طباعة

 توثيق النص

 

 

 

الإمام أبو العباس ابن سريج

المتوفي سنة 306 هـ وآراؤه الأصولية

تأليف د/ حسين بن خلف الجبوري

كلية الشريعة والدراسات  الإسلامية جامعة أم القرى- مكة المَكرمة

 

 

مقدمـة

الحمد لله وحده، عالم الغيب والشهادة الكبير المتعال مدبر الكائنات في أزل الآزال، ومقدر الأرزاق والآجال نحمده على فضله الدائم المتكرر، ونشكره على أفضاله التي عمنا بها.

وأصلي وأسلم على البشير النذير سيدنا محمد الهادي إلى نور الإيمان من ظلمات الكفر والضلال، وعلى آله وصحبه ومن سار على نهجه إلى يوم الدين.

وبعدْ: إنهَ لمن فضول القول ونافلة الكلمة أن أشير هنا وأبين ما للأصول من مكانة بين العلوم الشرعية، ثم أن أشيد بمكانة علماء الأصول، لأن مكَانتهم من مكانة أصوله الفقه بـين العلوم ولما كانت مكانة الأصول معروفة جلية بين العلوم فكذلك تكون مكَانة علماء الأصول جلية ظاهرة بين العلـماء.

وانطلاقا من هذه الأهمية ومن هذه المكانة العلمية لأصول الفقه وعلمائه فقد أقدمت على دراسة الآراء الأصولية لعالم جليل من علماء أصول الفقه وهو الإمام أبو العباس أحمد بن عمر بن سريج الشافعي البغدادي المتوفي سنة 306 هـ.

ودراسة آراء ابن سريج الأصولية لها أهمية كبيرة وفائدة جليلة وذلك لمكانة ابن سريج العلمية بين علماء الشافعية خصوصا وبين علماء عصره عموما.

وهذا ما أثبته في دراسة حياته ومكانته العلمية ومن خلال مصنفاته ومكانة تلاميذه من بعده.

وهناك أسباب كثيرة دفعتني لأن أقوم بجمع ودراسة آراء ابن سريج الأصولية وإظهارها في مؤلف مستقل جمعتها من بطون كتب أصول الفقه التي حوت في ثناياها الأقوال الأصولية لابن سريج ومن هذه الأسباب ما يلي:

أولاً: المكانة العلمية التي يتمتع بها ابن سريج بين علماء الشافعية خصوصا وعلماء عصره عموما حتى قيل عنه بأنه الشافعي الصغير.

ثانياً: لقد اعتبر ابن سريج من المجتهدين وقد انتهت إليه رئاسة المذهب الشافعي بل اعتبر مجدد المائة الثالثة من الهجرة.

ثالثاً: كثرة ما ورد له من أقوال أصولية ولما لهذه الأقوال من أهمية من الناحية العلمية الاستدلالية.

رابعاً: لم يظهر كتاب في أصول الفقه للشافعية يتناول الأقوال الأصولية عند الشافعية في الفترة الزمنية التي عاش فيها ابن سريج. بل الذي ظهر هو كتاب الرسالة للإمام الشافعي ومعلوم أن الرسالة لم تتناول في ثنايا ما ورد فيها جميع أبواب الأصول وقواعده هذا مما يحتم جمع أقوال ابن سريج لأنه عاصر هذه الفترة الزمنية التي لا يوجد فيها للشافعية أصول مدونة غير الرسالة.

خامساً: كثرة تلاميذ ابن سريج ومكانتهم العلمية بعد وفاته حيث إنهم قد أثروا وأثروا في المذهب الشافعي في الفترة التي عاشوا فيها. ويظهر ذلك من خلال ما أقدمه من دراسة عنهم.

لعل هذه أهم الأسباب التي دفعتني وشجعتني على الكتابة عن هذا العالم الجليل في تلك الفترة الزمنية لما لها من أهمية في تاريخ الأمة الإسلامية. وقبل أن أبين عملي في هذا البحث أقول قد يقول قائل لماذا لم تقارن هذه الأقوال بآراء الآخرين من الأصوليين وتناظر بين أقوال ابن سريج وأدلته؟ أقول لو عمدت إلى أن يكون البحث بهذه الصورة لأدى إلى عدم تحقيق الهدف وهو إبراز الآراء الأصولية لابن سريج لأن ذكر بقية الأقوال سواء كانت للجمهور أم أقوال منفردة لبعض علماء الأصول سيؤدي إلى عدم إظهار آراء ابن سريج.

