طباعة

 توثيق النص

 

 

 

 
المسئولية في الإسلام

بقلم الشيخ: عبد الله قادري

المشرف الاجتماعي بالجامعة

 

 

مسئولية المرأة

 

بعد أن حمل الرسول صلى الله عليه وسلم ذكور الأمة الإسلامية مسئوليتهم شرع في بيان مسئولية نساء تلك الأمة. ويلاحظ من الحديث أنه لم يعين مكاناً لمسئوليات الأصناف المذكورة فيه إلاّ المرأة فقد عين مكانها حيث قال: "راعية في بيت زوجها" ففي الحديث إشارة إلى ما تقرره نصوص الشريعة من أن الأصل في حق المرأة القرار في البيت والخروج منه خلاف ذلك الأصل يباح عند الحاجة بقدرها فإذا انتهت الحاجة رجعت إلى ما هو أصل في حقها وهو القرار في البيت وقد أمر الله تعالى نساء النبي صلى الله عليه وسلم بالقرار في بيوتهن وجعل ذلك وسيلة من وسائل تطهيرهن من الذنوب والمعاصي، والأصل في الأحكام المتعلقة بالنساء أن يستوي فيها كل امرأة من غير فرق بين نساء الرسول صلى الله عليه وسلم وغيرهن من نساء المؤمنين إلاّ إذا دل دليل خاص على اختصاصهن بحكم معين مثل كونهن أمهات المؤمنين وأيضاً فإن الطهر والعفة والمغفرة مطلوبة من كل النساء فقد جعل الله قرارهن في البيوت من وسائل الطهر وأيضاً فقد نهاهن الله عن التلبس بصفات نساء الجاهلية الأولى، كالتبرج وهو أمر لا يختص بنساء النبي صلى الله عليه وسلم بل كان المسلمين منهيون عن اتصافهم بصفات الجاهلية، قال تعالى: {وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى} واتبع ذلك بما لا يختلف فيه اثنان، أنه ليس من خصائصهن، وهو الأمر بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وطاعة الله ورسوله ولا ينافي ذلك قوله في أول الآية: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنّ} لأنه بيان لمكانهن من الرسول صلى الله عليه وسلم ولهذا يضاعف لهن ثواب الطاعة وعقاب المعصية فقد دلت نصوص السنة التي توضح القرآن وتبينه على ما ذكر من أن الأصل في حق المرأة القرار في البيت حيث حظر عليها الخروج إلاّ بإذن وبين أن صلاتها في بيتها أفضل من صلاتها في المسجد مع أن الجماعة في حق الرجال تضاعف إلى سبع وعشرين درجة، والمقصود من ذلك كله، صيانتها والمحافظة على عفتها وكرامتها وقيامها بواجبها الثقيل في بيتها من حقوق زوجها وأولادها، وواجبها الذي لا يشاركها فيه الرجل غالباً، والإسلام حين ما جعل بيت المرأة مثابة لها نظر إلى واقعها وإلى النتائج التي تترتب على لزوم بيتها وحينما حظر عليها الخروج من البيت لغير حاجة نظر كذلك إلى واقعها، وإلى النتائج المترتبة على خروجها فقرر الحكم إيجاباً أو سلباً على الواقع ونتائجه لأن الله تعالى هو الذي قرر هذه الأحكام ودعا إليها وهو يعلم ما هو نافع وما هو ضار بخلاف غيره من المخلوقين فإنهم يقررون الأمور حسب ما يظهر لهم من المصالح والمضار المترتبة على ذلك إن كان قصدهم جلب المصالح ودفع المضار وقد يظهر لهم بعد فترة من الزمن أن ما رأوه قبل نافعاً هو ضار وما رأوه ضاراً هو نافع، وقد يقررون الأمور إتباعاً لشهواتهم وميولهم بصرف النظر عن كون ذلك نافعاً للمجتمع أو ضاراً كما هو الواقع في كثير من البلدان.

