|
|
|
يستفتونك |
|
يتولى
الرد على أسئلة القراء فضيلة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز |
|
رئيس الجامعة الإسلامية |
|
|
|
ورد سؤال من الشيخ منظور أحمد رئيس
الجامعة العربية (جنيوت الباكستان الغربية) وهذا نص السؤال: |
|
ما قول السادة العلماء الكرام في
حياة سيدنا عيسى عليه السلام ورفعه إلى السماء بجسده العنصري الشريف ثم نزوله من
السماء إلى الأرض قرب يوم القيامة وأن ذلك النزول من أشراط الساعة وما حكم من
أنكر نزوله قرب يوم القيامة، وادعى أنه صلب ولكنه لم يمت بذلك بل هاجر إلى كشمير
(الهند) وعاش فيها طويلا ومات فيها بموت طبعي وأنه لا ينزل قبل الساعة بل يأتي
مثيله. أفتونا مأجورين؟ |
|
والجواب: |
|
وبالله المستعان وعليه التكلان ولا
حول ولا قوة إلا بالله، قد تظافرت الأدلة من الكتاب والسنة على أن عيسى بن مريم
عبد الله ورسوله صلى الله عليه وسلم قد رفع إلى السماء بجسده الشريف وروحه وأنه
لم يمت ولم يقتل ولم يصلب وأنه ينزل في آخر الزمان فيقتل الدجال ويكسر الصليب
ويقتل الخنزير ويضع الجزية ولا يقبل إلا الإسلام وثبت أن ذلك النزول من أشراط
الساعة. وقد أجمع علماء الإسلام الذين يعتد بأقوالهم على ما ذكرناه وإنما
اختلفوا في التوفي المذكور في قول الله عز وجل: {إِذْ
قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ }
على أقوال: |
|
أحدها: |
|
إن المراد بذلك وفاة الموت لأنه
الظاهر من الآية بالنسبة إلى من لم يتأمل بقية الأدلة ولأن ذلك قد تكرر في
القرآن الكريم بهذا المعنى مثل قوله تعالى: {قُلْ
يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ}وقوله
سبحانه وتعالى: {وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى
الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ}وفي آيات أخرى قد ذكر فيها التوفي
بمعنى الموت, وعلى هذا المعنى يكون في الآية تقديم وتأخير. |
|
والقول الثاني: معناه القبض نقل ذلك
أبن جرير في تفسيره عن جماعة من السلف واختاره ورجحه على ما سواه وعليه فيكون
معنى الآية: إني قابضك من عالم الأرض إلى عالم السماء وأنت حيّ ورافعك إليّ. ومن
هذا المعنى قول العرب: "توفيت مالي من فلان" أي قبضته كله وافيا. |
|
والقول الثالث: أن المراد بذلك: وفاة
النوم؛ لأن النوم يسمى وفاة, وقد دلت الأدلة على عدم موته عليه السلام فوجب حمل
الآية على وفاة النوم جمعاً بين الأدلة كقوله سبحانه وتعالى: {وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ}, وقوله
عز وجل: {اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ
مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى
عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً}.
