|
|
|
|
المسؤولية
في الإسلام |
|
|
بقلم الشيخ
عبد الله بن أحمد قادري |
|
|
المدرس
بالجامعة الإسلامية |
|
|
|
|
|
عن ابن عمر
رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "كلّكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته، الإمام راع ومسؤول عن
رعيته، والرجل راع في أهله ومسؤول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة
عن رعيتها، والخادم راع في مال سيده ومسؤول عن رعيته، وكلكم راع ومسؤول عن
رعيته" متفق عليه. |
|
|
وضع الرسول
صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث الشريف - الذي هو من جوامع كلمه كل فرد من
أرفاد المسلمين - حاكمين ومحكومين، ذكرانا وإناثا، مخدومين وخادمين - أمام
مسؤوليته المنوطة به, حسب منصبه ووظيفته. |
|
|
فكل فرد مسلم
يعتبر راعيا ومرعيا في وقت واحد، عليه حقوق يجب أن يؤديها لأهلها وله واجيات يجب
أن تؤدى إليه، وقد عم النبي صلى الله عليه في مطلع الحديث بقوله: "كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته" وفي آخره
بقوله: "وكلكم راع ومسؤول عن رعيته" وخص فيما بين ذلك. |
|
|
فذكر أعلى
أصناف الناس في أول من ذكر، وأدناهم في آخر من ذكر، وأوساطهم فيما بين ذلك،
فالمقصود من الحديث استغراق كل أفراد المسلمين بذكر أعلاهم، وأدناهم، ومتوسطهم،
وهو شبيه بقوله صلى الله عليه وسلم في ذكر شعب الإيمان: "الإيمان بضع وستون شعبة، أعلاها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة
الأذى عن الطريق". وإذا كان المراد من الحديث العموم والتنصيص على
من ذكر، أريد به التمثيل، فلنبدأ بالكلام على الأصناف الأربعة - حسب ترتيبهم في
الحديث - مع ضرب أمثلة أخرى من واقعنا
الذي كثر فيه الرعاة وتعددت المسؤوليات على اختلافها من الجسامة والضئالة، وعلى
أثر ذلك ظهر لكل مسؤولية أثرها الملموس. |
|
|
الإمام راع ومسؤول عن رعيته: |
|
|
يطلق الإمام
في الشرع على من يقتدى به كإمام الجماعة في صلاتهم، ومعلم الخير وفاعله، والداعي
إليه كما قال تعالى عن المؤمنين: {وَاجْعَلْنَا
لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً}, وكخليفة المسلمين وهو أميرهم العام
الذي يدينون له كلهم بالولاء والطاعة، لقيامه فيهم بشرع الله، وهذا هو المقصود
من الحديث، وخليفة المسلمين هو أعلى رعاتهم، ومسؤوليته أعظم مسؤولية، لتعلق حقوق
كل الرعية به، ولهذا استحق التقديم في الحديث، ويشبه العلماء إمام المسلمين معهم
بالقلب مع سائر الأعضاء في الأهمية، وقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم في
القلب: "ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح
الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب". |
|
|
والأمر كذلك بالنسبة للإمام فإن غالب رعيته يقتفون أثره ويحاولون محاكاته
ما استطاعوا في الملبس والمسكن والمنكح، والعدل والظلم والتواضع والتكبر، والكرم
والبخل، والإيثار والإسراف، والحزم والضبط والفوضى والاضطراب، ففي صلاحه صلاح
رعيته، وفي فساده فسادهم لأن زمامهم بيده، ومصالحهم تحت تصرفه، يقودهم إلى ما
تهواه نفسه، ويميل إليه طبعه، كما أن القلب مصدر صلاح الأعضاء، وفسادها لسيطرته
عليها. |
|
|
حق الإمام على الرعية: |
|
|
للإمام على رعيته حقوق لا يجوز لهم أن يقصروا في أدائها ما
استطاعوا ذلك، وتتلخص في أمرو ثلاثة: |
|
|
الأول: طاعته في غير معصية الله تعالى، كما قال عز وجل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ
وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي
شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ
وَالْيَوْمِ الآَخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً}, وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "على المرء المسلم السمع والطاعة في ما أحب وكره إلا أن
يؤمر بمعصية فإذا أمر بمعصية، فلا سمع ولا طاعة" متفق عليه من حديث
ابن عمر رضي الله عنهما، وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول
الله صلى الله عليه وسلم: "عليك السمع والطاعة في
عسرك ومنشطك ومكرهك، وأثرة عليك". والنصوص في هذا الباب كثيرة جدا،
والذي يتضح من الجميع أنه يجب على الرعية طاعة إمامها في ما تحب وتكره، ما لم
يأمرها بمعصية الله فإن أمرها بها وجب عليها أن ترفض طاعته لأنها إنما تطيعه،
رغبة في رضى الله عنه، ورهبة من غضبه عليها، فإذا أمرها الإمام بما يسخط الله
فقد سلك غير سبيله وطلب ما لا حق له فيه. |
|
|
الثاني: بذل النصيحة له، بتوجيهه إلى الخير، وتشجيعه عليه، وتقويمه
إن عدل عنه وذلك بأمره بالمعروف ونهيه عن المنكر، بالتي هي أحسن، بأن يذكروه
بحقوق الله عليه، ثم بحقوق رعيته حيث أخذ منهم البيعة على الطاعة في غير معصية
وأخذوا منه العهد بالقيام بشريعة الله حتى يكون دائما في حذر من الوقوع فيما
يعود عليه وعلى رعيته بشر في دينهم ودنياهم. |
|
|
الثالث: أن يكفوا عن ذكر معايبه، في المجتمعات والأندية، والأسواق
والمساجد ونحوها، وينتهروا من يفعل شيئا من ذلك، ويمسكوا عن حض
الناس على القيام ضده، لخلعه ونبذ طاعته ما دام قائما بأحكام الإسلام معترفا
بأنها حق، غير جاحد ولا مستهزئ، لأن اغتياب الإمام والحث على الخروج عليه فيه
خطر عظيم، من إثارة الفتن والقلاقل التي لا يستطيع ردها ولا دفعها، كما أن ذلك
ليس من سيرة علماء المسلمين الفاهمين للإسلام وحكمه وأسراره، ولهذا بالغ النبي
صلى الله عليه وسلم في النهي عن الخروج على الأئمة أو ارتكاب الأسباب المؤدية
إلى ذلك. |
|
|
روى مسلم في صحيحه من حديث عوف بن مالك رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله
صلى الله عليه وسلم يقول: "خيار أئمتكم الذين
تحبونهم ويحبونكم، وتصلون عليهم ويصلون عليكم، - أي تدعون لهم ويدعون لكم -
وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم، وتلعنونهم ويلعنونكم" قال: قلنا:
يا رسول الله أفلا ننابذهم؟ قال: "لا ما أقاموا فيكم الصلاة, لا ما أقاموا
فيكم الصلاة" فقد نهى في هذا الحديث عن منابذة أئمة هم شرار أئمة
المسلمين ما داموا يصلون، وفي بعض الروايات "إلا
أن تروا كفراً بواحاً، عندكم فيه من برهان". |
|
|
والحكمة في النهي عن الخروج عن الأئمة، والأمر بالصبر على ظلمهم وفسقهم
واضحة جدا، فإن المصائب والمفاسد الحاصلة بسبب الخروج عليهم من سفك للدماء ونهب
للأموال واستباحة للأعراض أعظم من ظلمهم، وما على المرء إلا أن يستعرض التاريخ
قديما وحديثا ليرى صدق ما قلته، ولا أريد من هذا إدخال الحكام المفضلين لقوانين
البشر، على شريعة الله والزاعمين بأن أحكام الإسلام لا تصلح لهذا العصر، الراقي
في زعمهم، أقول لا أريد إدخال هؤلاء في عداد الأئمة الجائرين مع قيامهم بأحكام
الإسلام واعترافهم بها، فإن الذين لا يعترفون بحكم الله شريعة ودستورا كفار
صرحاء لا لبس في كفرهم، يجب على الأمة الإسلامية إذا استطاعت أن تنابذهم وتجتثهم
من أصولهم لتضع مكانهم من يقوم بشرع الله الذي شرعه لعباده، عملا بقوله صلى الله
عليه وسلم: "من رأى منكم منكرا فليغيره بيده
الحديث". |
|
|
|
|
حقوق الرعية على الإمام:
|
|
وكما أن للإمام حقوقا على رعيته فإن
للرعية حقوقا عليه يجب أن يقوم بها خير قيام، وخلاصتها: أن يجتهد في تحصيل ما
ينفعهم ودفع ما يضرهم في دينهم ودنياهم، ويبتعد عن غشهم وخيانتهم، ولا يتحقق له
ذلك إلا بأمور..
