|
|
من أدب
الإسلام
|
بقلم الدكتور: طه محمد الزيني
|
|
المدرس في كلية الدعوة وأصول الدين بالجامعة |
|
|
|
عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: "نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يبيع الرجل على بيع
أخيه، وأن يخطب الرجل على خطبة أخيه، حتى يترك الخاطب قبله، أو يأذن له"
رواه البخاري وغيره. |
|
حرص الإسلام على أن سود الوئام
ويعم الصفاء بين المسلمين، فدعا إلى ما يجلبهما، وحذر
مما يسبب البغضاء، ويؤدي إلى التنابز والشحناء حتى تكون الأمة الإسلامية يداً
واحدة على قلب رجل واحد، وجسداً واحداً يتألم كل جزء فيه لألم سواه، فأوجب
التراحم والتعاطف والتساند والتعاون بين المسلمين، وذم الأنانية وحذر منها ووصف
المتصف بها بانعدام إيمانه أو ينقص إيمانه فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: "ترى المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد
إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى". وقال أيضاً:
"لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه"
وقال أيضاً: "المسلمون تتكافأ دماؤهم ويسعى
بذمتهم أدناهم وهم يد على من سواهم" والحديث الذي معنا ينهى عن
مظهرين كبيرين من أسباب التباغض والشحناء بين المسلمين. |
|
أما الأول: فهو أن يبيع الرجل
على بيع أخيه، ولا شك أن مسألة البيع والشراء من أسباب تحصيل الرزق والسعي إلى
إدراك لقمة العيش التي لا يستطيع الإنسان الحياة بدونها
فالبيع على البيع، والشراء على الشراء، محاربة في الرزق ووقوف في سبيل العيش،
وهذا أشد ما يؤثر في النفوس ويغيظها ويكدرها وقد يجود الإنسان ببذل حياته رخيصة
في سبيل رزقه، فانقطاع الرزق يؤدي إلى الموت جوعاً، والموت في سبيل المحافظة على
الرزق أكرم من الموت جوعاً. ولبيع الرجل على بيع أخيه صورتان: |
|
الأولى: أن يشتري رجل من أخيه
شيئاً على أن له الخيار في رده إذا لم يعجبه أو ظهر فيه عيب، فيأتي رجل آخر يعرض
على المشتري مثل هذا الشيء بثمن أقل، فيرد المبيع
لبائعه، ويأخذ ممن عرض عليه بالسعر الأقل. |
|
الثانية: وهي أبشع من الأولى،
أن يشتري رجل من أخيه شيئاً وهما في المجلس لم يتفرقا، فيأتي رجل آخر فيعرض على
المشتري مثل المبيع بثمن أقل فيرد المشتري المبيع ويأخذ ممن عرض عليه بالثمن الأقل، أو يضطر البائع
الأول إلى إنقاص الثمن بقدر ما عرض الرجل الثالث فيضار البائع الأول بذلك، وقد
يؤدي هذا إلى العناد بين البائعين فيظل كل منهما ينقص
من ثمن مبيعه حتى يبيع أحدهما
بثمن فيه خسارة محققة. ومن أمثلة ذلك ما نراه في الأسواق من البائعين المتجاورين،
ينادي أحد الباعة على سلعة بثمن فينادي جاره على هذه السلعة نفسها بثمن أقل،
فيغتاظ الأول فينقص من ثمن سلعته، ويتبع الأخر في النقص وهكذا إلى أن يرحل أحدهما أو يتشاجرا شجاراً قد يؤدي في بغض الأحيان إلى الموت
أو الإصابة بالعاهات، وهذا حادث في كثير من بلاد الإسلام. |
|
ومثل البيع على البيع الشراء
على الشراء.. والصورتان اللتان في البيع تأتيان أيضاً في الشراء على الشراء بأن
يذهب رجل إلى بائع في مدة الخيار ويقول له: إن الثمن الذي بعت به رخيص وأنا
أشتري منك بأكثر أو عندي مشتر بأكثر، أو يقف رجل يرقب
بيع رجلين فيعرض على البائع أكثر مما يعرضه المشتري أو يقول له عندي مشتر بأكثر
فيمتنع البائع عن البيع، وقد يؤدي هذا إلى العناد أيضاً بين المشتريين، فيظل كل منهما يزيد في الثمن حتى يتجاوز ثمنه الأصلي، إلى أن يكف أحدهما عن الزيادة أو يتشاجرا شجاراً تكون آخرته جريمة وقد عرف الشرع
