|
|
|
|
|
دفع
إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب |
|
لفضيلة الشيخ: محمد
الأمين الشنقيطي |
|
المدرس بالجامعة |
|
|
|
|
|
سورة
الأنفال |
|
قوله تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ
وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ} الآية.. هذه الآية تدل على أن وجل القلوب عند
سماع ذكر الله من علامات المؤمنين. وقد جاء في آية أخرى ما يدل على خلاف ذلك وهي
قوله: {الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ
قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ}.
فالمنافاة بين الطمأنينة ووجل القلوب ظاهرة والجواب عن هذا أن الطمأنينة تكون
بانشراح الصدر بمعرفة التوحيد والوجل يكون عند خوف الزيغ والذهاب عن الهدى كما
يشير إلى ذلك قوله تعالى: {تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ
يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ
اللَّهِ}. |
|
وقوله تعالى: {رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا}
الآية. وقوله تعالى: {وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا
آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ}. |
|
قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ
وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ} الآية. هذه الآية
تدل بظاهرها على أن الاستجابة للرسول التي هي طاعته لا تجب إلا إذا دعانا لما
يحيينا ونظيرها قوله تعالى: {وَلا يَعْصِينَكَ فِي
مَعْرُوفٍ} وقد جاء في آيات أخر ما يدل على وجوب اتباعه مطلقا من غير
قيد كقوله: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ
وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا}. وقوله: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي
يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ}. الآية. وقوله: {مَنْ
يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ}. والظاهر أن وجه الجمع
والله تعالى أعلم أن آيات الإطلاق مبينة أنه صلى الله عليه وسلم لا يدعونا إلا
لما يحيينا من خيري الدنيا والآخرة فالشرط المذكور في قوله إذا دعاكم متوفر في
دعاء النبي صلى الله عليه وسلم لمكان عصمته كما دل عليه قوله تعالى: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى. إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ
يُوحَى}. والحاصل أن الآية إذا دعاكم لما يحييكم مبينة أنه لا طاعة
إلا لما يدعو إلى ما يرضي الله وأن الآيات الأخر بينت أن النبي صلى الله عليه
وسلم لا يدعو أبدا إلا إلى ذلك صلوات الله عليه وسلامه. |
|
قوله تعالى: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ
وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ}. هذه
الآية الكريمة تدل على أن لكفار مكة أمانين يدفع الله عنهم العذاب بسببها:
أحدهما كونه صلى الله عليه وسلم فيهم لأن الله لم يهلك أمة ونبيهم فيهم. والثاني
استغفارهم الله وقوله تعالى: {وَمَا لَهُمْ أَلا
يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} يدل
على خلاف ذلك. |
|
والجواب من أربعة أوجه: |
|
الأول: وهو اختيار ابن جرير ونقله
عن قتادة والسدي وابن زيد أن الأمانين منتفيان فالنبي صلى الله عليه وسلم خرج من
بين أظهرهم مهاجرا واستغفارهم معدوم لإصرارهم على الكفر فجملة الحال أريد بها أن
العذاب لا ينزل في حاله استغفارهم لو يستغفروا ولا في حالة وجود نبيهم فيهم لكنه
خرج من بين أظهرهم ولم يستغفروا لكفرهم ومعلوم أن الحال قيد لعاملها ووصف
لصاحبها فالاستغفار مثلا قيد في نفي العذاب لكنهم لم يأتوا بالقيد فتقرير المعنى
وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون لو استغفروا. |
|
وبعد انتفاء الأمرين عذبهم بالقتل
والأسر يوم بدر كما يشير إليه قوله تعالى: {وَلَنُذِيقَنَّهُمْ
مِنَ الْعَذَابِ الأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الأَكْبَرِ}. |
|
الوجه الثاني: أن المراد بقوله:
يستغفرون استغفار المؤمنين المستضعفين بمكة وعليه فالمعنى أنه بعد خروجه صلى
الله عليه وسلم كان استغفار المؤمنين سببا لرفع العذاب الدنيوي عن الكفار
المستعجلين للعذاب بقولهم: {فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا
حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ}. الآية. وعلى هذا القول فقد أسند
الاستغفار إلى مجموع أهل مكة الصادق بخصوص المؤمنين منهم ونظير الآية عليه قوله
تعالى: {فَعَقَرُوا النَّاقَةَ} مع أن
العاقر واحد منهم بدليل قوله تعالى: {فَنَادَوْا
صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَى فَعَقَرَ} وقوله تعالى: {أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ
طِبَاقاً. وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً}: أي جعل القمر في
مجموعهن الصادق بخصوص السماء التي فيها القمر لأنه لم يجعل في كل سماء
قمراًًًًًً. وقوله تعالى: {يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ
وَالأِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ} أي من مجموعكم الصادق
