طباعة

 توثيق النص

 

 

موسوعات الفقه الإسلامي أو معاجم القوانين الفقهية

لفضيلة السيد محمد المنتصر الكتاني

المستشار العام لرابطة العالم الإسلامي

والمدرس في الجامعة الإسلامية سابقا

تقنين الفقه بجميع مذاهبه منذ عصر الصحابة إلى عصر تجميد الاجتهاد، أي القرون الخمسة الأولى، قرون الخير والنور وإمامة العلوم وسيادة المسلمين للعالم، تقنين الفقه صناعة عربية إسلامية عنَّا أخذها الأجانب وكان الأندلسيون هم رواد المسلمين والعالم فيها.

فأبو محمد ابن حزم الأندلسي إمام فقه الحديث، وقد عاش ما بين عام (384) وعام (456) هو الرائد الأول لتقنين الفقه، فقد وضع كتابا يعتبر أول موسوعة فقهية جامعة وأول معجم شامل لجميع مذاهب الفقه وهو: كتاب الخصال الجامعة لجمل شرائع الإسلام في الواجب والحلال والحرام وسائر الأحكام على ما أوجبه القرآن والسنة والإجماع. قال عنه مؤلفه ابن حزم في المحلي: "قد جمعنا فيه كل ما روي من نصوص القرآن والسنة والإجماع، منذ أربعمائة عام ونيف وأربعين عاما من شرق الأرض إلى غربها".

وقال عنه تلميذه الحافظ الحميدي في جذوة المقتبس: "أورد فيه أقوال الصحابة والتابعين ومن بعدهم من أئمة المسلمين في مسائل الفقه والحجة لكل طائفة وعليها والأحاديث الواردة في الصحيح والسقيم بالأسانيد وبيان ذلك كله وتحقيق القول فيه".

وذكر معاصر ابن حزم الحكيم صاعد الأندلسي في كتابه أخبار الحكماء أنه رأى كتاب الإيصال في أربعة وعشرين مجلدا بخط مؤلفه ابن حزم قال: "وكان خطه في غاية الإدماج". يريد بالإدماج الخط الدقيق المرصوص، الذي لو كتب بخط أوسع لأخذ مسافة أكبر ولبلغ مجلدات أكثر.

وقال الحافظ الذهبي في سير النبلاء: "كتاب الإيصال في خمسة وعشرين ورقة".

ويعتبر هذا الكتاب ضائعا بين ما ضاع من كنوز وتراث الفردوس المفقود: الأندلس.

ولكن إذا ضاع الإيصال فقد بقيت لنا صورة مصغرة عنه وهو مختصره لابن حزم المؤلف نفسه وأعني به: كتابه المحلي وقد طبع ثلاث مرات.

فالمحلي مختصر الإيصال في أحد عشر مجلدا مات ابن حزم وهو يؤلفه وقد وصل فيه إلى ثنايا المجلد العاشر فأتمه ولده الشهيد الفضل أبو رافع أمير ولاية مالقة الأندلسية أتم العاشر وكتب المجلد الحادي عشر والأخير منه، اختصر من الأصل الجامع كتاب أبيه الإيصال.

وبمعرفتنا للمحلي عرفنا الإيصال فالمحلي دون مواد قانونية باسم مسائل يبلغ عددها (2308) مسألة منها ما هو في عشر صفحات وفي عشرين، وفي ثلاثين، وفي أكثر من ثلاثين، وهي مواد مستقلة أشبه برسائل محررة مستقلة في بابها، وصفحاتها (4388) صفحة.

والإيصال في خمسة وعشرين ألف ورقة كما قال الحافظ الذهبي: أي خمسون ألف صفحة، ومعنى هذا أن  المحلي اختصر فيه الإيصال إلى أقل من عشره، ومعنى هذا أيضا أن مسائل الإيصال تبلغ (23080) مسألة وإذا كان المحلي وهو المختصر للإيصال قد طبع في أحد عشر مجلدا فمعنى ذلك أن الإيصال إذا عثر عليه وطبع يخرج في أكثر من مائة مجلد بعدة مجلدات.

والرائد الثاني لتقنين الفقه الشهيد أبو القاسم بن جزي الأندلسي الإمام المالكي، وقد عاش بين عام (693) وعام (741) فقد وضع كتابا - طبع أكثر من مرة - في فقه أئمة المذاهب الأربعة أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد وسماه: "القوانين الفقهية".

