طباعة

 توثيق النص

 

 

 

تحقيق المقام فيما يتعلق بأوقات النهي عن الصلاة من أحكام

بقلم: د/ عيد بن سفر الحجيلي

الأستاذ المساعد بكلية الشريعة بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة

 

 

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداًَ عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

أما بعد: فإن للصلاة أهمية عظمى ويكفي في بيان عظم شأنها وعلو قدرها أنها عمود الإسلام وثاني أركانه وبيان ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: "رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد"[1] وقوله صلى الله عليه وسلم: "بني الإسلام على خمس شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسوله الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة والحج وصوم رمضان"[2]. والأحاديث الدالة على أهمية الصلاة وبيان فضلها كثيرة جداً، ولم يكن فضل الصلاة خاصاً بالفرائض بل إن في التطوع من عظيم الأجر وجزيل الثواب مالا يحصيه إلا الله سبحانه وتعالى ومما جاء في ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: "ما من عبد مسلم يصلي لله كل يوم ثنتى عشرة ركعة تطوعاً غير فريضة إلا بنى الله له بيتاً في الجنة. أو بنى له بيت في الجنة"[3].

وقوله صلى الله عليه وسلم: "ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها"[4].

وحيث ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم النهي عن الصلاة في بعض الأوقات، واختلف العلماء في عدد هذه الأوقات وفيما يباح من الصلاة فيها مما لا يباح لاسيما تحية المسجد التي كثر الخلاف في الوقت الحاضر في فعلها في وقت النهي وقد رأيت من دخل المسجد بعد أذان المغرب فجلس ولم يصلها بحجة أن ذلك هو مذهب بعض الأئمة الأربعة علما بأن الصلاة بعد الغروب وقبل صلاة المغرب فعلها الصحابة رضي الله عنهم بحضور النبي صلى الله عليه وسلم فلم ينكرها[5].

لذلك كله ولأنني لم أعلم من أفرد أوقات النهي ببحث مستقل أحببت أن أسهم في خدمة هذا الموضوع وذلك بدراسته دراسة موازنة من خلال هذا البحث المتواضع الذي سميته: "تحقيق المقام فيما يتعلق في أوقات النهي عن الصلاة من أحكام" وجعلته في بابين وخاتمة اشتمل كل باب على عدة فصول واشتملت بعض الفصول على مباحث كما أن بعض المباحث تضمنت مطالب.

وقد جعلت الباب الأول: في بيان أوقات النهي وفيه فصلان:

الفصل الأول: حكم أوقات النهي من حيث الثبوت وعدمه.

الفصل الثاني: عدد أوقات النهي وفيه تمهيد وثلاثة مباحث:

المبحث الأول: الأوقات الخمسة التي اشتهرت بالنهي.

المبحث الثاني: النهي عن الصلاة بعد العصر وبعد الفجر هل هو متعلق بفعل الصلاة أو بدخول الوقت.

المبحث الثالث: أوقات أخرى وفيه تمهيد وستة مطالب:

المطلب الأول: وقت ما بعد الغروب وقبل صلاة المغرب.

المطلب الثاني: وقت إقامة الصلاة.

المطلب الثالث: وقت الخطبة يوم الجمعة.

المطلب الرابع: وقت خطبة العيد والكسوف والاستسقاء.

المطلب الخامس: وقت ما بعد صلاة العيد وقبلها.

المطلب السادس: وقت ما بعد صلاة الجمعة في المسجد.

أما الباب الثاني فهو: في بيان ما يباح ومالا يباح من الصلوات في أوقات النهي واشتمل على تسعة فصول:

الفصل الأول: قضاء الفوائت وفيه أربعة مباحث:

المبحث الأول: قضاء الفرائض.

المبحث الثاني: قضاء ركعتي الفجر بعد الصلاة.

المبحث الثالث: قضاء الوتر.

المبحث الرابع: قضاء السنن الراتبة.

الفصل الثاني: الصلاة على الجنازة.

