طباعة

 توثيق النص

 

 

 

 

حماية المرأة المسلمة من موجات التحلل الخلقي

للشيخ: محمد المهدي محمود

المدرس بدار الحديث التابعة للجامعة
 

 

جاء الإسلام يرسم الطريق الواضح لسعادة الإنسانية في الدنيا والآخرة، وبين القرآن الكريم الطريق إلى ذلك خير بيان، وسعدت الإنسانية ببعثه هادي البشرية، ومنقذها من الشرك والضلال والظلام، وهاديها إلى النور والسعادة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.

قال تعالى: {وما أرسلناك إلاّ رحمة للعالمين} فكانت رسالة السراج المنير صلى الله عليه وسلم رحمة عامة شاملة مباركة، رحمة في الدنيا والآخرة، رحمة في العقيدة والتشريع والأخلاق، والنظام العام في الأسرة والمجتمع و الشعوب، رحمة للفرد والجماعة. إنها رسالة الأخلاق السامية العالية التي تسعد الدنيا بأجمعها، روى مالك في الموطأ بلاغاً أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق" رواه أحمد عن أبي هريرة بسند حسن.

فسعدت البشرية التائهة في بيداء الظلم والضلال، واهتدت بنور خالق الأرض والسماء بنور التنزيل السماوي، وهدي البشير النذير صلى الله عليه وسلم، وكان من تلك الهداية الربانية هداية القرآن في آداب المرأة وسلوكها، ورسالتها في الحياة السعيدة الهانئة.

إن الله تباركت أسماؤه وجلت آلاؤه وعظمت نعمته اختار أن تكون المرأة سكناً للرجل، ومكملة لسعادته ومساعدة له على أداء عمله والقيام بواجبه في الحياة، وآداب الإسلام بصفة عامة يظهر منها بوضوح وجلاء أن للمرأة رسالة هامة في ثلاث ميادين من أخطر العوامل في حياة المجتمع واستقراره، وسعادته وتتجلى هذه الميادين الهامة في النواحي الآتية:

 

أولاً: رسالة المرأة بالنسبة لزوجها.

ثانياً: رسالة المرأة بالنسبة لبيتها.

ثالثاً: رسالة المرأة بالنسبة لطفلها.

فأما رسالة المرأة بالنسبة لزوجها فإن كتاب الله سبحانه وتعالى الذي هو نور الله لأهل الدنيا -عبر عن ذلك أجمل تعبير وأكمله راسماً الحياة السعيدة الهانئة فقال تبارك وتعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} سورة الروم.

فالله جل شأنه جعل المرأة سكناً وأمناً وطمأنينة للرجل، وإن موقف السيدة خديجة من رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلى مثل للمحبة الزوجية المثمرة. أعلى مثل للمودة والرحمة التي هي من صنع الله الحكيم على أن سيرة أمهات المؤمنين وكرائم المؤمنات في صدر الإسلام صورة مثالية لما ينبغي أن تكون عليه الزوجة المؤمنة النقية من بر بزوجها وطاعة له وعطف عليه ومحبة له، وإزاء ذلك أوصى الإسلام بالمرأة كثيراً في الآداب الإسلامية عامة، فالرسول صلى الله عليه وسلم يقول: "خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي" .

وأما رسالة المرأة في البيت فالمنزل هو عش السعادة والمرأة هي التي ترعاه بعطفها وحنانها تصيّره جنة وارفة الظلال طيبة الثمار دانية القطاف، تجعله جنّة من جنات الدنيا إن المنزل مهد راحة زوجها وعش أطفالها فيه قوام الحياة من مأكل وملبس ومأوى، وأن اليد الحانية التي تمتد إلى كل تلك النواحي في رفق ومحبة، وطهر وإخلاص، وصفاء وعطف. فتعد من المأكل ما لذ وطاب، ومن الملبس ما حسن وكمل، تجعله مهد راحة وأنس لزوجها وبذلك ترفرف السعادة على الأسرة وتصبح الأسرة نواة لمجتمع سعيد يؤدي كل فرد فيه واجبه على أتم ما يكون.

أما رسالة المرأة مع أطفالها: فأطفال اليوم هم شباب المستقبل، هم رجال الغد، وأن السيدة الفاضلة الحكيمة العاقلة المهذبة الرشيدة. هي التي ترعى أولادها تنشئهم على الفضيلة ومكارم الأخلاق، وتربيهم على الصفات الحسنة الطيبة الجميلة تغرس فيهم معاني البطولة بما تقصه عليهم من قصص الأنبياء والرسل، وأهل الحكمة الإسلامية، وعظماء التاريخ وأبطال الإسلام.

إن السيدة التي جعلت من المنزل داراً للحكمة ومدرسة للتفقه في كتاب الله وهدي الصادق الأمين صلى الله عليه وسلم وسير السلف الصالح المبارك. إنما تجعل من منزلها مركز إشعاع يوجه الخير للمجتمع بما تخرجه من أفراد ممتازين علماً وخلقاً، ويصبح المنزل متعاوناً مع المدرسة، فتعاليم المدرسة متممة لبناء المنزل وتربية المنزل مكملة لرسالة المدرسة.

