|
|
|
أضواء من التفسير
|
|
للشيخ: عبد القادر شيبة الحمد
|
|
|
المدرس بكلية الشريعة |
|
|
|
|
|
قال تعالى: {وَوَهَبْنَا لِدَاوُدَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ
إِنَّهُ أَوَّابٌ، إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ
الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ, فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ
ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ، رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ
مَسْحاً بِالسُّوقِ وَالأَعْنَاقِ}. |
|
|
المناسبة: لما قص الله تعالى قصة داود عليه السلام وبين فضل الله على عباده
الصالحين، ذكر قصة ولده سليمان عليه السلام لأنه من تمام نعمة الله على داود
عليه السلام، ولزيادة تقرير الغرض الذي سيقت من أجله قصة داود عليه السلام وهو
طمأنينة قلب النبي صلى الله عليه وسلم. |
|
|
المفردات: {وَهَبْنَا} أعطينا ومنحنا {الْعَبْدُ} الخاضع لربّه يعني سليمان {إِنَّهُ} أي سليمان {أَوَّابٌ} رجّاع إلى الله {عُرِضَ} أمر {عَلَيْهِ}
على سليمان {بِالْعَشِيِّ}
هو ما بعد الزوال {الصَّافِنَاتُ} هي
الخيل جمع صافنة وهي القائمة على ثلاث وقد أقامت
الرابعة على طرف الحافر استعداداً للجري {الْجِيَادُ}
جمع جواد أو جمع جود كثوب يطلق على الذكر والأنثى والمراد : السريع السابق
الخفيف في الجري وهو بهذين الوصفين المحمودين فيها
واقفة وجارية {الْجِيَادُ} آثرت {الْخَيْرِ} الخيل كما حكي عن قتادة والسدي وقيل المال
والظاهر الأول {حَتَّى} إلى أن {تَوَارَتْ}
اختفت واستترت { بِالْحِجَابِ} بما
أشرف من الجبل أو الإصطبلات والظاهر الأول {رُدُّوهَا} أرجعوها والضمير المنصوب للخيل
والمأمور بالرد ساستها {طَفِقَ} شرع {مَسْحاً} إمراراً
بيده على ما يلطّخ بالغبار لإذهابه وإزالته {بِالسُّوقِ}
جمع ساق وهو ما بين الكعب والركبة {الأَعْنَاقِ}
الرقاب. |
|
|
التراكيب: قوله {وَوَهَبْنَا} الواو استئناثية. وقوله { نِعْمَ
الْعَبْدُ} المخصوص بالمدح محذوف والتقدير هو أي سليمان. وقيل
المخصوص بالمدح داود والظاهر الأول. وقوله {إِنَّهُ
أَوَّابٌ} تعليل للمدح والضمير لسليمان
وقوله {إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ}
العامل في إذ قيل: اذكر, والمراد من ذكر الوقت ذكر ما وقع فيه. وقيل: هو ظرف
لأوّاب أو لنعم والظاهر الأول والضمير في عليه لسليمان وقوله {بِالْعَشِيِّ} الباء للظرفية. والصافنات نائب
فاعل وإنّما أخر للتشويق. والصافنات الجياد وصفان
يوصف بهما المذكر والمؤنث من الخيل وقوله: {فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ
رَبِّي} التعقيب باعتبار أواخر العرض دون أوله. وإنما أكد بأن
للدلالة على أن اعترافه من صميم القلب و{حُبَّ
الْخَيْرِ} مفعول به لأحببت لتضمنه معنى آثرت. وعن للتعليل كقوله: {وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ}
وذكر ربي مصدر مضاف لفاعله أي آثرت حب الخيل بسبب ذكر ربي لها، وثنائه عليها،
كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الخيل
معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة". ولعل سبب تسميتها بالخير
لغلبة خيرها وجليل منافعها. |
|
|
وقوله: {حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ} حتى للغاية
بمعنى إلى أن, وهذه الغاية لمقدر مفهوم من السياق تقديره: واستمرت تعرض عليه حتى
توارت بالحجاب, والفاعل في توارت ضمير الصافنات الجياد. وقول:
{رُدُّوهَا عَلَيَّ} ضمير الفاعل للساسة وضمير المفعول للخيل، والكلام
على إضمار القول، والجملة مستأنفة استئنافاً بيانياً كأن سائلاً سأل: فماذا قال
سليمان؟ فقيل: قال: ردّها، وقوله تعالى: {فَطَفِقَ
مَسْحاً} الفاء للعطف على مقدر مفهوم من السياق تقديره: فردوها فطفق مسحاً..