والقولان الأخيران أرجح من القول الأول, وبكل حال فالحق الذي دلت عليه الأدلة
البينة وتظافرت عليه البراهين أنه عليه الصلاة والسلام رفع إلى السماء حيا وأنه
لم يمت بل لم يزل عليه السلام حيا في السماء إلى أن ينزل في آخر الزمان ويقوم
بأداء المهمة التي أسندت إليه المبينة في الأحاديث الصحيحة عن محمد رسول الله
صلى الله عليه وسلم ثم يموت بعد ذلك الموتة التي كتبها الله عليه ومن هنا يعلم
أن تفسير التوفي بالموت قول ضعيف مرجوح وعلى فرض صحته فالمراد بذلك التوفي الذي
يكون بعد نزوله في آخر الزمان فيكون ذكره في الآية قبل الرفع من باب المقدم
ومعناه التأخير لأن الواو لا تقتضي الترتيب كما نبه عليه أهل العلم والله
الموفق. وأما من زعم أنه قد قتل أو صلب فصريح القرآن يرد قوله ويبطله. وهكذا قول
من قال إنه لم يرفع إلى السماء وإنما هاجر إلى كشمير وعاش فيها طويلا ومات فيها
بموت طبيعي وأنه لا ينزل قبل الساعة وإنما يأتي مثيله فقوله ظاهر البطلان بل هو
من أعظم الفرية على الله تعالى والكذب عليه وعلى رسوله صلى الله عليه وسلم. |
|
وهكذا قول من قال إنه أتى وأدى
المهمة كالقادياني فقوله من أوضح الكذب فإن المسيح عليه السلام لم يزل في السماء
ولم يزل إلى وقتنا هذا وسوف ينزل في مستقبل الزمان كما أخبر بذلك رسول الله صلى
الله عليه وسلم ومما تقدم يعلم السائل وغيره أن من قال إن المسيح قتل أو صلب أو
قال إنه هاجر إلى كشمير ومات بها موتا طبيعيا ولم يرفع إلى السماء أو قال إنه قد
أتى أو سيأتي مثيله وإنه ليس هناك مسيح ينزل من السماء فقد أعظم على الله الفرية
بل هو مكذب لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم ومن كذب الله ورسوله فقد كفر والواجب
أن يستتاب من قال مثل هذه الأقوال وأن توضح له الأدلة من الكتاب والسنة فإن تاب
ورجع إلى الحق وإلا قتل كافرا. |
|
والأدلة على ذلك كثيرة معلومة منها
قوله سبحانه في شأن عيسى عليه السلام في سورة النساء {وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ
الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ
إِلاَّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً, بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ
إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً}. ومنها ما توافرت به
الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من أنه عليه الصلاة والسلام ينزل في
آخر الزمان حَكَماً مقسطاً فيقتل مسيح الضلالة ويكسر الصليب ويقتل الخنزير ويضع
الجزية ولا يقبل إلا الإسلام، وهي أحاديث متواترة مقطوع بصحتها عن رسول الله صلى
الله عليه وسلم وقد أجمع علماء الإسلام على تلاقيها بالقبول والإيمان بما دلت
عليه وذكروا ذلك في كتب العقائد. |
|
فمن أنكرها متعلقاً بأنها أخبار
آحاد لا تفيد القطع وتأوَّلها على أن المراد بذلك تمسك الناس في آخر الزمان
بأخلاق المسيح عليه السلام من الرحمة والعطف وأخذ الناس بروح الشريعة ومقاصدها
ولبابها لا بظواهرها فقوله ظاهر البطلان مخالف لما عليه أئمة الإسلام بل هو صريح
في رد النصوص الثابتة المتواترة وجناية على الشريعة الغراء وجرأة شنيعة على
الإسلام وأخبار المعصوم عليه الصلاة والسلام وتحكيم للظن والهوى وخروج عن جادة
الحق والهدى لا يقدم عليه من له قدم راسخة في علم الشريعة وإيمان صادق بمن جاء