الحكيم ما يترتب على بيع الرجل على بيع أخيه وشرائه على شرائه فنهى عن ذلك، وحث
المسلمين على حب بعضهم لبعض، وبعدهم عما يسبب الشحناء والبغضاء. وحكم البيع مع ذلك أنه صحيح، ولكن يحرم على من باع على البيع
أو اشترى على الشراء ويكفيه أنه باع رضى الله بثمن بخس. |
|
أما الثاني: فهو أن يخطب الرجل
على خطبة أخيه قبل أن يكف الخاطب الأول نظره عن خطبته، أو يسمح لأخيه ويتنازل له
عنها، ومسألة الخطبة والزواج تأتي في الدرجة الثانية بعد تحصيل الرزق، لأن متعة
الرجل وسعادته في زوجته، فإذا اختارها كما يحب وتجمعت فيها الصفات التي تحبها
نفسه ويهيئها له خياله كان سعيداً في حياته مسروراً في صباحه ومسائه، مطمئناً في
غدوه ورواحه، ولما كانت مسألة الخطبة والزواج فوق أنها سبب السعادة والاطمئنان تمس ناحية حساسة من الإنسان، إذ يعتقد إذا رفض
طلبه في خطبة أو زواج أنه طعن في رجولته، وأنه ليس له من القيمة ما يسمح لولي
الزوجة بإجابة رغبته، ولا سيما إذا أجيبت رغبة غيره،
فإن ذلك يحز في نفسه وقد يرى أنه ليس أهلاً للحياة فيقدم على الانتحار، أو يقتل من اعتدى عليه في رجولته، وكدر عليه صفوة
عيشه أو يتلف زرعه أو ماشيته، أو يسلط اللصوص على ماله، إلى غير ذلك من الجرائم
التي فشت هذه الأيام. |
|
وصور الخطبة على الخطبة كثيرة:
فمن ذلك أن يذهب رجل يطلب يد فتاة، فيأتي آخر أغنى منه أو أرفع منه شأناً ومنزلة
في المجتمع بسبب علم أو نسب أو قرابة لحاكم فيطلب يدها قبل أن يكف الأول، فيميل
أهل الفتاة إلى الثاني ويرفضون الأول. |
|
ومنها أن يتقدم رجل إلى أسرة
فتاة وترضى به زوجاً لفتاتها وربما يدفع شيئاً من المال (شبكة) ويقدر المهر،
فيأتي رجل مثل الخاطب أو أقل منه مالاً ونسباً وعلماً وغير ذلك، فيعرض (شبكة)
أغلى ومهراً أكثر وقد تكون أسرة الفتاة تؤثر المادة أو واقعة في أزمة مالية،
فتفضل الخطيب الأخير، وليس ذلك كل ما يحدث بل قد يكتب العقد ويختلط الرجل
بالفتاة وبأسرتها فيأتي بعد ذلك خاطب جديد أفضل من الأول، فتحتال الفتاة وأسرتها
في مضايقة الزوج حتى يطلقها ويظفر بها الخاطب الأفضل، وهذا مما يغرس العداوة في
النفوس. |
|
والحكم الشرعي أن النكاح ينعقد
للثاني، ولكن يحرم عليه ويعاقب بفعله في الآخرة، متى كان عالماً بخطبة الأول
ورضا الأسرة به، أما إذا كان لم يعلم أو علم أنه خطب ولكنه رد ولم تقبله الأسرة
فلا إثم عليه حينئذ، هذا هو رأي جماعة الفقهاء وهو المعول عليه، ولكن الظاهرية
قالوا: يفسخ نكاح الثاني ولا يبرم أخذاً بظاهر الحديث. |
|
بقيت مسألة تتعلق بهذا البحث هي: هل النهي في الحديث عام أو خاص؟ بمعنى
هل تحرم خطبة كل رجل على خطبة كل رجل، فتحرم خطبة المؤمن على خطبة البر والفاجر،
ولا تحرم إلاّ خطبة الرجل على خطبة أخيه الصالح؟. |
|
اختلف العلماء في ذلك فقال
بعضهم: النهي عام، وقال آخرون: النهي خاص، وحجة المخصصين أن الحديث يقول: "على خطبة أخيه" والأخوة بين المؤمن الصالح
والفاسق منحلة عراها أو تكاد، فلا إثم في خطبة المؤمن على خطبة الكافر والفاسق. |
|
وحجة المعممين أن الأخوة موجودة بين الجميع، فهما إخوان في الإنسانية. وفي
الدين والفسق لا يمنع الإسلام، والذي تقتضيه سماحة الإسلام ويتمشى مع الغرض من
تحذير الرسول صلى الله عليه وسلم عموم النهي، لأن الخطبة على الخطبة - مهما
كانت- مسببة للبغضاء والنفور بين الناس، وفيها من قلة الحياء وعدم الكرامة ما
يأباه الإسلام ويحث على منعه، نسأل الله أن يوفقنا إلى ما يحبه ويرضاه. |