|
|
|
الأول: أن يختار لوظائف الدولة الهامة أحسن من
يظن فيهم القيام بها، خبرة وأمانة، وقدرة وإخلاصا وحكمة، ويحض كلا منهم على
اختيار الأصلح فالأصلح للوظائف التي تحت مسئوليته، وهكذا يكون الاختيار ابتداء
من أكبر وزير وانتهاء إلى أصغر موظف في الدولة، حتى يقوم كل منهم بواجبه الذي
أسند إليه على أتم وجه وأكمله. |
|
|
الثاني: أن يختار لمجالسته أهل التقوى والخشية
والعلم والورع والنصح ليعاونوه على فعل الخير ويحسنوه له، وينصحوه بالابتعاد عن
مقارفة الأمور التي تعود عليه وعلى رعيته بالسوء، ويقبحوا له ذلك حتى يصبح من
طبعه فعل النافع واجتناب الضار، والنتائج المترتبة على اختيار جلساء الخير عظيمة
جدا، وقد حث الرسول صلى الله عليه وسلم على ذلك وحذر من اتخاذ جلساء السوء، وأحرى الناس باختيار الجليس الصالح،
واجتناب جليس السوء هم ولاة الأمور، لأن خيرهم وشرهم يعمان كل الرعية، ولهذا
قرنهم النبي صلى الله عليه وسلم بالأنبياء كما في حديث أبي سعيد وأبي هريرة
الصحيح: "ما بعث الله من نبي ولا استخلف من خليفة
إلا كانت له بطانتان، بطانة تأمره بالمعروف وتحضه عليه، وبطانة تأمره بالشر
وتحضه عليه، والمعصوم من عصمه الله". |
|
|
الثالث: أن يأخذ على أيدي السفهاء والفسقة،
ويردعهم عن المعاصي والظلم والفوضى ومعارضة أهل الخير بالطرق المؤدية لذلك -
كالقصاص والحدود والتعازير - فإن لم يجتهد في هذه الأمور الثلاثة، فقد غش رعيته
واستحق وعيد الله الذي أجراه على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم حيث قال: "ما
من عبد يسترعيه الله رعية يموت وهو غاش لرعيته إلا حرم الله عليه الجنة"
رواه الشيخان عن معقل بن يسار رضي الله عنه. |
|
|
وهذه الأمور تعتبر أسسا لحقوق الرعية على الإمام إذا توفرت كانت النتائج
حسنة، في كل مجالات الحياة، وإذا أردنا أن نفصل بعض التفصيل نجد أن للرعية على
الإمام ما يلي: |
|
|
1- إنشاء وسائل نشر
العلم الديني بين كافة طبقات الناس من مدارس لجميع المراحل التعليمية للمتفرغين
لطلب العلم، ويجب أن يختار لكل مؤسسة من تتوفر فيه شروط الانتفاع منها، من علم
وأمانة وقدرة وإخلاص، كما يجب على هذا المسئول أن يختار المدرسين الأكفاء الذين
يقومون بتربية الطلاب تربية إسلامية شاملة، ومن هؤلاء يكون القضاة والمدرسون،
والمرشدون وغيرهم من موظفي الدولة، كل يعطي ما يناسبه، أما من عداهم من عامة
الناس الذين لا يتمكنون من التفرغ لطلب العلم فيجب أن يخصص لهم مرشدون لتعليمهم
ما يهمهم من أمور دينهم بحيث يعرفون حقوق ربهم
وحقوق بعضهم على بعض في المعاملات حتى لا يقعوا في معاصي الله بترك
واجباته وارتكاب محرماته ولا يعتدي بعضهم على حقوق بعض. |
|
|
2- العمل على توفير أمن
الرعية في الداخل والخارج، متمشيا مع القواعد الشرعية العامة، ويحصل ذلك بإعداد
رجال أمن داخلي مدربين تدريبا كافيا، ليسهروا على أمن البلاد وسلامتها، بالوسائل