بخصوص الإنس على الأصح إذا ليس من الجن رسل وأما تمثيل كثير من العلماء لإطلاق
المجموع مرادا بعضه بقوله تعالى: {يَخْرُجُ
مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ} زاعمين أن معنى قوله منهما:
أي من مجموعهما الصادق بخصوص البحر الملح لأن العذب لا يخرج منه لؤلؤ ولا مرجان
فهو قول باطل بنص القرآن العظيم. |
|
فقد صرح تعالى باستخراج اللؤلؤ
والمرجان من البحرين كليهما حيث قال: {وَمَا
يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ
أُجَاجٌ وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيّاً وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً
تَلْبَسُونَهَا} فقوله تعالى: {وَمِنْ
كُلّ} نص صريح في إرادة العذب والملح معا وقوله: {حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا} هي اللؤلؤ والمرجان،
وعلى هذا القول فالعذاب الدنيوي يدفعه الله عنهم باستغفار المؤمنين الكائنين بين
أظهرهم. وقوله تعالى: {وَمَا لَهُمْ أَلا
يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ}: أي بعد خروج المؤمنين الذين كان استغفارهم
سببا لدفع العذاب الدنيوي فبعد خروجهم عذب الله أهل مكة في الدنيا بأن سلط عليهم
رسول الله عليه وسلم حتى فتح مكة ويدل لكونه تعالى يدفع العذاب الدنيوي عن
الكفار بسب وجود المسلمين بين أظهرهم ما وقع في صلح الحديبية كما بينه تعالى
بقوله: {وَلَوْلا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ
مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَأُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ
مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ لَوْ
تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَاباً أَلِيماً}.
فقوله: {لَوْ تَزَيَّلُوا} أي لو تزيل
الكفار عن المسلمين لعذبنا الكفار بتسليط المسلمين عليهم ولكنا رفعنا عن الكفار
هذا العذاب الدنيوي لعدم تميزهم من المؤمنين كما بينه بقوله:{وَلَوْلا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ..}
الآية. ونقل ابن جرير هذا القول عن ابن عباس والضحاك وأبي مالك وابن أبزي وحاصل
هذا القول أن كفار مكة لما قالوا: {اللَّهُمَّ
إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً}.
الآية. أنزل الله قوله: {وَمَا كَانَ اللَّهُ
لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ} ثم لما هاجر النبي صلى الله عليه
وسلم بقيت طائفة من المسلمين بمكة يستغفرون الله ويعبدونه فأنزل الله قوله
تعالى: {وَمَا لَهُمْ أَلا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ}
أي: أيُّ شيء ثبت لهم يدفع عنهم عذاب الله. وقد خرج النبي صلى الله عليه وسلم
والمؤمنون من بين أظهرهم. فالآية على هذا كقوله: {قَاتِلُوهُمْ
يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ}. |
|
الوجه الثالث: أن المراد بقوله: {وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} كفار مكة وعليه فوجه
الجمع أن الله تعالى يرد عنهم العذاب الدنيوي بسبب استغفارهم أما عذاب الآخرة
فهو واقع بهم لا محالة فقوله: {وَمَا كَانَ
اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ} أي في الدنيا في حالة استغفارهم وقوله: {وَمَا لَهُمْ أَلا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ} أي
في الآخرة وقد كانوا كفارا في الدنيا. ونقل ابن جرير هذا القول عن ابن عباس وعلى
هذا القول فعمل الكافر ينفعه في الدنيا كما فسر به جماعة قوله تعالى: {وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ}:
أي أثابه من عمله الطيب في الدنيا وهو صريح قوله تعالى: {مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا
نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا}. الآية. وقوله تعالى: {أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا
وَالآخِرَةِ}. وقوله: {وَقَدِمْنَا
إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً} ونحو
ذلك من الآيات يدل على بطلان عمل الكافر من أصله كما أوضحه الله تعالى بقوله: {حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ}
فجعل كلتا الدارين ظرفا لبطلان أعمالهم واضمحلالها وسيأتي إن شاء الله تحقيق هذا
المقام في سورة هود. |
|
الوجه الرابع: أن معنى قوله: {وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} أي يسلمون أي وما كان
الله معذبهم وقد سبق في عمله أن منهم من يسلم ويستغفر الله من كفره وعلى هذا
القول فقوله: {وَمَا لَهُمْ أَلا يُعَذِّبَهُمُ
اللَّهُ} في الذين سبقت لهم الشقاوة كأبي جهل وأصحابه الذين عذبوا
بالقتل يوم بدر ونقل ابن جرير معنى هذا القول عن عكرمة ومجاهد. وأما ما رواه ابن
جرير عن عكرمة والحسن البصري من أن قوله: {وَمَا
لَهُمْ أَلا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ} ناسخ لقوله: {وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ
يَسْتَغْفِرُونَ} فبطلانه ظاهر لأن قوله تعالى: {وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ}. الآية.
