|
|
|
|
|
الضّوابط
الأخلاقيّة للاقتصاد الإسلامي |
|
بقلم
الدكتور محمود بابللي |
|
الاقتصاد والدين الإسلامي
|
|
|
|
|
|
|
|
قد يستغرب البعض ممن تأثروا بالثقافة الغربية، ولم يكن لهم حظ الاطلاع
على الثقافة الإسلامية، أن يكون في
الإسلام نظام اقتصادي خاص به. |
|
وهذا الاستغراب لا يستبعد من أناس جهلوا حقيقة الإسلام وحسبوه دينا تقتصر
علاقته على الأمور التعبدية وذلك حسب مفهومهم للدين الذي أخذوه عن المفهوم
الغربي. |
|
أما ما يجب أن يستغرب منهم - وهم أدعياء التقدمية - أن يكون حكمهم على
الدين الإسلامي أنه مجرد دين تعبدي تقتصر تعاليمه على الصلة بين الله والإنسان،
دون أن يكلفوا أنفسهم بدراسة هذه التعاليم، لذلك يأتي حكمهم مشوبا بالجهالة بهذا
الدين الحنيف. |
|
وجهل هؤلاء الناس بالإسلام يجعلهم أعداء له فيقدمون على إصدار حكمهم عليه
دون تبصر أو اطلاع شأن الجهال عندما يصدرون أحكامهم على شيء دون معرفة. |
|
فالدين الذي ينظم أمور أتباعه، بل أمور الإنسانية قاطبة، في كل مرافق
الحياة، ولا يقطع الصلة بين هذه الحياة الدنيا، وما بعد هذه الحياة, لا يمكن أن
يكون دينا تعبديا صرفا لا شأن له بأمور المعاملات وتنظيمات الدولة، وإن كان من
أهم مبادئه توحيد الله وإخلاص العبودية له، هذا الإخلاص الذي هو في صلاح
المؤمنين به دنيا وأخرى، لأن من أخلص عبادته لله استقام أمره وطابت سريرته وحمدت
مغبته. |
|
وعلى هذا لا يعقل أن يكون الدين الإسلامي ناظما لشؤون الدنيا والآخرة ولا
يكون متضمنا نظاما اقتصاديا خاصا به متميزا عن غيره. |
|
والأمور الاقتصادية في الإسلام تدخل في قسم المعاملات من الفقه الإسلامي،
وقد فصل الفقه الإسلامي هذه المعاملات تفصيلا دقيقا، وكانت موضع التطبيق في
العالم الإسلامي من لدن قيام الدولة الإسلامية حتى قبيل الحرب العالمية الأولى. |
|
وإذا جد في التعامل الاقتصادي أمور لم تكن من قبل، فإن الفقه الإسلامي لا
يقف حجر عثرة أمام اقتباس ما يصلح من هذه الأمور ولا يتعارض مع أصل من أصول
الشريعة الإسلامية، لأن الشرع الإسلامي يدور حيث تدور المصلحة المعتبرة شرعا. |
|
وقد سبق لنا أن بينا خصائص الاقتصاد الإسلامي[1]
وسنتعرض هنا، في هذا البحث إلى ذكر بعض ضوابطه المستمدة من الأخلاق الإسلامية. |
|
ومن ضوابط الاقتصاد الإسلامي التي تحضن خصائصه وتؤكد معالمه هذه المعاني
الإنسانية المنبثقة عن تعاليمه الأخلاقية، لأن الإسلام في حقيقته أخلاق كله. |
|
والله سبحانه وتعالى وصف رسوله الكريم بقوله: {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ}, كما أن عائشة أم
المؤمنين رضي الله عنها قالت مجيبة لمن سألها عن خلقه صلى الله عليه وسلم: "كان خلقه القرآن". |
|
والاقتصاد الإسلامي فرع من المعاملات التي تدور بين الناس، وقد حدد لها
الشرع الإسلامي حدودا لا تتعداها وألزم بها المسلمين ولو تجاوز الطرف الآخر هذه
الحدود، لأن المسلم وقّاف عند حدود الله، وصدق الله العظيم: |
|
{ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ}, وقال
سبحانه: {وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ
عَلَى أَلاّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى}. |
|
وقال عليه الصلاة والسلام: "أد الأمانة
إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك". |
|
وسيقتصر البحث في هذه العجالة على الضوابط الأخلاقية التالية وهي: |
|
1- الإخاء. |
|
2- الإحسان. |
|
3- النصيحة. |
|
4- الاستقامة. |
|
5- التقوى. |
|