 

الأمور المقتضية بقاء المرأة في بيتها

والأمور التي تقتضي بقاء المرأة في بيتها وعدم مغادرته لغير حاجة جوهرية وكثيرة أذكر منها ما يلي:

1- المحافظة على عفتها وكرامتها فإن من أعظم وسائل حفظها عن الوقوع في الرذيلة لزوم بيتها، كما أن من أكبر أسباب تهتكها وتعرضها للفتنة - فتنتها وفتنة غيرها كثرة الخروج من البيت ولهذا جعل الله قرار نساء النبي صلى الله عليه وسلم، من أسباب تطهيرهن، والمرأة التي تكثر الخروج تتسبب في طمع الفسقة فيها لا سيما إذا علموا أن خروجها لغير حاجة.

2- القيام بواجباتها المنوطة بها بالبيت من تنظيف له وللثياب وتربية للأطفال وطبخ للطعام وغير ذلك.

3- أخذ راحتها بعض الوقت وتهيؤها لاستقبال زوجها وتجملها له وإعداد نفسها إعداداً يدخل على زوجها الراحة والطمأنينة بما يجد من ميل لها ورغبة في اجتماعه بها في أوقات فراغه لأن الرجل يتعب خارج البيت في الأعمال المنوطة به ليحصل على المال الذي ينفقه على أهله من مأكل وملبس ومسكن وغير ذلك من الاحتياجات.

فينبغي أن تستقبله المرأة في بيتها بما يريحه ويدخل عليه السرور ولا يتأتى لها ذلك إذا لم تستقر في البيت بل تذهب للعمل خارجه لأنها سترجع إلى البيت من عملها عندما يرجع زوجها وستكون متعبة مثله في حاجة إلى الراحة وليست مستعدة للقيام بحقه كما لو كانت باقية في البيت وربما رجعت قبل رجوعه فأخذها النوم، فيأتي الرجل وهي نائمة وربما سبقها إلى البيت فتأتي وهو نائم، ويقوم من نومه في وقت عمله فيذهب قبل أن تستيقظ هي وهكذا لا يذوق كل منهما من الآخر طعم الزوجية، هذا إذا كانت وظيفتها في بلد واحد، أما إذا كانت وظيفة أحدهما في بلد ووظيفة صاحبه في بلد آخر فقلما يلتقيان في السنة، وفي ذلك - فوق كونه يعرقل العلاقة الزوجية - خطر عظيم على المرأة والزوج جميعاً، لأنها ستختلط برجال أجانب، وتختلي بهم، وسينالون منها ما لا يناله زوجها كما أن الرجل سيختلط بنساء أخريات وينلن منه ما لا تناله الزوجة وبذلك يختل كيان الأسرة، ويتخلخل المجتمع وتنفك روابطه انفكاكاً كاملاً وما بالك بعد ذلك من تربية أولاد هذين الزوجين، أنهم سيرمون في محاضن من لا يهمه شأنهم وسيحصل من ذلك ما يحصل من سوء تغذية وتربية وغيرها.

 

هل المرأة المسلمة في حاجة إلى الخروج للعمل؟

مع أن المرأة المسلمة ليست في حاجة للعمل خارج البيت من أجل النفقة ونحوها، ما دام عندها من يكفيها مؤنة النفقة والكسوة والمسكن، فقد أوجب الله على وليها كل ذلك وهي في بيتها كما تقدم ولست أريد الإطالة في ذكر شبهات أعداء الإسلام ودعواتهم المخالفة لتعاليمه بالنسبة لموضوع المرأة وإنما أردت التنبيه، ومن أراد الإطلاع على شبههم فليراجع فصولاً خاصة بالموضوع في الكتب التالية:

 أ- حصوننا مهددة من داخلها، للدكتور محمد محمد حسين.

ب- شبهات حول الإسلام، لمحمد قطب.

