|
|
رَسَائِل لمْ يَحمِلهَا البَريْد
|
بقلم الشيخ: عبد الرؤوف اللبدي
|
|
المدرس في كلية الشريعة بالجامعة |
|
|
|
جاري
الفأر: |
|
لقد فاجأتني رسالتك، وما كان
يدور لي بخلد أن مخلوقاً ضعيفاً صغيراً مثلك يستطيع ذلك البيان، وأغلب الظن أن
قد غلب على ظنك أني قط غر صغير، يصدق ما يقال، ويخدع بما يسمع، ويستهويه زخرف
القول، فكتبت ما كتبت، ثم جلوته على في أبهى حلة. |
|
حقاً، أيها الفأر المجاور، أن كادت رسالتك لترديني، وتخرجني من يقيني، قرأتها
أول مرة، فظننت أنها دعوة حق، ومقالة صدق، وأخذت أردد ما قلت: "ما أطيبها
دعوة، وما أمتها حياة! وهل هناك حياة أروع وأمتع من حياة السلم والسكينة، والأمن والطمأنينة، مع راحة وهناء، وطعام دون
عناء ؟ علام هذا الخصام بين مخلوقات الله ؟ لو تراضى
الخلق بالمساواة، وأخذ كل مخلوق ما كفاه، لعاشوا جميعاً عيشة هادئة وادعة، لا
قلق فيها ولا اضطراب، ولا دماء ولا حراب". |
|
ولكنني من بعد لأي أفقت من هذه
الأحلام الجميلة، والرؤى الخادعة، وأخذت أغدو ببصري وأروح، أغدو به بين جسمي
وجسمك، وأروح به بين طباعي وطباعك، فتلاشى ما كان على بصري من غشاوة، وتزيل ما
ران على قلبي من باطل، وتبين لي أنني كنت في ضلال بعيد. |
|
لقد نظرت إليك، فرأيت فيك خلقاً
صغيرا حقيراً جباناً تكثر الفساد في البيوت، وتفسد الطعام على الناس، يسير
الخراب حيث سرت، وينزل الأذى حيث تنزل، فلا عجب أن تضيق بك الصدور والدور، وأن
يكيد لك الناس، فينصبوا المصايد، ويبثوا السموم، ثم تلقى على أيديهم عذاب
الحريق. |
|
لقد نظرت إلى نفسي، فإذا بي جثة
ضخمة تملأ العيون، وقلب جريء لا يخشى المنون، وسلاح ماضي الشفرتين ستذوق طعمه
بعد حين، هذا إلى ما أتمتع به من عطف بالغ على الأبواب، ووداد صادق في البيوت،
وسلامة من خبائث الأخلاق والأمراض. |
|
فهل تراها منصفة بعد هذا أن يستوي خلق مثلي وخلق مثلك ؟ |
|
هيهات
هيهات أن يتراضى الخلق بالمساواة، وهم لم يخلقوا
سواء، ولم يكونوا ذات يوم أكفّاء!! |
|
مثل آخر أحب أن أسوقه إليك، وما أن بصاحب أمثال أضربها، لولا أمثال جاءت بها
رسالتك، ونهج في البيان سبقتني إليه: |
|
انظر إلى صاحبة هذه الدار، كم
حاولت أن تعلم هذه الخادم أشياء كثيرة تكسبها حذقاً في اليدين، وحسناً في
التدبير، وبصراً في الأمور، وذوقاً في التنسيق والتركيب،
ولكن الخادم بقيت حيث هي، لا تزيد على أن تخم البيت،
وتمسح البلاط، وتغسل آنية المطبخ. |
|
فهل تراها منصفة بعد هذا أن تعيش هذه وتلك على
حد سواء. |
|
ومالي أذهب بعيداً هنا وهناك لم لا أضرب الأمثال فيك وفي قومك؟! هل ترضى أنت
أيها الفأر أن تعيش كما يعيش سائر الفيران في هذا
البيت، وأنت الزعيم ذو الحول والطول؟! أليس لك امتياز عليهم في الذكاء والرأي
والقوة والقيادة وسياسة الأمور، أفلا تكون جديراً بعد
هذا بحق امتياز في المبيت و المأكل والمشرب، وفضل نفوذ في الأمر والنهي . |
|
كيف تزعم الإمتيازات
قد ولت مدبرة ولم تعقب، وها أنت ذا تميس في حللها بكرة وعشياً، وتتذوق حلاوتها
على دروب السلب و النهب؟! |
|
أما حياة السلم والسكينة، والأمن والطمأنينة، تلك التي زعمتها
في رسالتك، فحياة ظاهرها الرحمة والبر، وباطنها الذل والصغار، أي حياة هذه التي
تقوم على لقيمات إحسان ألبس بها ثياب الضعف والخنوع، كيف انجحر
في زاوية من زوايا بيت وهو ملعب الصبا و مسرح الحياة؟! أتظنني
أستطيع التظاهر بالعمى وأنا أبصرك تصول وتجول في أرجاء البيت
تسلب وتنهب؟! ما أعجب شأني حين أزعم العجز وأنا القادر على أن أمزق
جموعكم شر ممزق ،وأن أشرد بكم في كل جحر. |
|
ماذا أصنع بهذه المخالب التي
تفري اللحم، وهذه الأنياب التي تحطم العظم، وهذه العظلات
المفتولة التي خلقت للضرب والوثب والقتال؟! |
|
لقد وهب الله لي أسباب القوة الضاربة، فكيف تريدني أن أعيش ضعيفاً؟! ووهب لي
أسباب العزة والقعساء، فكيف تدعوني إلى الضعة والذل؟!