والعودة إلى تقنين الفقه مسألة مسألة كما دون في العصر الخامس، ومادة مادة كما دون في القرن الثامن، هي عودة ضرورية ملحة، توجبها العقيدة والتزام الثبات عليها ويوجبها العلم والتزم الدعوة إليه.

توجبها العقيدة والتزام الثبات عليها: نحن اليوم نعيش في غزو فكري، الغزاة فيه وحوش ضارية، هم أشد ضراوة من الغزاة العسكريين، فهؤلاء استهدفوا الأرض قرونا أو قرنا وبعض قرن وفي النهاية طردوا منها أشلاء صاغرين وقامت على تلك الأرض دول إسلامية تشهد بشهادة التوحيد وتستقبل كعبة المسلمين، أما غزاة الفكر فقد استهدفوا المسلم نفسه لا أرضه فقط، فغزوا مخه وقلبه وعشعشوا فيهما وعنكبوا، باض فيهما وفرخ سرطان تمكن من عقيدة الإسلام وفقه المسلمين، فحوَّلهما إلى عقيدة الكفر وفقه الشياطين.

حررت أرض المسلمين من الغزو العسكري، وقامت جيوش وحكومات إسلامية مكان ذلك الغزو، ولكنها بألسنة عربية وقلوب أعجمية كما أنذر نبينا صلوات الله وسلامه عليه.

فقد تكهن شيطان من شياطين الغزو العسكري، وقد فشل في غزوه وهلك شريدا طريدا بأن فتوحاته ستعود ما انتشر قانونه ودام فقهه، وأعني به نابليون، فقد تكهن قائلا: "ستمتد فتوحاتي حيث يصل قانوني".

{وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلا فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ}. وهذا الفريق على قلَّته بين المسلمين، قد أخذ إبليس بقانونه النابليوني ينتقص من أطراف فقهه، في مؤسسات وشركات وأنظمة.

أما العالم الإسلامي في أكثره فقانون نابليون بكفره وظلمه وكثرة فسوقه قد غزاه وحكمه حكومات وشعوبا ولا تزال كليات الحقوق في جامعاتهم تجمع لإبليس طلابا وتخرِّج له أساتذة ودكاترة، يحلُّون قوانينه محلَّ فقه الإسلام، {فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ. وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ}.

وكثير من هؤلاء لو يقرب لهم الفقه بما اعتادوه من تقنين ووسائل لعادوا إليه عود الغريب لأهله والشارد إلى قومه.

والطريق لهذا التقريب هو تدوين موسوعة للفقه جامعة لكل قضاياه شاملة لكل مذاهبه وتكون هذه الموسوعة معجما، بمعنى أنها تدوِّن مواد ومسائل مرتبة على حروف المعجم: أ ب ت، ففقهنا المدون أبوابا وفصولا مع كثرة الاستطراد فيه وذكر الكثير من القضايا في غير مظانِّها حين يعاد تصنيعه على حروف المعجم: أ ب ت، وتستقصى في هذا المعجم جميع المذاهب في العصور الفاضلة نكون قد يسرنا الفقه على المختص، وقربناه لغير المختص، وأبرزنا كنوزه ومعادنه الثمينة لجميع الناس في العالم، مسلمين وغير مسلمين ونكون بذلك دعاة إلى الإسلام الدين الحق، ومعلمين للعلماء حقائق الحلال والحرام، وقضاة عادلين محاربين للظلم والظلمة وناشرين للحق والعدالة بين البشر في جميع ما شجر بينهم.

وبظهور معاجم الفقه الإسلامي، ندفع عنه ما قذفه به كفرة المستشرقين وجهلة المسلمين من أنه فقه بدائي وإنما انتشر واتسع في بغداد بقانون حمورابي والفرس والرومان باسم القياس.

وبظهور معاجم الفقه الإسلامي، وما اشتملت عليه من مجلدات في فقه الصحابة والتابعين قبل أن تكون بغداد وقبل أن يولد أئمتها نثبت للناس أن فقه الإسلام هو فقه الإسلام وكفى بهذا الوصف كشفا وسمة فهو مستنبط من القرآن والسنة وإجماع الصحابة والتابعين، وما زاد عليها فهو فروع عنها، ومستخرج منها خروج الجنين من بطن أمه.

المعاجم:

دونت أكثر العلوم الإسلامية على حروف المعاجم، فهرس القرآن الكريم وأنفع فهارسه وأدقها المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم لمحمد فؤاد عبد الباقي ودونت السنة وأشهر مدوناتها المعجمة وأنفعها جامع الأصول لابن الأثير، وفي اللغة أجمعها لسان العرب لابن منظور وفي تراجم الرجال كتب الحافظ: الإصابة في الصحابة وتهذيب التهذيب في رجال كتب الحديث الستة.

