طباعة

 توثيق النص

 

 

 

وصول بني أمية إلى منصب الخلافة

إعداد أ. د/ محمد ضيف اللّه البطاينة

قسم التاريخ بكلية الدعوة وأصول الدين- الجامعة الإسلامية

 

 

وصول بني أمية إلى منصب الخلافة:

لا تعدّ خلافة عثمان بن عفان رضي اللّه عنه فاتحة سلطان بني أمية، فاختيار عثمان لم يكن لاعتبارات عائلية، وإنما كان لاعتبارات إسلامية محضة أساسها السبق إلى الإسلام والصحبة، ولم يخلف عثمان بن عفان في الخلافة أحد من ولده أو من بني أمية، ولولا أن الخلافة ظلت من بعد معاوية بن أبي سفيان رضي اللّه عنه في ولده ثم في بني أمية لما كانت خلافة معاوية بن أبي سفيان فاتحة سلطان بني أمية.

 

وصول معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه إلى منصب الخلافة:

بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم، أُختير أبو بكر رضي اللّه عنه عام11 ه خلفا له، ولما توفي عام 13 ه، اجتمع المسلمون على عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه. فلما طعن الطعنة التي توفي فيها عام 23 ه، وعزم عليه الصحابة أن يستخلف، قال: ما أجد أحق بهذا الأمر من هؤلاء النفر أو الرهط الذين توفي رسول اللّه صلى الله عليه وسلم وهو عنهم راض، فسمى علياً وعثمان والزبير وطلحة وسعدا وعبد الرحمن[1] .

وذكر أبو جعفر الطبري: أن عمر بن الخطاب قال للرهط: وإني نظرت فوجدتكم رؤساء الناس وقادتهم ولا يكون هذا الأمر إلا فيكم وقد قُبض رسول اللّه صلى الله عليه وسلم وهو عنكم راض[2].

وهي إشارة إلى أن هؤلاء الرهط كانوا من الجماعة الإسلامية في المكانة الأولى، ولعل غيرهم والحال هذه لا يقدر معهم أن يحدث الجماعة الإسلامية عن نفسه في مسألة الخلافة فضلا عن أن يرشح نفسه لها، إلا أن يكون ذلك من أحاديث النفس، ثم أفضت الاتصالات بالناس في عملية الشورى التي أوصى بها عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى اختيار عثمان ابن عفان رضي الله عنه، وتوفي عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه عام 32هـ في حياة عثمان بن عفان، ثم قتل عثمان عام 35 هـ، واختير علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه خليفة، ولكن قتل عثمان بن عفان أحدث فتنة[3] انقسمت لها الجماعة واختلفت فيها الآراء والمواقف، وكانت امتحاناً عسيراً ألقى بين يدي المسلمين بعامة ويدي علي بن أبي طالب بخاصة قضية معقدة لم يكن الْبَتُّ فيها بأهون من قضية القتل نفسه، هذا إلى ما كان من شكاوى الثائرين على عثمان ومطالب المعارضين له والمعترضين على إدارته.

وبعد استخلاف علي بن أبي طالب، خرج طلحة بن عبيد اللّه رضي اللّه عنه، والزبير بن العوام رضي اللّه عنه تقف إلى جانبهما عائشة زوج الرسول صلى الله عليه وسلم يطلبون بدم عثمان بن عفان وإصلاح الأمر[4]، ومناقشة الروايات التي تتحدث عن طلحة بن عبيد اللّه والزبير بن العوام أنهما بايعا علي بن أبي طالب طائعين أو مكرهين لا يغيّر من أنهما خرجا بالسبب الآنف الذكر شيئاً، وقد وقع خروجهم من غير مشورة علي بن أبي طالب ورضاه[5]، فلما بلغه خبرهم اغتمّ، وقيل إنه قال: أتدرون بمن بليت؟ أطوع الناس في الناس عائشة، وأشد الناس الزبير، وأدهى الناس طلحة، وأيسر الناس يعلى ابن أمية[6]، وكان يعلى خرج معهم يطلب بدم عثمان وأمدّهم بما يلزم من المال وجهزّهم.

وخشي علي بن أبي طالب أن ينفتق بخروجهم فتق ويفسد الأمر فخرج إلى العراق يتبعهم، فلما اجتمع عنده ما اجتمع من الجند من أهل الكوفة وغيرهم سار إليهم نحو البصرة.

وفي البصرة، شق على الناس اختلافهم، ولما سألوهم أجاب كل منهم إنه على الحق،  ولكن علي بن أبي طالب زاد على ذلك فقال: إنهم بايعوني وخالفوني[7].

وفي موضوع الخلاف، ذكر الجاحظ أنه لما حضر علي بن أبي طالب إلى البصرة سفرت الرسل بين الجانبين لفض الخلاف وجمع الكلمة، وكان ممن سفر بين الجانبين عبد الله بن عباس رضي اللّه عنهما، أرسله علي بن أبي طالب إلى الزبير يسأله ويقول له: يقول لك ابن خالك، عرفتني بالحجاز وانكرتني بالعراق، فماعدا مما بدا لك؟ فقال الزبير لعبد اللّه، أبلغه السلام وقل له: بيننا وبينك عهد خليفة، ودم خليفة، واجتماع ثلاثة، وانفراد واحد، وأم مبرورة، ومشاورة العشيرة، ونشر المصاحف فنحلّ ما أحلت ونحرّم ما حرمت[8].

وقد أورد ابن عساكر في تاريخه رواية مشابهة لرواية الجاحظ أسندها إلى مصعب ابن عبد اللّه عن أبيه عن موسى بن عقبة بن أبي عياش مولى الزبير بن العوام عن أبي حبيبة مولى الزبير قال: أتانا ابن عباس بالبصرة في يوم شديد الحرّ، فلما رآه الزبير قال: مرحبا بابن لبابة أزائراً أم سفيراً؟ قال: كل ذلك، أرسلني ابن خالك إليك فقال لك: ما عد مما بدا؟ (أي ما الذي صرفك ومنعك وحملك على التخلف بعدما ظهر منك من التقدم في الطاعة والمتابعة)، عرفتني بالمدينة وأنكرتني بالبصرة! قال، فجعل الزبير ينقر بالمروحة في الأرض ثم رفع رأسه إليه فقال: نرفع لكم المصاحف غدا، فما أحلت حللنا وما حرمت حرّمنا، فانصرف، فناداني ابن الزبير وهو في جانب البيت، ابن عباس، عليّ أقبل، قال ابن عباس، فأقبلت عليه وأنا أكره كلامه، فقال: بيننا دم خليفة، وعهد خليفة، وانفراد واحد واجتماع ثلاثة، وأم مبرورة، ومشاورة العامة، قال: يعنى الثلاثة: الزبير وطلحة وسعد، أقام بالمدينة، وعهد خليفة: عمر بن الخطاب، قال: إذا اجتمعوا وتشاوروا اتبع الأقل الأكثر، ودم خليفة: عثمان بن عفان[9].