وهذه الضوابط لها من الأهمية ما جعلني أقدمها على غيرها من الضوابط التي
لا تخفى على من عرف حقيقة الإسلام عقيدة وتعاملا وسلوكا ولأنها تؤدي الغرض من
الاستشهاد بها في هذا الموضوع الاقتصادي. وأهم هذه الضوابط بنظري التقوى، ولذلك
ختمت بها هذ الحديث. |
|
|
2ـ ضوابط الاقتصاد
الإسلامي الأخلاقية
|
أولا ـ الإخاء:
|
|
إن الدين الذي يجعل من الإخاء الإنساني أصلا من أصول التعايش
بين الناس، والذي يشيد بأخوة العقيدة كأساس للترابط بين المسلمين، والذي يؤكد أن
المسلمين نساء ورجالا بعضهم أولياء بعض، هذا الدين لا يمكن أن يكون قاصرا على
الأمور التعبدية، بل هو دين عام شامل لشئون الحياة الإنسانية كلها، وهو دين
الإنسانية قاطبة حتى قيام الساعة. |
|
هذا الدين الذي لا يفرق بين الناس المنحدرين من أصل واحد، والذي لا يقيم
لاختلاف الأجناس والألوان أي وزن، والذي يقرر المساواة أصلا في التعامل
الإنساني، لا يصح أن يطلق عليه أنه دين عبادة وليس دين حياة، كما وأن العبادة لا
تنفصل عن الحياة لأن كل ما يقوم الإنسان به في سبيل نفسه وغيره - إذا التزم به
حدود الشرع - يكون عبادة. |
|
وإن أخوة العقيدة في الإسلام لا تعدلها أخوة الدم والنسب، لأن هذه الأخوة
تقوم على رباط الصلة بالله والإرتباط بشريعته، فكل من انتسب إلى هذه الشريعة
انتساب اعتقاد وعمل، فهو أخ في الله لسائر المسلمين لا فرق بين إناثهم وذكورهم،
أو بين حقيرهم وأميرهم إذ يسعى بذمتهم أدناهم وهم يد على من سواهم. |
|
والأخوة في الله تعني الانقطاع عن كل علاقة دنيوية غير مشروعة وتنمي كل
علاقة تقوم على المحبة والتناصر في الله، كما أنها تعني معاداة كل من لا يؤمن
بالله وموالاة كل من آمن بالله. |
|
يقول تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ
إِخْوَةٌ}. |
|
هذا النص يقيد الإطلاق بأن المؤمنين إخوة في الدين، والتناصر والتناصح
بين الإخوة أمر محقق، كما أن هذه الأخوة توجب العمل على الإصلاح بين المؤمنين -
عند الاقتضاء - لأن هذه الآية وردت بعد ورود النص على وجوب قتال الفئة الباغية
من المؤمنين حتى تفيء إلى أمر الله. |
|
وهذا القتال لا يعني انعدام معاني الأخوة بين المسلمين، لأنها أصل ثابت
لا يؤثر عليه سوى الخروج عن الإسلام بالكفر والعياذ بالله، وهي تذكير أيضا
لهؤلاء المتقاتلين بأن الصلات بينهم يجب أن تكون قائمة على هذه الأخوة المقررة
في الشرع الإسلامي، وضابطها التقوى التي تلازم الإنسان المسلم في أية حالة كان
عليه. |
|
ونجد هذا المعنى أيضا في قوله تعالى: {فَمَنْ
عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ
بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ}. |
|
إن كلمة (أخيه) تشير إلى أكثر من معنى، فهي تشير إلى أن حادثة القتل -
التي هي موضوع سياق هذه الآية - مهما كانت عظيمة ومستقبحة فإنها لا تقطع روابط
الأخوة بين الجاني والمجني عليه، وإن هذه الصلة الوثقى بين المؤمنين هي من صلات
الأخوة في الدين وفي العقيدة، وفي الإيمان بالله وبما أنزل من عنده، فالمؤمنون
إخوة مهما حصل بينهم ما داموا يؤمنون بإله واحد وبشرع واحد، ويرجعون إلى حكم
واحد, وهو حكم الله في الأرض الذي بيّنه القرآن وفصّلته السنة المطهرة. |
|
وكلمة (أخيه) تتضمن هذا المعنى كما تتضمن الإشارة إلى أن العفو يعيد آصر
الأخوة إلى عهدها السابق ويزيل الأحقاد ويمحو الضغائن ويخزي الشيطان، فهو معنى
مستمد من هذا التوجيه الإلهي الحكيم. |
|
ويقول سبحانه وتعالى - تذكيرا وعرضا لحالة المؤمنين الأولين قبل اعتناقهم