وإنما حذفت هذه الجملة لظهورها ولبيان سرعة الامتثال
كما في قوله: {فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ
الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْناً}. أي فضرب فانفجرت مننه وطفق من أفعال الشروع، ويندر أن يكون
خبرها غير مضارع واسم طفق ضمير سليمان عليه السلام، ومسحاً مفعول مطلق لفعل مقدر
هو خبر طفق، وتقديره فطفق يمسح مسحاً. فإن قيل فيه حذف
عامل المصدر المؤكد وهو ممتنع عند ابن مالك، أجيب بأنه ليس بمؤكد بل هو مفعول
مطلق مبين للنوع لتعلق ما بعده به وهو بالسوق أي فطفق يمسح مسحاً كائناً بسوق
الخيل وأعناقها. وأعرب أبو البقاء {مَسْحاً}
على أنه مصدر في موضع الحال أي ماسحاً وهو مردود
لاحتياج طفق للخبر. وإنما مسح سوقها وأعناقها لأن
العرق أكثر ظهوراً فيها فتتلطخ بالغبار فصار عليه السلام لحبه لها ورفقه بها
وشفقته عليها شمر عليها يده لإزالة ما تلطخ بها. |
|
|
وقد ذهب جماعة من المفسرين إلى
طريق شائكة فزعموا أن سليمان عليه السلام استعرض الخيل بعد
الزوال حتى غابت الشمس ولها بها عن صلات العصر وكانت له، فقال للملائكة:
"ردوا الشمس علي" فردوها عليه فصلى العصر ثم شرع يقطع سوق الخيل
وأعناقها لأنها هي التي شغلته عن الصلاة ثم تصدق بلحمها فأعطاه الله خيراً منها
وأسرع وهي الريح تجري بأمره رخاءً حيث أصاب. ويفسرون {أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي} بأن معناها
أحببت الخيل عن الصلاة . |
|
|
وهذا باطل عاطل فما يكون
لسليمان الذي قال الله فيه: {نِعْمَ الْعَبْدُ}
أن يحب الدنيا وما فيها عن ذكر الله. وما يكون لسليمان أن يقطع سوق الخيل
وأعناقها. وما ذنب الخيل إن كان سليمان اشتغل عن صلاة
العصر كما يذهب هؤلاء؟ والله تعالى يقول: {مَسْحاً}
ويأبى هؤلاء إلاّ أن يقولوا قطعاً. |
|
|
المعنى الإجمالي: ومنحنا لداود سليمان ولداً له وخليفة من بعده أنه يمدح لكثرة رجوعه إلى
ربّه. اذكر يا محمد وقت أن مر على سليمان في وقت العش
الخيل العجيبة في وقوفها وجريها. لقد أظهر شعوره نحوها وانطلق قائلاً: "إني
آثرت حب الخيل بسبب أن الله ذكرها لي وأثنى عليها"، فلما
بلغت غايتها، واستترت بما أشرف من بعض الجبال أو دخلت اصطبلاتها نادى ساستها فقال: أرجعوها إلي. فأرجعوها إليه
فشرع يمسح سوقها وأعناقها ليزيل ما عليها من الغبار رحمة بها وشفقة عليها وحباً
لها . |
|
|
ما ترشد إليه الآيات: |
|
|
1-أن سليمان ابن داود. |
|
|
2- أنه خليفته من بعده. |
|
|
3- ثناء الله على سليمان. |
|
|
4- كثرة
عبادته. |
|
5- حرصه على الجهاد.