وإذا صح ما ذكره الجاحظ وأورده ابن عساكر، فإن طلحة وصحبه كانوا يريدون إعادة النظر في الموقف برمته، من الطلب بدم عثمان وإقامة الحد على قتلته من جهة والالتزام بشورى عمر بن الخطاب في اختيار الخليفة من جهة أخرى، وتحكيم القرآن في كل ما جرى، وهو مطلبٌ جعل عائشة وغيرها من المسلمين يدعون إليه وينصرونه.

ولكن علي بن أبي طالب، وقد سبقت البيعة إليه، كان يرى الدخول في الجماعة والمحافظة على وحدتها وتعزيزها السبيل إلى صلاح الأمر، وباعتباره يمثل الدولة، وأن اليد العليا لا تكون إلا يد الدولة، وأن الناس جميعاً في أخذ الحقوق يرجعون إليها، كان علي بن أبي طالب يرى أن يدخل الجميع في الطاعة: معاوية وآل عثمان والمطالبون بدم عثمان، ثم يحاكمون القتلة إليه، أي إلى الدولة فيحملهم وإياهم على ما في كتاب اللّه وسنة نبيّه[10].

وبالرغم من الخلاف بين الجانبين، فلم ينقل أحد في معنى الخلاف أنهم أحدثوا بيعة، ومن أجل فض الخلاف وحلّ النزاع ذكر ابن أبي شيبة[11]، أنهم ضربوا فسطاطاً بين العسكرين ثلاثة أيام، فكان علي والزبير وطلحة يأتونه فيذكرون فيه ما شاء اللّه، حتى إذا كان بعد الظهر من اليوم الثالث ولم يكونوا توصلوا إلى اتفاق بدأ القتال بين الجانبين، وقيل إن السباب وقع بين صبيان العسكرين وتراموا وتبعهم الغوغاء فحرشوا بين الناس وأفسدوا مساعي الصلح، فلما انتشبت الحرب لم يكن بدّ من القتال، واشتبك الناس على أية حال،  واستمر القتال لساعات، قتل فيه طلحة، وترك الزبير القتال ورجع، فقتل في أثناء رجوعه في الطريق[12].

وبذلك لم يبق من الرهط الذين سمىّ عمر بن الخطاب للخلافة الذين توفي الرسول  صلى الله عليه وسلم وهو عنهم راضٍ إلا علي بن أبي طالب وهو الخليفة، وسعد بن أبي وقاص الذي اعتزل. وبانتهاء معركة الجمل، أصبح العراق كله في جانب علي بن أبي طالب.

أما في بلاد الشام، فكان معاوية بن أبي سفيان رضي اللّه عنه والياً عليه منذ أيام عمر بن الخطاب، فلما نظر عليّ في أمر الولاة على البلدان قيل إن عبد الله بن عباس والحسن بن عليّ والمغيرة بن شعبة الثقفي كل منهم أشار على عليّ بن أبي طالب أن يُقِرَّ من كان على الولايات من العمال وبخاصة معاوية بن أبي سفيان فلا يعزلهم، فإذا بايع الناس وأتته طاعتهم أقر من شاء واستبدل بمن شاء، وقيل إن عليّ بن أبي طالب أبدى مخاوفه من أن معاوية سيحترز بأخذ المواثيق والعهود عليه لا يعزله، فلما بلغ معاوية ذلك حلف أن لا يلي لعليّ ولا يبايعه ولا يقدم عليه[13]، وقيل إن عليّ بن أبي طالب عزل معاوية بإشارة أكثر أمرائه عليه ولكن عزله لم يستقم[14].

والمعلوم أن الولاة من عهد عثمان بن عفان كانوا من أسباب الشكوى والتذمر، وقد يكون عزلهم جاء اقتضاء للأجواء السياسية التي كانت تسيطر على المدينة وضروراتها، وقد يكون قول من قال إنه أشير على عليّ بألا يعزل معاوية، قد يكون ذلك القول جاء تالياً من باب أنه لو لم يعزل عليّ معاوية ما خالفه معاوية ولا اعترض عليه، وهو على آية حال اتهام لمعاوية بأن خلافه مع عليّ كان غضباً للإمارة فحسب.

واتهام معاوية بالحرص على الإمارة فحسبْ في خلافه مع عليّ يَردُ في رواية يحيى ابن سليمان الجعفي[15] بإسناد له قال: إن معاوية قال لجرير البجلي لما قدم علَيه رسولا بعد محاولة طويلة، أكتب إلى عليّ أن يجعل لي الشام، وأنا أبايع له ما عاش، فكتب بذلك إلى علي، ففشا كتابه، فكتب إليه الوليد بن عقبة:

بشامك لا تدخل عليك الأفاعيا

معاوية إن الشام شامك فاعتصم

ولاتك مخشوش الذراعين وانيا

وحام عليها بالقنابل والقنا   

 فاهد له حربا تشيب النواصيا [16]

فإن علياً ناظر ما تجيبه    

والقول بفشو كتاب معاوية إلى عليّ بين الناس إنه يعرض عليه تلك المقايضة يهدم الركن الأساسي الذي كان يستند إليه في معارضة عليّ واحتجاجه عليه والتف به الناس من حوله، والتضحية بهذا السند وهذه الحجة لابد أن يقابلها ضمان، وحيث لا ضمان فهل يتصور أن يفعل معاوية ذلك!

وأما الشعر المذكور في الرواية فلا يشير إلى المقايضة، وإنما يؤكد أن مركز معاوية بالشام قويّ ومنيع يحضه على نصب الحرب لعليّ والاستعداد لها ويحذره أن يلين له أو يضعف أمامه.

وذكر صاحب البدء والتاريخ[17]، أن عليّ بن أبي طالب بعث جرير بن عبد الله البجلي رسولا إلى معاوية يدعوه إلى البيعة فكتب إليه معاوية، إن جعلت لي الشام ومصر طعمة أيام حياتك، وإن حضرتك الوفاة لم تجعل لأحد بعدك في عنقي بيعة بايعتك، فقال عليّ لم يكن اللّه يراني اتخذ المضلين عضدا.

وهي مثل سابقاتها من الروايات في اتهام معاوية بمخالفة عليّ حبّاً في السلطة، ولكنها تؤكد سوء رأي عليّ فيه، ولو صحت هذه الرواية لكان معاوية يعرف رأي عليّ فيه، ولعلم وهو يقايضه إنما يدخل معه صفقة خاسرة لا يعقل أن يقدم معاوية على إبرامها معه.

ولكن لم يرد منذ أن استخلف عليّ أن معاوية بايعه، وقيل أن أبا مسلم الخولاني جاء وأناس إلى معاوية فقالوا له: أنت تنازع علياً في الخلافة، أوَ أنت مثله؟ فقال: لا واللّه، إني لأعلم أنه أفضل مني وأحق بالأمر مني، ولكن ألستم تعلمون أن عثمان قتل مظلوماً وأنا ابن عمه والطالب بدمه، فأتُوه، فقولوا له فليدفع إليّ قتلة عثمان واسِّلمُ له، فأتوا علياً فكلموه فلم يدفعهم إليه، وقال: يدخل في البيعة ويحاكمهم إليّ فامتنع معاوية[18].