معاجم الفقه:

وأول من فكَّر في إخراج معجم موسوعة للفقه كلية الشريعة بجامعة دمشق منذ ستة عشر عاما أسست لذلك لجنة بمرسوم جمهوري وبعد قيامها بسنتين حَضَرتُ من المغرب وضُمِمْت لها بمرسوم فكان التخطيط لتدوين الموسوعة أن يُسْتَكْتَبَ لها فقهاء من مختلف أقطار العالم الإسلامي فعارضت هذه الخطة لثلاث علل:

العلة الأولى: إن ما سيكتب لو كتب سيكون غير متناسق ولا منسجم وسيكون ابن جماعة هجينا.

العلة الثانية: من كيان الموسوعة الأساسي أن لا يكون للفقيه الكاتب فيما يكتبه رأي خاص لا بتقديم ولا بترجيح. لا برفض ولا بقبول وإنما هو مصوِّر للفقه كما هو عند أئمته دون تدخل بينهم وإلا كان من يفعل ذلك مدوِّنا فقهاً لنفسه ومذهباً له والموسوعة لم تجعل لفقه نفسه ولا لمذهبه.

العلة الثالثة: فقهاء الموسوعة وكتابها لبعدهم عن بعض وعدم اجتماعهم سيبقى فهم تدوينها وتحريرها بينهم ضائعا مما سيكون سببا لعدم استجابتهم للكتابة وهذا الذي حدث.

قال لي زملاؤنا من أعضاء الجنة: "وما الخطة التي تراها أنت؟" قلت: "توضع لكل قضية عامة من قضايا الفقه كلمة أصلية تشمل كلمات فرعية ويحرص على أن ينتقي لذلك كلمات ذات دلالة ماسة بالقضية ودالة عليها بالتحديد مع المحافظة على النص الفقهي ما أمكن إلا إن كان غامضا فيوضَّح أو متشعبا فليخص ولا تترك مفردة فقهية يكون لها معنى خاص ومصطلح عليه إلا وتفرد بكلمة أصلية أو فرعية".

وكمثال لذلك أثبتهم بأوراق رسمت فيها هذه الخطة فوافقوا عليها مجمعين بكتابة قرار لا أزال أحتفظ به فاخترت كتاب المحلي لابن حزم لعدة أسباب منها: أن فقهه فقه لجميع المذاهب، فهو سيكون من أجل ذلك صورة مصغرة عن الموسوعة المكبرة وسميته معجم فقه ابن حزم الظاهري.

وهكذا بعد ستة أشهر تممته في مجلدين ضخمين وطبع بعد ذلك بسنوات بمطبعة جامعة دمشق عام 1385 هـ باسم لجنة موسوعة الفقه الإسلامي.

وقد قال عنه الأخ المحترم العلامة مصطفى الزرقاء رئيس اللجنة إذ ذاك في مقدمة للتعريف بالمعجم: فقام الأستاذ المنتصر بالعبء خير قيام. ثم لما بدأ الأستاذ المنتصر العمل جدَّت له فكرة جديدة هي أن يقوم بتسجيل خلاصة الحكم الفقهي الذي يستقر عليه ابن حزم في كل موضوع، وبذلك يصبح أشبه بموسوعة فقهية مصغَّرة. وقد استحسنتْ اللجنة هذه الفكرة لما تنطوي عليه من نفع كبير. ولكن عظم الفائدة المرجوَّة من هذا العمل الجليل غطَّى على اللجنة ما فيه من مشقة، فقررت أن يتابع الأستاذ الكتَّاني العمل على هذا الأساس ففعل مشكورا. وأمدته اللجنة بالأعوان في مراحل عديدة من العمل.. وظاهر للناظر أن هذا عمل مبتكر في حقل الفقه الإسلامي لم يسبق أن وجد له نموذج. فقد تبين عند الانتهاء منه أنه أصبح يمثل شبه موسوعة للفقه الإسلامي فهو يقدم للباحثين من أهل القانون والفقه الأحكام الفقهية التي يبحثون عنها.