ج- الحجاب، للشيخ أبي يعلى المودودي. وقد أفاض في ذلك إفاضة كافية حيث بين فيه محاسن الإسلام في موقفه من المرأة ومساوئ الدعوات المخالفة له بياناً شافياً.

د- كتاب حقوق الإنسان، لمحمد الغزالي.

 

واجبات المرأة في بيت الزوج

 

إن على المرأة واجبات عظيمة إذا قامت بها أسهمت في بناء البيت والأسرة والمجتمع عليها واجبات تتعلق ببيتها وأخرى تتعلق بأولادها.

حقوق الزوج

1- طاعته في غير معصية، فقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لو كنت آمراً أحداً أن يسجد لغير الله لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها" انظر نيل الأوطار ج6 ص522.

2- إجابته إذا طلبها إلى فراشه، ومن أوجب الأمور على الزوجة أن تجيب زوجها إذا طلبها إلى فراشه وعصيانه في ذلك من أكبر المعاصي ففي الصحيحين وغيرهما عن أبي هريرة رضي الله عنه قال:" قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه فأبت أن تجيء فبات غضبان عليها لعنتها الملائكة حتى تصبح".

3- عدم إذنها في بيته لأحد لا يرضى دخوله.

4- عدم صومها تطوعاً وهو حاضر إلاّ بإذنه لما ثبت في صحيح البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا يحل للمرأة أن تصوم وزوجها شاهد إلاّ بإذنه، ولا تأذن في بيته إلاّ بإذنه" الحديث، وهو في صحيح مسلم أيضاً.

5- الاعتراف بنعمته وعدم جحودها، ومن حق الزوج على زوجته أن تعترف بنعمته ولا تجحدها عند الغضب فإن ذلك من أسباب دخولها النار، ففي صحيح البخاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ورأيت النار .. ورأيت أكثر أهلها النساء" قالوا: لم يا رسول الله؟ قال: " بكفرهن" قيل: يكفرن بالله، قال: "يكفرن العشير، ويكفرن الإحسان، لو أحسنت إلى إحداهن الدهر، ثم رأت منك شيئاً، قالت: ما رأيت منك خيراً قط".

6- حفظ ماله وعدم التفريط فيه ومن حقوقه على زوجته أن تحفظ ماله ولا تفرط فيه حتى يضيع سواءً كان نقوداً، أو طعاماً أو ملابس، أو أثاثاً أو غير ذلك، ولا يجوز لها أن تبذر إذا أنفقت منه لأنه قد ائتمنها على ذلك وتبذيرها خيانة، والخيانة من صفات المنافقين، والحديث قد جعلها راعية في بيت زوجها مسئولة عن رعيتها، وليس لها حق أن تتصرف في ماله بدون إذنه، إلاّ إذا قتر عليها في النفقة، فأعطاها ما لا يكفيها هي وأولادها، فعندئذ لها أن تأخذ ما يكفيها وأولادها بدون إذن لترخيص النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك كما تقدم.

وقد مدح النبي صلى الله عليه وسلم نساء قريش بصفات منها حفظ ذات يد الزوج، وذات اليد هي المال كما روى البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "خير نساء ركبن الإبل نساء قريش"، وقال الآخر: "صالح نساء قريش، أحناه على ولد في صغره وأرعاه على زوج في ذات يده".

7- عدم الخروج من بيته إلاّ بإذنه، كما مضى أنها تستأذن زوجها، إذا أرادت الخروج إلى المسجد وفي بعض الروايات، كما في صحيح البخاري: "إذا استأذنت المرأة أحدكم إلى المسجد فلا يمنعها" فيفهم من الحديث أنها إذا أرادت الخروج لابد أن تستأذن كما يفهم منه أن للزوج في الأصل منع زوجته من الخروج إلاّ ما استثنى شرعاً، والإسلام حينما جعل بيت المرأة قرارا لها وحذرها من الخروج منه فإنه أباح لها - وقد يوجب عليها الخروج وذلك عند الحاجة أو الضرورة، ولنذكر بعض الحالات التي تدعو إلى خروج المرأة:

 أ- الخروج لقضاء حاجاتها، ففي صحيح البخاري عن عائشة رضي الله عنها قالت: "خرجت سودة بنت زمعة ليلاً فرآها عمر فعرفها فقال: إنك والله يا سودة ما تخفين علينا، فرجعت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له، وهو في حجرتي يتعشى وإن في يده لعرقاً، فأنزل عليه فرفع عنه وهو يقول: " قد أذن لكن أن تخرجن لحوائجكن".