وقيل كتب عليّ مع جرير البجلي إلى معاوية، فإن بيعتي لزمتك وأنت بالشام، لأنه بايعني القوم الذين بايعوا أبا بكر وعمر وعثمان على ما بايعوا عليه، فلم يكن لشاهد يختار ولا لغائب أن يرد، وإنما الشورى للمهاجرين والأنصار فإذا اجتمعوا على رجل وسموه إماما كان ذلك رضا، فإن خرج من أمرهم خارج بطَعْنِ أو رغبة ردّوه إلى ما خرج منه، فإن أبى قاتلوه على إتباعه غير سبيل المؤمنين، ووصفَ عليَ بن أبي طالب تعليق معاوية البيعة على تسليم القتلى إليه بأنها خدعة الصبي عن اللبن[19].

وذكرت بعض الروايات أن معاوية بن أبي سفيان، طلب إضافة إلى تسليم القتلة إليه أن يكون الأمر شورى، ذكر ابن شهاب الزهري أن معاوية دعا أهل الشام بعد حرب الجمل إلى قتال عليّ على الشورى والطلب بدم عثمان، فبايعوه أميراً غير خليفة[20].

وذكر أبو مخنف أن وفد معاوية برئاسة حبيب بن مسلمة الفهري إلى عليّ بن أبي طالب في صفين طلب إليه أن يدفع قتلة عثمان إليهم وأن يعتزل أمر الناس فيكون شورى بينهم[21].

 ولا يبعد أن يكون ذلك صحيحاً، فهو يتفق مع امتناع معاوية بن أبي سفيان عن البيعة لعليّ من جهة، ويتفق مع الدعوة إلى حق أهل الشام في المشاركة في اختيار الخليفة من جهة أخرى، فلما كتب عليّ إلى معاوية بخصوص أهل الشورى، وذكر أنها إنما تكون للمهاجرين والأنصار أجابه معاوية، فما بال من هاهنا، أي في بلاد الشام، من المهاجرين والأنصار لم يدخلوا في الأمر[22]. ويبدو أن الدعوة إلى جعل الأمر شورى جاءت نتيجة للتطورات التي تمثلت بخروج من خرج على عليّ بن أبي طالب من الصحابة.

وعلى أية حال، فإن معاوية لم يبايع عليّا، وأظهرَ الطلب بدم عثمان وأخْذ القَوِدَ من قتلته محتجاً بقوله تعالى: {وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُوراً} الإسراء (33).

وأما أهل الشام، فكانوا مقتنعين بوجوب أخذ القود من قتلة عثمان، وأن علي بن أبي طالب لم يقتص من أحد منهم، وهو ما يفسر بعض أسباب وقوفهم إلى جانب معاوية.

وإضافة إلى حادثة مقتل عثمان التي أخذت من معاوية كل مأخذ، كان خروج طلحة وصحبه للطلب بدم عثمان وإصلاح الأمر، ووقوف أهل الشام إلى جانب معاوية قد زاد معاوية قوة وشجعه على معارضة عليّ بن أبي طالب، وربما يكون ما رواه هو عن الرسول صلى الله عليه وسلم قد طرق تفكيره وحدّث به نفسه في هذا الوقت أكثر من ذي قبل، قال معاوية: مازلت أطمع في الخلافة منذ قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ما قال: "يا معاوية إن ملكت فأحسن"[23].

وإزاء هذا الحال الذي وقف فيه كل جانب يتمسك برأيه واجتهاده، وعجزت السفارات بينهما أن تفعل شيئا لرفع الخلاف، صار الاحتكام إلى السيف لابد منه لإعادة وحدة الأمة الممثلة بوحدة الخلافة.

فسار عليّ بن أبي طالب بأهل العراق يريد الشام، وخرج معاوية بن أبي سفيان بأهل الشام للقائه، واجتمع الطرفان في صفين، وجرت محاولات الإصلاح ثانية بينهما، وطالت الأيام، ولكن مساعي الصلح فشلت مرة أخرى، وقيل إن عبد الله بن عمرو قال من الشعر في هذه المناسبة:

بصفين يوماً شاب منها الذوائب

لو شهدت جمل مقامي ومشهد

سحاب ربيع رفعته الجنائب

عشية جاء أهل العراق كأنهم

من البحر مدٌّ موجهُ متراكب

وجئناهم نمشي كأن صفوفنا

سراة النهار ما تولى المناكب

فدارت رحانا واستدارت رحاهم

كتائب منهم فأرجفت كتائب

 إذا قلت قد ولو سراعاً بدت لنا

عليّا، فقلنا: بل نرى أن نضارب [24]

 فقالوا لنا: إنا نرى أن تبايعوا

     ودار القتال بين الجانبين في الأول من صفر لعام 37 ه، ومرت الأيام والقتال يشتد فيها ضراوة، وذكر ابن كثير قال: "كان أهل صفين عرباً يعرف بعضهم بعضا في الجاهلية فالتقوا في الإسلام معهم على الحمية وسنة الإسلام فتصابروا واستحيوا من الفرار"[25] وقاتلوا حتى كرهوا القتال وكرهوا الحرب ورأوا أن الحرب تأكلهم، وأنهم إنما يقطعون أيديهم بأيديهم، ويجدّون أجنحتهم بأسيافهم، فلما رفعت المصاحف من جانب أصحاب معاوية، ونودي هذا كتاب اللّه عز وجل بيننا وبينكم، من لثغور أهل الشام بعد أهل الشام، ومن لثغور العراق بعد أهل العراق، قال أصحاب عليّ ننيب إلى كتاب اللّه، ومالوا إلى الموادعة والكف وتداعوا إلى الصلح والأئتمار بما في القرآن وتحكيمه[26]، وقيل إن الأشعث بن قيس كان من أكثر أصحاب علي بن أبي طالب تحمسا لوقف القتال وقبول التحكيم، وقيل إنه قال من الشعر[27].

عليها كتاب اللّه خير قرآن

فأصبح أهل الشام قد رفعوا القنا

أما تتقي اللّه أن يهلك الثقلان

ونادوا عليا يا ابن عم محمد

وجاء عن معاوية أنه كتب إلى عليّ بن أبي طالب يقول له: إن أول من يحاسب على هذا القتال أنا وأنت، وأنا أدعوك إلى حقن هذه الدماء وألفة الدين، وإطراح الضغائن، وأن يحكم بيني وبينك حكمان[28].

وقد نسب رفع المصاحف من جانب معاوية إلى عمرو بن العاص، وقيل إنها فكرة ابتدعها لينقذ معاوية من الهلاك بعدما رأى أمر علي يعلو ويشتد[29].

