طباعة

 توثيق النص

 

 

 

نفح الطيب من مَدينَة الحبيب

بقلم الشيخ محمد المجذوب

المدرس بكلية الشريعة بالجامعة

 

 

لعل أفضل تعريف للسعادة أنها لحظات انخطاف تحلق بالنفس البشرية وراء حدود المكان والزمان، فتضع عنها آصار التراب، وتحررها من أغلال الحقد والأثرة، فلا ترى إلا الجمال، ولا تستشعر سوى الحب.

وإذا كان لهذا التعريف ظل من الحقيقة فأنا سعيد، ولكن سعادتي لا تتقيد بلمعات تبرق ثم تمحي، بل هي جلوات متصلة، بدأت منذ حطت بنا ماخرة الهواء في مطار المدينة المنورة، ثم لم تنقطع.. وليس ذلك بعجيب..إنها مدينة المصطفى التي حقق بها الله دعوة حبيبه محمد صلى الله عليه وسلم، حين أوحى إليه أن يسأله (مدخل صدق) فكانت طيبة هي المدخل الذي سأل.

والدار والإيمان مدخل الصدق..إنما هي إشارات إلهية إلى معان لا يدرك مدلولها إلا القلب الذي تفتح في جو الوحي، فهو يطل من خلال حروف القرآن على عوالم لا سبيل إلى وصفها بقلم أو لسان.

وفي كل مكان كلام عن السلام، ولكنه كلام منطوق بلغة الحرب، وادعاء مكذوب تفضحه روائح الحقد، الذي يمزق وشائج الأرحام، ويحطم وحدة الإنسانية، حتى ليستحيل الإنسان في جحيمها خنجرا يفتك، أو ثعلبا يراوغ..ولكن في هذه الأرض التي باركها الله تسترد تلك الكلمات مضمونها السليب، فإذا هي واقع يعيشه المؤمن، وطهرا روحيا لا يتسلل إليه ضغن.. فكأنه شريد انتزع من مرابع أنسه، فراح يضرب في الأرض على غير هدى، فما إن احتواه عالم المدينة حتى وجد ضالته، فاستراح بعد عناء، وسعد بعد شقاء، وأدرك في عمق معنى الحديث النبوي الصحيح "إن الإيمان ليأرز إلى المدينة كما تأرز الحية إلى جحرها"، ولا غرو.. فهو هنا يتفاعل مع حقائق هذا الخبر النبوي بكل وجوده، بعد أن كان منه على حدود الألفاظ، يؤمن بها دون أن يستطيع لمدلولها تحديدا..

في (طيبة الطيبة) يعيش المسلم الحق تاريخ الدعوة الإلهية في مرحلتها الثانية، مرحلة التنظيم والجهاد والبناء، يعشه حياة حارة خافقة، ترجمت فيها الكلمات المكتوبة إلى أشعة وظلال وأنسام وألحان، يحسها في كل خفقة هواء، وفي كل ذرة هباء…

هذه الروضة المطهرة بين المنبر والقبر المنور، قد طالما احتوت شخص الحبيب، ساجدا ومعلما ومبلغا.. فما أسعد المؤمن حين يضع جبهته في البقعة المباركة التي طالما  شهدت سجداته…ويتنفس في الجو نفسه الذي طالما مازح نفحاته، ويمس الأرض نفسها التي طالما سعدت بخطواته!

وأية غبطة يمكنها أن تضاهي تلك التي يستشعرها المؤمن هناك، وهو يرى إلى جانبه تلك الروضة الأخرى التي شرفها الله، بأن جعلها مسكن حبيبه في حياته ومثواه في مماته.!

ثم أليس هنا قد وقف صاحبه في الغار وصديقه المفضل يعالج صعقة المسلمين يوم الكارثة الكبرى، إذ سرى في القوم نبأ وفاته صلى الله عليه وسلم فزلزلت المدينة زلزالها، وذهلت العقول، وانهار الجلد، حتى أقبل عليهم يذكرهم بخبر السماء الذي صرفتهم عنه فجأة الهول!. أليس ها هنا قد سالت دماء الفاروق بيد القومية الحاقدة.. التي آثرت المجد الجنسي على الحق الرباني، فرفضت دعوة الله، ثم حاولت اطفاء شعلته، بالقضاء على الرجل الذي صنع الإسلام منه مثل العدالة الأعلى للعالمين…

أليس من هنا .. من هذا الحرم الأطهر بدأت كتائب الإسلام زحفها لاسئصال النكسة الجاهلية، التي تخبط فيها أهل الردة، فأماطت عن أبصارهم العمى، وأعادتهم إلى جنة الإسلام نادمين منيبين، بعد أن تبينوا أن الإسلام دين الأبد، ونظام اليوم والغد، لا يموت بموت أحد !..