ب- حضور صلاة الجماعة في المسجد كما مضى.

ج- الخروج يوم العيد إلى المصلى كما ثبت في الصحيحين من حديث أم عطية رضي الله عنها قالت: "أمرنا أن نخرج العواتق، وذوات الخدور" وفي رواية من حديث حفصة في صحيح البخاري: "ويعتزلن الحيض المصلى".

د- الخروج للجهاد: وخروجها للجهاد قد يكون مندوباً، وقد يكون مباحاً، وقد يكون واجباً على حسب اختلاف الحاجة والضرورة، وعمل المرأة في الحرب يختلف أيضاً باختلاف حالات الحرب، فتارة تقرب الماء للمقاتلين، أو تخيط قربة أو نحوها كما في صحيح البخاري أن عمر رضي الله عنه قسم مروطاً بين نساء أهل المدينة فبقي منها مرط جيد فقال له بعض من عندها: "يا أمير المؤمنين أعط هذا بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم التي عندك"- يريدون أم كلثوم بنت علي، فقال عمر: "أم سليط أحق به، وأم سليط من نساء الأنصار ممن بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم"، قال عمر: "فإنها كانت تزفر لنا القرب يوم أحد"، وفي الصحيحين من حديث أنس رضي الله عنه، قال: "لما كان يوم أحد انهزم الناس عن النبي صلى الله عليه وسلم ولقد رأيت عائشة بنت أبي بكر وأم سليم وإنهما لمشمرتان أرى خدم سوقهما، تنقزان القرب"، وقال غيره: "تنقلان القرب على متونهما ثم تفرغانه في أفواه القوم ثم ترجعان فتملآنها، ثم تجيئان فتفرغانها في أفواه القوم".

وتارة تداوي الجرحى وتنقل القتلى إلى موضع آخر كما في صحيح البخاري أيضاً من حديث الربيع بنت معوذ رضي الله عنها، قالت: "كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم نسقي ونداوي الجرحى ونرد القتلى إلى النبي". وعن سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه قال: "لما كسرت على رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم البيضة وأدمى وجهه وكسرت رباعيته وكان علي يختلف بالماء في المجن، وجاءت فاطمة تغسل عن وجهه الدم فلما رأت فاطمة عليها السلام الدم يزيد على الماء كثرة عمدت إلى حصير فأحرقتها وألصقتها على جرح رسول الله صلى الله عليه وسلم فرقأ الدم".

وتارة تحمل السلاح لتدافع عن نفسها، إذا تعرض لها أحد من المشركين كما في صحيح مسلم من حديث أنس رضي الله عنه: "أن أم سليم اتخذت يوم حنين خنجراً، فكان معها فرآها أبو طلحة فقال: يا رسول الله هذه أم سليم معها خنجر فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما هذا الخنجر" ؟ قالت: اتخذته إن دنا مني أحد من المشركين بقرت بطنه، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يضحك". الحديث.