الإسلام، وما يجب عليهم تجاه هذا التفضل بالهداية منه سبحانه وتعالى -: |
|
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ
وَلا تَمُوتُنَّ إِلاّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ, وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ
جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ
أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ
إِخْوَاناً}. |
|
ويقول سبحانه : {.. وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ
رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ
وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ
رَؤُوفٌ رَحِيمٌ}. |
|
هذه هي الأخوة الحقيقية في الله، وما أقواها صلة وأبقاها أثرا وأحفلها
نتائج، ومن نتائجها انتشار هذا الدين الإسلامي في العالم كله من يوم نزول القرآن
العظيم إلى قيام الساعة. |
|
وأثر الإخاء في التعامل بين الناس يوجب العدل والإنصاف والنصح، ويحول دون
الإضرار، أو الكسب الحرام، أو الغش، أو الاحتكار، فهو ضابط أخلاقي, له وزنه في
الميزان الاقتصادي وحسن التعايش بين الناس. |
ثانيا ـ الإحسان:
|
|
الإحسان في الإسلام لا يمكن أن نجد له شبيها لمفاهيمه
ودلالته عند غير المسلمين، لأنه نابع من شرع الله الذي أبدع كل شيء، وهو يلي
مرتبة الإيمان. |
|
فهو مفهوم إسلامي صرف. وقد عبر عنه الرسول صلى الله عليه وسلم بهذا
التعبير الجامع الشامل: "الإحسان أن تعبد الله
كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك". |
|
وهذه العبادة أو هذه الرقابة لله، ومن الله، لا تترك مجالا للمسلم أن
ينحرف عن الصراط السوي، وإذا ما زاغ بعض الشيء
تذكر رقابة الله عليه فعاد إلى الجادة، وأصلح ما فسد منه، وهذه هي حقيقة
التقوى لأن التقوى هي رقابة الله في كل شيء. |
|
وهذا غاية التوجيه الأخلاقي للفرد وللجماعة، لأن التعاليم الإسلامية تهدف
إلى تحسين أوضاع الفرد، فهو اللبنة التي تبني منها الجماعة. فصلاح الجماعة متوقف
على صلاح الفرد، والتلازم بينهما وارد والاعتبار هو للجماعة، لأن المصلحة
الفردية تتوقف عند اصطدامها بمصلحة الجماعة، ومصلحة الجماعة لا تعتبر إلا إذا
كانت مصلحة عامة يقرها الشرع. |
|
وقد كتب الله الإحسان على كل شيء حتى في القتل والذبح. |
|
عن شداد بن أوس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا
القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، وليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته". |
|
وقد نهى الإسلام عن اتخاذ الشيء الحي هدفا لتعلم الرماية، كما أنه نهى عن
تعذيب الحيوان، وقد جعل الشرع الإسلامي، وهو في مدلوله من موجبات دخلو الجنة. |
|
هذه بعض مفاهيم الإحسان في الشرع الإسلامي، وهو في مدلوله يشمل كل قول
وعمل يصدر عن الإنسان، لأن الإحسان - كما قلنا - مطلوب في كل شيء . |
|
والآيات التي تشير إلى الإحسان وتحض عليه كثيرة نذكر منها قوله تعالى: {إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ
وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ
وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ}. |
|
هذه الأوامر والنواهي هي دستور الحياة الإنسانية المثلى وهي جماع الخير
كله، لأنها جمعت بين العدل الذي تقوم عليه السموات والأرض، والإحسان الذي هو في
حقيقته مراقبة الله في كل أمر، والتكافل الإجتماعي بين ذوي القربى، والنهي عن
الفحشاء والمنكر والبغي التي هي جماع الشر كله. |
|
وكل هذا من مبادئ الإسلام الاجتماعية التي تتصل بمعاملات الناس وصلاتهم