أوليس من قلب هذا الحرم بدأت الانطلاقة الأولى بمشعل الإسلام إلى خارج حدود الجزيرة، تبدد الظلام، وتوقظ النيام، وتنشر أنى توجهت بذور الأمن والسلام…

والمدينة حرم كلها، وفي كل شبر من هذا الحرم ذكريات وعبر ودروس، بها يجدد المسلم طاقته، ويشحن مدخراته، ويتزود بالقوة الروحية التي تعده لمجابهة الأحداث، بأقباس من العزيمة فوق مستوى الأحداث.. إنه حيثما يتلفت يستقبل الآثار الموحية.. فهنا (أحد) الجبل الذي يحبنا ونحبه.. أحد الذي شهد انتصار القلة المؤمنة، حين أخضعت نفسها لأمر قائدها المعصوم وهو يحركها بقانون السماء، ثم شهد المحنة الفاجعة التي نزلت بها حين وجد فيها من تستهويه الدنيا فيخالف عن أمره وهو يظن أنه غير ملوم..

وهنا بقية الخندق الذي يعلمنا كيف فهم المسلمون الأولون أمر ربهم بالاستعداد فلم يدخروا وسعا لتحصين وجودهم بكل ما وسعهم  استخدامه من قوى الطبيعة، ولم يبخل واحد منهم بجهد يملكه، وهو يرى سيد ولد آدم المزود بعصمة الله، يتقدمهم في جرف التراب، وشق الصخور، حتى ليلجأون إليه في كل ما يعجزهم من ذلك، كما اعتادوا أن يلوذوا به في ساحات الروع، كلما احمرت الحدَق، وحمي وطيس القتال…

وهناك في الجانب الآخر .. ينتصب مسجد قباء كالحمامة البيضاء، المسجد الذي تعدل فيه الصلاة عمرة، لأنه أسس على التقوى فكان بذلك رمز الخلود، الذي يحققه الإخلاص للأحد المعبود.. تنتابه جموع المؤمنين صباح مساء، للتزود من موعود الأجر، الذي بشر به رسول الله صلى الله عليه وسلم مصليه…

ولا جرم إن منظر هذا المسجد الخالد ليذكر أولي الألباب كل يوم، بمأساة ذلك المسجد البائد، مسجد الضرار، الذي أسس ليكون مركز تجسس لأعداء الله ورسوله، فكان مصيره مصير الخيانة، تنتفخ حتى تتراءى ضخمة كبيرة، ولكنها ما إن تواجه الحقيقة حتى تتلاشى كأطياف السراب، حين تستكشفها العين المبصرة…

وهنالك على مقربة من المدينة الحبيبة خاض الاسلام أول معاركه الأبدية مع قتلة الأنبياء من يهود، وقد بلغت مؤامراتهم ذروة الهول حين أحاطوا برسول الله وصحابته من وراء، بينما أحدقت الوثنية بالمدينة من أمام، بكل ما تملك من حول وطول وخيلاء، واندفع خفافيش المنافقين من الداخل يبثون ألغام الخيانة في الخفاء .. فكانت محنة ابتلي بها المؤمنون وزلزلوا زلزالا كبيرا .. ولكنها لا تزدهم إلا تثبيتا وإيمانا، كما تزيد النار الذهب صفاء ولمعانا، فلم يهنوا ولم يستكينوا حتى دفع الله البلاء، وهزم الحلفاء وكفى المؤمنين القتال.

تلكم الذكريات .. هي بعض دروس الوحي، يتلقاها المؤمن في مهبط الوحي، فيتعلمون منها كيف يربطون وجودهم بأهداب الرسالة، التي ألفت في ربع قرن، من الأميين الضائعين في صحراء المجهول، خير أمة أخرجت للناس .. ثم قذفت بهم إلى الدنيا، كما تقذف الشمس بأشعتها، حياة للأرض الميتة، وضياء للأعين الزائغة، ودفئا للأكبد المقرورة، فإذا هم بعد قسوة الذئاب، رسل الرحمة الربانية، يحررون عباد الله من كل عبودية لسواه، ويضعون عن إخوتهم المعذبين أغلال السفاحين، فتعود بفضلهم إلى الحياة الذاوية بهجتها، وتشرق الأرض بعد الظلمة بنور ربها.

من هذه الذكريات يتعلمون دروس الصبر الذي قهر اليأس، ليثبتوا في وجه أعاصير اليوم، كما ثبت أسلافهم على أعاصير الأمس، واثقين بنصر الله كما وثقوا، مخلصين جهادهم لله كما أخلصوا.

وليس أحوج من مسلمي اليوم - معاصري النكبة المخزية - إلى الاستمداد من هذه المعاني, وهم يخوضون معركة الحياة والممات، في وجه أعداء لا عداد لهم، منهم اليهود، وفيهم المنافقون، وبينهم المثبطون، وعلى رأسهم المتواطئون مع أعداء الإيمان، المتاجرون بمدّ عيات الإسلام، يرفعون أصواتهم باسمه كلما رأوا في الإشادة به منفعة، ولكنهم لا يستكفون عن إقامة السدود دون أشعته، خشية أن يفسد مؤامراتهم التي يبيتونها عليه في الظلام!..