|
|
|
6- استعراض
الخيل. |
|
|
7- استحباب اختيار الأصناف
الجيدة من الخيل. |
|
|
8- إعلان حب ما يحبه الله. |
|
|
9- سرعة امتثال ساسة الخيل
لسليمان. |
|
|
10- تواضعه عليه السلام. |
|
|
قال تعالى: {وَلَقَدْ
فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَداً ثُمَّ أَنَابَ،
قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لا يَنْبَغِي لأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي
إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ، فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ
رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ، وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ، وَآخَرِينَ
مُقَرَّنِينَ فِي الأَصْفَادِ، هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ
بِغَيْرِ حِسَابٍ، وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ}.
|
|
|
المناسبة: بعد أن مدح سليمان وأثنى عليه وبين حرصه على الخيل
التي هي آلة جهاد أعداء الله، ذكر قصة فتنته عليه السلام التي كان سببها شدة
حرصه على الجهاد أيضاً. |
|
|
القراءة: قرأ الجمهور: {الرِّيحَ}
بالإفراد وقرىء: (الرياح)
بالجمع، وقرأ الجمهور: {وَحُسْنَ مَآبٍ}
بالنصب وقريء بالرفع. |
|
|
المفردات: |
|
|
{فَتَنَّا} اختبرنا وابتلينا, وذلك بأنه حلف ليطوفنّ على أربعين أو سبعين امرأة من
نسائه تأتي كل واحدة منهنّ بفارس يحمل السلاح ويجاهد في سبيل الله عز وجل ولم
يقل إن شاء الله فطاف عليهنّ فلم تحمل إلاّ امرأة جاءت بشق رجل فأخذ وألقى على
كرسيه، وقد روى ذلك البخاري ومسلم وغيرهما عن أبي
هريرة مرفوعاً وفيه: "والذي نفسي بيده لو قال إن
شاء الله لجاهدوا في سبيل الله فرسان أجمعون"، وفي البخاري: "إن الملك قال له قل إن شاء الله فلم يقل".
{أَلْقَيْنَا} طرحنا، {كُرْسِيِّهِ} سرير ملكه، {جَسَداً} جسم إنسان، {أَنَاب} رجع، {وَهَبْ
لِي} أعطني وامنحني، { مُلْكاً
} سلطاناً، {لا يَنْبَغِي} لا يكون، {مِنْ
بَعْدِي} سواي، {فَسَخَّرْنَا}
فذللنا، {بِأَمْرِهِ} بطلبه، {رُخَاءً} لينة، {أَصَابَ}
قصد, وأراد بلغة هجر وحمير وعن رؤبة أن رجلين من أهل
اللغة قصداه ليسألاه عن معنى هذه الكلمة فقال لهما: "أين تصيبان؟ فقالا:
هذه طلبتنا ورجعا". وعلى هذه اللغة قول الشاعر: |
|
|
فأخطأ الجـواب لـدى المفصـل |
أصـاب الكـلام فلـم يسـتطـع |
|
{الشَّيَاطِينَ} جمع
شيطان وأصله المتمرد من الجن والإنس و الدواب مأخوذ من شطن بمعنى بعد كقول
الشاعر: |
|
|
فبـانت والفـؤاد بهـا رهـيـن |
نأت بسـعاد عنـك نوى شطـون |
|
والتمرد بعدت خلاله عن الخير فسمي شيطاناً. والمراد به هنا شيطان الجن
خاصة {غَوَّاصٍ} فعال من الغوص وهو:
النزول تحت الماء لاستخراج اللؤلؤ {مُقَرَّنِينَ} مجموعين مشدودين إلى بعض {الأَصْفَادِ} القيود {فَامْنُنْ} أي أطلق . |
|
|
التراكيب: قوله: {ثُمَّ أَنَابَ} عطف
على فتنا. وإنما عطف بثم للإشارة إلى استمرار إنابته
وامتدادها أو لأنه عليه السلام لم يعلم بالفتنة عقيب
وقوعها. وقوله: {قَالَ} بدل من أناب
ويجوز أن يكون استأنافاً بيانياً، كأنه قيل: كيف كانت
