|
|
||
|
|
||
|
من تاريخ المذاهب الهدامة |
||
|
|
||
|
بقلم محمد بن مالك اليمني |
||
|
|
||
|
|
||
|
باب ذكر أولاد المنصور : |
||
|
مات لعنه الله سنة اثنتين وثلثمائة واستخلف على أهل دعوته رجلا يقال له
عبد الله بن عباس الشاوري والي ولده أبي الحسن المنصور. وقال: "قد أوصيتكما
بمبدأ الأمر فاحفظاه ولا تقطعا دعوة بني عبيد بن ميمون فنحن غرس من غرسهم ولولا
ناموسهم وما دعونا به إليهم ما صار إلينا من الملك ما قد نلناه ولا تم لنا في الرياسة حال فعليكما
بمكاتبة القائم منهم واستيراد الأمر منهم فأوصيكما بطاعة المهدي يعني عبيد بن
ميمون حتى يرد أمره بولاية أحدكما ويكون كل واحد منكما عونا لصاحبه"… |
||
|
وقد كان لعبد الله بن عباس عند عبيد بن ميمون سابقة ومعرفة لأن المنصور
قد كان لعنه الله بعثه مع أبي عبد الله الشيعي الخارج بكتامة من بلاد الغرب[1]
على ما أذكره فيما بعد. |
||
|
ثم إن عبد الله بن عباس كتب إلى عبيد بن ميمون المسمى بالمهدي بموت
المنصور وهو يومئذ بمدينة بناها وسماها المهدية بالغرب وأنه قام بمذهبه من بعد
المنصور ودعا إليه وأنه لم يبق إلا استيراد الأمر ويسأله الولاية وعزل أولاد
المنصور وخرج ولد المنصور بنفسه إلى القيروان يسأل الولاية لنفسه ولا ينزع الأمر
منهم بعد أبيهم، وقد كانت وصلت هدايا ابن عباس وكتابه وولاه الأمر وكتب له فلما
وصل ابن المنصور أمره بطاعة ابن عباس وبعث لابن عباس بسبع رايات، فرجع ولد
المنصور إلى مسور وقد يئس مما كان يرجو من الولاية فلقيه عبد الله بن عباس بنفسه
وأهل دعوته فبجله وعظمه ولقيه أخوه جعفر وأبو الفضل وبقية أولاد القرمطي لعنه
الله فسألوه بما ورد به الأمر فعرفهم بصرف الأمر عنهم إلى عبد الله بن عباس
دونهم فتبين لجعفر في وجه أخيه أبي الحسن الشر والعداوة لابن عباس والحسد فنهاه
عن ذلك وقبح عليه وزجره وقال له: "أنت تعلم أنه غرس أبينا وأنه لا يقدم
علينا سوانا في هذا الأمر", قال: "والله لا تركته يتنعم في ملك عني به
غيره ونحن أحق به منه" فقال له أخوه جعفر: "إن أمرنا إذن يتلاشى ويزول
ملكنا وتتفرق هذه الدعوة ويذهب الناموس الذي نمسناه على الناس فلا تحدث نفسك
بهلاكه فتهلك" فلم يلتفت إلى قوله وكتم السر في نفسه وكان أولاد المنصور لا
يحجبون عن أبي العباس ليلا و نهارا فوثب عليه أبو الحسن بن المنصور فقتله غدرا
وولي الأمر من بعده فولي ما كان أبوه يلي ورجع إلى مذهب الإسلام وجمع العشائر من
بلده وأشهد أنه رجع عما كان عليه أبوه فأحبه الناس فدخل عليه جعفر فقبح ما فعله
وقال: "قطعت يدك بيدك" فلم يلتفت إلى قوله, وخرج جعفر إلى ولد عبيد
المسمى بالقائم فكاتب أخاه يعيب عليه فعله بشعر طويل يقول فيه : |
||
|
فكنتم وأنتم تهدمون وابتني |