لقد نشأت النساء في صدر الإسلام على حب العلم والتفقه في الدين فأورثهنّ ذلك أمهات الفضائل فأصبحن خير الزوجات وخير الأمهات بل إنهن منارات في البيوت الإسلامية حليتهم مكارم الأخلاق من الحياء والعفاف والجود والكرم والحلم والعلم يصونهن الحجاب الذي بني على تقوى الله، ورسمه القرآن الكريم في آيات بينات معجزات أظهرت الأيام عظمة أسرارها في سعادة الفرد والأسرة والمجتمع.

قال الحكيم العليم: {وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً، وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفاً خَبِيراً} الآيات من سورة الأحزاب 32- 33، وهكذا يختار الله هذا المسلك الطاهر لأمهات المؤمنين وهي قدوة لبقية المؤمنات.

وأمام هذه الرسالة رسالة المرأة المباركة أمام رسالة المرأة الخطيرة التي تتناسب مع طبيعتها وتكوينها، مع غريزتها وعواطفها، مع ميولها ووجدانها مع أنوثتها وأمومتها، مع فطرتها التي فطرها الله عليها. أمام هذه الرسالة العظيمة التي عبر عنها الشاعر بقوله:

و الأم مدرسة إذا أعددتها

أعددت شعباً طيب الأعراق

أمام هذه الرسالة يتضح جلياً أن أي انحراف للمرأة عن أداء رسالتها وأي شاغل يعوقها عن عملها الطبيعي الذي يتفق مع فطرتها وطبيعتها وتكوينها هو جناية كبرى:

 أ - جناية على الحياة الزوجية الهادئة الآمنة.

ب - جناية على البيت السعيد.

ج - جناية على الأطفال شباب لمستقبل ورجال الغد.

د - جناية كبرى على الأسرة والمجتمع والشعوب فتفقد الحياة الزوجية سعادتها!!‍‍ ويحرم البيت من الهدوء والاستقرار.. ويتربى الأطفال في أحضان الخدم..

وتتفرق الأسرة وتحل الكوارث الهدامة بالمجتمع لأنه مجتمع مفكك غير مترابط بعد أن فقد مقومات السعادة الحقة..

وما نراه اليوم من تمرد المرأة على أداء رسالتها التي فطرها الله عليها. والتي تتناسب مع طبيعتها وتكوينها إنما هو تقليد أعمى للمدنية الغربية أن المرأة تتنكر لرسالتها وتحاول أن تهرب من سياج عزها ومجدها وكرامتها تحاول أن تفر إلى تقاليد الغرب التي جعلت من المرأة سلعة للجمال الرخيص المدنس.

لقد أصبحت المرأة في بعض بلاد الكفار حية رقطاء وفي إغرائها وإغوائها ولسعها التردي إلى مهاوي الردى والفساد والسم المهلك القتال.

وفي هذه الأيام العصيبة تهب على بعض البلاد العربية والإسلامية موجات من التحلل الخلقي الجامح العنيف جرفت الشباب وجرفت المرأة فأخرجت المرأة من تاج عزها وشرفها وكرامتها إلى مهاوي السفور الجامح العنيف، لقد ذهبت المرأة جادة في المسير وراء التقليد الماجن الخليع الفاجر تقليد الأجنبيات اللاتي خلعن حجاب الشرف والحياة والفضيلة، لقد أصبحت المرأة أسيرة لأحدث الأزياء الواردة من البيوت العالمية التي تشرف عليها الصهيونية الطاغية الباغية وتجعلها مراكز لهدم التقاليد العربية الأصيلة والآداب الإسلامية المباركة التي عز بها المسلمون وسادوا.

إن المرأة ترى في تلك الأزياء عنوان الحضارة والتقدم والرقي هكذا يكون منطق المرأة فتصبح ضحية لهذا الغزو العنيف المروع، وهان على المرأة أن تخلع ثوب الشرف والحياة والفضيلة. ثوب عزها ومجدها وفخرها!! ‍‍

وسارت المرأة في الشارع عارية الصدر والساقين والذراعين ولم تكتف أخيراً بهذا الحد فعرضت بعض فخذيها للعرى وبالغت في خلع حجاب الحياء والشرف والفضيلة فرفعت الثياب إلى منتصف فخذيها إرضاء لأحدث الأزياء الواردة من الدول المتحللة وشاع بما يسمى: (بمودة الميني جيب) و(الميكرو جيب) هذه الأزياء الميكروبية السامة.شاعت في الوسط النسائي وتهافتت المرأة الحمقاء الطائشة على ارتداء تلك الأزياء تهافت الذباب على الجيف المتنة فخرجت المرأة إلى الشارع وقد تجردت عن الحياء وأبرزت مفاتن جسدها ومحاسن أنوثتها فأرخصت لحمها وأضاعت كرامتها وفقدت عزها ولوثت شرفها سارت المرأة في الشارع تعرض الفتنة في أحسن صورها وتعرض شرفها للانهيار. تجملت وتزينت للشوارع المزدحمة بذئاب الإنسانية بالشباب المتسكع المتهور الخليع الفاجر فراحت تنشر الرذيلة وتغري المجتمع بالخطيئة.