وبعد وحدة دمشق والقاهرة انضم على لجنة دمشق أعضاء مصريون بانتقائنا، هم من كبار علماء مصر، وضعنا جزء نموذجيا طلب إلينا إنجازه بإلحاح ليظهر في مناسبة خطابية رسمية دورية، فكتبناه على الخطة الأولى التي لم أؤمن بها وهي الاستكتاب، فكان جزءا نموذجيا حقا في العلل الثلاث التي ذكرتها عن الخطة الاستكتابية: الهجنة  في عدم انسجام مواده والتفاوت بين الفقهاء الكتاب في كل ما كتبوه وقلة من شارك فيه وكلهم من اللجنة الجديدة السورية والمصرية وليس من غيرهم سوى الفقير المحاضر فقد شارك بكتابة مادة: المعادن. وعن نفسي أتحدث قبل أن يتحدث عني غيري، ذهبت فيها إلى أن المعادن لا تملك ولو شئت أن أعيد عنها الكتابة الآن وأقول: إن المعادن تملك لما أعوزتني النصوص، وهكذا على كل من شارك في هذا الجزء النموذجي لهذه المعاني بحق من جميع زملائنا وإن كنا لم نقصد ذلك ولكن الخطة المكتوب بها هذا الجزء تفرض ذلك بطبيعتها.

وقد طبع هذا الجزء في القاهرة سنة 1381 هـ باسم: موسوعة جمال عبد الناصر في الفقه الإسلامي.

وخلال هذه السنوات تابعت موسوعة مصر الرسمية عملها فأصدرت ستة أجزاء أخرى بنفس العنوان ولكن زادت علة رابعة في فساد تلك الخطة، صدرت هذه الأجزاء الستة ولم يذكر فيها اسم لأحد من كتابها الفقهاء. ومتى قيل العلم رواية مجهول؟ لا يدري من هو؟ وما تقواه؟ وما علمه؟ الحديث النبوي على قدسيته إذا أداه لنا مجهول رفضناه، وأغفلنا قدسيته، فكيف يفهم فقيه واستنباط نكرة لا تعرف لها حقيقة؟ أنعتمد في العقائد والحلال والحرام واستباحة الدماء والفروج والأموال على مجاهيل؟ فلابد من معرفة العالم لنزنه بموازين العلماء، دينا وثقة وضبطا،  ولم يكن ذلك كذلك، فستكون كل موسوعة كتبها مجهول أو مجاهيل موسوعة مهدورة وجهود أصحابها ضائعة.

وعلى خطة الموسوعة المصرية الرسمية الفقهية صدرت موسوعة شعبية مصرية أيضا بإشراف صديقنا عالم مصر الشيخ محمد أبو زهرة رأيت منها مجلدا.

وعلى خطة الموسوعتين المصريتين صدرت نشرتان في الأشربة والأطعمة لموسوعة فقهية في الكويت تحت إشراف صديقنا المحترم الشيخ مصطفى الزرقاء.

معاجم الفقه العامة:

وطريقتنا نحن في تدوين الموسوعة الفقهية قد أصبحت واضحة مجسمة بصدور معجم فقه ابن حزم والنسج على منواله في إخراجها.

معاجم مفردة لفقه الأئمة الأربعة:

أولا:

معجم فقه أبي حنيفة ومعجم فقه مالك معجم فقه الشافعي معجم فقه أحمد. ثم معاجم لفقه الأئمة الذين لم تدون مذاهبهم: كعمر بن عبد العزيز والأوزاعي والليث بن سعد وعبد الله بن المبارك وداوود بن علي ومحمد بن جرير وأبي ثور وأمثالهم لكل واحد منهم معجم مستقل بمذهبه.

ثم معاجم لفقه التابعين وتابعيهم:

الحسن البصري ـ وقد جمع فقهه في سبعة أسفار ضخام الحافظ بن مفرج الأندلسي وقد عاش بين سنتي 315-380 هـ والسعيدان: ابن المسيب وابن جبير والسفيانان: ابن عيينة والثوري والحمادان: ابن سلمة وابن زيد وابن شهاب الزهري ـ وقد جمع فقهه الحافظ ابن مفرج الأندلسي أيضا في ثلاثة أسفار ضخام، وعمر بن عبد العزيز وأمثالهم، لفقه كل واحد منهم معجم.

ثم معاجم لفقه آل البيت:

علي بن أبي طالب وعبد الله بن العباس ـ وقد جمع فقهه سليله أحد أئمة الإسلام في العلم والحديث: أبو بكر محمد بن موسى بن يعقوب بن أمير المؤمنين المأمون العباس، جمعه في عشرين كتابا وقد عاش بين سنتي 268-342 هـ والحسن بن علي وسليله عبد الله الكامل، والحسين بن علي وذريته: زين العابدين وزيد بن علي والباقر والصادق، والعباس بن عبد المطلب وسليلاه: سليمان بن داوود والعباس بن عبد الله، لفقه كل واحد منهم معجم.

