدث ما لا تحمد عقباه، فقال لرسول
الله: "دعنا ننظر في أمرنا ثم نأتيك بما نريد أن
نفعل في ما دعوتنا إليه". |
|
|
وكانت ليلة ليلاء أقضت مضاجع
الوفد النجراني فلم يستطع إلى النوم سبيلاً.. وأمسك
الحبر أبو حارثة عن الاسترسال في الكلام ليستبين
اتجاه القوم، وترك للعاقب عبد المسيح أن يعالج
المشكلة بما يملك من حسن السياسة.. فعمد هذا إلى الرؤساء الأربعة عشر، فخلا بهم
على حدة ثم قال لهم، في تصميم الرجل الذي يقدر عبء المسئولية الملقاة على عاتقه:
"والله يا معشر النصارى لقد عرفتم أن محمداً لنبي مرسل، ولقد جاءكم بالفصل
في خبر صاحبكم الذي تختلفون عليه. ولقد علمتم مالا عن قوم نبياً قط فبقي كبيرهم، ولا نبت صغيرهم، وإنه للاستئصال
منكم إن فعلتم، فإن كنتم قد أبيتم إلاّ ألف دينكم، والإقامة على ما أنتم عليه من
القول في صاحبكم - السيد المسيح - فوادعوا الرجل، ثم
انصرفوا إلى بلادكم".. |
|
|
وتلقى الرجال موعظة أميرهم في
تدبر عميق.. ولم يشكوا في أنه قد أخلص لهم النصيحة،
وإن لم يكن معظمهم على كبير استعداد لفهم ما ذهب إليه من رأى غريب جديد في
المسيح. وبدافع من خوف المصير المجهول آثروا جانب الموادعة،
ثم لم يلبثوا إلاّ ريثما ارتفع مد الضحى حتى انطلق هؤلاء إلى الرسول يبلغونه
قرارهم.. |
|
|
وتكلم صاحب أمرهم فقال:
"يا أبا القاسم.. قد
رأينا ألا نلاعنك، وأن نتركك على دينك، ونرجع على ديننا.. ولكن ابعث معنا رجلاً
من أصحابك ترضاه لنا، يحكم بيننا في أشياء اختلفنا فيها من أموالنا، فإنكم عندنا
رضا".. |
|
|
وكدأب رسول الله صلى الله عليه
وسلم في تجنب الإكراه لم يأب عليهم ما سألوا.. وأنظرهم قائلاً: "إيتوني بالعشية
أبعث معكم القوي الأمين". |
|
|
ولما حان الموعد نظر رسول الله
عن يمينه وعن يساره، حتى رأى أبا عبيدة عامر بن الجراح، فدعاه وقال: "أخرج معهم فاقض بينهم بالحق فيما اختلفوا فيه"..
|
|
|
وغادر الركب المدينة في طريقه
عائداً إلى نجران.. |
|
|
وغرق الثلاثة ومعهم كرز بن علقمة في غمرة من الصمت، كادت تذهلهم عن لغو القافلة من
حولهم، وكان كرز أكثرهم تلفتاً إلى معالم المدينة، فكأنما يودع فيها شيئاً
عزيزاً أحبه.. حتى إذا أوشكت تغيب عن بصره وقف ناقته،
ثم توجه إلى أخيه الأسقف الساهم الوجه، الغائر العينين، يخاطبه وصاحبيه بقوله:
"إنكم لأعزة والله علي.. ولكن الحق الذي آمنت به قلوبكم أحب ألي من
صحبتكم.. فامضوا حيث شئتم، وتشبثوا بما رغبتم، أمّا
أنا فلن أوثر على الحق وعلى مرضاة الحق أي شيء ..". |
|
|
وضرب وجه ناقته لتأخذ سبيلها
باتجاه المدينة.. وفي غبطة روحية لا عهد لكرز بمثلها
من قبل جعل ينشد مناجياً - من وراء الغيب - ذاك النبي العربي الذي أحبه أكثر من
حبه لنفسه وأهله وماله: |
|
|
معترضاً في بطنها جنينها |
إليك يعدو قلقاً وضيتها |
|
مـخـالفــاً ديـن النـصـارى
ديـنـهـا |
|