التي تكفل المطلوب وإعداد الجيش الكافي المزود بالأسلحة المستطاعة، الرادعة لصد
أي هجوم متوقع من خارج البلاد، بل لغزو البلاد الكافرة لفتحها وإقامة دين الله
فيها عند الاستطاعة امتثالا لأمر الله تعالى في كتابه: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ
رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللهِ وَعَدُوَّكُم},
والقوة المأمور بها هي التي ترهب العدو كما نصت على ذلك الآية الكريمة وهي في كل
عصر بما يناسبه. |
|
|
3- العمل على توسيع الحالة المعيشية والصحة
البدنية، وهذه الأمور الثلاثة تقتضي تشجيع الحركة التجارية إيرادا وتصديرا،
بأيسر السبل وأكثرها نفعا والحركة الصناعية والعلوم الطبية العامة والخاصة،
لتستغني الرعية عن أعدائها، الذين يتحكمون فيهم بسبب حاجتهم إلى ما عندهم،
وبالجملة فكل ما يجلب للرعية نفعا أو يدفع عنها ضررا في الدنيا والآخرة فهو من
حقوقها على الإمام ما دام يستطيع ذلك فإذا قصر في شيء يقدر عليه فهو غاش لرعيته
مستحق للوعيد المتقدم الذكر، ولا يتم أداء حق الراعي من قبل الرعية وحق الرعية
من قبل الراعي إلا بالتعاون التام بينهم، كل يقوم بواجبه عملا بقوله تعالى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى}. |
|
|
|
|
مصدر تحديد المصلحة والمضرة:
|
|
|
والمصلحة التي يجب على الإمام أن يهييء وسائل تحصيلها يجب أن يكون
تحديدها من قبل الشريعة الإسلامية، كما أن المضرة التي يجب أن يهييء وسائل منعها
يجب أن يكون تحديدها من قبل الشريعة كذلك، فما اعتبرته الشريعة مصلحة فهو مصلحة،
وما اعتبرته مضرة فهو مضرة, وليس تحديد المصلحة أو المضرة من حق الإمام أو
الرعية بدون الرجوع إلى الشريعة لأنهما لو جعلتا من حق الإمام أو الرعية مطلقا
لحصل في تحديدهما اختلاف عظيم لاختلاف ميول الناس وشهواتهم اختلافا متباينا إذ
ما يراه بعضهم مصلحة قد يراه الآخر مضرة, وبناء على ذلك فيسختلف الوزراء في ما
بينهم ومع الإمام، وستختلف الرعية في ما بينها ومع المسئولين من موظفي الدولة،
فسيزعم بعضهم أن المصلحة أو المضرة تقتضي إباحة شيء ويزعم الآخر أنهما يقتضيان
تحريمه، وستضطرب بذلك الأمور ويختل النظام وتنتهك حرمات الله بسبب إسناد تحديد
المصلحة والمضرة إلى غيره تعالى. |
|
|
وخلاصة الكلام أن الحلال ما أحله الله وليس
لأحد تحريمه، والحرام ما حرم الله، وليس لأحد تحليله, وإذا تعارضت مفسدتان , لا
بد من ارتكاب إحداهما، وجب ارتكاب أخفهما، وإن تعارضت مصلحتان لا بد من تحقيق
إحداهما وجب تقديم أعظمهما، والتحديد في كل ذلك يرجع إلى القواعد الإسلامية،
والمعنيون بالبحث والمقارنة هم علماء الأمة، المعروفون بالورع والتقوى وخشية
الله والتضلع من العلوم الإسلامية أصولها وفروعها، الذين لا يخافون في الله لومة
لائم بل يقولون كلمة الحق ولو على أنفسهم، هؤلاء هم الذين يجب أن يسند إليهم
البحث في مصالح الناس ومضارهم، وهم أهل الحق في تعيين المصلحة والمضرة وعلى ضوء