ثم معاجم فقه الصحابة:

عمر بن الخطاب وابنه عبد الله، وعبد الله بن مسعود وزيد بن ثابت، وذكر ابن حزم في الأحكام وفي جوامع السيرة سبعة من الصحابة هؤلاء، وعليا وابن عباس وعائشة وقال: يمكن أن يجمع من فقه كل واحد منهم سفر ضخم. ثم فقه أبي بكر وعثمان وباقي عشرين من الصحابة قال عنهم ابن حزم: يمكن أن يجمع من فتيا كل واحد منهم جزء صغير جدا ثم جزء لباقي فقهاء الصحابة. وذكر اسماء جميع فقهائهم في جوامع السيرة فبلغوا (162) فقيه وقد قال ابن حزم: "وقد روى عن فقهاء الصحابة أزيد من عشرين ألف قضية".

 

ثم معاجم فقه أئمة النساء صحابيات وتابعيات:

معجم فقه عائشة أم المؤمنين ثم معجم لفقه فاطمة بنت رسول الله وفقه أمهات المؤمنين ثم معجم لفقه عمرة بنت عبد الرحمن وباقي التابعيات.

وقد أشرفتُ في جامعة دمشق على إخراج فقه السبعة المكثرين من الصحابة، لسبعة من خريجي كلية الشريعة بها، فكان نصيب فقه عائشة لطالبة هي اليوم تعتبر داعية الإسلام في الشام وعالمة نسائها هي الآنسة منيرة الفبيسي وباقي السبعة المتخرجين هم اليوم بين زملاء أساتذة جامعين وبين دكاترة في علوم الشريعة وقضاة في المحاكم.

وهذه المعاجم تفيد بمفردها في المناطق التي تتمذهب بفقه أحد أئمتها الأربعة وكزيد بن علي وجعفر الصادق، تفيدهم للعلم والدراسة وتفيدهم لاختيار الدساتير الإسلامية منها، والقوانين الموحدة الملزمة حكما وقضاء وفتوى.

وبعد الانتهاء من تدوين جميع هذه المعاجم لفقه الصحابة والتابعين والأئمة الذين لم يدوَّن فقههم والأئمة الذين دوِّن فقههم وفقه آل البيت وفقه أئمة النساء، تأتي المرحلة الثانية وهي:

دمج جميع هذه المذاهب في كتاب واحد على نفس الطريقة المعجمية: أ ب ت باسم معاجم الفقه الإسلامي.

 

معجم الحديث:

والمرحلة الثالثة هي جمع جميع أحاديث الأحكام مرتبة على حروف المعجم كذلك وتكون هذه الأحاديث ذات عناوين مفردة لكل حديث كلمة أصلية، تحتها كلمات فرعية ذات دلالة فقهية خاصة، ولتكون هذه الأحاديث مع آيات الأحكام الدليل المرجوع إليه عند تضارب المذاهب وتغاير الأحكام في القضية الواحدة لاختيار حكم واحد من بينها، يسنده الدليل ويعززه على أن يُخرج كل حديث منها ويذكر بجانبه من صحَّحه أو ضعَّفه أو من زكَّى جميع رجاله أو جرَّح أحدهم.

وكنت أشرفت في لجنة موسوعة الفقه الدمشقية على جمع جميع أحاديث البيوع، فخرجتْ في ثلاثة أجزاء، وأعجلتنا الفتن العقائدية عن مراجعتها وإعطاء عناوين أصلية لوحداتها وفرعية لكل حديث منها، فأخرجتنا عن الشام حيث نقيم بين المملكة العربية السعودية وبين الكويت، بعد أن مات ثلاثة من خيرة زملائنا في اللجنة وهم الدكاترة مصطفى السباعي ويوسف العشي وأحمد السمان رحمهم الله وغفر لهم.

 وقد وضعنا في المعجم الظاهري كلمات ليس لها في كتب الفقه أبواب أو فصول مستقلة وأن يكون لها أحكام مبعثرة في ثناياها ومستطردة، ومنها كمثال: إجهاض وتشريح وفضول المال.