ووهب لي أسباب النصر العزيز، فكيف أكتب على نفسي
الهزيمة؟! |
|
لقد خلقت أنت عطلاً من كل أولئك ،ولكنك بالدهاء والمكيدة تريد أن تسلبينها جميعاً. |
|
ما أعجبها من حياة حين أكون أنا
من القاعدين، وتكون أنت الكاسب، وأعيش أنا مع العفاة المعترين، وتكون أنت السيد المطاع . |
|
لقد أبعدت في الضلال أيها الفأر
حين ظننت أن والدتي لو استقبلت من أمرها ما استدبرت لأجابت هذا الذي تدعوني
إليه، لا أزال أذكر كلماتها الأخيرة، وقد أحاط بها الموت، وعصفت بها رياح
المنية: "أي بني، إنه ليحزنني أن أموت تاركاً ورائي أعداء كثيرين، ذوي دهاء
ومكيدة، وإني لأخشى عليك أن تصبح في هذا البيت غريباً ضعيفاً عاجزاً، تهزم وفيك
أسباب القوة، وتذل وطريق العزة أمام عينيك واضح مستقيم، انهج نهج آبائك الأولين
تعز وتبر، والاف" وألف نفسي!لم
يمهلها الموت حتى تتم ما تريد، ولكنني فهمت الفهم كله ما الذي كانت تعني، وأي
شيء كانت تود أن تقول. |
|
كانت تود أن تقول إذا لم تحافظ
على قطيتك، ولم تعمل بما تؤمن به القطط، ضعت في عالم الحيوان، وحقرتك جميع الخلائق،
وخسرت ما ورثته عن أجدادك الأولين من مآثر عظيمة، ومغانم كثيرة، وحسن أحدوثة لا
تزال تتناقلها الألسنة،
ويرويها التاريخ. |
|
كانت سذاجة بلهاء من
آبائي الأدنين ألاّ يتدبروا شأن آبائك وأجدادك حين لجأوا إلى هذا المكان وهم شرذمة قليلون، لا حول لهم ولا
طول، لقد استهانوا بأمرهم وحقروا شأنهم، وما دروا أن القطرات المتفرقة تصبح
سيلاً جارفاً، وأن الشرارة الصغيرة تسمى حريقاً مخيفاً، لقد عاشوا لأنفسهم،
وشغلتهم اللذة العابرة والحياة الدنيا عن الرأي الجميع والمصير المشترك، فقضوا
حياتهم يتنازعون بينهم، وأيّهم أعز مكاناً وأيّهم أوسع نفوذاً، لقد وجدوا آباؤك وأجدادك الفرصة
المواتية في هذا النزاع الطويل والخصام الوبيل، فتكاثروا في ظله واتسعت لهم
الأرض، فأوسعوها جحولاً وإنفاقاً، وها أنتم أولاء
تتحدثون عن السلم والحرب حديث الأبطال، وأنتم تعلمون أن فيكم ضعفاً، ولا طاقة
لكم على القتال، ولكنكم رأيتمونا - معاشر القطط - أشتاتاً لا يجمعنا قلب ولا
طريق، فهان أمرنا عليكم وعلى غيركم، ولم نعد في هذا العالم شيئاً مذكوراً. |
|
هبني صالحتك على ما تريد،
وتظاهرت لأصحاب البيت بالأمانة و الإخلاص، فتربصت بكم خداعاً تربص الحامي
الأمين، وطاردتكم كذاباً مطاردة الحارس اليقظ، ثم طرحتم أنتم إلى من يموت فيكم
موت شيخوخة أو مرض، فأكلته على مرأى من أصحاب البيت، ولطخت فمي بدمه على مشهد
منهم، ثم ظلت خيانتي وخستي وعاري أشياء خافية لا يعلمها الناس، هبني صالحتك على
هذا الذي تهوى، ومثلت لك هذا الدور الخادع الذي تريد، وتقبلت أنت وقومك في أعطاف
النعيم، فأكلتم من هذا البيت ما طاب، وشربتم فيه ما عذب، ثم تطاول الأمد على ذلك
حتى مسني الكبر، ووطئتني الشيخوخة، وأمسيت لا أقدر على العراك القوى والحراك
الوحي، أتراك إذا صرت إلى مثل هذه الشيخوخة، أو إلى ما هو أسوأ منها من مرض