بحثهم واجتهادهم يجب على الإمام أن ينفذ ما أشاروا به، ولا يلتفت لمعارضة أهل
الأهواء ممن يدعون العلم وقصدهم الشهرة والتقرب إلى الإمام والرعية بإفتائهم بما
يوافق أهواءهم وميولهم، ولو كان مخالفا للشريعة، كما هو حال أكثر العلماء في
الأقطار التي اتخذ حكامها لأنفسهم دساتير غير دستور وقانون الإسلام، خلص الله
المسلمين منهم وأبدلهم بهم خيرا منهم. |
|
|
فليس حسن النية بالرعية والإحسان إليهم أن يفعل ما يهوونه ويترك ما
يكرهونه، فقد قال الله تعالى: {وَلَوِ اتَّبَعَ
الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنّ},
وقال تعالى للصحابة: {وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ
رَسُولَ اللهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الأَمْرِ لَعَنِتُّمْ},
وإنما الإحسان إليهم فعل ما ينفعهم في الدنيا والآخرة ولو كرهه من كرهه، لكن
ينبغي له أن يرفق بهم فيما يكرهونه. ففي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم
أنه قال: "ما كان الرفق في شيء إلا زانه، ولا كان
العنف في شيء إلا شانه", وقال صلى الله عليه وسلم: "إن الله رفيق يحب الرفق ويعطي على الرفق ما لا يعطي
على العنف" إهـ. من رسالة السياسة الشرعية الجديرة بأن يهتم بها
الخليفة ويعمل بمقتضاها، فإنها على اختصارها وقصر وقت كتابتها الذي يقال إنه
ليلة واحدة ذات أهمية كبيرة في هذا الموضوع. |
|
|
|
|
|
بعض المسؤوليات المكملة : |
|
|
والمسئوليات
التي لها علاقة بمن ذكر في الحديث كثيرة جدا ولكني أذكر أهمها فيما يلي: |
|
|
الأولى: تتعلق بموظفي أجهزة الإعلام. إن الدور الذي تلعبه
أجهزة الإعلام على اختلافها دور خطير يجب أن يعطى حظا وافرا من العناية
والملاحظة لأنها تملأ أسماع الناس بأصواتها وتشغل أبصارهم بأفلامها وصحفها
وصورها، وتكد عقولهم بأفكارها ومبادئها وهي سلاح ذو حدين، أحدهما قاتل فتاك يقطع
العلاقة المتينة بين المسلم وأصول دينه التي يتوقف عليها نجاحه في الدنيا
والآخرة. وثانيهما مقوم بناء يصل المسلم بماضيه المجيد بما يبث فيه من روح
التهذيب والجد والرجوع إلى أصول دينه الحنيف، ليكون رجل الساعة المرتقب وأهم تلك
الأصول فيما أرى: |
|
|
1- العقيدة
الإسلامية الصحيحة التي تتضمن توحيد الله في خلقه ورزقه، وتدبيره وطاعته
والإيمان برسله وكتبه وملائكته والبعث والجزاء والحساب وغير ذلك مما أخبر الله
به في كتابه أو على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم، العقيدة التي إذا تزعزعت في
أمة من الأمم انهارت انهيارا كاملا في كل مجالات حياتها وخسرت دينها ودنياها. |
|
|
2- السلوك
الحسن الذي يترتب على وجوده في الأمة وجود كل خصال الخير والشرف من عفة ونزاهة،
وشجاعة وإقدام، وبذل وتضحية وصدق ووفاء، ونصح وصراحة، كما يترتب على عدمه كل
خصال الشر من خسة ونذالة ودناءة وجبن وإحجام وبخل وشح، وكذب وغدر، ونفاق ومداهنة.