وإنما نقلت هذه الأحاديث في هذا المقام لأبين للجاهلين بنصوص الشريعة والناقمين على الإسلام بسبب أمره المرأة بالبقاء في البيت، إن الإسلام دين حكمة يضع الأمور في مواضعها فهو يأمر المرأة بالقرار في البيت وعدم الخروج لغير حاجة، فإذا جاء وقت الحاجة أباح لها أن تخرج، وإذا جاء وقت الضرورة أوجب عليها الخروج وجعلها تعمل في أحرج المواقف وأشدها خطراً، وهي أوقات الحروب وأعمال المرأة فيها تختلف باختلاف الأحوال كما تقدم فهي تسقي تارة، وتداوي أخرى، وتنقل الموتى ثالثة، وتحمل السلاح رابعة لتدافع عن نفسها فالإسلام في سلبه وإيجابه حكيم عادل، بخلاف ما يدعو إليه دعاة الضلال فإنهم يدعون المرأة لتخرج إلى أماكن اللهو والفجور، وإلى الأماكن الأخرى التي لا حاجة لخروج المرأة إليها إذ يكفي فيها الرجال كالمصانع والمكاتب ونحوها.

8- مساعدة زوجها في تربية أولاده من غيرها، وينبغي أن تساعد الزوجة زوجها في تربية أولاده من غيرها وإخوانه الصغار تخفيفاً عنه وتسهيلاً لمهمته التي تقتضي منه العمل خارج البيت كما في حديث جابر، قال: "هلك أبي وترك سبع بنات أو تسع بنات فتزوجت امرأة ثيباً فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تزوجت يا جابر؟  فقلت: نعم، فقال: بكراً أم ثيباً؟ قلت: بل ثيباً، قال: فهلا جارية تلاعبها وتلاعبك وتضاحكها وتضاحكك؟ قال: فقلت له: إن عبد الله هلك وترك بنات، وإني كرهت أن أجئهن بمثلهن، فتزوجت امرأة تقوم عليهن وتصلحهن، فقال: بارك الله  أو  خيراً ".

9- الخدمة في بيت الزوج، وينبغي للمرأة أن تقوم بالخدمة في بيت زوجها وتصبر على ما قد تعانيه من تعب ومشقة عن علي رضي الله عنه: "أن فاطمة عليها السلام أتت النبي صلى الله عليه وسلم تشكو إليه ما تلقى في يدها من الرحى وبلغها أنه جاءه رقيق، فلم تصادفه فذكرت ذلك لعائشة، فلما جاء أخبرته عائشة، قال فجاءنا وقد أخذنا مضاجعنا نقوم فقال:" ألا أدلكما على خير مما سألتما إذا أخذتم مضاجعكما أو أويتما فراشكما فسبحا ثلاثاً وثلاثين واحمدا ثلاثاً وثلاثين وكبرا أربعاً وثلاثين فهو خير لكما من خادم"، وهذا الحديث وما قبله في صحيح البخاري. قلت وفي بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم التي خرجت يدها مما تزاول من أعمال بيتها أسوة حسنة لزوجات المؤمنين وقد كان نساء النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهن من نساء الصحابة يخدمن أزواجهن في بيوتهن وخارج بيوتهن إذا دعت الحاجة ولا خير في المشاحة بين الزوجة وزوجها في الخدمة في البيت والخير في تعاونهما جميعاً والله تعالى يأمر المؤمنين بالتعاون وهو بين الزوجين آكد من غيرهما.

10- عدم تمكينها أجنبياً يخلو بها.. ولا يجوز للمرأة أن تتساهل في خلوة أي أجنبي بها - ولا سيما أقارب الزوج وأقاربها - الذين ليسوا بمحارم فقد حذر رسول الله صلى الله عليه وسلم من الخلوة بالمرأة بصفة عامة وحذر من الأقارب المذكورين بصفة خاصة كما في الصحيحين عن عقبة بن عامر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إياكم والدخول على النساء, فقال رجل من الأنصار: يا رسول الله أفرأيت الحمو، قال: الحمو الموت".