خبر من الله بعدم تعذيبه لهم في حالة استغفارهم والخبر لا يجوز نسخه شرعا بإجماع
المسلمين وأظهر هذه الأقوال الأولان منها: قوله تعالى: {إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا
مِائَتَيْنِ}. الآية. ظاهر هذه الآية أن الواحد من المسلمين يجب عليه
مصابرة عشرة من الكفار وقد ذكر تعالى ما يدل على خلاف ذلك بقوله: {فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ}.
الآية. والجواب عن هذا أن الأول منسوخ بالثاني كما دل عليه قوله تعالى: {الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ}. الآية.
والعلم عند الله تعالى. |
|
قوله تعالى: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ
وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا}. هذه الآية الكريمة
تدل على أن من لم يهاجر لا ولاية بينه وبين المؤمنين حتى يهاجر. وقد جاءت آية
أخرى يفهم منها خلاف ذلك وهي قوله تعالى: {وَالْمُؤْمِنُونَ
وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ} فإنها تدل على ثبوت
الولاية بين المؤمنين وظاهرها العموم. والجواب من وجهين: الأول: إن الولاية
المنفية في قوله: {مَا لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ
مِنْ شَيْءٍ} هي ولاية الميراث أي ما لكم شيء من ميراثهم حتى يهاجروا
لأن المهاجرين والأنصار كانوا يتوارثون بالمؤاخاة التي جعلها النبي صلى الله
عليه وسلم بينهم فمن مات من المهاجرين ورثه أخوه الأنصاري دون أخيه المؤمن الذي
لم يهاجر حتى نسخ ذلك بقوله تعالى: {وَأُولُوا
الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ}. الآية. وهذا مروي عن ابن
عباس ومجاهد وقتادة كما نقله عنهم أبو حيان وابن جرير والولاية في قوله: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ
بَعْضٍ} ولاية النصر والمؤازرة والتعاون والتعاضد لأن المسلمين
كالبنيان يشد بعضه بعضا وكالجسد الواحد إذا أصيب منه عضو تداعى له سائر الجسد
بالسهر والحمى. وهذه الولاية لم تقصد بالنفي في قوله: {مَا لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ}
بدليل تصريحه تعالى بذلك في قوله بعده يليه: {وَإِنِ
اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ}. الآية.
فأثبت ولاية النصر بينهم بعد قوله ما لكم من ولايتهم من شيء فدل على أن الولاية
المنفية غير ولاية النصر فظهر أن الولاية المنفية غير المنثبتة فارتفع الإشكال.