ولقد تفشت الأخلاق الرذيلة في شباب الشعوب الإسلامية وكهولها - ولا أبالغ إذا
قلت وشيوخها - تفشيا ذريعا، متسببا عن تلك الأجهزة الخبيثة لما تبثه من خلاعة
وفجور وميوعة بأصواتها وأفلامها وصحفها وصورها. |
|
|
3- الشعائر
التعبدية كأركان الإسلام الخمسة، التي تعتبر للعقيدة كالوقود للآلات، ولقد عملت
أجهزة الإعلام دورا خطيرا، في صرف أبناء الإسلام عن أداء تلك الشعائر العظيمة
حيث شغلتهم بما يستمعون وما يبصرون وما يقرؤون حتى إنك لتجد الكثير منهم
يتسابقون إلى أمكنة اللهو تاركين المساجد وراءهم في الوقت الذي يقول فيه المؤذن:
(حي على الصلاة حي على الفلاح) مهرولين كما يهرول الشيطان، مدبرا إذا سمع
الأذان، وليتهم يتركون تلك الشعائر فحسب بل إنهم ليبغضون من يؤديها ويسخرون
منهم، ويرون أن ما يتسابقون إليه أكثر
نفعا وأجدى فائدة من أدائها ! |
|
|
4- إجتماع كلمة
المسلمين وبث روح الألفة والمودة بينهم حتى يكونوا يدا واحدة كما أمرهم الله {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا},
وأمرهم نبيهم صلى الله عليه وسلم "وعليكم
بالجماعة فإن يد الله على الجماعة". ولقد اتخذت تلك الأجهزة شتى
الأساليب والطرق لتفريق كلمة المسلمين وبث العداوة والبغضاء بينهم وأصبحت كل
دولة تكيل للأخرى السباب والشتائم، وتختلق عليها الدسائس والتهم الكاذبة!. |
|
|
ورعاة هذه المسئولية في كل شعب من الشعوب الإسلامية هم وزراء الإعلام
فالواجب عليهم أن يعملوا بمقتضى دينهم الذي يدعونه، فيسيروا هذه الأجهزة في طريق
مستقيم بحيث ينتفع بها أبناء شعوبهم بتوعيتهم بالثقافة الإسلامية واطلاعهم على
الأحداث الجارية، وتحذيرهم من تخطيطات أعدائهم التي يقصدون من ورائها اجتثاث
إيمانهم من قلوبهم أو إضعافه - على الأقل - كما يجب أن تستخدم هذه الأجهزة في
بيان الطرق والأساليب الواجب اتخاذها ضد تلك المخططات بكشفها للناس عن طريق
الخطابة والكتابة الإذاعة وغيرها، وأن يتخذوها وسائل للتعليم المتنوع بحيث
يستفيد منه جميع طبقات الأمة، من شرح لأمور الدين التي لا يسع أحدا من المسلمين
جهلها، كالصلاة والزكاة والصوم والحج، والمعاملات المصرفية والعلاقات الزوجية وأشباهها,
ومن دروس علمية في التفسير والحديث والأخلاق الإسلامية والجهاد في سبيل الله
الذي يعتبر أهم سلاح حاول ويحاول كسره الأعداء الصرحاء منهم والمنافقون، حتى لا
تكاد الشعوب الإسلامية إلا ما شاء الله تفكر في رفع راية الجهاد ضد أعداء الله
في هذا العصر، بتأثير من حكامهم الطغاة، الذيت تربعوا على كراسي الحكم بالقوة
وأشاعوا بين المسلمين ما أراده أصدقاؤهم الكفار الصرحاء، من أن الجهاد وحشية لا
يصلح للقرن العشرين! والواقع أن القتال من أجل الباطل هو سلاح أولئك الكفار،
ينفذون به مأربهم، يغزون الشعوب ويقتلون أهلها، ويستحلون محارمهم، وينهبون
أموالهم وثرواتهم، ويحدثون بينهم الفوضى والاضطراب والخراب والدمار، من أجل