الفصل الثالث: تحية المسجد.

الفصل الرابع: ركعتا الإحرام والطواف والوضوء وفيه ثلاثة مباحث:

المبحث الأول: ركعتا الإحرام.

المبحث الثاني: ركعتا الطواف.

المبحث الثالث: ركعتا الوضوء.

الفصل الخامس: صلاة الكسوف وصلاة الاستسقاء وفيه مبحثان:

المبحث الأول: صلاة الكسوف.

المبحث الثاني: صلاة الاستسقاء.

الفصل السادس: سجود التلاوة وسجود الشكر وفيه مبحثان:

المبحث الأول: سجود التلاوة.

المبحث الثاني: سجود الشكر.

الفصل السابع: إعادة الصلاة مع الجماعة.

الفصل الثامن: الصلاة المنذورة وصلاة الاستخارة وفيه مبحثان:

المبحث الأول: الصلاة المنذورة.

المبحث الثاني: صلاة الاستخارة.

الفصل التاسع: التطوع في مكة في أوقات النهي.

وأما الخاتمة فجعلتها في أهم ما توصلت إليه من نتائج.

وقد سلكت في إعداد هذا البحث المنهج التالي:

1- حاولت حصر جميع المسائل المتعلقة بالبحث ودرست كل مسألة دراسة موازنة بينت فيها المذاهب الأربعة وقد أشير أحيانا إلى أقوال بعض الصحابة والتابعين

وغيرهم من الفقهاء رضي الله عنهم أجمعين.

2- حرصت أن تخرج المسائل بأسلوب سهل فجمعت ما اتفق من المذاهب في الحكم في قوله واحد ثم ذكرت الأقوال الأخرى وبعد ذلك أذكر الأدلة لكل قول ثم أختم المسألة بما يترجح لديّ فيها وبيان سبب الترجيح والرد على أدلة القول المخالف إن وجد.

3- خرجت الأحاديث الواردة يا البحث فإن كان الحديث في الصحيحين أو في أحدهما اكتفيت بتخريجه منهما أو من أحدهما وإن لم يكن كذلك ذكرت درجته صحة أو ضعفا من واقع الكتب التي تعنى بذلك.

4- صرفت النظر عن الترجمة للأعلام خشية الإطالة.

5- وضعت في نهاية البحث ثلاثة فهارس:

الأول للأحاديث والآثار مرتبة حسب الحروف الهجائية.

والثاني للمصادر والمراجع ورتبتها على الحروف الهجائية أيضا وذكرت اسم

الكتاب والمؤلف وتاريخ وفاته والطبعة والناشر متى ما وجدت شيئا من ذلك.

أما الفهرس الثالث فهو لموضوعات البحث.

وفي الختام أسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعل عملي خالصا لوجهه الكريم وأن يوفقني للعمل الذي يرضيه عني إنه ولي ذلك والقادر عليه وصلى الله وسلم على سيد خلقه عبده ورسوله محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

 

الباب الأول : بيان أوقات النهي

الفصل الأول :حكم أوقات النهي من حيث الثبوت وعدمه

أكثر أهل العلم ومنهم الأئمة الأربعة على ثبوت النهي عن الصلاة في بعض الأوقات[6]، وقد حكى النووي الإجماع على ذلك[7].

ومن الأدلة لهم ما يأتي:

1- عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صلاتين، بعد الفجر حتى تطلع الشمس وبعد العصر حتى تغرب[8].

2- عن ابن عباس رضي الله عنهما قال:" شهد عندي رجال مرضيون وأرضاهم عندي عمر، أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الصلاة بعد الصبح حتى تشرق الشمس وبعد العصر حتى تغرب"[9].

3- عن عطاء بن يزيد الجندعي أنه سمعت أبا سعيد الخدري يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "لا صلاة بعد الصبح حتى ترتفع الشمس ولا صلاة بعد العصر حتى تغيب الشمس "[10].

4- عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تحروا بصلاتكم طلوع الشمس ولا غروبها"[11].