كما أن هيئة المقارنة هذه موجودة في كتب الأصول عند كل مسألة من المسائل ولو ذكرت هنا لأدى إلى فوات الهدف من بيان آراء ابن سريج. لذا اخترت أن أذكرها منفردة وهذا ما أدى إلى عدم الرد على أقواله ومناقشتها لأن الرد والمناقشة يقتضي ذكر أقوال الآخرين وأدلتهم ومناقشتها ثم الترجيح بينها.

ويمكن أن أبين عملي في إظهار هذه الأقوال والآراء بما هي عليه في هذا المؤلف فأقول:

 أولاً: عملت دراسـة أظنها كافية وافية عن ابن سريج أظهرت من خلالها مكانته العلمية بين علماء عصره.

ثانياً: قمت بجمع وإخراج للآراء الأصولية لابن سريج من بطون الكتب الأصولية سواء كانت للشافعية أم لغيرهم واقتصرت على ذكر هذه الكتب ولم أذكر أي مرجع لم يتعرض بالذكر لآراء ابن سريج الأصولية.

ثالثاً: رتبت هذه الأقوال على حسب ترتيب أبواب أصول الفقه التي جرف ترتيبها عند علماء أصول الشافعية.

رابعاً: أثبت هذه الأقوال على شكل مسائل منفردة كل منها عن الأخرىَ حسب ورودها في كتب الأصول.

خامساً: قمت بترتيب الأدلة وترقيمها تسلسليا حيث إنها في كثير من المسائل التي لم تكن مرتبة ولا متسلسلة، كـما أني أظهرت وأبرزت أوجه الاستدلال من كل دليل من أدلته.

سادساً: ذكرت أرقام الآيات والسور التي استدار بها ابن سريج.

سابعاً: خرجت الأحاديث والآثار التي استدل بها ابن سريج في أقواله الأصولية.

هذا وأدعو اللّه عز وجل مخلصا صادقا في أن يجعل عملي هذا في ميزان حسناتي يوم تنقطع الأعمال والأقوال ولا يبقى إلا ما قدم الإنسان من الإحسان وما خلف من علم نافع ينتفع به من بعده.

اللهم حقق لي هذا يا رب ونجني بهذا العمل وغيره من عذابك الذي لا نقوى عليه ولا على ما هو دونه.

وآخر دعوانا أن الحمد للّه رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن سار على نهجه إلى يوم الصراط والحساب.

د. حسن بن خلف الجبوري

الدراسة عن الإمام أبي العباس ابن سريج المتوفي سنة 306 هـ

الدراسة عن الإمام أبي العباس ابن سريج الشافعي البغدادي تتناول جوانب متعددة ونواح متفرعة من حياته الشخصية والعلمية لذا أرى بيانها في المباحث الآتية:

المبحث الأول

في اسمه ونسبه ووفاته

 هو أحمد بن عمر بن سريج، أبو العباس، الشافعي البغدادي. وسريج بضم السين وفتح الراء وسكون الياء بعدها الجيم.

وسريج جده كان تقياً ورعا، ومشهور بالصلاح الوافر[1]. ولد ابن سريج سنة 248هـ ببغداد وتوفي فيها في جماد الأولى سنة 306هـ عن سبع وخمسين سنة وستة أشهر، ودفن بحجرة سويقة غالب[2]. وقيل يوم الاثنين الخامس والعشرين من شهر ربيع الأول[3].

المبحث الثاني

في مكانته العلمية[4]

لابن سريج مكانته العلمية الكبيرة المشهورة إذ أنه إمام الشافعية في عصره.

لذا أرى من أجل إعطاء هذه المكانة حقها في البحث، ولإنصاف الرجل كما ينبغي في مكانته العلمية التي كان يتمتع بها بين علماء زمانه. أرى أن يكون الكلام متناولاً لجميع النواحي التي تبرز هذه المكانة، ويظهر بها المقام الائق بابن سريج. ويمكن تحقيق ذلك بالجوانب الآتية:

أولاً: ما قاله العلماء في حقه:

كان أبو العباس ابن سريج يلقب بالباز الأشهب، وهو من الطبقة الثالثة من طبقات الفقهاء الشافعية. كان إماماً مشهوراً وقاضياً عادلاً، وهو الذي نشر المذهب الشافعي وبسطه.

قال عنه البعض: "بأنه يفضل على جميع الأصحاب حتى على المزني، وقد أخذ عنه خلق كثير".

وقـال البعض في حقه: "بأنه شيخ الأصحاب وسالك سبيل الإنصاف، وصاحب الأصول والفروع، والحساب، وناقض قوانين المعترضين على الشافعي، ومعارض جوا بات الخصوم".