الثاني: هو ما اقتصر عليه ابن كثير مستدلا عليه بحديث أخرجه الإمام أحمد ومسلم
أن معنى قوله: {مَا لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ
شَيْءٍ} يعني لا نصيب لكم من المغانم ولا في خمسها إلا فيما حضرتم
فيه القتال وعليه فلا إشكال في الآية ولا مانع من تناول الآية للجميع فيكون
المراد بها نفي الميراث بينهم ونفي القسم لهم في الغنائم والخمس والعلم عند الله
تعالى. |
|
سورة براءة |
|
قوله تعالى: {فَإِذَا انْسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا
الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ}. الآية. اعلم أولا أن المراد
بهذه الأشهر الحرم أشهر المهلة المنصوص عليها بقوله فسيحوا في الأرض أربعة أشهر
لا الأشهر الحرم التي هي ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب على الصحيح وهو قول
ابن عباس في رواية العوفي عنه. |
|
وبه قال مجاهد وعمرو بن شعيب ومحمد
ابن إسحاق وقتادة والسدي وعبد الرحمان بن زيد بن أسلم واستظهر هذا القول ابن
كثير لدلالة سياق القرآن الكريم عليه ولأقوال هؤلاء العلماء خلافا لابن جرير
وعليه فالآية تدل بعمومها على قتال الكفار في الأشهر الحرم المعروفة بعد انقضاء
أشهر الإمهال الأربعة وقد جاءت آية أخرى تدل على عدم القتال فيها وهي قوله
تعالى: {إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ
اثْنَا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ
وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا
تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ}. الآية. |
|
والجواب: أن تحريم الأشهر الحرم[1]
منسوخ بعموم آيات السيف ومن يقول بعدم النسخ يقول: هو مخصص لها. والظاهر أن
الصحيح كونها منسوخة كما يدل عليه النبي صلى الله عليه وسلم في حصار ثقيف في
الشهر الحرام الذي هو ذو القعدة كما ثبت في الصحيحين أنه خرج إلى هوازن في شهر
شوال فلما كسرهم واستفاء أموالهم ورجع إليهم لجأوا إلى الطائف فعمد إلى الطائف
فحاصرهم أربعين يوما وانصرف ولم يفتحها فثبت أنه حاصر في الشهر الحرام وهذا
القول هو المشهور عند العلماء وعليه فقوله تعالى: {َاقْتُلُوا
الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ} ناسخ لقوله: {مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ} وقوله: {لا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلا الشَّهْرَ
الْحَرَامَ} وقوله: {الشَّهْرُ
الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ} الآية. والمنسوخ من هذه ومن قوله
أربعة حرم هو تحريم الشهر في الأولى والأشهر في الثانية فقط دون ما تضمنتاه من
الخبر لأن الخبر لا يجوز نسخه شرعاً. |
|
قوله تعالى: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ
النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ} إلى قوله سبحانه {عَمَّا يُشْرِكُونَ}. هذه الآية فيها التنصيص
الصريح على أن كفار أهل الكتاب مشركون بدليل قوله فيهم: سبحانه عما يشركون بعد
أن بين وجوه شركهم بجعلهم الأولاد لله واتخاذهم الأحبار والرهبان أربابا من دون
الله ونظير هذه الآية قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ
لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ} لإجماع العلماء أن كفار أهل الكتاب
داخلون فيها. وقد جاءت آيات أخرى تدل بظاهرها على أن أهل الكتاب ليسوا من
المشركين كقوله تعالى: {لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ
كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ}.
الآية. وقوله: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ
أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ}. الآية.
وقوله: {مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ
أَهْلِ الْكِتَابِ وَلا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ}.
الآية. والعطف يقتضي المغايرة. |
|
والذي يظهر لمقيده عفا الله عنه:
أن وجه الجمع أن الشرك الأكبر المقتضي للخروج من الملة أنواع. وأهل الكتاب
متصفون ببعضها وغير متصفين ببعض آخر منها. أما البعض الذي هم غير متصفين به فهو
ما اتصف به كفار مكة من عبادة الأوثان صريحا ولذا عطفهم عليهم لاتصاف كفار مكة
بما لم يتصف به أهل الكتاب من عبادة الأوثان وهذه المغايرة هي التي سوغت العطف
فلا ينافي أن يكون أهل الكتاب مشركون بنوع آخر من أنواع الشرك الأكبر وهو طاعة
الشيطان والأحبار والرهبان فإن مطيع الشيطان إذا كان يعتقد أن ذلك صواب عابد
الشيطان مشرك بعبادة الشيطان الشرك الأكبر المخلد في النار كما بينته النصوص
القرآنية كقوله: {إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ
إِلا إِنَاثاً وَإِنْ يَدْعُونَ إِلا شَيْطَاناً مَرِيداً} فقوله: {وَإِنْ يَدْعُونَ إِلا شَيْطَاناً}. صح معناه
وما يعبدون إلا شيطانا لأن عبادتهم للشيطان طاعتهم له فيما حرمه الله عليهم
وقوله تعالى: {أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا
بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ} الآية. وقوله تعالى عن
خليله إبراهيم: {يَا أَبَتِ لا تَعْبُدِ
الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيّاً}.