إشباع شهواتهم المسعورة، ومن أجل السيطرة التي ليس لهم فيها أدنى حق، ولا
يعتبرون ذلك وحشية بل يعتبرون الجهاد الذي هو وسيلة تحرير الناس كلهم من عبودية
الناس إلى عبودية الله وحده، ولا يقوم حق الله وحق عباده إلا به, يعتبرونه وحشية
وهمجية، فلو أن المسئولين عن تلك الأجهزة استخدموها في كشف وفضح هذه المؤامرات
لا في تأييدها وبثها، وبينوا للناس محاسن الإسلام وحكمه وأسراره في الجهاد
وغيره، لما وصل جيلنا الحاضر إلى ما وصل إليه من تنكر لدينه وكفر بمبادئه،
ولكنهم أي المسئولين عن هذه الأجهزة بدل أن يفعلوا ذلك فعلوا ضده، فكل رذيلة
أرادوا مقارفتها، والإسلام يحاربها كرذيلة الزنا ودواعيها، سلطوا أجهزتهم على
تقبيح الوسائل التي اتخذها الإسلام للابتعاد عن تلك الرذيلة، ووصفوها بأوصاف
منفرة، حتى تصبح عند الناس من الأمور المنكرة التي تنفر من ذكرها الأسماع، ومن
أوضح الأمثلة على ذلك، وسيلة عفة المرأة، وهي الحجاب، فقد سلطت عليه تلك الأجهزة
مقبحة له زاعمة أنه سلب لحرية المرأة وهضم لحقها، وانطلق علماء الشيطان
المنتسبون إلى الإسلام يبرهنون لتلك الأجهزة على صحة ما تثبته في الناس
بالتأويلات الفاسدة لنصوص الشرعية، كما ارتفعت أصواتهم بإباحة اختلاط الجنسين في
كل ميدان، وصرح شجعانهم بأن تعاليم الدين في هذا الباب تعتبر غلا في عنق المرأة
يجب أن يكسر، وأول جبناؤهم نصوص الوحيين في مدح الاختلاط كما أولوا ذلك في مسألة
الحجاب، وأجهزة الإعلام تنشر كل ذلك بجانب نشر وسائل الدعارة، حتى قتلوا بذلك
معنوية الشباب، فأصبح شبابا مائعا لا هم له سوى بطنه وفرجه، وليفعل أعداؤه في
بلاده ما أرادوا. |
|
مسؤولية التعليم:
|
|
|
إن للتعليم
أهميته التي لا يجحدها أحد من الناس - كل الناس - والذي ينقص المسلمين في
التعليم أمور: |
|
|
الأول: عدم إسناد مسؤوليات التعليم إلى من هو أهل لها في كثير من البلدان
الإسلامية حيث تسند إلى أشخاص ناقصي الخبرة وفاقدي الأمانة، والقوة والتنفيذ
والجهل والخيانة والضعف أمراض فتاكة تقتل الشعوب وتمنع الخير. |
|
|
الثاني: عدم الاعتناء بوضع المناهج التعليمية المفيدة في الدين والدنيا،
والسبب الغالب هو : |
|
|
الثالث: إطلاق يد الأعداء في وضع مناهج التعليم لكل المستويات من المدارس
الابتدائية إلى أعلى أقسام التخصص، متذرعين بأن للقوم خبرة وتجربة يجب أن يستفاد
منهما، ولا شك أن الاستفادة من ذوي التجرية مطلوبة ولو كانوا كفارا، ولكن يشترط
في ذلك العلم بأن ما تأخذه منهم فيه فائدة وليس فيه مضرة على المسلمين في دينهم
ودنياهم، وذلك يقتضي التمحيص والتدقيق في الأمور التي تعرض لأخذها وتطبيقها في
بلاد الإسلام، أما أن تطلق أيدي الآثمين من أعدائنا فتخطط كما تشاء مما نعلم
يقينا، أنه من مصالحها هي ومن مضارنا نحن فهذا لا يرضاه مسلم يؤمن بدينه وحقوق
أمته، ولهذا نجد هؤلاء المخططين من أعدائنا اغتنموا الفرصة عندما أمناهم على
أعظم سبيل لنجاحنا، اغتنموا الفرصة وأقصوا علوم الدين من تلك المناهج في أكثر