وقال عنه الشيخ أبو حامد الاسفراييني: "نحن نجري مع ابن سيرين في ظواهر الفقه دون دقائقه".

وقال أبو علي بن خيران. سمعت أبا العباس بن سريج يقول: "رأيت كأنـما مطرنا كبريتا أحمر فملأت اكماجي وحجري فعبرت لي أن أرزق علما عزيزاً كـعزة الكبريت الأحمر".

 وقال الحاكـم وغيره[5]: سمعت حسان بن محمد يقول: "كنا في مجلس ابن سريـج سنة ثلاث وثلاثـمائة فقام إليه شيخ من أهل العلم فقال: أبشر أيها القاضي فإن الله يبعث على رأس كل مائة سنة من يجدد- يعنى للأمة- أمر دينها[6] وأن الله بعث على رأس المائة عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه فأظهر كـل سنّة وأمات كل بدعة. وبعث على رأس المائتين محمد بن إدريس الشافعي رضي اللّه عنه حتى أظهر السنّة وأخفى البدعة. وبعثك على رأس الثلاثمائة حتى قويت كل سنة وضعفت كل بدعة ثم أنشأ يقول:

عمـر الخـليفة ثم خلف الـسـودد

اثـنـان قد مضـيا فبـورك فيهـما

خير الـبرية وابـن عم محمـد

الـشـافـعـي الألمـعـي محمـد

من بعـدهـم سقـيا لتربـة أحمـد

أرجـو أبـا العباس أنـك ثالـث

قال: "فصاح أبو العباس بن سريج: وبكى فقال: لقد نعى إليّ نفسي". قال حسان: "فـمات القاضي أبو العباس في تلك السنة".

وجاء في تذكرة الحفاظ[7]. كذا في النسخة سنة ثلاث وكأنها سنة ست تـصحفت.

كان أبو العباس: صاحب سنة واتباع، إذ أنه سئل عن صفات الله تعالى فقال: "حرام على العقول أن تمثل اللّه، وعلى الأوهام أن تجده، وعلى الألباب أن تصف إلا ما وصف به نفسه في كتابه، أو على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم.

واشتهر النقل عن ابن سريج أنه قال: "ما رأيت من المتفقهة من اشتغل بالكلام فأفلح، يفوته الفقه، ولا يصل إلى معرفة الكلام".

ثانيا: تقديم العلماء له عليهم تقديرا لمكانته العلمية:

ذكـر الخطيب البغـدادي في تاريخه[8] أن العلماء باتفاق يحترمون مكانة ابن سريج العلمية ويقدمونه عليهم نظرا لهذه المكانة لذا ذكر هذه الرواية مشيرا لهذا المعنى إذ قال: أخبرني أحمـد بن محمد بن أحمد الهروي في كـتابه، حدثنا الحسن بن إبراهيم بن الحسين الليثي بمصر، حدثني الحسين بن الفتح. قال: "كان ببغداد جمع للقضاة والمعدلين والفقهاء وقاموا ليمضوا إلى موضع فاتفقوا على أن يتقدمهم أبو العباس بن سريج، ومنهم من هو في سن أبيه".

ثالثا: مناظراته العلمية للعلماء وانتصاره فيها عليهم:

ويمكن التمثيل لهذه المناظرات بالصور الآتية[9]:

(1) اجتمع أبو العباس بن سريج وأبو بكر محمد بن داود الظاهري فاحتج أبو بكر على أن أم الولد تباع إذ قال: "أجمعنا إنها كانت أمة تباع، فمن ادعى أن هذا الحكم يزول بولادتها فعليه الدليل". فقال له أبو العباس بن سريج: "وأجمعنا على أنها لما كانت حاملا لا تباع فمن ادعى أنها تباع إذا انفصل الحمل فعليه الدليل". فبهت أبو بكر الظاهري.

(2) كان العباس بن سريج وأبو بكر محمد بن داود الظاهري إذا حضرا مجلس القاضي أبي عمر محمد بن يوسف لم يجر بين اثنين فيما يتفاوضانه أحسن مما يجرى بينهما. وكان ابن سريج كثيرا ما يتقـدم أبا بكر في الحضور في المجلس. فتقدمه أبو بكر فسأله: "حدث من الشافعيين عن العَود الموجـب في الظهار ما هو؟".