بعضهم ببعض، وأهم ما في هذا الإحسان أن تجعل رقابة الله قائمة في كل عمل أو قول
أو تصرف يصدر عنك. وبذلك يكون التعامل الاقتصادي قد احتضنته هذه الرقابة وأدت حق
الله فيه. |
ثالثا ـ النصيحة:
|
|
ما المقصود من النصح أو التناصح؟ يكون النصح خاصا وعاما، فالنصح الخاص هو
الذي يقتصر على شخص معين في قضية معينة، أما النصح العام، فهو النصح الذي يكون
له أثر واسع ويدخل في التعامل بين الناس. |
|
والتناصح خلق إسلامي تفرضه الأخوة الإسلامية، والمبدأ في هذا هو أن تحب لأخيك
ما تحبه لنفسك. |
|
عن جرير بن عبد الله البجلي رضي الله عنه قال: إني أتيت رسول الله صلى
الله عليه وسلم قلت: "أبايعك على الإسلام، فشرط
علي النصح لكل مسلم فبايعته على هذا". |
|
وهذا النصح يعتمد مفهومه أيضا على الحديث الشريف التالي : |
|
عن تميم الداري رضي الله عنه قال : قال عليه الصلاة والسلام : "الدين النصيحة - ثلاث مرات - قالوا: : لمن يا رسول
الله؟ قال : لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم". |
|
فالنبي صلى الله عليه وسلم فسر النصيحة بهذه الأمور الخمسة التي تشمل
القيام بحقوق الله وحقوق كتابه، وحقوق رسوله، وحقوق جميع المسلمين على اختلاف
أحوالهم وطبقاتهم فشمل ذلك الدين كله، ولم يبق منه شيء إلا دخل في هذا الكلام
الجامع المحيط. |
|
فكلمة الدين النصيحة تجعل مفهوم النصيحة أمرا تعبديا خالصا، لأنه من
متعلقات الدين، أو هو من الدين، أو كما ورد في الحديث الشريف: "الدين - كله - النصيحة". |
|
وبذلك تكون النصيحة إلزامية بأن يتحراها الإنسان لأخيه الإنسان وأن لا
يكتمه النصيحة إن وجد لزوما لها. |
|
والتناصح يدخل أيضا في باب التعاون الذي يتناول البر والتقوى، والنهي عن
التعاون بالإثم والعدوان، لأن النصح للغير فيه عون له على إرشاده إلى ما فيه
صلاحه. |
|
والتناصح يدخل أيضا في مفهوم التواصي بالحق والتواصي بالصبر المؤكد
عليهما في سورة العصر. |
|
والتواصي كالتناصح الحاصل بين اثنين فأكثر، لأن المر يشمل المؤمنين عامة،
واقتران الحق بالصبر له دلالته على أن الدعوة إلى الحق لا بد لها من صبر وحسب
أداء، وكذلك التناصح فإنه إن لم يكن في حكمة وبصيرة ويستعان عليه بالصبر لم يعط
مردوده المرجو منه. |
|
ومن هذا يتحقق لنا أن التعامل الاقتصادي في الإسلام يجب أن يبنى على
النصيحة، وإذا ما نصحت في عملك، أي صدقت , فإنك تكون قد حققت أحد المفاهيم أو
الأوامر الإسلامية المطلوبة منك. |
|
أي إنك عملت بما توجبه عليك أخلاقك الإسلامية في أداء النصيحة إلى الغير
في جميع تصرفاتك وأعمالك وأقوالك. |
|
والنصح لا يقبل الغش، لأن الغش لا يتفق مع النصح، ولا يكون نصح إذا كان
فيه غش، وإنما يعتبر كذبا وتمويها واستغلالا وخيانة. |
|
لذلك فإن النصح يفرض عليك أن تصدق في التعامل وأن لا تقبل لغيرك إلا ما
ترتضيه لنفسك. |
|
وهذا الضابط الأخلاقي له أثره البين في التعامل الاقتصادي، لأن هذا
التعامل لا يقتصر على ذات الإنسان، وإنما يتعداه إلى الغير، فإذا تحقق التناصح بين المتعاملين اطمأنت النفوس بعضها
لبعض، وعم الخير والتضامن بين أفراد المجتمع, وكان لذلك أثره في جميع شؤون
الحياة. |
|
ولا بد من الإشارة إلى أن النصيحة تدخل في باب الشورى، وقد جعل الإسلام
الشورى واجبة على من يلي أمر المسلمين وصفة إيمانية لهم, ولا تتحقق الشورى إلا
بالتناصح وبيان الرأي الأفضل. |
|
وأثر النصيحة في التعامل الاقتصادي - بالمفهوم الإسلامي - أضحى واضحا،
وبذلك يمتنع الفشل والاحتيال، والاحتكار وجميع ما يتصل بسوء المعاملة، فيما إذا