وطريقتنا هذه في المعاجم الموسوعة أثنى عليها بكتاب مستقل ودعا لها ونوَّره بها فيه وأسماه: تراث الفقه الإسلامي ومنهج الاستفادة منه على الصعيدين الإسلامي والعالمي دعا لها وساندها مؤلف هذا الكتاب: الدكتور جمال الدين عطية، فقال بعد أن تحدث عنها في أوراق منه وفي عدة صفحات خص بها الحديث عن معجم فقه ابن حزم:

"ونرى أن يكون منهج العمل، في معاجم أمهات الفقه على مثال ما تم بالنسبة لمعجم فقه ابن حزم الذي يتميز في رأينا بميزتين أساسيتين:

1- أنه أورد خلاصة وافية لرأي ابن حزم في كل مسألة.

2- أنه أرجع مباحث كل كلمة إلى رقم المسألة من كتاب المحلي".

وكتاب الدكتور عطية في 104 صفحات.

وسيكون (معاجم الفقه الإسلامي) هذا بعد قيامه كتاب دراسة لجميع مراحل التعليم الثانوي والجامعي والعالي ومنه يأخذ كل ما يحتاجه وما يتفق ومنهاجه وبرامجه.

ومنه ستختار الحكومات الإسلامية بواسطة علمائها وقضاتها ورجال الحكم فيها دساتيرها وقوانينها العامة والخاصة الداخلية الخارجية إن شاء الله.

وقد استبعد بعض زملائنا وأصدقائنا من أساتذة الجامعات والعلماء إمكان تنفيذ هذه الطريقة وتحقيقها في الماضي ولكن حين رأوها متمثلة في معجم فقه ابن حزم تلاشى استبعادهم وآمنوا بتحقيق تنفيذها وإذا أعان الله فسنعيده وسيكون بعد تجديده ثلاث مجلدات بدل مجلدين، إذ لا تزال فيه نواقص ككل عمل في البداية حين يبتكر.

ولا يزال بعض العلماء مع كل ذلك يستبعد جمع فقه الصحابة والتابعين والأئمة المنقرضة مذاهبهم ولهؤلاء أقول:

يمكننا بكل يسر وسماحة وبلا كبير تعب ومشقة في عصرنا هذا الرابع عشر، أن نجمع فقه الصحابة والتابعين وأولئك الأئمة ونصل بها - في معاجم - لما قدره لها ابن حزم من خبرة له مؤكدة واطلاع تام ولعل المصادر المتاحة لنا اليوم لم تكن متاحة كلها لابن حزم، فما علينا إلا أن نحضر من التفاسير أمثال كتب ابن جرير والبغوي والقرطبي وابن كثير والسيوطي وأمثال كتب الحديث: الموطأ لمالك وسنن الترمذي والدراقطني والبيهقي ومصنف ابن أبي شيبة وشروح الحديث: فتح الباري للحافظ وشرح مسلم للنووي ومعالم السنن للخطابي وطرح التثريب للعراقي ونيل الأوطار للشوكاني وسبل السلام للصنعاني وكتب ابن حزم: المحلى والإحكام والملل والنحل وجمهرة الأنساب ومراتب الإجماع وتقريب المنطق وجوامع السيرة والرد على ابن التغريلة ورسائله المجتمعة والمتفرقة والمجموع للنووي والمغني لابن قدامة والبحر الزخار لابن المرتضى والروض النضير للحسين الصنعاني وأشباهها ونظائرها من الكتب كثيرة، تطولها كل يد دارسة ولعل المصادر التي بين أيدينا من ذلك توصلنا لأن نضع بين يدي الفقهاء من فقه الصحابة والتابعين وهؤلاء الأئمة أكثر مما قدره له ابن حزم.

وقد سبق لي أن قلت هذا أو شبيهه في مقدمة تخريجي بالمشاركة لأحاديث فقه الحنفية، منذ سنوات وهو مطبوع متداول بين أيدي الناس في أربع مجلدات.

وبعد، فإن قيام هذه (المعاجم لموسوعة الفقه الإسلامي) سيبقى دينا في ذمة الدول الإسلامية ملوكا ورؤساء وحكومات ودينا في ذمة الجامعات الإسلامية إدارة وأساتذة وموجهين ودينا في ذمة القضاء محاكم وحكاما وقضاة.

والذي سيسعده الحظ من الملوك والرؤساء المسلمين سيكون نابليون المسلم الذي سيقول بملء فيه: ستنتهي فتوحاتي حيث يصل قانوني.والمنتظر أن يكون القائم بذلك فيصل خادم الحرمين الشريفين ومنزلي الوحي ومولد صاحب الشريعة ومرقده صلوات الله عليه، فمن أولى بذلك منه فلا يزال في مملكته للحدود سلطان وللشريعة محاكم وقضاة.