فشتان من يبني وآخر يهدم |
|
|
وتتبع أبو الحسن من كان على دين أبيه يقتلهم فأباد القرامطة وبقي منهم
قوم يتكتمون منه وأقاموا ناموسهم برجل منهم وكان لا يقطع مكاتبة بني عبيد ثم إن
أبا الحسن خرج من مسور إلى عبر محرم وفيه يومئذ رجل من بني العرجي واستخلف أبو
الحسن على مسور رجلا يقال له إبراهيم بن عبد الحميد السباعي وهو جد المنتاب فوثب
ابن العرجي على أبي الحسن فقتله فلما انتهى الخبر إلى إبراهيم بن عبد الحميد
السباعي لزم مسورا وادعى الأمر لنفسه وخرج أولاد المنصور وحريمه من مسور إلى جبل
ذي أعسب فوثب عليهم المسلمون من أهل المغرب [2]
فقتلوهم الصغير منهم والكبير وسبوا حريمهم ولم يبقوا على وجه الأرض من الكافرين
ديارا ولم يبق للمنصور عقب يعرف بحمد الله ومنه. |
||
|
ثم إن إبراهيم بن عبد الحميد اتفق هو وابن العرجي واقتسما المغرب بينهما
نصفين لكل واحد منهما ما يليه ورجع عن مذهب القرامطة وكان أبوه من كبار قواد
المنصور وأصله من قدم من حمير وكان أبوه قتل في مخلاف البياض لأن المنصور كان
أخرجه إلى هناك بالعساكر ثم إن إبراهيم بنى في بيت ريب مسجدا ونصب منبرا وخطب
لأمير المؤمنين من بني العباس وكاتب الأمير أبا الحسن بن إبراهيم بن زياد وبذل
له من نفسه السمع والطاعة والدخول في الخدمة وسأله أن يبعث إليه محاصر من قبله
يكون عنده فأرسل رجلا يقال له السراج وقال له: إذا تمكنت قبضت على إبراهيم بن
عبد الحميد فوصل من زبيد ولقيه إبراهيم بن عبد الحميد إلى بيت ريب وطلع إبراهيم
بن عبد الحميد إلى الحصن في رأس الجبل وكان ينزل إليه كل يوم يصحبه ويعظم حقه ثم
إن السراج عامل على إبراهيم ناسا من أهل الجبل فنزل إليه يصحبه فلقيه رجل من
العاملين فأخبره بالمعاملة فرجع إلى حصنه فضرب الطبول فاجتمع إليه الناس ومن كان
فيه من أهل دولته فدخل على السراج فقبض عليه فأمر بحلق لحيته ونفاه عن بلده
وانقطعت المكاتبة بينه وبين ابن زياد واستمر أمره وجعل يتتبع القرامطة يقتلهم
ويسبي ذراريهم فبقي منهم قليل في ناحية جبل مسور فأقاموا قرمطيا منهم يقال له
ابن الطفيل فسمع به إبراهيم بن عبد الحميد فخرج إليه فقتله وتفرق من بقي من
أصحابه إلى نواحي عمان وقطاية وانكتم أمرهم عن إبراهيم. |
||
|
ثم إنهما أقاموا ناموسهم برجل يقال له ابن رحيم وذلك في أيام المنتاب بعد
موت أبيه إبراهيم وكان ابن رحيم هذا لا يستقر في موضع واحد خوفا من المنتاب ومن
المسلمين وهو يكاتب بني عبيد وذلك بعد خروج المعز من القيروان إلى بلاد مصر عند
بناءه القاهرة المنسوبة إليه فلم يزل ابن رحيم يكاتب أهل مصر المعز ومن بعده
وينهي أخبار أهل اليمن حتى مات لا رحمه الله. واستخلف على من بقي من القرامطة
لعنهم الله رجلا يقال له يوسف بن الأمشح من أهل شبام حمير فأقام لعنه الله يدعوا