افترضنا أن المجتمع يعيش حياة إسلامية، لأن الفرد المسلم حريص على اكتساب مرضاة
الله سبحانه {وَلأَجْرُ الآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ
كَانُوا يَعْلَمُونَ}. |
|
رابعا ـ الاستقامة : |
|
الاستقامة سلوك فردي وجماعي، وهو أبرز في حياة الجماعة
وأبعد أثرا، وبذلك يقول الله سبحانه: {إِنَّ
الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ
الْمَلائِكَةُ أَلآّ تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ
الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ}… إلى آخر هذه الآيات الكريمات من سورة
فصلت رقم30/32. |
|
هذا التوجيه الإسلامي للسلوك الفردي والجماعي يبتدأ بالاستقامة الجماعية،
ويتأيد هذا المعنى بالآية القرآنية الكريمة الواردة في سورة الأحقاف في قوله
تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللهُ
ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ}. |
|
ومن ثم يتلو مبدأ الاستقامة البشري من الله للمؤمنين بأن لهم النصر في
الدنيا والآخرة وبما أعد الله لهم في الجنة من نعيم دائم، ثم ينتقل إلى الفرد
ويرسم له حسن المعاشرة (أو التعايش) بين الناس بقوله تعالى: {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللهِ
وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ, وَلا تَسْتَوِي
الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي
بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ, َمَا يُلَقَّاهَا
إِلاّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ}. |
|
والاستقامة تتعلق بسلوك الإنسان ظاهرا وباطنا، وذلك بفعل المأمورات
واجتناب المنهيات والمداومة على ذلك حتى الممات. |
|
ويوجه الله سبحانه رسوله الكريم ومن تاب معه بالاستقامة فيقول سبحانه: {فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلا
تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ}. |
|
فالاستقامة للرسول صلى الله عليه وسلم أن يثابر على تبليغ أوامر ربه وعلى
ما هو عليه من خلق عظيم، والاستقامة للمؤمنين هي التأسي بالرسول عليه الصلاة
والسلام والثبات على الدعوة الإسلامية. |
|
والطغيان غير وارد في حق الرسول
الأعظم، وإنما هو تحذير من الله سبحانه للمؤمنين بعدم تجاوزهم الحدود
التي يرسمها لهم لأنه لا يخفى عليه شيء فهو بصير بما يعملون. |
|
ثم يوجه الله سبحانه عباده تأكيدا لما سبق من معاني بهذا الخصوص بقوله جل
من قائل: {قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ
يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ
وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ}. |
|
وهذه الاستقامة استقامة جماعية أيضا مطلوبة من جميع المسلمين بأن يتمسكوا
بتعاليم الإسلام ويثبتوا عليها، لأنها جماع الأخلاق الكريمة، وفيها ضمان صلاح
الدنيا وحسن ثواب الآخرة. |
|
فالاستقامة في حقيقتها تعني الثبات على السلوك السوي والطريق المستقيم
حتى قيل عنها في الأمثال الدارجة: (الاستقامة عين الكرامة). |
|
ومرد هذا السلوك المستقيم في التعامل الاقتصادي أمر لا مراء فيه، لأن المجتمع المسلم يحرص على استقامة
أفراده وحسن سلوكهم. |
|
ونستطيع أن نعيد إلى الأذهان إقبال الناس على اعتناق الإسلام في البلاد
التي لم تصل إليها جيوش المسلمين، وإنما وصلت إليها نماذج من أفراد المسلمين في
أهم حقل اقتصادي وهو التجارة. |
|
فكان من سلوك هؤلاء التجار المسلمين واستقامتهم أن حمل أمما عديدة