فقال: "إنه إعادة القول ثانيا": وهو مذهبه، ومذهب داود فطالبه بالدليل: فشرع فيه، ودخـل ابن سريج، فاستشرحهم ما جرى فشرحـوه فقـال ابن سريج لابن داود: "يا أبا بكر أعزك الله هذا قول مَن مِن المسلمين تقدمكم فيه". فاستشاط أبو بكر من ذلك. وقال: "أتقدر أن من اعتقدت أن قولهم إجماع في هذه المسألة. إجماع عندي. أحسن أحوالهم أن أعدهم خلافا وهيهات أن يكونوا كذلك". فغضب ابن سريج وقال: "إئت يا أبا بكر بكتاب "الـزهرة " أمهر منك في هذه الطريقة". فقال أبو بكر: "وبكتاب "الزهرة تعيرني ؟ واللّه ما تحسن تستتم قراءته قراءة من يفهم، وإنه لمن أحد المناقب إلا كنت أقول فيه:

وأمـنـع نفسي أن  تنـال  محرما

أكرر في روض المـحـاسـن مقلتي

فلولا اخـتـلاس رده  لتـكـلما

وينـطق سرى عن مترجـم خاطري

فـما أن أرى حبـا صحـيحـا مسـلما"

رأيت الهـوى دعـوى من النـاس كلهم

 فقال له ابن سريج: "أو علي تفخر بهذا أم القول وأنا الذي أقول:

قد بت أمـنـعـه لذيذ  سنـائـه

ومـاهـر بالـفـتـح من لحظاتـه

وأكـرر الـلحـظات في وجـنـاتـه

ضنـا بحـسـن حديثـه وعـتـابـه

ولى بخـاتـم ربـه وبـداتـه"

حتـى إذا ما الـصـبـح لاح عمـوده

فقال أبو بكر لأبي عمر: "أن اللّه القاضي قد أقر بالميت على الحال التي ذكرها وأدعى البراءة بما يوجبه، فعليه إقامة البينة".

فقال ابن سريج: "من مذهبي أن المقر إذا أقر قرارا وناطه بصفة كان إقراره موكولا إلى صفته".

فقال ابن داود: "للشافعي في هذه المسئلة قولان". فقال ابن سريج: "فهذا القول الذي قلته اختياري الساعة".

 (3) كان علي بن عيسى الوزير منحرفا عن أبي العباس بن سريج لفضل ترفعه، وتقاعده عن زيارته منصبا بالميل إلى أبي عمر المالكي القاضي لمواظبته على خدمته، ولذلك كان ما قلده من القضاء. وكانت في أبي عمر نخوة على أكفائه من فقهاء بغداد لعلو مرتبته، فحمل ذلك جماعة من الفقهاء على تتبع فتاويه حتى ظفروا له بفتوى خالف فيها الجـماعة وخرق الإجماع. وأنهى ذلك إلى الخليفة والوزير فعقدوا مجلسا لذلك. وكان فيمن حضر أبو العباس بن سريج. فلم يرد على السكوت. فقال له الوزير: "ما تقول في ذلك". فقال: "ما أكاد أقول فيهم، وقد ادعوا عليه خرق الإجماع، وأعياه الانفصال عما اعترضوا به عليه، تم أن ما أفتى به قول عدة من العلماء وأعجب ما في الباب أنه قول صاحبه مالك رضي اللّه عنه، وهو مسطور في كتابه الفلاني" فأمر الوزير بإحضار ذلك الكتاب. فكان الأمر على ما قاله. فأعجب به غاية الإعجاب، وتعجب من حفظه لخلاف مذهبه، وغفلة أبي عمر عن مذهب صاحبـه، وصار هذا من أوكد أسباب الصداقة بينه وبين الوزير. ومازالت عَناية الوزير به حتى رشحه للقضاء فامتنع أشد الامتناع. فقال: "إن امتثلت ما مثلته لك وإلا أجبرتك عليه". قال: "افعل ما بدا لك". فأمر الوزير حتى سمر عليه بابه، وعاتبه الناس على ذلك. فقال: "أردت أن يتسامع الناس أن رجلا من أصحاب الشافعي عومل على تقلد القضاء بهذه المعاملة وهو مصر على إبائه زاهد في الدنيا".

وهذا الأمر يمكن أن يكون في أخر حياته إذ أنه ذكرت كـثير من المصادر أنه تولى القضاء بشيراز.

(4) ناظر أبو العباس بن سريج أبا بكر محمد بن داود يوما فقال له[10]: "أنت تقول بالظاهر، فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره، ومن يعمل مثقل درة شرا يره. فمن يعمل نصف مثقال؟" فسكـت ابن داود طويلا. فقال له ابن سريج: "لم لا تجيب؟" فقال: "أبلعني ريقي". فقال له أبو العباس: "أبلعتك دجلة". وقال أبو بكر بن سريج يوما: "أمهلني ساعة". فقال له: "أمهلتك من الساعة إلى قيام الساعة".