نريد أن نسمع قريبا: قانون فيصل، بدل قانون نابليون.

{أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالاً بَعِيداً}.

{أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} والحمد لله رب العالمين.

 

التعليق على محاضرة السيد المنتصر

محاضرة لسماحة رئيس الجامعة الإسلامية الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز

الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن سلك سبيله واهتدى بهداه إلى يوم الدين.

أما بعد، فإنا نشكر الأستاذ الكبير والعلامة الشهير الأخ الشيخ المنتصر الموفق.

نعم، لقد أجاد أخونا العلامة وأفاد وأحسن فيما ذكر واقترح، وإنّ ما ذكره عن الموسوعات القديمة الفقهية ولاسيما موسوعة العلامة الكبير أبي محمد بن حزم المسماة بالإيصال، لا شك أن هذه الموسوعة موسوعة عظيمة وإن لم توجد، فقد بقي ووجد مختصرها الذي يدل على علم المؤلف الواسع وعظم عنايته وسعة اطلاعه.

وإني أؤيد فضيلة الأستاذ فيما ذكر من الاقتراح ومسيس الحاجة إلى معاجم متعددة لفقه الإسلام وإن الحاجة ماسة بل شديدة جدا إلى جمع أقوال علماء الإسلام من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من الأئمة الأعلام رضوان الله عليهم جميعا. وإن إيجاد معاجم لفتاواهم وأحكامهم ليس ذلك واجبا فقط وإنما ذلك مفيد جدا ونافع كثيرا، وقد أجاد فضيلته في بيان حاجة الناس لذلك وإن هذا القانون وهذه المعاجم سوف تفيد العالم كله الإسلامي وغير الإسلامي وحاجة المسلمين أنفسهم إلى تراثهم العظيم على نقاوته وصفائه من معادنه لا شك حاجة عظيمة، ومن استبعد وجود ذلك وإمكان ذلك فإنما ذلك من عدم العناية بهذا الأمر والتدبر له والتفكير فيه تفكيرا جدَّيا، وإنه كما قال الأستاذ ليس بعسير ولا مستحيل، بل ممكن إذا فُرِّغ له العلماء المتبصرون والمتحمسون لهذه الفكرة فإن الحصول عليه وإمكان جمعه أمر ممكن بلا شك، وإني أقترح أن يكون ذلك من طريق تكوين لجنة من أهل العلم المتبصرة في الفقه الإسلامي ممن يفرغون في مكان واحد ليجمعوا هذه المعاجم بادئين بفقه الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم ثم التابعين وهكذا وفي الإمكان أيضا أن يتشاوروا ويدرسوا الموضوع دراسة جدية على ضوء الدراسات السابقة التي أشار إليها محاضرنا وعلى الطريقة الجيدة الحسنة التي سلكت في وضع المعاجم كما أن في الإمكان أن ينظروا في ذلك من جهة أخرى من جهة البدء بمعاجم الصحابة أو غيرهم، كل ذلك ممكن إذا فرغ له العلماء المبصرون المعوَّل عليهم في الفقه الإسلامي ممن لهم سمعة حسنة ومعرفة جيدة في هذا الباب.

وكما أن الناس في حاجة إلى جمع نصوص الفقهاء والعناية بها مرتبة على أحرف المعجم فكذلك هم في حاجة إلى ترتيب ما لم يرتب من أحاديث رسول الله عليه الصلاة والسلام ونشر ما رتب والعناية بالتصحيح والتضعيف، حتى يكون الناظر في ذلك على بينة وعلى بصيرة من أمر الحديث الشريف من جهة الصحة والضعف والوضع وغير ذلك ولابد من الإشارة إلى تكوين لجان متعددة، لجنة لكذا ولجنة لكذا ولجنة تقوم بإعداد الترتيب الكافي المناسب لما يتعلق بالأحاديث ولجنة تكون لما يتعلق بفقه الصحابة ولجنة أخرى لفقه التابعين وهكذا على حسب الإمكان واليسر من جهة وجود العلماء الذين يصلحون لهذا الغرض.