ولكن رفع المصاحف كان قد جرى من قبل، ففي معركة الجمل قيل إن عليّ بن أبي طالب قال لفتى من أصحابه تطوع أن يعرض المصحف على الناس قال له: اعرض عليهم هذا، وقل هو بيننا وبينكم من أوله إلى آخره واللّه في دمائنا ودمائكم[30].

وقيل إن عائشة زوج رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قالت لكعب بن سور قاضي البصرة، خلّ عن البعير وتقدم بكتاب اللّه عز وجل فادفعهم إليه ودفعت إليه مصحفاً[31].

وقيل لما اشتد القتال في الجمل قام رجل من عبد القيس قال: ندعوكم إلى كتاب اللّه عز وجل[32].

وفي صفين اشتدت الحرب دون أن ينتصف فريق على الآخر، وكان أصحاب علي ينكشفون مرة ويزول أصحاب معاوية عن مواقعهم مرة أخرى[33].

وروى أبو مخنف أنه لما كتبت صحيفة التحكيم، أبى الأشتر أن يكتب اسمه في الشهود عليها وقال: لا صحبتني يميني ولا نفعتني بعدها شمالي إن خطّ لي في هذه الصحيفة اسم على صلح ولا موادعة، أولست على بينة من ربى، ومن ضلال عدوى، أو لستم قد رأيتم الظفر لو لم تجمعوا على الجور، فقال له الأشعث بن قيس: إنك واللّه ما رأيت ظفراً ولا جورا، هلم إلينا فإنه لا رغبة بك عنا[34].

ورفع المصاحف من جانب أصحاب معاوية دون أصحاب علي كان مظنة القول برجحان كفة علي، وأن رفع المصاحف كانت خدعة دبرها أصحاب معاوية.

كان جانب علي بن أبي طالب يمثل الدولة، وكان عليّ قال لمعاوية قبل نشوب القتال: حاكم القوم إليّ أحملك وإياهم على ما في كتاب الله وسنة نبيه، وفشلت المفاوضات ومحاولات الصلح ووقعت الحرب بين الجانبين ظنا منهما أن يكون لأحدهما الاقتدار على الآخر فينفذ ما يرى من حكم اللّه في الأمر ولذلك لم يكن من المأمول أن تقوم الدولة برفع المصاحف ودعوة أصحاب معاوية إلى تحكيم كتاب اللّه مرة أخرى وهي لم تبلغ حد الاقتدار، ولكن رفع المصاحف من جانب معاوية والدعوة إلى تحكيم كتاب اللّه يعنى أنهم رجعوا إلى ما دعوا إليه واستجابوا[35].

والدعوة إلى تحكيم كتاب اللّه دون التأكيد على تسليم قتلة عثمان إلى معاوية، وقبول التحكيم دون التأكيد على دخول معاوية في طاعة عليّ والبيعة له، تطوّرٌ فرضته أحداث حرب صفين، إذ أن الحرب التي استمرت نحو أسبوعين وأودت بحياة الكثير من المسلمين، أبرزت اتجاها جماعيا رأى أن وقف القتال وحقن الدماء ضرورة تقتضيها حماية شوكة الأمة وصيانة قوتها أمام عدوها وهو دليل على حيوية الأمة ووعيها وأثرها في اتخاذ القرارات، وقيل لما رفعت المصاحف ونودي إلى التحكيم لم يرض علي بن أبي طالب بذلك وحذّر أصحابه منه وأعلمهم إنما هو مكيدة وخدعة، ولكن ابن أبي شيبة ذكر أنه لما استحرّ القتال في أهل الشام بصفين، قال عمرو لمعاوية: أرسلْ إلى عليّ بالمصحف فلا واللّه لا يرده عليك، فلما جاء به رجل يحمله وينادي بيننا وبينكم كتاب اللّه {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ} سورة آل عمران آية (23)، قال عليّ بن أبي طالب: نعم بيننا وبينكم كتاب اللّه، أنا أولى به منكم، واعترض الخوارج وكانوا يسمونهم القراء، وقالوا: يا أمير المؤمنين لا نمشي إلى هؤلاء القوم حتى يحكم اللّه بيننا وبينهم، فقام سهل بن حنيف وذكر قصة الحديبية وبينّ وجه الشبه بينها وبين صفين في هذا الجانب، وذكر أن نفوس المسلمين طابت وقبلوا الصلح في الحديبية وكذلك قبل علي وقف القتال في صفين ورضي التحكيم وعدّ ذلك فتحا ورجع[36] وقيل كان يعلق على التحكيم آمالاً في إزالة الخلاف وجمع الكلمة[37]، ولعل ما جرى لعليّ من بعد التحكيم من الضعف هو الذي شبّه على الرواة في ما قالوا عن رفع المصاحف والتحكيم ووصف ذلك بالمكيدة والخديعة، ويكونون بذلك قد خلطوا في روايتهم بين الحادثة والنتائج، وجاء تفسيرهم بالحادثة يحكي النتائج أكثر مما يحكي الحادثة نفسها.

 

التحكيم:

عقد مؤتمر التحكيم برواية أبي مخنف[38] عام 37 ه، وكذلك قال خليفة بن خياط[39]، ولكن [الواقدي، وابن سعد، واليعقوبي، وابن عساكر][40]، ذكروا أن مؤتمر التحكيم كان عام 38 ه. ومما يرجح روايتهم على الرواية السابقة، أن ابن شهاب الزهري[41] قال: وإنهما، أي الحكمين، يجتمعان بدومة الجندل، فإن لم يجتمعا لذلك اجتمعا من العام المقبل بأذرح، أي أن الزهري ذكر ميعادين لانعقاد المؤتمر هما عام 37 ه وعام 38 ه، وذكر أبو مخنف[42]، أن معن بن يزيد بن الأخنس السلمي قدم من الشام في استبطاء إمضاء الحكومة رسولاً من عند معاوية إلى علي، ومما قال معن لعلي، أن معاوية قد وفى، فَفِ أنت لا يلفتنك أعاريب بكر وتميم، وهذا يتصل بموقف الخوارج من التحكيم ومحاولاتهم في حمل علي بن أبي طالب على إلغائه وثنيه عن إنفاذه، وقد أشاعوا أنه رجع عن التحكيم، فأتاه الأشعث بن قيس يسأله فنفى عليّ ما نسب إليه[43].

لهذا فقد يكون انعقاد المؤتمر قد تأخر إلى عام 38 هـ.

وأرسل علي بن أبي طالب أربعمائة رجل عليهم شريح بن هانئ، وبعث عبد اللّه ابن عباس يصلي بالناس ويلي أمورهم، وبعث معاوية عمرو بن العاص في أربعمائة رجل من الشام وذكر أبو مخنف أن عليّا ومعاوية لم يحضرا التحكيم، وقال الزهري وخليفة ابن خياط إن معاوية حضره من دون علي[44].