بها وتعظيم لأحكامها ونصوصها والقول بأن أحاديث المسيح أخبار آحاد لا تفيد القطع
قول ظاهر الفساد لأنها أحاديث كثيرة مخرجة في الصحاح والسنن والمسانيد متنوعة
الأسانيد والطرق متعددة المخارج قد توفرت فيها شروط التواتر فكيف يجوز لمن له
أدنى بصيرة في الشريعة أن يقول باطّراحها وعدم الاعتماد عليها ولو سلمنا أنها
أخبار آحاد فليس كل أخبار الآحاد لا يفيد القطع بل الصحيح الذي عليه أهل التحقيق
من أهل العلم أن أخبار الآحاد إذا تعددت طرقها واستقامت أسانيدها وسلمت من
المعارض المقاوم تفيد القطع والأحاديث في هذا الباب بهذا المعنى فإنها أحاديث
مقطوع بصحتها متعددة الطرق والمخارج ليس في الباب ما يعارضها فهي مفيدة للقطع
سواء قلنا أنها أخبار آحاد أو متواترة وبذلك يعلم السائل وغيره بطلان هذه الشبهة
وانحراف قائلها عن جادة الحق والصواب وأشنع من ذلك وأعظم في البطلان والجرأة على
الله سبحانه وتعالى وعلى رسوله صلى الله عليه وسلم قول من تأولها على غير ما دلت
عليه فإنه قد جمع بين تكذيب النصوص وإبطالها وعدم الإيمان بما دلت عليه من نزول
عيسى عليه السلام وحكمه بين الناس بالقسط وقتله الدجال وغير ذلك مما جاء في
الأحاديث وبين نسبته الرسول صلى الله عليه وسلم الذي هو أنصح الناس وأعلمهم
بشريعة الله إلى التمويه والتلبيس وإرادة غير ما يظهر من كلامه وتدل عليه ألفاظه
وهذا غاية في الكذب والافتراء والغش للأمة الذي يجب أن يتنزه عنه مقام الرسول
صلى الله عليه وسلم. |
|
وهذا القول يشبه قول الملاحدة
الذين نسبوا الرسل عليهم الصلاة والسلام إلى التخييل والتلبيس لمصلحة الجمهور
وأنهم ما أرادوا مما قالوه الحقيقة وقد رد عليهم أهل العلم والإيمان وأبطلوا
مقالتهم بواضح الحجة وساطع البرهان. فنعوذ بالله من زيغ القلوب والتباس الأمور
ومضلات الفتن ونزغات الشيطان، ونسأله عز وجل أن يعصمنا والمسلمين من طاعة الهوى
والشيطان إنه على كل شيء قدير ولا حول ولا قوة إلا بالله ونرجو أن يكون فيما
ذكرناه مقنع للسائل وإيضاح للحق. |
|
ورد سؤال من بعض الإخوة بمدينة
(كتان كدى) الواقعة بجنوب سيلان يذكرون فيه أن سكان هذه المدينة البالغ عددهم
(20000) نسمة قد حدث بينهم خلاف حول جواز ترجمة خطبة الجمعة والعيدين بلغتهم
الوطنية ورغبتهم في إبانة الصواب في هذه المسألة حسب ما تقتضيه قواعد الشرع
المطهر والمصلحة العامة للمخاطبين بالخطبة؟ |
|
الجواب: |
|
قد تنازع العلماء رحمة الله عليهم
في جواز ترجمة الخطب المنبرية في يوم الجمعة والعيدين باللغات الأعجمية فمنع ذلك
جمع من أهل العلم رغبة منهم رضي الله عنهم في بقاء اللغة العربية والمحافظة
عليها والسير على طريقة الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم في
إلقاء الخطب باللغة العربية في بلاد العجم وغيرها وتشجيعاً للناس على تعلم اللغة
العربية والعناية بها. |
|
وذهب آخرون من أهل العم إلى جواز
ترجمة الخطب باللغة الأعجمية إذا كان المخاطبون أو أكثرهم لا يعرفون اللغة
العربية نظراً للمعنى الذي من أجله شرع الله الخطبة وهو تفهيم الناس ما شرعه
الله لهم من الأحكام وما نهاهم عنه من المعاصي والآثام وإرشادهم إلى الأخلاق
الكريمة والصفات الحميدة وتحذيرهم من خلافها. ولا شك أن مراعاة المعاني والمقاصد
أولى وأوجب من مراعاة الألفاظ والرسوم ولا سيما إذا كان المخاطبون لا يهتمون
باللغة العربية ولا يؤثر فيهم خطبة الخطيب بها تسابقا إلى تعلمها وحرصا عليها.