5- وعنه أيضا قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا طلع حاجب الشمس فأخروا الصلاة حتى ترتفع وإذا غاب حاجب الشمس فأخروا الصلاة حتى تغيب "[12].

6- عن عقبة بن عامر الجهني رضي الله عنه قال: ثلاث ساعات كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهانا أن نصلي فيهن أو أن نقبر فيهن موتانا، حين تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع وحين يقوم قائم الظهيرة[13]حتى تميل الشمس وحين تضئ! الشمس للغروب حتى تغرب "[14].

وحكى الحافظ ابن حجر عن طائفة من السلف إباحة التطوع في كل وقت حيث قال: "قال النووي أجمعت الأمة على كراهة صلاة لا سبب لها في الأوقات المنهي عنها واتفقوا على جواز الفرائض المؤداة فيها".. إلى أن قال: "قلت: وما نقله من الإجماع والاتفاق متعقب، فقد حكى غيره الإباحة مطلقا وأن أحاديث النهي منسوخة، وبه قال داود وغيره من أهل الظاهر وبذلك جزم ابن حزم،وعن طائفة أخرى المنع مطلقا في جميع الصلوات "[15].

قلت: دعوى النسخ لا دليل عليها فتبقى أحاديث النهى محكمة. قال ابن حزم: "وأما من رأى من أصحابنا النهى عن الصلاة بعد صلاة العصر منسوخا بصلاته عليه السلام الركعتين فكان يصح هذا لولا حديث وهب بن الأجدع الذي ذكرنا من إباحته عليه السلام الصلاة بعد العصر مادامت الشمس مرتفعة فبطل النسخ في ذلك "[16]أ هـ. فثبت بهذا أن أوقات النهي ثابتة.

 

الفصل الثاني :عدد أوقات النهي

بالنظر في الأحاديث السابقة في حكم أوقات النهي يتبين أن هناك خمسة أوقات منهي عن الصلاة فيها، دل حديث عقبة بن عامر الجهني رضي الله عنه على ثلاثة منها هي: حين تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع وحين يقوم قائم الظهيرة حتى تميل الشمس وحين تضيف الشمس للغروب حتى تغرب، وزادت بقية الأحاديث وقتين هما بعد الفجر حتى تطلع الشمس وبعد العصر حتى تغرب الشمس.

وحيث اختلف العلماء في عدد أوقات النهي فذكر بعضهم أنها خمسة واشتهر النص على ذلك في كثير من كتب الفقه[17]، وزاد بعضهم عليها ونقص البعض الآخر[18]، كما اختلفوا في تعلق النهي عن الصلاة بعد الفجر هل هو بطلوع الفجر أو بصلاة الفجر رأيت أن أجعل الكلام في هذا الفصل في ثلاثة مباحث:

المبحث الأول: في الأوقات الخمسة ومعرفة من عدها جميعا أوقات نهي ومن عد بعضها وبيان الراجح من ذلك. أما المبحث الثاني: فجعلته في تعلق النهي عن الصلاة بعد العصر وبعد الفجر. بينما جعلت المبحث الثالث في أوقات أخرى زادها بعض العلماء فأقول وبالله التوفيق.

المبحث الأول: الأوقات الخمسة

اختلف العلماء في عد هذه الأوقات أوقات نهي على أربعة أقوال:

الأول: أن الأوقات الخمسة كلها أوقات نهي وهي من بعد الفجر[19]حتى تطلع الشمس، وعند طلوعها حتى ترتفع، وإذا استوت حتى تزول، وبعد العصر حتى تغرب الشمس، ومن حين تتضيف للغروب حتى تغرب.

وبه قال الحنفية[20]، والحنابلة[21]، وكذا الشافعية إلا أنهم استثنوا وقت الزوال يوم الجمعة[22]، وروى الترخيص يوم الجمعة عن طاوس والحسن ومكحول والأوزاعي وسعيد بن عبدالعزيز وإسحاق وأبي يوسف[23]، واختار ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية[24]، وقال ابن مفلح في الفروع:[25]"وظاهر الجواز ولو لم يحضر الجامع ".