واجتمع الحكمان في (أذرح) مكان عدل بين أهل الكوفة والشام[45]، ولابد أنهما كانا يدركان ثقل المسئولية التي أنيطت بهما بعدما تقارع الناس بالسيوف وتناجزوا بالرماح، ويحرصان على أن لا يردّا الناس ثانية في الفتنة[46] ولكن بعض الروايات قدمت قصة التحكيم على أنها مثال للدهاء والمكر والخديعة بعيداً عن نظر الإسلام ومفاهيمه والتزام الحكمين بها في تقدير مصلحة الجماعة وتقويم الأفراد.

قال أبو مخنف إن عمرو بن العاص أخذ يقدّم أبا موسى الأشعري في الكلام ويقول، أنت صاحب رسول اللّه صلى الله عليه وسلم وأنت أسنّ مني[47]، فتكلمْ وأتكلمْ، فكان عمرو قد عوّد أبا موسى أن يقدّمه في كل شيء أراده أن يقدّمه فيخلع عليا[48].

وهذا القول عليه ما عليه، فتقديم عمرو بن العاص أبا موسى الأشعري للصحبة والسن قولٌ لم يصح، فعمرو وأبو موسى كلاهما صحابي، وأما السن فعمرو أسن من أبي موسى، توفي عمرو بن العاص في أرجح الأقوال عام 43 ه وله مائة سنة، وتوفي أبو موسى الأشعري عام 44 ه وله ثلاث وستون سنة[49].

وقول أبي مخنف وغيره إن عمرو بن العاص خدع أبا موسى وخالف ما اتفقا عليه يضعف أمام دين الرجل وصحبته وعظم المسئولية التي ألقت بها الأمة إليهما، مما يبعد معه أن يركب أحدهما أو كلاهما سبيل الخديعة والمكر والمكيدة في هذه الظروف الحرجة، ولو فعل أحدهما ذلك لعلمه الناس ولفقدت الخديعة غايتها ولأوهن الفاعل بفعلته جانب صاحبه.

فماذا بحث الحكمان في مؤتمر التحكيم، وعماذا أسفر اجتماع الحكمين؟…

ذكر أبو جعفر الطبري[50] برواية أبي مخنف ما جاء في كتاب القضية بين علي ومعاوية وفيه "بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما تقاضى عليه علي بن أبي طالب ومعاوية ابن أبي سفيان، قاضى عليّ على أهل الكوفة، ومن شيعتهم من المؤمنين والمسلمين، وقاضى معاوية على أهل الشام ومن كان معهم من المؤمنين والمسلمين، إنا ننزل عند حكم اللّه عز وجل وكتابه، ولا يجمع بيننا غيره، وإن كتاب اللّه عز وجل بيننا من فاتحته إلى خاتمته، نحيي ما أحيا، ونميت ما أمات، فما وجد الحكمان في كتاب اللّه عز وجل- وهما أبو موسى الأشعري- عبد الله بن قيس وعمرو بن العاص القرشي- عملا به، وما لم يجدا في كتاب اللّه عز وجل فالسنة العادلة الجامعة غير المفرقة، وأخذ الحكمان من علي ومعاوية ومن الجندين من العهود والميثاق والثقة من الناس، أنهما آمنان على أنفسهما وأهلهما، والأمة لهما أنصار على الذي يتقاضيان عليه، وعلى المؤمنين والمسلمين من الطائفتين كلتيهما عهد اللّه وميثاقه أنّا على ما في هذه الصحيفة، وأن قد وجبت قضيتهما على المؤمنين، فإن الأمن والاستقامة ووضع السلاح بينهم أينما ساروا على أنفسهم وأهليهم وأموالهم، وشاهدهم وغائبهم، وعلى عبد الله بن قيس وعمرو بن العاص عهد اللّه وميثاقه أن يحكما بين هذه الأمة، ولا يردّاها في حرب ولا فرقة حتى يعصيا، وأجل القضاء إلى رمضان، وإن أحبا أن يؤخرا ذلك أخراه على تراض منهما، وإن توفي أحد الحكمين، فإن أمير الشيعة يختار مكانه، ولا يألو من أهل المعدلة والقسط، وإن مكان قضيتهما الذي يقضيان فيه مكان عدل بين أهل الكوفة وأهل الشام، وإن رضيا وأحبا فلا يحضرهما فيه إلا من أرادا، ويأخذ الحكمان من أرادا من الشهود، ثم يكتبان شهادتهما علىِ ما في هذه الصحيفة، وهم أنصار على من ترك ما في هذه الصحيفة، وأراد فيه إلحاداً أو ظلماَ، اللهم إنا نستنصرك على من ترك هذه الصحيفة".

ومما يلاحظ على هذه الصحيفة أنها أعطت الحكمين ووفرت لهما كل ما يلزم لنزاهة القضاء وحيدته وحريته من الأمان على النفس والمال والأهل، والنصرة من الأمة ولكنها لم تحدد القضية التي سينظر الحكمان فيها واستنباط الحكم لها من كتاب اللّه عز وجل وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، ولذلك سنحاول من خلال الروايات التي تحدثت عن مؤتمر التحكيم أن نتحرى ما دار فيه من الحديث، وما نوقش فيه من القضايا.

ذكر أبو جعفر الطبري[51] برواية الزهري أن أبا موسى الأشعري وعمرو بن العاص اتفقا على أن يسمي كل منهما رجلا لولاية أمر الأمة، فسمى أبو موسى عبد الله ابن عمر، وسمى عمرو بن العاص معاوية بن أبي سفيان، وذكر[52] برواية أبي مخنف، أن من الأسماء التي استعرضت للخلافة عبد الله بن عمر ومعاوية بن أبي سفيان وعبد الله ابن عمرو، وفي رواية أبي مخنف[53] أيضا، أن عمر بن سعد بن أبي وقاص سأل أباه سعداً  أن يحضر التحكيم، فهو صاحب رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ولم يدخل في شيء كرهته قريش، وأنه أحق الناس بالخلافة.

وبمثل ما قال أبو مخنف حول خلع علي والاختلاف حول معاوية، قال اليعقوبي[54]، وابن أعثم[55]، كما ورد الخير نفسه عند ابن كثير[56].

ولم يختلف الخبر الذي جاء عند أبي حنيفة الدينوري[57]، والمقدسي[58] في هذا الجانب عما جاء في الروايات السابقة.

والقدر المشترك بين هذه الروايات أن القضية التي كانت محور الحديث بين الحكمين هي مسألة الخلافة.

وحتى الرواية التي ذكرها القاضي أبو بكر بن العربي[59] عن الدارقطني بسنده إلى حضين بن المنذر تشترك مع الروايات السابقة في تأكيد ذلك، فقد جاء فيها:

أن معاوية أرسل حضين بن المنذر إلى عمرو بن العاص ليتأكد مما بلغه من الأخبار عنه، فلما جاء حضين إلى عمرو سأله، قال عمرو: واللّه ما كان الأمر على ما قال الناس، ولكن قلت لأبي موسى، ما ترى في هذا الأمر، فقال: أرى أنه في النفر الذين توفي رسول اللّه صلى الله عليه وسلم وهو عنهم راض، قلت: فأين تجعلني أنا ومعاوية؟ فقال: إن يستعن بكما ففيكما معونة، وإن يستغن عنكما فطالما استغنى أمر اللّه عنكما.