إنابته؟ فأجيب: قال رب اغفر لي. وقوله: {إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ} تعليل للإستيهاب، وضمير الفصل للتأكيد والفاء في قوله: {فَسَخَّرْنَا} تفريعية؛
لتفريع التسخير على طلبه ملكاً لا ينبغي لأحد من بعده. |
|
|
وقوله: {الرِّيحَ} على قراءة الجمهور بالإفراد وهو في
معنى الجمع لكونه اسم جنس وقوله {تَجْرِي
بِأَمْرِهِ} يحتمل أن تكون حالاً من الريح أي جارية ويحتمل أن تكون
بياناً أو تفسيراً لتسخيرها له, وقوله: {بِأَمْرِهِ}
مضاف لفاعله والباء للسببية, وقوله: {رُخَاءً} حال من فاعل تجري وهي الريح وقوله: {والشَّيَاطِينَ} معطوف
على الريح, وقوله: {كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ}
بدل من الشياطين وقوله {وَآخرَِينَ}
عطف على كل داخل معه في البدل لأن كل بناء وغواص بدل كل من كل بدل التفصيل وليس معطوفاً على الشياطين لأنهم منهم وليس معطوفاً
أيضاً على بناء وغواص لأنه مضاف إلى كل ولا يحسن فيه إلاّ الإضافة على مفرد منكر
أو جمع معرّف وقوله: {هَذَا عَطَاؤُنَا}
يجوز أن يكون مقولاً لقول مقدر معطوف على سخرنا أو
حال من فاعله فتقديره على الأول: فسخرنا وقلنا, وعلى الثاني: فسخرنا قائلين,
والإشارة إلى الموهوب وقوله: {فَامْنُنْ أَوْ
أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} يجوز في الفاء أن تكون جزائية وبغير حساب
إمّا متعلق بامنن أو أمسك ويجوز أن يكون حالاً من
فاعلها والتقدير فامنن أو أمسك حال كونك غير محاسب عليه ويجوز أن يكون بغير حساب
حالاً من {عَطَاؤُنَا} والعامل ما دل
عليه هذا من معنى الإشارة كقوله: {َهَذَا بَعْلِي
شَيْخاً} وعلى هذا فالفاء داخلة على جملة اعتراضية كقوله: |
|
|
أن سوف يأتي كل ما قدر |
واعـلم - فعـلم المـرء يـنفـعـه
- |
|
وقوله: {وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى} جملة حالية
من فاعل سخرنا وقوله: {وَحُسْنَ مَآبٍ}
بالنصب عطف على زلفى وبالرفع على أنه مبتدأ خبره
محذوف تقديره له. |
|
|
المعنى الإجمالي: ولقد بلونا هذا العبد الصالح واختبرناه وطرحنا على سريره شق ولد ثم رجع
إلى ربه قال: سيدي ومالكي ومصلح شأني استر علي وامنحني سلطاناً لا يكون لشخص
سواي إنك أنت كثير العطاء فذلّلنا له الريح تسير بسبب أمره لها سرعة لينة طيبة
إلى أي جهة قصدها وهذا عند حبه للينها أما إذا أرادها شديدة عاصفة فإنها تكون
كذلك كما قال :{وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً} وسخرنا له
مردة الجنّ يصرف بعضهم في الأعمال الشاقة من البناء والغوص لاستخراج اللآلئ
وآخرين يقيدهم بالقيود وقلنا هذا الموهوب منحة لك منّا وإذا كان كذلك فتصرف فيه
بلا حساب عليك لقد سخرنا له هذا في الدنيا والحال أن له عندنا لدرجة عالية وجميل
مرجع. |
|
|
ما ترشد إليه الآيات: 1- فتنة سليمان 2- أن إلقاء الجسد على كرسيه كان من الفتنة 3- رجوعه إلى
ربه 4- أن طلب التسلط للغرض الشريف جائز 5- لم يكن طلب سليمان ملكاً لا ينبغي
لأحد سواء من باب الأثرة الممقوتة والأنانية 6- إجابة دعوة سليمان عليه السلام
7- تسخير الريح بهذه الصفة مخصوص لسليمان 8- وأن الريح كانت منوعة رخاء وعاصفة
9- تسخير الشياطين لسليمان 10- وهذه التسخير من خصوصياته 11- إطلاق يده 12-
درجته العالية في الدنيا والآخرة. |
|