ومن هؤلاء من جعل الأوقات الخمسة ثلاثة حيث جعل من بعد الفجر إلى ارتفاع الشمس قيد رمح وقت ومن بعد العصر حتى تغرب الشمس وقت، وهذا هو الذي حكاه ابن قدامة في المغني عن الإمام أحمد حيث قال: "اختلف أهل العلم في الأوقات المنهي عن الصلاة فيها فذهب أحمد رحمه الله تعالى إلى أنها من بعد الفجر حتى ترتفع الشمس قدر رمح وبعد العصر حتى تغرب الشمس وحال قيام الشمس حتى تزول، وعدها أصحابه خمسة أوقات من الفجر إلى طلوع الشمس وقت ومن طلوعها إلى ارتفاعها وقت وحال قيامها وقت ومن العصر إلى شروع الشمس في الغروب وقت وإلى تكامل الغروب وقت "[26]أهـ.

وممن جزم بأن الأوقات ثلاثة من الحنابلة مرعي بن يوسف في دليل الطالب حيث قال: "فصل في أوقات النهي وهي من طلوع الفجر إلى ارتفاع الشمس قيد رمح ومن العصر إلى غروب الشمس وعند قيامها حتى تزول "[27].

ومن الشافعية النووي حيث قال: "وتكره الصلاة عند الاستواء إلا يوم الجمعة وبعد الصبح حتى ترتفع الشمس كرمح والعصر حتى تغرب "[28].

القول الثاني: أن الأوقات المنهي عن الصلاة فيها أربعة، وهي الأوقات التي ذكرها أصحاب القول الأول عدا وقت الزوال مطلقا أي بدون فرق بين يوم الجمعة وغيره، وبه قال المالكية[29].

الثالث: أنها أربعة أيضا وهي المذكورة في القول الأول كذلك، عدا بعد العصر

وبه قال بعض العلماء[30]. وممن رخص في الصلاة بعد صلاة العصر علي وعائشة والزبير وابنه وتميم الداري والنعمان بن بشير وأبو أيوب الأنصاري رضي الله عنهم أجمعين[31]. الرابع: أنها ثلاثة فقط وهي المذكورة في حديث عقبة بن عامر رضي الله عنه وهي حين تطلع الشمس حتى ترتفع وعند استوائها حتى تزول وحين تتضيف للغروب حتى تغرب وبه قال ابن المنذر[32].

الأدلة:

استدل أصحاب القول الأول على أن أوقات النهى خمسة:

بالأحاديث السابقة في حكم أوقات النهى حيث دلت على خمسة أوقات نهى عن الصلاة فيها.

واستدل الشافعية ومن معهم على استثناء يوم الجمعة بما يأتي:

1- عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن الصلاة نصف النهار حتى تزول الشمس إلا يوم الجمعة[33].

2- عن أبي قتادة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كره الصلاة نصف النهار إلا يوم الجمعة وقال: "إن جهنم تسجر إلا يوم الجمعة[34].

3- أن النعاس يغلب في هذا الوقت فيطرد بالتنفل خوفا من انتقاض الوضوء، لأن الخروج من المسجد فيه مشقة[35].

4- أن الناس ينتظرون الجمعة في هذا الوقت وليس عليهم قطع النوافل، لأن النبي صلى الله عليه وسلم استحب التبكير إلى الجنة ثم رغب في الصلاة إلى خروج الإمام من غير تخصيص ولا استثناء[36].

واستدل أصحاب القول الثاني على استثناء وقت الزوال: بعمل أهل المدينة، حيث لم يجد الإمام مالك العمل عندهم باعتبار وقت الزوال وقت نهى فاعتقد أن النهى منسوخ بعلمهم[37].