فالمقصود حينئذ لم يحصل والمطلوب بالبقاء على اللغة العربية لم يتحقق. وبذلك
يظهر للمتأمل أن القول بجواز ترجمة الخطب باللغات السائدة بين المخاطبين التي
يعقلون بها الكلام ويفهمون بها المراد أولى وأحق بالاتباع ولا سيما إذا كان عدم
الترجمة يفضي إلى النزاع والخصام، فلا شك أن الترجمة والحالة هذه متعينة لحصول
المصلحة بها وزوال المفسدة. وإذا كان في المخاطبين من يعرف اللغة العربية
فالمشروع للخطيب أن يجمع بين اللغتين فيخطب باللغة العربية ثم يعيدها باللغة
الأخرى التي يفهمها الآخرون، وبذلك يجمع بين اللغتين، وبذلك يجمع بين المصلحتين وتنتفي
المضرة كلها وينقطع النزاع بين المخاطبين. |
|
ويدل على ذلك من الشرع المطهر أدلة
كثيرة منها ما تقدم وهو أن المقصود من الخطبة نفع المخاطبين وتذكيرهم بحق الله
ودعوتهم إليه وتحذيرهم مما نهى الله عنه ولا يحصل ذلك إلا بلغتهم ومنها أن الله
سبحانه إنما أرسل الرسل عليهم السلام بألسنة قومهم ليفهموهم مراد الله سبحانه
بلغاتهم كما قال عز وجل: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ
رَسُولٍ إِلاّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ} وقال عز وجل: {كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ
الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ
الْحَمِيدِ} وكيف يمكن إخراجهم به من الظلمات إلى النور وهم لا
يعرفون معناه ولا يفهمون مراد الله منه. فعلم أنه لا بد من ترجمة تبين المراد
وتوضح لهم حق الله سبحانه إذا لم يتيسر لهم تعلم لغته والعناية بها. ومن ذلك أن
الرسول صلى الله عليه وسلم أمر زيد بن ثابت أن يتعلم لغة اليهود ليكاتبهم بها
ويقيم عليهم الحجة، كما يقرأ كتبهم إذا وردت ويوضح للنبي صلى الله عليه وسلم
مرادهم. ومن ذلك أن الصحابة رضي الله عنهم لما غزوا بلاد العجم من فارس والروم
لم يقاتلوهم حتى دعوهم إلى الإسلام بواسطة المترجمين. ولما فتحوا البلاد
الأعجمية دعوا الناس إلى الله سبحانه باللغة العربية وأمروا الناس بتعلمها ومن
جهلها منهم دعوه بلغته وأفهموه المراد باللغة التي يفهمها فقامت بذلك الحجة
وانقطعت المعذرة. ولا شك أن هذا السبيل لا بد منه ولا سيما في آخر الزمان وعند
غربة الإسلام وتمسك كل قبيل بلغته. فإن الحاجة للترجمة ضرورية ولا يتم للداعي
دعوة إلا بذلك. وصلى الله على عبده ورسوله نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين ومن
تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. |
|
عبد
العزيز بن عبد الله بن باز |
|
رئيس الجامعة الإسلامية |
|
نصيحة |
|
(من
رسالة لإمام علي كرم الله وجهه) |
|
دع الإسراف مقتصداً، واذكر في
اليوم غداً، وامسك من المال بقدر ضرورتك، وقدم الفضل ليوم حاجتك، أترجو أن يعطيك
الله أجر المتواضعين وأنت عنده من المتكبيرن؟ أو تطمع وأنت متمرغ في نعيم تمنعه
الضعيف والأرملة، أن يوجب لك ثواب المتصدقين؟ وإنما المرء مجزي بما أسلف وقادم
علة ما قدم، والسلام. |
|
(جواهر الأدب) |