ومن أهم الأمور في هذا الباب العناية بصحة الفتاوي والنظر في أسانيدها إلى من نسبت إليه فإن هذا أمر عظيم فقد تنسب الفتوى إلى شخص هو براء منها وتنسب الفتوى إلى شخص لم يقلها كما نسبت وإنما قال شيئا منها فيزيد فيها وينقص. فالحاجة ماسة إلى العناية بأسانيد الفتوى عمن نقلت عنه من الصحابة وغيرهم وعن المرجع ومكانها في الصفحات والطبعات، وغير ذلك، حتى يكون المراجع والمطالع على بينة وعلى هدى وعلى بصيرة في ذلك كله. وكما أن العلماء محتاجون إلى ما دوِّن في الحديث الصحيح والتفسير فكذلك هم محتاجون أيضا إلى معرفة صحة الفتاوى عمن نسبت إليه من الصحابة والتابعين وأئمة الإسلام، وعدم صحتها حتى يكون الناقل لها والناظر فيها على بصيرة. وقد علمنا وعلم غيرنا فتاوي كثيرة تنسب لكثير من أهل العلم ولا صحة لها، وقد علم الناس ما لدى الشيعة في كتبهم وغير الشيعة من فتاوي تنسب إلى أهل البيت تحتاج إلى تمحيص وإلى عناية والواجب في هذا، يتثبت في كل شيء.

فالذي ينسب للأئمة من الصحابة أبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم جميعا وغيرهم من أئمة الصحابة وعلماء الصحابة يجب أن يكون العناية به أكبر ثم هكذا التابعون والأئمة بعدهم، وبخصوص ما ينسب لأهل البيت ينبغي أن يمحص وينظر في أسانيده حتى ينتفع في ذلك من أراد الله هدايته وتوفيقه إلى معرفة الصحيح والصواب فيما ينسب إلى أهل البيت كما ينتفع أيضا من ينتسب إلى الشافعي وإلى مالك وإلى أبي حنيفة وإلى أحمد بما يوقف عليه من الفتاوي بأسانيدها ودلائل صحتها أو ضعفها حتى يكون ذلك الشخص أو تلك الجماعة على بينة فيما ينسب إلى مذهبهم وإلى إمامهم وقد تكون أمور كثيرة في مسائل فقهية يوجد الشيء وضده فيها فتحتاج إلى بحث وتمحيص إلى أن يوجد السند القوي أو الأصل المعتمد في صحة ذلك الحكم  وتلك الفتوى فالحاصل أن ما ذكره أخونا العلامة الشيخ المنتصر في هذا الباب حقيق بالعناية ولا شك أنه قد أصاب في ذلك ولا شك أن هذا العمل أمر عظيم ومشروع جليل يحتاج إلى عناية كبيرة وإلى علماء معروفين بالأمانة والنصح والصدق والبصيرة والعلم حتى يطمئن الناس إلى علمهم وإلى صحة ما ذكروا من الحديث والفقه والفتاوى.

وفي الجامع الصحيح للبخاري رحمة الله عليه من الآثار والأحاديث ما ينفع جدا هذا السبيل كما هو في كتب السنة وكتب الأحاديث المعروفة من الآثار والعلوم الكثيرة ما ينقع في هذا الباب وفي كتب الفقه كالمحلى والمغني وغيرهما من الفوائد العظيمة والآثار الكبيرة ما ينفع في هذا الباب أيضا، والحاصل أن هذا ممكن بحمد الله وليس بعسر ولا مستحيل إذا أوجد له الرجال الأكفاء وإذا هيئت له الأسباب وفرَّغوا لهذا الأمر. وإن أولى الناس بهذا الأمر ولهذا المشروع العظيم هو كما قال الأستاذ حاكم هذه البلاد وإمام المسلمين فيصل بن عبد العزيز وفقه الله وهداه إنه أولى الناس بهذا المشروع والعناية به وإخراجه إلى حيز الوجود لإيجاد علماء صالحين لهذا الغرض متفرغين يعنون به ويكرِّسون جهودهم ويمنحونه ما لديهم في هذا الباب مستعينين بالله سبحانه وتعالى ثم بإخوانهم بقية العلماء في كل ما يهم في هذا السبيل من المراجع والمحفوظات وغير ذلك.

وأسأل الله أن يجزي محاضرنا عن محاضرته خيرا، وأن يبارك في جهوده وعلومه وأن ينفع به وبسائر علماء المسلمين الأمة الإسلامية وأن ينصر بهم الحق ويدحض بهم الباطل وأن يجمع علماء المسلمين وولاة أمرهم على الحق والهدى ويصلح عامة المسلمين جميعا ويهديهم سواء السبيل ويصلح ويوفق قادتهم لحكم الشريعة والتحاكم إليها وتسهيل سبيل ذلك إنه على كل شيء قدير، وصلى لله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.