علىاعتناق الإسلام والدخول في دين الله أفواجا. |
|
والتجارة من الأمور المادية التي تقوم على طلب الربح، فهي مختبر عملي
لكشف أخلاق التجار، وقد أثبت التجار المسلمون أنهم دعاة الإسلام بما كانوا
يتخلقون به من أخلاق الإسلام حتى رغب الناس في اعتناق دينهم حبا في أخلاقهم وحسن
معاملتهم. |
|
خامسا ـ التقوى: |
|
كلمة التقوى كلمة كثر ورودها في القرآن العظيم في مواضيع
عديدة ومختلفة، وإننا إذا تتبعنا هذه الكلمة وما يتفرع عنها، وتحققنا من الأغراض
التي تقصد إليها لوجدناها الرباط الذي يعقل النفوس عن أن تنطلق حسب رغباتها ووفق
هواها، فهي قيد وثيق محكم لا يستطيع المؤمن أن يتفلت منه إذا كان يخشى الله
ويتقيه. |
|
والتقوى هي ضابط رئيسي من ضوابط الاقتصاد الإسلامي، بل هي ضابط أساسي من
ضوابط السلوك الإنساني جميعه في مضمار هذه الحياة لأنها في حقيقتها مراقبة الله
والحرص على مرضاته والخوف من عذابه. |
|
فالمسلم الذي يخشى الله ويتقيه يحرص على أن يكون نظيف السلوك ومستقيمه،
ويتجنب كل ما يجعله في قرارة نفسه مسؤولا في يوم تعرض فيه الأعمال على رب
العالمين الذي لا تخفى عليه خافية. |
|
وسأقتصر فيمايلي على الاستشهاد ببعض الآيات التي وردت فيها التقوى كضابط
من ضوابط السلوك الإنساني لأن استقصاء هذه الضوابط ليس بالأمر السهل. |
|
أ - في الوفاء بالعهد: |
|
يقول
تعالى: {بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى
فَإِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ}. |
|
ب ـ في الإصلاح: |
|
يقول تعالى أيضا: {فَمَنِ
اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ}. |
|
ويقول أيضا: {فَاتَّقُوا اللهَ
وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ
مُؤْمِنِينَ}. |
|
ج ـ في الإيمان والعمل الصالح والإحسان: |
|
يقول تعالى: {لَيْسَ عَلَى
الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا
اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ
اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ}. |
|
د ـ في الصبر: |
|
يقول تعالى: {لَتُبْلَوُنَّ
فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا
الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيراً وَإِنْ
تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ}. |
|
وقال أيضا: {فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ
لِلْمُتَّقِينَ}. |
|
هـ ـ في المداينة والتعامل: |
|
يقول تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ
آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً فَاكْتُبُوهُ
وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ
كَمَا عَلَّمَهُ اللهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ
وَلْيَتَّقِ اللهَ رَبَّهُ وَلا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئاً}- إلى قوله:
– {إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةَ
تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلاَّ تَكْتُبُوهَا
وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ وَإِنْ
تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُوا اللهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللهُ
وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}, {وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِباً
فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً فَلْيُؤَدِّ الَّذِي
اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللهَ رَبَّه}. |
|
و ـ في الاستقامة: |
|
يقول تعالى: {فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ
فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ}. |
|
ز ـ في التواضع: |
|
يقول تعالى: {تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ
نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الأَرْضِ وَلا فَسَاداً
وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ}. |
|
ح ـ في الصوم: |
|
يقول تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا
كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ
لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}. |
|
ط ـ في القصاص: |
|
يقول تعالى: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ
حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}. |
|
وسنورد بعض الآيات التي تكشف لنا عن أثر التقوى وما تخلفه من نتائج: |
|
يقول تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ
آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَاناً وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ
سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ}. |
|
ويقول أيضا: {إِنَّمَا الْحَيَاةُ
الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ
أُجُورَكُمْ وَلا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ}. |
|
ويقول أيضا: {وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ
يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً, وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ}. |
|
{وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً}
. |
|
{وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ
لَهُ أَجْراً}. |
|
ويقول أيضا: {وَمَنْ يُطِعِ اللهَ
وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ}. |
|
ويقول أيضا: {إِنَّ اللهَ مَعَ الَّذِينَ
اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ}. |
|
هذه بعض آيات استشهدت بها عن مفهوم التقوى وأثرها، وهي في الحقيقة ضابط
شديد الحساسية وتحوي الأثر، ولا يمكن أن نجد له ذكرا في القوانين الوضعية، لذلك
فإن الرقابة إن لم تتوصل إلى اكتشاف ما اقترفه الإنسان، فإن المؤمن يعلم على
اليقين أن عمله هذا مكشوف عند الله وأنه محاسب عليه، فهو رقيب على نفسه {بَلِ الإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ, وَلَوْ
أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ}. وبذلك يتراجع عن اقتراف ما يمكن أن يكون
مسؤولا عنه, ويحرص على أداء ما يسجل له
في سجل حسانته يوم القيامة. |
|
وهذه الضوابط التي عددناها هي أيضاً على سبيل المثال لأن مكارم الأخلاق
في الإسلام هي من محاسن الأخلاق، وقد بيّن صلى الله عليه وسلم حسن الخلق بأنه
البر. |
|
وقال أيضا : "اتق الله حيثما كنت، وأتبع
السيئة الحسنة تمحها وخالق الناس بخلق حسن" وهو من جوامع كلمه عليه
الصلاة والسلام. |
|
وهذه الضوابط يتداخل بعضها مع بعض لأن الإسلام كل لا يتجزأ في جميع
تعاليمه وهديه. |
|
والحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، وآخر
دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. |
|
|
|
[1]
نشر بحث خصائص الاقتصاد الإسلامي في
مجلة التجارة في جدة في الأعداد (3 و4 و5)
من السنة العاشرة . |