واستدل أصحاب القول الثالث على استثناء ما بعد العصر بما يأتي:

ا- ما ثبت من فعل النبي صلى الله عليه وسلم لذلك كما في حديث عائشة رضي الله عنها أنها قالت: "ما ترك رسول الله  صلى الله عليه وسلم ركعتين بعد العصر عندي قط "[38].

2- عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت وهم عمر إنما نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتحرى طلوع الشمس وغروبها[39].

3- عن علي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم: " نهى عن الصلاة بعد العصر إلا والشمس مرتفعة"[40].

واستدل أصحاب القول الرابع بما يأتي:

1- حديث عقبة بن عامر الذي فيه: "ثلاث ساعات كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهانا أن نصلي فيهن أو نقبر فيهن موتانا.. الحديث[41].

2- عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تحروا بصلاتكم طلوع الشمس ولا غروبها"[42].

3- حديث عائشة وعلي رضي الله عنهما السابقين قريبا في أدلة أصحاب القول الثالث.

الترجيح:

من دراسة الأقوال في المسألة وأدلتها يتبين أن الراجح والله أعلم القول الأول وهو أن الأوقات الخمسة كلها أوقات نهى لدلالة الأحاديث الصحيحة على ذلك، ويمكن جعلها ثلاثة لأن حال الطلوع إلى الارتفاع متصل بما بعد الفجر وحين تتضيف الشمس للغروب داخل في النهى بعد العصر إلى الغروب، فلعل الذين جعلوها خمسة نظروا إلى الأحاديث حيث ذكرتها كذلك.

وأما أدلة الشافعية ومن معهم على استثناء يوم الجمعة فيجاب عنها بما يأتي:

1- حديثا أبى هريرة وأبي قتادة ضعيفان كما سبق ذلك في تخريجهما، وعلى فرض صحتهما فإنهما لا يقويان على معارضة حديث عقبة بن عامر الذي دل بعمومه على النهي عن الصلاة وقت الزوال بدون تفريق بين الجمعة وغيره.

2- قولهم إن النعاس يغلب في هذا الوقت فيطرد بالتنفل، اجتهاد مع النص لاسيما أن هذا يصلح لمن حضر الجمعة، والأصح عندهم جواز التنفل في هذا الوقت مطلقا سواء حضر الجمعة أولا[43].

3- قولهم إن الناس ينتظرون الجمعة وليس عليهم قطع النوافل، لأن النبي صلى الله عليه وسلم رغب فيها إلى خروج الإمام من غير تخصيص ولا استثناء يمكن الجواب عنه بأنه اجتهاد مع النص، ويجب قطع النوافل، إذا حضر وقت النهي لأن ترغيب النبي صلى الله عليه وسلم المقصود به الحث على فعل النوافل وعموم ذلك مخصوص بأحاديث النهى.

وأما استدلال أصحاب القول الثاني على استثناء وقت الزوال مطلقا بعمل أهل المدينة واحتمال أن النهى منسوخ بعلمهم فغير مسلم. لاسيما أنه روى عن بعض الصحابة رضي الله عنهم أنهم استثنوا من أوقات النهى ما بعد العصر حيث رخصوا في الصلاة بعدها[44]، ولم ينقل عنهم الرخصة في غيرها فدل ذلك على أن النهى عند الزوال باق عندهم.

وأما أدلة أصحاب القول الثالث فأجيب عنها بما يأتي:

1- فعل النبي صلى الله عليه وسلم للركعتين بعد العصر من خصائصه صلى الله عليه وسلم[45]، لأن ذكوان مولى عائشة روى أنها حدثته أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي بعد العصر وينهى عنها، ويواصل وينهى عن الوصال[46].

ولما روى أبو سلمة أنه سأل عائشة عن السجدتين اللتين كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصليهما بعد العصر فقالت كان يصليهما قبل العصر ثم انه شغل عنهما أونسيهما فصلاهما بعد العصر ثم أثبتهما وكان إذا صلى صلاة أثبتها[47].