وقال أبو بكر لابن سريج يوما: "أكلمك من الرجل فتجيبني من الرأس". فقال له: "هكذا البقر إذا جفت أظلافها دهنت قرونها".

رابعا. استدراكه على بعض العلماء فيما صدر عنهم من أحكام:

لقد استدرك أبو العباس ابن سريج على الإمام محمد به الحسن الشيباني مسألة في الحساب وهي[11].

إذا خلف ابنين وأوصى لرجل بمثل نصيب أحد ابنيه إلا ثلث جميع المال فإن محمد بن الحسن قال: "المسئلة محال، لأنه أستثنى ثلث المال فقط".

وقـال أبو العباس ابن سريج: "المسئلة من تسعة لأحد ابنيه أربعة، والثاني مثله، وواحد للموصى له وهو نصيب أحد ابنيه إلا ثلث جميع المال وإذا ضم إلى نصيب الموصي له، صار أربعـة". ووجـه جواب ابن سريج أنـه يجعـل إلا ثلث جميع المال قيدا في مثل النصيب، يعني مثل النصيب خارجا منه ثلث الأصل[12].

خامسا: بعض المسائل التي اهتم العلماء بنقل أحكامها عنه:

لقد نقل كثير من العلماء آراءه الفقهية والأصولية في كتبهم ومجالسهم العلمية حتى شاعت في الآفاق ومنها ما يلي:

(1) قال الشيخ أبو حامد الاسفراييني كما نقل عنه ذلك الإمام النووي رحمه الله[13].

في تعليقه في مسئلة صفة الجلوس في التشهد الأول، قال ابن سريج: "متى عرف من أصول الشافعي شيء ذكره في كتبه عمل به. فمتى وجد في كتبه غير ذلك يؤول، ولم ينزل على ظاهره لئلا يعد قولا آخر له".

(2) نقل عنه أنه قال[14]: "قل ما رأيت أن المتفقهة من اشتغل بالكلام فأفلح، يفوته الفقه ولا يصل إلى معرفة الكلام".

(3) جاء عن السبكي في طبقاته[15]: أن ابن سريج قال: "يؤتى يوم القيامة بالشافعي وقد تعلق المزني يقول: رب هذا قد أفسد علومي. فأقول أنا: مهلا، بأبي إبراهيم فإني لم أزل في إصلاح ما أفسد".

(4) جاء في الـطبقـات الكـبرى[16] فيما قالـه الحاكـم: أنه سمع الأستاذ أبا الوليد النيسابوري يقول: "سألت ابن سريج. ما معنى قول الرسول صلى الله عليه وسلم: "قل هو الله أحد تعدل ثلث القرآن" فقال: "إن القرآن أنزل ثلثا منه أحكام، وثلثا منه وعد ووعيد، وثلثا أسماء وصفات. وقد جمع في (قل هو اللّه أحد) الأسماء وصفات".

(5) وجاء عن العبادي في طبقاته[17]: أن ابن سريج أفتى في قول من قال: "يا زانية أنت طالق إن شاء الله" "بأنها لم تطلق، وهو قاذف، لأن قوله يا زانية اسم لها، وخبر عن محتمل، والاستثناء لا يرجع للاسم"، وإذا قال: "يا زانية إن شاء الله". "لا يصح الاستثناء، لأنه خبر عن فعل ماض، وهو واقع، ويستحيل تعلق وقوعه بمشيئته من بعد". وإذا قال: "أنت زانية إن شاء اللّه" "اختلفوا فيه، وقيل لا يصح الاستثناء". قال أبو حامد المروزي: "وقطع به أنه يصح رجوعه، لأنه يجري مجرى التشبيك في الخبر. كما لو قال أنت زانية إن شاء اللّه".

(6) جاء في طبـقات السبكي[18]: أن قال: "كان ابن سريج يذهب كما حكاه الماوردي في الحاوي في باب "ما على القاضي في الخصوم والشهود" إلى رأَي أهل الكوفة: أن الأولى للحاكـم إذا ثبت الحق ألا يسمى في سجله الشهود"، باب يقول: "ثبت عندي بشهادة من رأيت قبول قولهما احتياطا للمحكَوم له. فإنه متى سماهما فتح باب الطعن والقدح عليه". والمعروف عن الشافعية قاطبة عكسه احتياطا للمحكوم عليه. وإنه يقول ثبت عنده لشهادة فلان وفلان.