أصبحت الشوارع معرضاً لأجساد الخليعات من النساء الفاجرات وعمت مظاهر الصراع الجنسي المتعطش للخنا والفسق والإثم وأصبح هذا التيار الهدام يسري في المجتمع سريان النار في الهشيم يحطم الأفراد بانصرافهم عن معالي الأمور وتحمل المسئوليات إلى السير وراء الشهوات إرضاء للغرائز الجامحة-ويهدم الأسرة بتحللها من الروابط المقدسة والتقاليد الموروثة التي تصونها من الانهيار وهكذا تتفشى عوامل الهدم في المجتمع من جراء السير وراء التقاليد الأجنبية الإباحية بارتداء تلك الأزياء (أحدث المودات) الواردة من بيوت الأزياء العالمية من هوليود ولندن وباريس وموسكو والتي يديرها كبار الممولين من اليهود الصهاينة وهكذا تصدر الصهيونية العالمية للعالم العربي تلك السموم الفتاكة التي تحطم الشباب وتقوض كيان الأسرة وتهدم بنيان المجتمع.

ومما يزيد النار  اشتعالاً ويساعد على انتشار هذا الميكروب الخبيث بعض المناظر السينمائية والتلفزيونية التي تعرض مناظر للسيدات في صور مزرية وتلك الأغاني الخليعة التي ترسلها الإذاعات ليلاً ونهاراً وهذه الصحافة الفاجرة الماجنة، وتلك الأفلام الهدامة المتخلفة من آثار المدرسة الاستعمارية التي تهدف إلى تحطيم مقدسات الإسلام بالسم التقدم والحضارة والرقي.

لقد بلغت المسألة حداً لا يستهان به وتفاقم خطرها وزاد شررها وارتفع لهيبها فأصبح واجباً على ولاة أمور المسلمين أن يبادروا إلى إطفاء تلك الفتنة ووضع حد لتلك المأساة الدامية وإنهاء هذه الفوضى الخلقية لماذا تظل المرأة العربية مستعبدة لتلك الأزياء الواردة من الدول المتحللة.

لماذا لا يكون للمرأة زي تفتخر به وتعتز به استوحت تصميمه من مبادئها وتقاليدها يصون للمرأة شرفها ويحفظ لها كرامتها ؟

لماذا تظل تابعة لبيوت الأزياء الصهيونية والشيوعية ذات الهدف التحللي الهدام .. الله أكبر ولا حول ولا قوة إلاّ بالله العلي العظيم..

أ إلى هذا الحد يا صاحبة الشرف والحياء والعفاف!!

أ إلى تلك الهاوية يا ربيبة العروبة والإسلام..

أ إلى هذا المصير تكون نهاية المطاف للمناداة بحرية المرأة الزائفة المنحرفة الحمقاء..

أما بعد: فلقد بحت أصوات العلماء وكلت أقلام المصلحين ولم يبق إلاّ جولة المسئولين الذين استرعاهم الله أمانة صيانة الناس عن مهاوي الردى والهلاك - أين ولاة الأمور الذين يعلمون أن رعاية الأمم أمانة هم مسئولون عنها أمام الخالق جل وعلا - وأن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن.

يا ولاة أمور المسلمين صونوا أعراض المسلمين صان الله وجوهكم عن حر النار يوم لقاء الله ولا مفر من لقاء الله أحكم الحاكمين فالنجاة النجاة.

أناشدكم الله أيها العلماء الأبرار أن تجهروا بكلمة الحق وترشدوا ولاة الأمور ولا تخشوا في الله لومة لائم.

أناشدكم الله أيها العلماء أيها القادة، أيها الكتاب المصلحون أن تغضبوا لله غضبة إسلامية وأن تعلنوها صيحة مدوية مجلجلة تعيد الحق إلى نصابه ولنجتهد في قوة وحزم وإيمان في محاربة هذا المرض الخطير والمنكر الفاضح والشر المستطير نحاربه من فوق المنابر وفي الصحف وفي الإذاعات وجميع أجهزة الإعلام، نحاربه في المساجد والمدارس والمجتمعات حتى نرى مظاهر الإسلام وآدابه المباركة تعود للأسرة المسلمة والمجتمع المسلم- مظاهر الشرف والحياء والحشمة والفضيلة.

مظاهر العفاف والوفاء والآداب الإسلامية عامة وبذلك يسعد الشباب ويستقر المنزل وتهنأ الأسرة ويسعد المجتمع الإسلامي العظيم ويسود لأنه رجع إلى عوامل النصر والسيادة والقوة: {إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ}, {وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ}.