إلى الحاكم ويبايع له على وجه السر حتى مات لعنه الله. |
||
|
واستخلف على مذهبه رجلا يقال له سليمان [3]
عبد الله الزواحي من حمير من ضلع شبام من موضع يقال له الحفن فأقام يدعوا إلى
الحاكم وإلى المستنصر وكان الملعون كثير المال عظيم الجاه فاستمال الرعاع
والطغام إلى مذهبه وكان في أيامه قد شهر نفسه بالمباعية لأهل مصر من بين عبيد بن
ميمون الملعون وقد كان عرف بذلك ونسب إليه فكل ما هم به المسلمون من حمير وشبام
وما حوله من القبائل دفعهم بالجميل و وقال لهم أنا رجل مسلم فكيف يحل لكم قتلي
فينتهون عنه. |
||
|
وكان فيه كرم نفس وكان يكرم الناس ويتلطف بهم فلم يزل كذلك حتى مات لا
رحمه الله. |
||
|
|
||
|
باب ذكر ابتداء دولة الصليحيين : |
||
|
وكان هذا الصليحي المسمى علي بن محمد كثير الخلطة به والمعاشرة وكان أحظى
من عنده وأطوع أهل مذهبه له وكان يأتيه من بلد الأخروج وهو سبع من أسباع حراز
وكان الصليحي الملعون شهما شجاعا مقداما فلما عرفه سليمان بذلك وحضرته الوفاة لا
رحمه الله أوصاه بأهل مذهبه وأمرهم بالسمع والطاعة وسلم إليه مالا كثيرا قد كان
جمعه من أهل مذهبه ثم إن الصليحي الملعون أرسل إليه القرامطة من أوطان كثيرة
بعيدة ومواضع متباينة وعدهم بالوصول إليه ليوم معلوم فلما وصلوا إليه طلع بهم
مسار[4]
وكان طلوعه ليلة الخميس للنصف من جمادى الأوى سنة تسع وثلاثين[5]
وأربعمائة وطليعته تسعمائة رجل وخمسون رجلا فلما استقر بالجبل كتب[6]
إلى صاحب مصر وهو معد المستنصر من بني عبيد ووجه إليه بهدايا سبعين سيفا مقابضها
عقيق واثني عشر سكينا نصبها عقيق لأن للعقيق عندهم قدرا لأنه لا يكون إلا في
اليمن وخمسة أثواب وشي وجام عقيق وفصوص من عقيق مع إهليلج كابلي ومسك وعنبر. |
||
|
فوجه معد المستنصر المستنصر برايات وألقاب وعقد له الولاية وكان سفيره
خاله أحمد بن المظفر وأحمد بن محمد الذي انهدم عليه الدار بعدن وهو أبو زوجة
المكرم المسماة بالسيدة بنت أحمد. |
||
|
فالحذر الحذر أيها المسلمون من مقاربته ومخالطته والركون إلى قوله فإنه
وأهل مذهبه يستدرجون العقول ويضلون من ركن إليهم لقد سمعته مرارا وأسفارا وهو
يقول لأصحابه قد قرب كشف ما نحن نخفيه وزوال هذه الشريعة المحمدية والله سبحانه
أكرم من أن يبلغه مأموله من فساد الدين وهلاك المسلمين. |
||
|
خلعت العذار ولم أستر |
وأظهرت مــا ليس بالمظهر |
|
|
وبحت بما كنت أسررته |
من الغي والمذهب الأخسر |
|
|
وتبت إلى الله مستغفرا |
منيبا إنابة مستغفر |
|
|
وحرمت ما كنت حللته |
لقومك من كل مستنكر |
|
|
وحذرت من فعلك العالمين |
وعدت إلى المنهج الأنور |
|
|
فإن جئت نحوك مستغفرا |
فبالله بالله لا تغفر |
|
|
أتحسبني أنثني صبوة |
إلى رائق اللون والمنظر |