المدارس، والمدارس التي بقي للدين فيها أثر فصفحات معدودة لاتسمن ولا تغني من
جوع، وأخذوا يدسون على تاريخ الأمة الإسلامية بالطعن على خلفائها وقوادها
ومفكريها، وإلصاق التهم بهم، وفي نفس الوقت أخذوا يرفعون رؤساء وقوادا من أعداء
الدين بالمدح والثناء عليهم وعلى أفكارهم، حتى أصبح الناشئون من أبناء الإسلام
يجلون ويكبرون قادة الأفكار الهدامة من أمثال (ماركس ولينين وهتلر وغاندي وماو)
وغيرهم من ساسة الكفار أكبر وأعظم من إجلالهم لأمثال (أبي بكر وعمر وعثمان وعلي
وخالد وعبد الله بن رواحة) وغيرهم من حملة راية الإسلام. |
|
|
كما أخذوا في غمط علماء الإسلام ووصفهم بعدم المعرفة وفقدان الأفكار
النافعة، ورفعوا منازل فلاسفة الغرب واعتمدوا على أفكارهم وآرائهم في التربية
وعلم النفس وطرق التدريس، بل حتى في فهم الدين الإسلامي و وتاريخه، وإنك لتجد
المؤلف المسلم - كما يعرف من اسمه - يؤلف كتابا يتكون من ثلاثة مجلدات أو أكثر
كل مجلد يحتوي على مئات الصفحات في التربية وعلم النفس وطرق التدريس، ولا تجد
فيه مثالا واحدا من الأمثلة الإسلامية لتربية الله لرسوله صلى الله عليه وسلم
ولأمته بآيات كتابه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم التي تأخذ في تربية الشخص من
مولده بوساطة وليه إلى بلوغه، ثم تأخذ في توجيهه مباشرة في كل مجالات حياته،
عقيدة وعبادة، وسلوكا ومعاملة وشريعة ونظاما، في الحرب والسلم، داخليا وخارجيا
إلى أن يموت، والأمثلة من القرآن والسنة وسيرة السلف الصالح، في التربية وعلم
النفس كثيرة جدا، ولكن أولئك المؤلفين لا يلقون لها بالا. |
|
|
أقول لا أجد هؤلاء المؤلفين - المسلمين - يذكرون شيئا من الأمثلة
التربوية الإسلامية بل يملأون كتبهم بأسماء علماء الغرب وذكر نظرياتهم والمقارنة
بينها وترجيح بعضها على بعض، مفتخرين بها, ناسين ما في تراثهم الإسلامي من ثروة
عظيمة، كان من الواجب عليهم أن يدرسوها وينقلوها للناس ليخرجوهم بها من الظلمات
إلى النور مع الاعتزاز بها، لأنها فخر آبائهم وأجدادهم قبلهم، وسبب بقاء مجدهم
وعزهم في حاضرهم ومستقبلهم. والصالح الذي يفتخرون به في كتب علماء الغرب يوجد في
الإسلام ما هو أكثر صلاحا منه وأقرب تناولا وأعظم فائدة. والفاسد الذي في كتبهم
يوجد في الإسلام ما يبين فساده أو فساد أشباهه مع إقامة الحجج والبراهين على
ذلك، ولكن ليت قومي يعلمون. والسبب في كل ما مضى من فساد الأنظمة وإقصاء الدين
عن الناشئين من أبنائه والغفلة عن التربية الإسلامية، هو عدم الاختيار الموفق للمسؤولين
عن التعليم من أعلى موظف إلى أصغر موظف، ولو أحسن الاختيار لكانت النتائج حسنة مرضية، ولكان الجيل قويا قائما بأعباء
مسئولية الوقت، ولكن القوم سلكوا للعزة - إن كانوا أرادوها - غير مسلكها، وأخذوا
لبابها مفتاحا غير مفتاحه، فمكانوا كما قيل: |
|
|
ترجو النجاة ولم تسلك مسالكها |
إن السفينة لا تجري على اليبس |