11- مواساة الزوج والعمل على إدخال السرور عليه. وينبغي للزوجة أن تواسي زوجها وتعمل الأسباب التي تدخل عليه السرور، وتزيل عنه الغم، وتهدئه في حال الغضب بالأساليب المناسبة كما فعلت خديجة رضي الله عنها، مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، عندما رجع خائفاً أول ما أوحي إليه وقال: "لقد خشيت على نفسي"، فقالت له: "كلا والله ،ما يخزيك الله أبداً، إنك لتصل الرحم وتحمل الكل وتكسب المعدوم وتقري الضيف وتعين على نوائب الحق" الحديث, وهو في الصحيحين وغيرهما، والرجل في حاجة إلى مواساة المرأة وتسكينها إياه، في حالات الغضب أو نزول حوادث محزنة، كموت ولد وفقد مال وأشباه ذلك.

ولقد ضربت زوجة أبي طلحة رضي الله عنهما أعلى مثل في هذا الموضوع كما في الصحيحين عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: "اشتكى ابن لأبي طلحة قال فمات وأبو طلحة خارج فلما رأت امرأته أنه قد مات هيأت شيئاً ونحته في جانب من البيت فلما جاء أبو طلحة قال: كيف الغلام؟ قالت: قد هدأت نفسه، وأرجو أن يكون قد استراح، وظن أبو طلحة أنها صادقة قال: فبات فلما أصبح اغتسل فلما أراد أن يخرج أعلمته أنه قد مات فصلى مع النبي صلى الله عليه وسلم، ثم أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بما كان منها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لعل الله أن يبارك لكما في ليلتكما".

12- معاشرة زوجها معاشرة حسنة.. ويجب على المرأة أن تعاشر زوجها معاشرة حسنة فتبتسم في وجهه حين ما ترى أن الابتسامة مناسبة، وتتجمل له وتظهر أمامه بالمظهر الذي يعجبه، وتكسر المرأة ورقة صوتها وإظهار محاسنها لزوجها والعمل على الأسباب والدواعي التي تجذبه إليها وترغبه في ملاعبتها ومضاحكتها وغير ذلك أمر مطلوب ولا ينبغي أن تظهر أمامه بمظهر كريه كأن تلبس ملابس سيئة المنظر أو تقترب منه، وبها روائح غير مناسبة من آثار الطبخ وغيره، فإن ذلك يحدث في نفس الزوج عقدة نفسية قد يعقبها بغض شديد للمرأة، لا سيما إذا داومت على تلك الحالة البغيضة لديه، وكثير من النساء لا تعتني بمظهرها أمام زوجها لا في ملبسها ولا في نظافتها ولا في إظهار أنوثتها، وتعكس ذلك إذا خرجت زائرة بعض صديقاتها، تراها تعتني بتنظيف نفسها ولبس أجمل ثيابها، ولا تنس أن تكتحل وربما أخذت شيئاً من الطيب ولبست الحلي وخرجت من البيت بعيدة عن عيني زوجها كأنها في ليلة عرسها، وهذا الفعل يعتبر من أقبح الأفعال وأشنع الصفات التي تصدر من الزوجة مع زوجها فإنه أحق بتجملها وتنظفها وتطيبها واكتحالها وغير ذلك وهي أحوج إلى ذلك أمامه من الخروج به إلى خارج بيته، وامرأة تفعل مثل هذا الفعل الشنيع جديرة أن تعيش حياة نكدة وتجلب على نفسها وعلى زوجها البلاء والشقاء إذا ما صبر عليها وأبقاها زوجة له والغالب أن مثلها لا تبقى مع الزوج إلاّ إذا كان مضطراً اضطراراً يلجئه إلى بقائها فإنه يبقى معها أتعس من سجين طال سجنه وإذا كانت المرأة مع ما تقدم كثيرة الثرثرة، سليطة اللسان سبابة لزوجها، ملحة عليه في طلب ما ليس عنده فقد جمعت عليه ظلمات بعضها فوق بعض وطوام بعضها أعظم من بعض تدعو جيران الزوج وأصدقائه أن يعزوه كل يوم وامرأة هذه صفاتها جديرة بنبذها مهما كانت الظروف في ما أرى. والرجل وإن كان مأموراً بالصبر عليها فإن للصبر حدوداً، وما كل الناس في وسعهم الصبر على مثل هذه المرأة.