 (7) ما ذكـره تلميذه ابن القـاص في كتابه أدب القاضي[19] إذ أنه قال: "سمعت أحمد ابن عمر بن سريج ينزع الحكم بشاهد ويمين من كتاب اللّه عز وجل من قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ} إلى قوله تعالى: {فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْماً فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الأََوْلَيَانِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّه}"[20].

وسأحكي معاني ما انتزع به وإن لم أجد ألفاظه: قال رحمه اللّه تعالى لما قال تعالى: {فَإِنْ عُثِرَ} يعني تبين {عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْماً} يعنى بذلك الوصيين {فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الأََوْلَيَانِ فَيُقْسِمَانِ} فيحلفان باللّه، يعني وارثي الميت اللذين كان الوصيان حلفا إن ما في أيديهما من الوصية غير ما زاد عليهما.

قال ابن سريج قال: "فالبيان الذي عثر على أنهما استحقا إثما به لا يخلو من أحد أربعة معان:

أما أن يكون إقرارا منهما بعد إنكارهما، أو أن يكون شاهدي عدل، أو شاهداً وامرأتين أو شاهداً واحدا، وقد أجمعنا على أن الإقرار بعد الإنكار لا يوجب يمينا على الطالبين، وكذلك لو قام شاهدان أو شاهد وامرأتان، فلم يبقى إلا شاهد واحد، وكذلك استحلاف الطالبين".

(8) المسألة السريجية:

ينسب إلى ابن سريج ما يسمى بالمسألة السريجية أو مسألة الـدور في الـطلاق ومفادها[21] أن يقول: الزوج لزوجته: "كلما أو إن وقع عليك طلاقي فأنت طالق قبله ثلاث". ثم يقول: "أنه طالق". قال ابن سريج: "لا يقع شيء للدور".

وجاء عن ابن العماد الحنبلي في الشذرات: أن البلقيني قال: "يجوز تقليد مصحح الدور في السريجية، ومقلده لا يأثم وأنا لا أفتي بصحته، لأن الفروع الاجتهادية لا يعاقب عليها وإن ذلك ينفع عند اللّه تعالى".

وجاء في هامش النجوم الزاهرة نقلا عن أبي شجاع أن ابن الصباغ قال: "وددت لو محيت هذه وابن سريج برئ مما ينسب إليه فيها".

المبحث الثالث

في مصنفاته العلمية

لأبي العباس بن سريج مصنفات علمية كثيرة حتى قيل أنها بلغت أربعمائة مصنف. إلا أن المشهور من هذه المصنفات ومما ذكرته المصادر بالاسم ما يلي[22]:

(1) الرد على ابن داود في إبطال القياس.

(2) التقريب بين المزني والشافعي.

(3) الرد على محمد بن الحسن الشيباني.

(4) مختصر في الفقه.

(5) الرد على عيسى بن أبان.

(6) جواب القاشاني.

(7) الانتصـار.

(8) الغنية في فروع الشافعية.

(9) البيان عن أصول الأحكام.

(10) الفروق في الفروع.

(11) الودائع لمنصوص الشرائع.

(12) كتاب العين والدين في الوصايا.

المبحث الرابع

في روايته للحديث

لقد ذكرت كثير من المصادر بأن لابن سريج سماعا في الحديث ورواية له لذا سأذكر أسماء من سمع عنهم الحديث وأسماء من روى عنه الحديث[23].

أولا: أسماء من سمع ابن سريج عنهم الحديث وهم كل من:

(1) الحسن بن محمد الزعفراني.

(2) علي بن اشكـاب.

(3) عباس محمد الدوري.

(4) أحمد بن منصور الرمادي.

(5) أبو داود السجستاني.

(6) محمد بن سعيد العطار .

(7) عباس بن عبد الله الترقفي.

(8) عباس بن عبد الملك الدقيقي.

(9) الحسن بن مكرم.

(10) حمدان بن علي الوراق.

(11) محمد بن عمران الصائع.

(12) عبيد اللّه بن شريك البزار.

ثانيا: أسماء من حدث وروى عن ابن سريج وهم:

(1) أبو القاسم سليمان بن أحمد الطبراني.

(2) أبو أحمد الغطريفي محمد بن أحمد بن الغطريف.

(3) أبو الوليد حسان بن محمد.

كما روى عنه غيرهم.