|
|
وحاشا لمثلي أن ينثني |
إلى الكفر والمذهب الأغبر |
|
|
فإن لم يكن غير هجر الملاح |
فلا زال ذاك إلى المحشر |
|
|
عباد الله إني لم أزل أتلطف بخاصته وأهل مذهبه ولم أقنع حتى
خالطته وأطعته بقبول ما هو عليه من مذهبه وضلالته وكفره وبدعته وأعماله الشنيعة
وضلالته الفظيعة التي تنكرها القلوب وتشمئز منها النفوس. |
||
|
وذلك أن الصليحي[7]
ومن هو على مذهبه يدعون إلى ناموس خفي كل جهول غبي بعهود مؤكدة ومواثيق مغلظة
مشددة على كتمان ما بويع عليه ودعي إليه وأنه لا يكشف لهم سرا ولا يظهر لهم
أمرا، ثم يطلعه على علوم مموهة وروايات مشبهة يدعوه في بدء الأمر إلى الله
ورسوله كلمة حق يراد بها الباطل ثم يأخذه بعد ذلك بالرفض والبغض لأصحاب رسول
الله صلى الله عليه وسلم فإذا انقاد له وطاوعه أدخله في طرق المهالك تدريجا
ويأتيه بتأويل كتاب الله تحريفاً وتعويجاً بكتب مصنعة وأقوال مزخرفة إلى أن يلبس
عليه الدين ويخرجه منه كما يخرج الشعرة من العجين وقصارى أمره إبطال الشرائع
وتحليل جميع المحارم فسارع إليه من لم يكن له بالشرع معرفة لأنه صادف أكثر الناس
عواما فأجابه إلى دعوته الرعاع والطغام ومن لم يكن له معرفة بالإسلام من حسب
وسنحام ويام[8] فحرم الحلال
وأحل الحرام وناقض بجهده الإسلام وأبطل الصلاة والصيام والزكاة والحج إلى بيت
الله الحرام فأهلكهم الله بذنوبهم وما كان لهم من الله من واق. |
||
|
( آخر الرسالة محمد بن
مالك رحمه الله رحمة الأبرار ووقاه عذاب النار). |
||
|
|
|
[1]بإفريقية .ز. |
|
[2] مغرب اليمن. |
|
[3] وكان هذا داعيا فقط وفي تاريخ عمارة بعض توسع في أبناء هؤلاء .ز. |
|
[4] مسار: حصن عظيم في حراز باليمن فوق مدينة مناخة. |
|
[5] ونقل ابن خلكان عن أخبار اليمن لعمارة اليمني أنه كان ذلك سنة 429 (1-368) .ز. |
|
[6] سنة ثلاث وخمسين يستأذن في إظهار الدعوة فأذن له فطوى البلاد طيا وفتح الحصون والتهايم ولم تخرج سنة خمس وخمسين إلا وقد ملك اليمن كله سهله ووعره وبره وبحره وهذا أمر لم يعهد مثله في جاهلية ولا إسلام كما في ترجمة الصليحي هذا في وفيات الأعيان. وأطال عمارة اليمني في بيان أنبائه وأنباء أبنائه بنوع من الميل إليهم. وفي تاريخ الجندي أيضا بعض بسط في أنباء الصليحيين خذلهم الله .ز. |
|
[7] لم يدرك المصنف أواخر عهد الصليحي وكان قتل (علي بن محمد الصليحي) في يوم السبت 12 ذي القعدة 473 على التحقيق ثم قام مقامه ابنه أحمد ثم ابنه (أبو حمير سبأ) ثم الداعي الزواجي ثم انتقلت الدعوة إلى آل زريع إلى أن استأصل رجال صلاح الدين الأيوبي شأفة المذهب الباطني من البلاد اليمنية فعاد إلى الكمون في القبائل الآتية .ز. |
|
[8] وقبيلة (يام) إلى اليوم باطنية تنتمي إلى بهرة الهند .ز. |