13- مراعاة أحواله في الفرح والحزن، وينبغي للمرأة أن تتجاوب مع زوجها فتفرح لفرحه، وتحزن لحزنه فإن ذلك من حقه عليها، من ناحية الإسلام من جهة، ومن ناحية زوجية من جهة أخرى، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى"، حتى يشعر الزوج بأنها تتعاون معه يسرها ما يسره من خير، ويحزنها ما يحزنه من شر.

ولا ينبغي أن تظهر أمامه بمظهر السرور والفرح إذا كان حزيناً، كما ينبغي أن تكظم حزنها إذا رأته مسروراً فإن ذلك أدعى إلى الألفة ودوامها بين الزوجين.

14- ملاحظة أوقات نومه وأكله ونحوهما، وينبغي أن ترعاه في نفسه وفي كل الأمور المتعلقة به فتلاحظ أوقات أكله التي ألف الأكل فيها ولا تؤخر طعامه عنها لأن ذلك قد يؤثر عليه، ويكون من أسباب غضبه عليها لا سيما إذا تكرر منها، كما ينبغي أن تجيد له الطبخ وأن تكون عندها خبرة بأنواع منه حتى تنوع له الطعام لئلا يسأم من نوع واحد وينبغي أن تلاحظ أوقات نومه فتحاول تهدئة الأطفال من الصخب وإبعادهم عن غرفة نومه، ليأخذ راحته الكافية فإنه قد يكون متعباً وليس عنه وقت ينام فيه غير ذلك الوقت لكثرة أعماله خارج البيت، وإذا لم تساعده بذلك فإنه لا يأخذ راحته، وذلك من أسباب البغض والغضب أيضاً، وينبغي أن تلاحظ ملابسه غسلاً وكياً وخياطة، ليظهر بمظهره اللائق به بين أترابه وينبغي أن تعتني به أيضاً، في الأوقات التي تعرف أنه يرغب مجيئها  إليه فيها، فتحاول أن تنيم أطفالها قبل ذلك الموعد، أو تعطيهم ما يلهيهم من الألعاب وتمرنهم على البعد عن المكان الذي يريدها فيه، فإن ذلك من أسباب الراحة والمودة بين الزوجين.

15- إظهار أولادها بالمظهر الجميل، وينبغي أن تظهر أولادها دائماً أمام زوجها بمظهر جميل من تنظيف لثيابهم وأجسامهم، فإن ذلك يجلب الراحة للأب، ويدعوه إلى الاقتراب بين أولاده وتقبيلهم ومداعبتهم، بخلاف إذا ظهروا بمظهر سيء مقطعة ثيابهم متسخة أجسادهم كريهة رائحتهم فإنه - وإن كانوا أبناءه وهو يحبهم - تتقزز نفسه منهم لما يرى عليهم من الآثار السيئة.

وفي هذا المقام أحب أن أنقل وصية جامعة لبعض الخصال الجميلة التي ينبغي أن تتصف بها المرأة مع زوجها لامرأة جاهلية هي أمامه بنت الحارث[1] لبنتها، وفيها تقول: "أي بنية إنك فارقت الحواء الذي منه خرجت، والوكر الذي منه درجت إلى وكر لم تعرفيه، وقرين لم تألفيه فأصبح بملكه عليك ملكاً، فكوني له أمة يكن لك عبداً واحفظي عنى خلالاً عشراً تكن لك دركاً وذكراً.

فأما الأولى والثانية: فالمعاشرة له بالقناعة وحسن السمع له والطاعة، فإن في القناعة راحة القلب، وحسن السمع والطاعة رأفة الرب.

وأما الثالثة والرابعة: فلا تقع عيناه منك على قبيح، ولا يشم أنفه منك إلاّ طيب ريح، واعلمي أي بنية أن الماء أطيب الطيب المفقود، وأن الكحل أحسن الحسن الموجود.