وللتدليل على روايته للحديث يمكن أن نذكر بعض الروايات التي وردت عنه وهي[24]:

أولا: أخبرنا أبو الفرج محمد بن عبد الله بن أحمد بن شهريار الأصبهاني، أخبرنا سليمان بن أحمد بن أيوب الطبراني، حدثنا أحمد بن عمر بن سريج القاضي- أبو العباس- حدثنا العباس بن محـمد بن حاتم، حدثنا سورة بن الحكم القاضي قال: حدثنا عبد الله بن حبيب بن أبي ثابت عن الشعبي عن أبي بردة بن أبي موسى عن ابنه قال: قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: "ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين، رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه ثم أدرك النبي صلى الله عليه وسلم فآمن به، ورجل كانت له أمة فاعتقها فتزوجها، وعبد اتقى الله، وأطاعَ مواليه"[25].

ثانيا: أخبرنـا القاضي أبو الطيب طاهر بن عبد الله الطبري، حدثنا محمد بن الغطريف- بجرحان- حدثنا الأمير أبو العباس أحمد بن عمر بن سريج، حدثنا أبو يحي الضرير محمد ابن سعيد العطار، حدثنا عبيدة بن حميد، حدثنا الأعمش عن حبيب بن أبي ثابت عَن سعيد بن جبير عن ابن

عباس رضي الله عنه عن علي بن أبي طالب قال: كنت رجلاً مذاء، وكنت أكثر من الاغتسال، فسألت النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "يكفيك منه الوضوء"[26].

ثالثا: أخبرنا أبو محمد بن أبي عمر، أخبرنا عمر بن محمد، أخبرنا أحمد بن محرر ومحمد ابن عبد الباقي قالا: أخبرنا طاهر بن عبد الله، أخبرنا أبو أحمد محمد بن أحمد، حدثنا أبو العباس ابن سريج، حدثنا علي بن اشكاب، حدثنا أبو بدر، حدثنا عمر بن ذر، حدثنا أبو الرصافة الباهلي من أهل الشام أن أبا أمامة حدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "ما من امرىء تحضره صلاة مكتوبة فيتوضأ عندها فيحسن الوضوء ثم يصلي فيحسن الصلاة إلا غفر الله له بها ما كان بينها وبين الصلاة التي كانت قبلها من ذنوبه"[27].

رابعا: حدثنا ابن سريج، حدثنا الزعفراني، حدثنا وكيع، حدثنا الثوري عن ربيعة الرأي عن يزيد مولى المنبعث عن زيد بن خالد قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن اللقطة؟ فقال: "عرفها سنة، فإن جاء صاحبها، وإلا فاستنفقها"[28].

خامسا: جاء في تذكرة الحفاظ[29]: أن حديثه في جزء الغطريفي يقع عالياً إذ قال: فأنبأنا عبد الرحمن بن أبي عمر الفقيه، أنبأنا عمر بن محمد، أنبأنا أحمد بن ملوك ومحمد بن عبد الباقي قالا: أنبأنا طاهر بن عبد الله القاضي، أنبأنا محمد بن أحمد – بجرجان - أنبأنا أبو العباس بن سريج، أنبأنا الرمادي، أنبأنا عبد الرزاق، أنبأنا معمر عن هشام بن عروة عن أبيه عن أبي أيوب الأنصاري عن أبي بن كعب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الماء من الماء"[30] هذا إسناد صحيح لكن نسخ بعد ذلك[31].

المبحث الخامس

في نظمه الشعر

 نقلت بعض المصادر[32] أن أبا العباس ابن سريج ينظم الشعر بل سريع البديهة في ذلك كما هو الحال في موقفه مع أبي بكر محمد بن داود كما سنرى قريباً.

وهذا بيان لبعض ما ذكر من شعره:

أولا: شعره في الرد على أبي بكر محمد بن داود الظاهري:

إذ أنشد قائلا:

فذبـت أمنعـه  لذيذ  سنـانـه

وسـاهـر بالـغـنـج من لحظاتـه

وأكـرر الـلحـظات في وجـنـاتـه

منـنـا بحـسـن حديثـه وعـتـابـه

ولى بخـاتـم ربـه  وبـراتـه

حتـى إذا ما الـصـبـح لاح عمـوده

 ثانيا: ما روي عنه أنه ركب شعرا في دخول "لو": تركيبا غير عربي فقال:

أجـاوبـه  أن  الـكـلاب كثـير

ولـو كلما كلب عوى ملت نحـوه

قليل  فإني بالـكـلاب بصـير

ولـكـن مبـالانـى بمن صاح أو عوى

والذي عاب على أبي العباس ابن سريج هذا التركيب هو الشيخ أبو حيان رحمه اللّه وقد أجاب السبكي في طبقاته على أبي حيان بقوله:

"لم يبين الشيخ أبو حيان وجه خروج أبي العباس عن اللسان في هذا التركيب الشعري. فإن أراد تسليطه حرف "ولو" على الجملة الاسمية فهو مذهب كثير من النحاة منهم الشيخ جمال الدين بن مالك. جوزوا أن يليها اسم ويكون معمول فعل مضمر ففسر بظاهر بعد الاسم".