وقوله تعالى: {بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنّ}.
الآية. وقوله تعالى: {وَكَذَلِكَ زَيَّنَ
لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ}.
الآية. فكل هذا الكفر بشرك الطاعة في معصية الله تعالى، ولما أوحى الشيطان إلى
كفار مكة أن يسألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن الشاة تصبح ميتة من قتلها؟ وأنه
إذا قال صلى الله عليه وسلم الله قتلها أن يقولوا: ما قتلتموه بأيديكم حلال وما
قتله الله حرام فأنتم إذا أحسن من الله. أنزل الله في ذلك قوله تعالى: {وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ
عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى
أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ
لَمُشْرِكُونَ}. فأقسم تعالى في هذه الآية على أن من أطاع الشيطان في
معصية الله أنه مشرك بالله ولما سأل عدي بن حاتم النبي صلى الله عليه وسلم عن
قوله: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ
أَرْبَاباً}، كيف اتخذوهم أربابا؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم: "ألم يحلوا لهم ما حرم الله ويحرموا عليهم ما أحل الله
فاتبعوهم". قال: "بلى". قال: "بذلك اتخذوهم أربابا".
فبان أن أهل الكتاب مشركون من هذا الوجه الشرك الأكبر وإن كانوا خالفوا كفار مكة
في صريح عبادة الأوثان والعلم عند الله تعالى. |
|
قوله تعالى: {انْفِرُوا خِفَافاً وَثِقَالاً}. الآية. هذه
الآية الكريمة تدل على لزوم الخروج للجهاد في سبيل الله على كل حال وقد جاءت
آيات أخرى تدل على خلاف ذلك كقوله: {لَيْسَ عَلَى
الضُّعَفَاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضَى وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ مَا
يُنْفِقُونَ حَرَجٌ}. الآية. وقوله تعالى: {وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً}.
الآية. |
|
والجواب: أن آية انفروا خفافا
وثقالا منسوخة بآيات العذر المذكورة وهذا الوضع من أمثلة ما نسخ فيه الناسخ لأن
قوله: {انْفِرُوا خِفَافاً وَثِقَالاً..} ناسخ
لآيات الإعراض عن المشركين وهو منسوخ بآيات العذر كما ذكرنا آنفا. والعلم عند
الله تعالى. |
|
|
|
[1] - لو قيل بعدم النسخ
والتعارض لأن أشهر السياحة خاصة بأهل العهود الذين نقضوا عهدهم أو ظهرت خيانتهم.
الخ. فأرجئوا أربعة أشهر حتى يبلغوا مأمنهم. وأما الأشهر الحرم الأخرى الدوارة فهي
على ما هي عليه لما ذكر من الأدلة ولأن المشركين لما عاتبوا المسلمين في وقعه سرية
نخله وعظم الأمر على المسلمين لم يذكر الله نسخ تلك الأشهر، بل ذكر أن القتال فيها
كبير أيضا إلا أن عمل الكفار للمسلمين أكبر وكأنهم بادؤون بالحرب فلا جرم على
المسلمين إذا حاربوهم لذلك
{يَسْأَلونَكَ عَنِ الشَّهْرِ
الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ
اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ َالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ
أَكْبَرُ}. الآية. |
|
ومن ناحية أخرى أن قوله تعالى: {َقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً} من باب التهييج ولم يتعرض للزمن فلا دليل فيه على النسخ وحصار ثقيف أجاب عنه في فتح القدير للشوكاني بأنه كان امتداد لحرب بدأت في شوال ابتدأ بها هوازن ثم لجأوا إلى الطائف فامتد الحرب من شوال إلى الأشهر الحرم. ويقول: فرق بين البداءة وبين الامتداد، فالبداءة محرمة بخلاف الامتداد. |