وإذا كان الحديث في مؤتمر التحكيم دار حول الخلافة، فلماذا بحث الحكمان أمرا لم تنص عليه صحيفة التحكيم؟.

وحوْلَ مؤتمر التحكيم وموضوع التحكيم، قال بعض الباحثين: أما نقطة الخلاف التي تم الاتفاق على الرجوع إلى كتاب اللّه وتحكيمه فيها فلم تكن الفصل في أي من الرجلين هو أحق بالخلافة بل ما هو حكم كتاب اللّه في أمر تسليم القتلة وإقامة الحدود فيما يتعلق بالجريمة. وعلى الرغم من هذا كله فإن المصادر كلها، على ما يظهر تخفي هذه النقطة الخطيرة في خضمّ من الكلام وتتابع البحث في قصة التحكيم، كأن أبا موسى الأشعري وعمرو بن العاص إنما انتخبا حكمين لاختيار أحد الاثنين، عليّ ومعاوية، أو واحد غيرهما، خليفة. أما كيف تم الانتقال المفاجئ من تحكيم في أمر تسليم القتلة إلى تحكيم فيِ أمر اختيار الخليفة فمن الصعب أن نعينه، ومن الأصعب أن نصدّقه. والأرجح أن شيئاً من هذا لم يحدث قط. ولعل ما حدث فعلاً هو أن الهدنة التي توصل إليها الفريقان المتخاصمان حتى يتم تحكيم كتاب اللّه في أمر الخلاف الرئيسي، أي القبض على القتلة وتسليمهم إلى القضاء، أدت إلى وقوع الخلاف بين أتباع علي، وحال هذا الخلاف دون تمكن علي من استئناف القتال ضد غريمه، ولا تعدو الروايات التي وصلتنا كلها كونها محاولات لتبرير موقف علي وتفسير فشله غير المنتظر[60].

وقول الباحث بعدم انعقاد مؤتمر التحكيم وإن الروايات حوله مصنوعة مسار عقلي بحت لا يستند إلى النقل، وحسب تصوّر مغاير لتصوّر الباحث فإن العقل يجيز انعقاد المؤتمر، والروايات التي تقول بانعقاد مؤتمر التحكيم تعزز ذلك وهي كثيرة وتمثل وجهات النظر السياسية المختلفة في ذلك الوقت، ومع ضعف بعضها فإن منها ما يعتدّ بسنده ويترك في النفس ثقة، بمتنها، مثل الروايات التي وردت عند خليفة بن خياط وعند أبي جعفر الطبري وعند القاضي أبي بكر العربي وابن كثير[61].

وأما أن صحيفة التحكيم لم تنص على مسألة الخلافة فقول صحيح، ولكنها لا تمنع الحكمين أن يبحثا ذلك، وأي شيء من شأنه أن يرفع الخلاف بجمع كلمة المسلمين.

ولما كان عليّ بن أبي طالب يدعو معاوية وأهل الشام إلى البيعة والدخول في طاعته، ويأبى هؤلاء إلا تسليم قتلة عثمان أولا، وعليّ يرفض ذلك، ويأبى منهم إلا البيعة والدخول في الطاعة أولا، صار التوفيق بين الجانبين غير ممكن، وصار طلب معاوية وأهل الشام جعل الخلافة شورى بين المسلمين له ما يبرره من وجهة نظرهم، وقد رفضوا أن يقرن عليّ اسمه في كتاب القضية بينهما بلقب (أمير المؤمنين)، وجاء الحكمان، فوجدا أمر قتلة عثمان، وموقف معاوية وأهل الشام، ووحدة الأمة واجتماع الكلمة، أموراً كلها معصوبة بالخلافة، لذلك كانت مناقشة الأصل وهو الخلافة، محاولة منهما لحل كل فرع مرتبط بالأصل ومعصوب به بعد ما فشلت المفاوضات وفشل القتال في حل الخلاف.

فهل توصل الحكمان إلى شيء؟ وهل اتفقا على شيء؟.

وقبل الدخول في الحديث عن ذلك، لابد من أخذ الأمور التالية بعين الاعتبار.

- قيل إن الأحنف بن قيس ودّع أبا موسى الأشعري عند ذهاب أبي موسى إلى المشاركة في مؤتمر التحكيم وقال له: واعلم بأنك إن ضيعت العراق فلا عراق[62].

- وذكر أبو مخنف عن النضر بن صالح العبسي، أن شريح بن هانئ الحارثي حدث النضر وهما معا في غزوة سجستان قال: إن عليّ بن أبي طالب لما بعثه على رأس الجند إلى مؤتمر التحكيم، أوصاه بكلمات إلى عمرو بن العاص قال له: قل لعمرو إن عليّا يقول لك، إن أفضل الناس عند الله عز وجل من كان العمل بالحق أحب إليه وإن نقصه وكرثه، من الباطل وإن حنّ إليه وزاده...[63].

- كان عمرو بن العاص يرى نفسه ندّاً لمعاوية، فقد جاء في رواية الدارقطني أن عمرو بن العاص سأل أبا موسى قال: فأين تجعلني أنا ومعاوية[64]، وهناك روايات أخرى تصور عمرو بن العاص يريد أن يوهن معاوية، وإن معاوية كان لا يطمئن إليه تماما[65]، وهي روايات قد لا تصح، ولكنها تحكي الحال بين اثنين لم تكن العلاقة بينهما علاقة تبعية، وإنما هي إلى الندية أقرب.

- وفي مؤتمر التحكيم، ضرب فسطاط للحكمين، فكان أبو موسى وعمرو يجتمعان في كل يوم فيتحدثان وينصرفان، فأقاما على ذلك أياما كثيرة حتى ارتابت الناس وغمهم ذلك[66].

وإضافة إلى ما جاء في كتاب القضية من التأكيد على الحكمين أن يحكما بين الأمة ولا يرداها في حرب ولا فرقة، فإن هذه الأخبار التي سبقت الإشارة إليها تؤكد أن لم يبق مجال للغفلة أو الخديعة، وأن القضية لم تعد بخافية على أحد، ناهيك عن الحكمين، وأنها أصبحت ملء السمع والبصر.