ثم أضاف قائلا: وقال في التسهيل: "وإن وليها اسم فهو معمول فعل مضمر مفسر بظاهر بعد الاسم، وربما وليها اسمان مرفوعان".

ومثال ما إذا وليها اسم: ما روي في المثل من قولهم "لو ذات سوار لطمئني" وقول عمر ابن الخطاب رضي اللّه عنه "لو غيرك قالها يا أبا عبيدة".

وقال الشاعر:

عتـبت ولكـن ما على الـدهـر معـتب

أخـلان لو غير الحـمام أصـابـكـم

 وقال شاعر آخر:

أدنـى الجـواز إلى بنـى الـعـوام

لو غيركـم علق الـزبير  بحـبـله

وقال آخر:

جعـلت لهم فوق الـعـرانين ميسـما

لو  غير أخوالي  أرادوا نقيصـتيف

 فالأسماء التي وليت "لو" في هذا كله معمولة لفعل مضمر يفسره ما بعده، كأنه قال:

ولو لطمتني ذات سوار لطمتني. وكذا نقول في قول ابن سريج: "ولو كلما كلب" المعنى ولو كان كلما كلبا عوى.

ويدل على ذلك قول اللّه عز وجل: {قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذاً لأََمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الإِنْفَاقِ}[33].

ويلزم من رد أبي حيان لهذا المذهب ودعواه أنه غير مذهب البصريين أن يكون مردودا في نفسه.

وإن أراد حذف الجواب إذ التقدير: ولو كان كلما عوى كلب ملت نحوه، كي أجاوبه لسئمت أو تعبت، أو نحو ذلك لأن الكلاب كثير. فقد نص هو وغيره على جواز حذف جواب "لـو" لدلالـة المعنى عليه، وعليه قولـه تعالى: {وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ}[34]. وشواهده كثيرة.

ثالثا: من شعر أبي العباس ابن سريج في مختصر المزني:

وصـقـيل ذهـنـي والمفرج عن همي

لصـيق فؤادي منـذ عشرين حجـة

لما فيه من علـم لطيف ومـن نظم

عزيز على مثـلي إعارة  مثـله

فأخـلق به أن لا يفـارقـه كمـي

جموع لأصـنـاف الـعـلوم بأسرهـا

المبحث السادس

في شيوخه

درس أبو العباس ابن سريج الفقه على أبي القاسم الأنـماطي وهو الذي أثر فيه أكثر من غيره. كما درس على أبي الحسن المنذري.

وقد ذكرت بعض المصادر[35] أنه تتلمذ على المزني. إلا أن هذا وهم وغير صحيح حيث أن الذي تتلمذ على المزني هو شيخه الأنماطي.

ويمكن أن نترجم لشيخه الأنـماطي والمنذري بما يلي:

أولا: الأنماطي:

هو أبو القاسم عثمان بن سعيد بن بشار الأنـماطي[36] - منسوبا إلى الأنماط وهي البسط التي تفرش _ كان فقيها ورعا أخذ العلم عن المزني والربيع وهو الذي نشر مذهب الشافعي ببغداد، وعليه تفقه ابن سريج، وأبو سعيد الأصطخري، وأبو علي بن خيران، ومنصور التميمي، وأبو حفص بن الوكيل البابشامي.

والأنماطي بالنسبة لأهل بغداد كأبي بكر بن إسحاق بالنسبة لأهل نيسابور، فإنه أول من حمل إليهم علم المزني. توفي سنة 289هـ.

ثانيا: المنذري:

هو أبو الحسن المنذري[37] شيخ ابن سريج، وله مختصر في الفقه من كتب الشافعي رحمه الله من كتاب المزني.

المبحث السابع

في تلاميذه

لقد درس على أبي العباس ابن سريج جمع كثير من طلبة العلم وقد استفادوا منه وأفادوا. إلا أن أبرز تلاميذه وأشهرهم هم الذين قاموا بنشر مذهبه من بعده في الآفاق وصنفوا في ذلك التصانيف الكثيرة وأظهروا براعة فائقة في حمل هذا العلم والدفاع عنه والرد على أعدائه.

لذا سأترجم لأشهرهم علما وأبرزهم مكانة وهم كما يلي:

أولا: أبو بكر محمد بن عبد الله بن إبراهيم البغدادي المعروف بالصيرفي[38] :