مقيم، أو عمى مقعد، ولم يعد هناك مصالح مشتركة، ولا منافع متبادلة، أتراك واقفاً
مني موقف الشامت الزاري، والضعيف الحاقد، وذي الوتر
سنحت له فرصة الدهر فلم يتركها تفلت. |
|
كيف أطمئن إلى وفائك بما
تعد، وأنى لي الثقة بما تدعي وتقول، وأنت الذي تريد أن تقوم العلاقات فيما بيننا
على المصالح المشتركة، والمنافع المتبادلة، تلك التي لا ثبات لها ولا استقرار،
ولا تكافؤ فيها ولا توازن. |
|
لو ممن يؤمنون بالدين، ويتقون
يوماً ترجعون فيه إلى الله، لكان من الممكن أن أجد في كلامك ريح الصدق, وأن أذوق
في وعدك طعم الوفاء، ولكنك تجحد الأديان وتنعاها، ولا ترى في الخلق صلاحاً
وصالحين، ولا ذوي فضل مختارين، وترى المروءة والوفاء والصدق والأمانة.. أشياء قد
ولت مدبرة ولم يبق منها إلاّ أطلال دوارس. |
|
إن أولئك الذين يعيشون في أنفاق
خبيئة تحت الأرض، ولا يخرجون منها إلاّ في غسق الليل، لا يستطيعون أن يروا ضوء
النهار، ولا أن يحسوا دفء الشمس، ولا أن يتبينوا كم
لها فوق هذه الأرض من فضل على الناس، فلا عجب أن تكون أمانيك وأماني أمثالك من
القنافذ والمناجذ والخفافيش أن تمضي هذه الحياة
الدنيا عبثاً، وألاّ تكون هناك حياة أخرى كل نفس فيها بما كسبت رهينة. |
|
تقول إني لك جار، فإذا كان هناك
جوار حقاً، فمن حق هذا الجوار أن أقول لك في صراحة وصدق، خير لك أن ترحل عن هذه
الدار إلى دار أخرى، وأن تقيم في بيت غير هذا البيت، أمّا في هذا الدار، فلن
يكون لك فيها أمن ولا استقرار، ستقضي ليلك مختلس الرقاد، وستأكل خبزك مأدوماً بالخوف، وأمّا شربك فحسو
العصافير المروعة . |
|
كتبت تهددني بقدرتك على
الإفساد، وكثرة القبيل والأولاد، ذاك سلاح يخشاه الضعفاء، ويفرق له الرعاديد،
أولئك الذين يجعلون أصابعهم في آذانهم عن سماع الحق، ويطبقون شفاههم بأيديهم
خشية قول الصدق، ويثنيهم حب السلامة عن الجهاد في سبيل ما يؤمنون به. |
|
وأنا لست من هؤلاء، ولن أكون
منهم، وإني لمناصبك العداء جهاراً، ومتربص بك المنايا ليلاً ونهاراً، ولسوف أحلك
دار البوار عما قريب والآن، وفي نهاية رسالتي هذه إليك أود أن أقول لك كلمة
هادئة وادعة، ليس فيها وقد عواطف، ولا حميا شباب، لقد أفرغت على نفسي ذنوباً من
ماء بارد قبل أن أخطها إليك: |
|
عسير علي أيها الفأر أن أخرج
على جبلتي، وأن أتكلف ما ليس في طبيعتي، وعسير عليك أن تكون محسناً وفي طبعك
الإساءة والغدر، وأن تكون مسالماً وقد فطرت على الأذى والمكر، ولن يخدعني لسانك
الرطب، ولا كلامك العذب، ولا ما تضربه من الأمثال. |
|
دعنا أيها الفأر نعيش على الفطرة التي فطرنا الله عليها فأظل أنا قطاً، وتظل
أنت فأراً، لا داعي إلى أن نتخذ المعاهدات والاتفاقيات، نوقعها ثم لا نحفظ لها
وداً، ولا نقيم لها وزناً، ولا نتكلف لها وفاءً.. |
|
تلك سنة الله في خلقه، ولن تجد لسنة الله
تحويلاً ولا تبديلاً. |
عدوك المجاور
|
القط
|