وبعد ذلك، لابد من القول إن الحكمين تدارسا مسألة الخلافة، وكانا مهتمين في البحث عمن يكون محل إجماع الأمة واتفاقها، وقادراً على القيام بأعباء الخلافة، ولاشك أن عزم سعد بن أبي وقاص على الاعتزال والبعد عن الأحداث الجارية جعله لا يلتفت إليه من جانب الروايات، وربما من جانب الحكمين أيضا، وقد يكون عبد الله بن عمر وهو ممن جعله عمر بن الخطاب في أهل الشورى ولا شيء له فيها، أقرب الناس في نظر أبي موسى إلى محبة الناس والإجماع عليه، ولكن عمرو بن العاص كان لا يراه أهلا للخلافة، فلم يوافق أبا موسى عليه، وطالت الاجتماعات ويبدو أن ثقل المسئولية والحرص على جمع الكلمة جعل الاتفاق على شخص يأمنا الإجماع عليه موضع تردد منهما، وقد وصف خليفة بن خياط ذلك بعدم الاتفاق، فقال: فلم يتفق الحكمان على شيء[67].

وأما الذهبي، فقد فسر عدم الاتفاق تفسيرا آخر قال: لما اجتمع أبو موسى وعمرو بدومة الجندل للتحكيم لم يتفقا، لأن أبا موسى وعمرو بن العاص اتفقا على خلع علي ومعاوية بينهما واختلفا أمام الناس، فخلعهما أبو موسى وخالفه عمرو فخلع عليّا وولى معاوية، وقول الذهبي فيما يتصل بموقف عمرو من معاوية يخالف ما جاء في رواية الدارقطني وعند خليفة بن خياط، والمقدسي في البدء والتاريخ في بعض رواياته، قال المقدسي: وقال قوم، خلع عمرو عليّا ولم يُدْخِلْ معاوية[68].

وسواء أعلن الحكمان ما توصلا إليه وأظهراه للناس على الصورة التي حكتها بعض الروايات أم لم يفعلا ذلك، فإن عدم اتفاقهما على من يقوم بأمر المسلمين جعل ما دار بينهما لا سبيل لهما به على أحد من الجانبين، ولا سبيل به لأحد على أحد، وحتى لو قيل اتفق الحكمان على خلع علي ومعاوية، وردّ الأمر إلى شورى المسلمين[69]، فإن الحكمين لا يكونان قد أوفيا ما أوكل إليهما تماما من حل الخلاف، ويكونان فتحا بابا آخر للخلاف أوسع، وسوف لا يكون الحكمان مقتنعين أنهما توصلا إلى حل الخلاف، ويكون وصف نتائج المؤتمر بعدم الاتفاق أقرب ما يكون إلى حقيقة عمل الحكمين ومباحثاتهما في مؤتمر التحكيم.

وقد بنى الشاميون، كما قال الذهبي[70]، على خلع عليّ جواز استخلاف معاوية.

وفي حين زال الحرج من نفوس أهل الشام، وقووا بمبايعة معاوية، أدى فشل التحكيم في إزالة الخلاف وجمع الكلمة إلى استفزاز الذين كانوا اعترضوا على عليّ من قبل وعادوا إلى الخروج ثانية وتجمعوا في منطقة النهروان بقيادة عبد الله بن وهب الراسبي عام 38 ه وأخذوا يعتدون، فخرج إليهم عليّ فاعذرهم ونصب راية أمان مع أبي أيوب الأنصاري، وناداهم أبو أيوب، من جاء هذه الراية ممن لم يقتل ولم يستعرض فهو آمن، ومن انصرف إلى الكوفة أو إلى المدِائن وخرج عن هذه الجماعة فهو آمن، فتركهم بهذا السبب كثير ممن كان معهم، ومن ظلَّ تعبأّ للقتال، فقتل منهم ألفان وثمانمائة، ثم لم يلبث من كان انفصل عن أهل النهروان منهم ممن كان استأمن إلى أبي أيوب أو رجع منهم إلى الكوفة وغيرها من المدن أن تجمعوا ثانية بالنخيلة، فخرج إليهم علي فدعاهم ورفق بهم غير مرة، فلم يستجيبوا، فقاتلهم وقتلهم جميعا[71].

ويبدو أن علي بن أبي طالب رأى في مشاعر جنده تغيرا إزاء قتل من قتل من أبنائهم وإخوانهم وأقاربهم من الخوارج، فلما بلغه أنهم دفنوهم قال: أتقتلونهم، ثم تدفنونهم، وأمر بالرحيل[72]، وذكر ابن أبي شيبة عن بعض جند علي أنهم قالوا: غرّنا ابن أبي طالب من إخواننا حتى قتلناهم ولكن الناس سكنوا وفرحوا لما وجدوا جثة ذي الثدية بين قتلى الخوارج[73].

ولاشك أن مباينة الخوارج وقتلهم أضعف جانب علي كثيراً، ثم تتابعت الفتوق على علي من بعد، فخرج الخريت بن راشد، وقيل اسمه الحارث بن راشد، في قومه من بني ناجية، وكان من ولاة علي على الأهواز، فدعا إلى خلع علي، فأجابه خلق كثير واحتوى على البلاد وجبى الأموال، فبعث إليه علي جيشا بقيادة معقل بن قيس الرياحي فهزمه وقتله[74].

وأخذت أطراف علي تتعرض للغارات من جانب معاوية في عين التمر وهيت والأنبار والقطقطانة والبصرة وتيماء والحجاز واليمن تدعو الناس إلى احترام ما قضى به الحكمان بتقديرهم[75]،فوجه علي الجيوش إلى صد هذه الغارات، وطمع أهل الخراج في ناحية علي في كسر الخراج، وانتقض أهل الأهواز، ولابد أن عليّا واجه من أجل ذلك بعض الصعوبات المالية والعسكرية وقد روي عن الشعبي في هذا الخصوص قوله:

لمّا قتل علي أهل النهروان، خالفه قوم كثير، وانتقضت عليه أطرافه، وخالفه بنو ناجية، وقدم ابن الحضرمي البصرة وانتقض أهل الأهواز، وطمع أهل الخراج في كسره، وأخرجوا سهل بن حنيف عامل علي بن أبي طالب من فارس [76] .

وفي مصر، تقدم عمرو بن العاص من الشام بجيش إلى مصر، وقيل بقيادة معاوية ابن خديج الكندي[77] ، فلم يقو محمد بن أبي بكر والي مصر من قبل علي على ردهم، ولم يقدر علي بن أبي طالب على إنجاده وهزم محمد وقتل وصارت مصر إلى جانب معاوية، ولابد أن معاوية قوى جانبه بصيرورة مصر إلى صفه ماليا وبشريا وعسكريا.

ولما لم تُجْدِ المحاولات التي جرت بين علي ومعاوية سلمية كانت أو عسكرية في توحيد الصف وجمع الكلمة، ذكر أبو جعفر الطبري أن المكاتبات جرت بين الجانبين لوضع الحرب، ويكون لكل واحد منهما ما بيده من البلاد، قال أبو جعفر: وفي هذه السنة أي سنة أربعين للهجرة، جرت بين علي ومعاوية المهادنة، بعد مكاتبات جرت بينهما يطول بذكرها الكتاب، على وضع الحرب بينهما، ويكون لعلي العراق ولمعاوية الشام، فلا يدخل أحدهما على صاحبه في عمله بجيش ولا غارة وتراضيا على ذلك [78]، ولكن المهادنة لا تذكر شيئا عن مصر التي كانت قد دخلت في طاعة معاوية قبل ذلك، وإذا صح وقوع مهادنة فإن ذلك كان من قبيل قبول علي بإمرة معاوية على ما بيده من البلاد.