2- رد عائشة خبر عمر رضي الله عنهما الدال على النهى عن الصلاة بعد العصر فيه نظر، لأن عمررضي الله عنه مثبت لروايته عن النبي صلى الله عليه وسلم ورواه غيره من الصحابة أبو سعيد وعمرو بن عبسه وأبو هريرة وابن عمر والصنابحي وأم سلمة، وعائشة رضي الله عنها لعلها قالت برأيها[48]. وعلى القول بروايتها أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما نهى أن يتحرى طلوع الشمس وغروبها فإن أكثر ما فيه إثبات النهي في هذين الوقتين والنهي بعد العصر ثبت بالأحاديث الأخرى.

3- حديث علي رضي الله عنه دل على جواز الصلاة بعد العصر إذا كانت الشمس مرتفعة بالمفهوم والأحاديث الأخرى دلت على المنع بمنطوقها والمنطوق مقدم على المفهوم.

وأما أدلة أصحاب القول الرابع: فأكثر ما فيها إثبات النهي في تلك الأوقات الثلاثة وليس فيها ما يدل على الإباحة فيما عداها، فبقية الأحاديث أثبت بقية أوقات النهي الخمسة والله أعلم بالصواب.

المبحث الثاني

النهي عن الصلاة بعد العصر وبعد الفجر هل هو متعلق بفعل الصلاة أو بدخول الوقت اتفق القائلون بالنهي عن الصلاة في هذين الوقتين على أن النهي بعد العصر متعلق بفعل الصلاة أي أن من لم يصل العصر له التنفل بما شاء ولا عبرة بدخول وقت العصر. قال ابن قدامة: "والنهي عن الصلاة بعد العصر متعلق بفعل الصلاة فمن لم يصل أبيح له التنفل وإن صلى غيره ومن صلى العصر فليس التنفل وإن لم يصل أحد سواه لا نعلم في هذا خلافا عند من يمنع الصلاة بعد العصر"[49].

وقال النووي: " لا خلاف أن وقت الكراهة بعد العصر لا يدخل بمجرد دخول العصر بل لا يدخل حتى يصليها"[50].

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "والنهي في العصر معلق بصلاة العصر فإذا صلاها لم يصل بعدها وإن كان غيره لم يصل، وما لم يصلها فله أن يصلى، وهذا ثابت بالنص و الاتفاق "[51].

واختلفوا في تعلق النهي عن الصلاة بعد الفجر على قولين:

الأول: أن النهي متعلق بفعل الصلاة كالعصر وبه قال الحسن البصري[52]، والشافعي[53]، وأحمد في رواية[54]، ومال إلى ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية حيث قال: "... فأما قبل الفجر فلا وجه للنهي، لكن لا يسن ذلك الوقت إلا الفجر سنتها وفرضها"، وقال أيضا: "فإذا قيل لا سنة بعد طلوع الفجر إلا ركعتان فهذا صحيح وأما النهي العام فلا[55].

الثاني: أن النهي متعلق بطلوع الفجر أي أنه بعد طلوع الفجر الثاني يكره التنفل بما عدا ركعتي الفجر سواء صل الفجر أو لم يصل[56]، روى ذلك عن عبد الله بن عمر وعبد الله بن عمرو بن العاص وسعيد بن المسيب والعلاء بن زياد وحميد بن عبد الرحمن والنخعي[57].

وإليه ذهب أبو حنيفة[58]، ومالك[59]، وأحمد في المشهور[60]وهو وجه للشافعية وحكاه النووي عن أكثر العلماء[61]، وقال الترمذي: "وهو ما اجتمع عليه أهل العلم كرهوا أن يصلى الرجل بعد طلوع الفجر إلا ركعتي الفجر"[62].

الأدلة:

استدل أصحاب القول الأول بما يأتي:

1- عن عطاء بن يزيد الليثي أنه سمع أبا سعيد الخدري يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا صلاة بعد صلاة العصر حتى تغرب الشمس ولا صلاة بعد صلاة الفجر حتى تطلع الشمس "