وأما الخامسة والسادسة: فالتعهد لوقت طعامه، والهدوء عند منامه، فإن حرارة الجوع ملهبة، وتنغيص النوم مغضبة.  

وأما السابعة والثامنة: فالاحتفاظ بماله، والرعاية على حشمه وعياله، فإن الاحتفاظ بالمال من حسن التقدير والرعاية على الحشم من حسن التدبير .

وأما التاسعة والعاشرة: فلا تفشي له سراً، ولا تعصي له أمراً، فإن أفشيت سره لم تأمني غدره، وإن عصيت أمره أوغرت صدره، واتقي الفرح لديه إن كان ترحاً، والاكتئاب عنده إذا كان فرحاً، فإن الأولى من التقصير، والثانية من التكدير، واعلمي أنك لن تصلي إلى ذلك منه، حتى تؤثري هواه على هواك، ورضاه على رضاك، فيما أحببت وكرهت، والله يخير لك ويصنع لك برحمته".

العناية بالبيت

وينبغي أن تعتني الزوجة ببيتها عناية تظهره بالمنظر اللائق، الذي يبهج الناظر ويريح الزوج وكل أهل البيت وذلك أن تسلك الطرق التالية:

 أ- أن تعتني بتنظيف جميع حجر البيت، حجر النوم والاستقبال والطبخ والطعام وبيت الماء وغيره، تنظيفاً يشمل قاعات الحجر، وجدرانها وما بها من موائد وصناديق وشبهها.

ب- أن ترتب الأثاث الموجود في البيت ترتيباً منظماً بحيث لا يكون مبعثراً هنا وهناك والأواني مفرقة في جميع أنحاء البيت فإن ذلك يحدث منظراً قبيحاً في البيت ويتسبب تلف الأثاث وكسر الأواني وفقدانها وعدم العثور على ما يطلب منها عند الحاجة، ويتسبب على ترتيبها حفظها وإظهار البيت بمظهر جميل وسهولة العثور على ما يطلب.

ج- أن تعتني بإبادة الذباب والحشرات والبعوض، بالمبيدات المتيسرة لأن ترك هذه الأشياء يسبب أضراراً كثيرة، منها أذى أهل البيت كلهم، ومنها وقوعها في آنية الأكل والشرب، وكثير من الناس يعاف الأكل والشراب الذي تقع فيه هذه الحشرات، ومنها نقل الأمراض من شخص إلى آخر، وإبادتها تجعل البيت هادئاً، والطعام والشراب مأموناً والنوم راحة.

د- وينبغي أن تولي حجرة نوم زوجها عناية خاصة، من النظافة والترتيب كتغيير الهواء وتنظيف البساط والغطاء وتزويدها ببعض الروائح الطيبة، كالعود والعطر، حتى إذا ما أقبل متعباً يرتاح بدخوله تلك الحجرة.

هـ- وإذا كان في البيت سعة فينبغي أن تعتني بغرس بعض الأشجار، أو زرع بعض الخضر وات وتتعهدها بالسقي والحفظ، ولا سيما الأشجار ذات الروائح الطيبة، والزهور الجميلة، كالريحان والخزامي والورد وما شابهها لينعم أهل البيت بالنظر إليها والتمتع بروائحها.

وأنا حينما أكتب في هذا الموضوع وأشباهه لا أدّعي الخبرة به ولكني أرى أن هذه الأمور من البديهيات وما دامت المرأة مسئولة عن بيتها - وهو مملكتها - الصغيرة فينبغي أن تقوم بمسئولياتها خير قيام فيه وهذه الأمور لا شك في نفعها وكل نافع فالمسلم مأمور بالحرص على تحقيقه كما قال صلى الله عليه وسلم: "أحرص على مل ينفعك واستعن بالله" الحديث.

 

 

 



[1] زوجة عوف بن محكم الشيباني، وهذه الوصية أوصت بها ابنة لها تزوجها الحارث بن عمرو ملك كندة