وبينما كان علي بن أبي طالب يدخل مسجد الكوفة لصلاة الصبح من شهر رمضان لسنة أربعين للهجرة، تعرض لعملية قتل نفذها ضده رجل اسمه عبد الرحمن بن ملجم المرادي الكندي توفي على أثرها بعد يومين[79]، فهل كان وراء ذلك أحد؟.

ذهبت بعض الروايات إلى اتهام الأشعث بن قيس، قال اليعقوبي[80]: إن عبد الرحمن بن ملجم نزل على الأشعث بن قيس، فأقام عنده شهرا يستحد سيفه.

وذكر ابن سعد في الطبقات[81] قال: وبات عبد الرحمن بن ملجم تلك الليلة التي عزم فيها أن يقتل عليا صبيحتها يناجي الأشعث بن قيس في مسجده حتى كاد أن يطلع الفجر، فقال له الأشعث: فَضَحَك الصبح، فقام عبد الرحمن بن ملجم وشبيب بن بجرة فأخذا أسيافهما ثم جاءا حتى جلسا مقابل السدة التي يخرج منها علي.

ولعل اتهام الأشعث بن قيس بالتواطؤ على قتل علي بن أبي طالب يتصل بما قيل عن مواقف الأشعث السابقة، قيل لما رفعت المصاحف في صفين ودعا أصحاب معاوية إلى التحكيم كان الأشعث أكثر الناس تحمسا لوقف القتال وقبول التحكيم، وقيل كان الناس يرون الأشعث يرى رأي الخوارج، ولم يتبينوا مباينته لهم إلا عندما دعا إلى المسرى إلى حربهم في النهروان[82].

وعندما حض علي بن أبي طالب أهل العراق على المسير بعد النهروان إلى حرب معاوية وأهل الشام، لم يوافقه الأشعث بن قيس وأجابه بقوله: يا أمير المؤمنين نفذت نبالنا، وكلّت سيوفنا ونصلت أسنة رماحنا، فارجع إلى مصرنا فلنستعد بأحسن عدتنا... وانكسر على علي رأيه في المسير[83].

وأما اليعقوبي، فإنه يذهب أبعد من ذلك ويتهم الأشعث أنه كان ممالئا لمعاوية، وإن معاوية استماله إلى جانبه[84].

ويبدو أن ضعف حماسة الأشعث لحرب الشام من بعد صفين جعل البعض يتهمه هذا الاتهام، ومات الأشعث من بعد مقتل علي بأربعين ليلة، وصلى عليه الحسين بن علي بن أبي طالب[85]، وهو زوج بنت الأشعث بن قيس[86]، ولم ينقل عن آل علي بن أبي طالب أنهم اتهموا الأشعث بهذه التهمة أو كشفوا أحدا من آل الأشعث بهذا السبب، ويظل قتل علي عملا من تدبير الخوارج جاء في الأرجح ثأرا لقتلى النهروان.

استخلاف الحسن بن علي ومصالحة معاوية:

ولما ضرب علي بن أبي طالب الضربة التي مات فيها، قيل له يا أمير المؤمنين، إن فقدناك ولا نفقدك فنبايع الحسن؟ فقال: ما آمركم ولا أنهاكم[87].

وبويع الحسن بعد وفاة أبيه بيومين في شهر رمضان من عام أربعين للهجرة[88]، وقيل كان قيس بن سعد بن عبادة الأنصاري أول من بايعه ثم تتابع الناس وبايعوه[89].

ولكن خلافة الحسن لم تطل، إذ لم تتجاوز الأشهر قيل سبعة أشهر وأحد عشر يوما[90]، وقيل سبعة أشهر وسبعة أيام[91]، وقيل ستة أشهر وثلاثة أيام[92]، وقيل ستة أشهر[93]، وقيل أربعة أشهر[94]، وقيل شهران [95] وهي تعود إلى الاختلاف في الوقت الذي استخلف فيه الحسن، والوقت الذي تنازل فيه لمعاوية عن الخلافة، ثم وقع الصلح بين الحسن ومعاوية وتنازل الحسن عن الخلافة وتم اجتماع المسلمين على معاوية.

وقد تجاذبت الروايات المختلفة الحديث عما جرى بين الحسن ومعاوية في هذه الفترة:

فقال ابن أعثم: إن الحسن بن علي لما استخلف كتب إلى معاوية كتابا ذكر الحسن في مقدمته احتجاج قريش على العرب بقرابتها من الرسول صلى الله عليه وسلم، وإن العرب اعترفت لهم بهذا الفضل فلم تنازعهم السلطان، ولكن قريشا لم تنصف آل محمد ودفعتهم عن الخلافة، ثم ذكر ابن أعثم أن الحسن خاطب معاوية في كتابه إليه فقال... والآن، فلا غرو إلا منازعتك إيانا بغير حق في الدين معروف، ولا أثر في الإِسلام محمود إلى أن قال لمعاوية:... فإن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب لما نزل به الموت ولاني هذا الأمر من بعده، فاتق اللّه يا معاوية، وانظر لأمة محمد صلى الله عليه وسلم ما تحقن به دماءهم وتصلح به أمورهم والسلام.

ووجه الحسن الكتاب مع رجلين إلى معاوية ليدعواه إلى البيعة والسمع والطاعة.

وتمضي رواية ابن أعثم فتقول إن معاوية بعث بكتاب إلى الحسن جوابا على كتابه رد فيه عن المسلمين بعامة والمهاجرين والأنصار بخاصة ما فرقوا به من دفع الخلافة عن آل محمد، وإنهم وضعوها في أفضل الناس بعد رسول اللّه صلى الله عليه وسلم، ثم التفت إلى الحسن فقال يخاطبه في كتابه إليه:… فالحال بيني وبينك على ما كانوا عليه، ولو علمت أنك أضبط لأمر الرعية وأحوط على هذه الأمة، وأحسن سياسة، وأكيد للعدو، وأقوى على جميع الأمور، لسلمت لك هذا الأمر بعد أبيك، لأني قد علمت بأنك إنما تدعي ما تدعيه نحو أبيك، وقد علمت أن أباك سار إلينا فحاربنا، ثم صار من أمره إلى أن اختار رجلا واخترنا رجلا ليحكما بما يصلح عليه أمر الأمة وتعود به إلى الألفة والجماعة وأخذنا على الحكمين بذلك عهد اللّه وميثاقه وأخذا منا مثل ذلك على الرضا بما حكما، ثم إنهما اتفقا على خلع أبيك فخلعناه، فكيف تدعوني إلى أمر إنما تطلبه بحق أبيك، وقد خرج أبوك منه؟ انظر لنفسك أبا محمد ولدينك والسلام