إن المؤمن الذي يسعد بزيارة هذا البلد الحبيب، لا يسعه أن ينسى كونه في عاصمة الإسلام الأولى، العاصمة التي عرفت البشرية فيها أولى أنموذج كامل للدولة الربانية، التي حطمت حواجز العصبيات الأسرية والقبلية والجنسية، فردت الناس بذلك إلى أخوة لم يصنعها الدم، ولكن نسجتها العقيدة التي يعلن قانونها الأساسي، أن البشر كلهم لآدم وآدم من تراب، أكرمهم عند الله أتقاهم، العاصمة التي انتهت إليها ذات يوم أزمة الدنيا، فهي تملي إرادتها على الحياة والناس، فتحكم ترفاتهم، كما تحكم القوانين الكونية حركة الفلك، لأن إرادتها من إرادة الله، وما وظيفتها إلا تحقيق المثل الأعلى للنظام الذي شاء الله أن يكون ضابط الأمن ومناط السعادة، لكل حي على هذه الأرض.

ولكن أشدّ ما يحزن هذا المؤمن .. أن يرى واقع هذه العاصمة، وقد تجردت من سلطان الخلافة، فلم تعد الدنيا كعهدها بالأمس .. لأن اليهودية التي ألبت الغوغاء على ثالث الخلفاء، قد شاء القدر أن تعرقل حركة المد السعيد، فيتحول مركز الثقل عنها إلى غيرها .. ثم لا يزال إرثها هذا ينتقل من بلد إلى آخر، حتى استحال مزقا تتوزعها الأيدي بين إقليم وإقليم؟

أجل.. لقد سلبت المدينة الحبيبة سلطانها السياسي على ربوع المسلمين، ولكن هل انقطع أثرها في وجودهم؟ هل فتر إيحاؤها إلى قلوبهم ..؟

إن نظرة واحدة إلى هذه السيول البشرية، متدفقة عليها من مختلف أنحاء العالم الإسلامي، لتقدم الجواب الشافي على هذا التساؤل.. إذ تؤكد أن هذا الحرم المرموق لم يزل هو صاحب السلطان النافذ في قلوب مئات الملايين من أتباع سيد المرسلين..؟

ولعل أروع ما احتفظت به مدينة المصطفى من تراث الماضي العظيم هو تلك الطمأنينة التي تغمر بظلها الوارف على كل شيء، حتى النبات والطير والحيوان فضلا عن الإنسان …

إنك هنا في متحف بشري عجيب، تطل منه على مواكب البشر، في مختلف ألوانهم ولغاتهم وأزيائهم .. وأكثر ما تشهد ذلك في المسجد النبوي، حيث ينصب السيل البشري الوافد من أنحاء الدنيا، كيفما اتجهت هناك تجد نفسك مع أخ لك لم تلده أمك، يعجز لسانه عن ترجمة شعوره, فتقوم يده مقام لسانه يصافحك .. فتحس أنه يضع قلبه على راحته ليقدمه إليك حبا وشوقا ورحمة..

وتغادر المسجد النبوي إلى الشارع، ولكن سرعان ما تشعر أنه لم يغادرك لأن روحه مرفوفة على أنحاء البلد الطاهر .. حتى الباعة الذين عرفتهم في كل بلد لا يمنحونك من لطفهم إلا بمقدار ما تنفحهم من نقودك، حتى هؤلاء عليهم هنا من جوار الحرم طابع مميز، أكثر ما يطلعك في تلك الثقة الغريبة التي يقابلونك بها في كل حانوت، ولا أكاد أستثني .. إنك لتشتري من أحدهم السلعة فتقدم إليه ورقة النقد ليرد إليك التتمة، فإذا لم يجد لديه ما يفي، أعاد إليك ورقتك معتذرا وهو يقول: "تعطيني فيما بعد" فكأنك من أحب معارفه إليه، وأنت الذي لم تره قط، ولم يلمح لك وجهاً من قبل‍!‍.

وتمضي هنا وهناك متفرجا مستكشفا، فلا تشعر أنك فارقت هذا الوحي أو فارقك .. أنّى سِرت تسمع تحية الإسلام، وأنّى اتجهت أحسست بنفحات السلام، رقة في الحديث، ورفقا في المعاملة، وأمنا في كل شيء..

أجل.. إنها نفحات الحرم المبارك، تغمر بروحها كل شيء، فالطيور التي عهدتها تجفل حتى من شبح الإنسان، قد تقع عليك أو تدنوا إليك ولا ترى لها نفرة، إلا أن تخشى منك وطأة الغفلة.. وفي هذه الغمار النورانية يعيش الإنسان آمن السرب، مطمئن القلب، خالي الذهن من كل شاغل يصرفه عن الاستغراق في ملكوت الله …

ولا عجب، إن في مدينة الحبيب لبقية تحسها القلوب من المجتمع الأول الذي أنشأته تربيته المثلى، فكان صورة من الأخوة التي حُدّدت فيها قيمة الإنسان على أساس من الأخلاق دون الأعلاق، فلا ترى هنا أبيض يستكبر على أحمر، ولا تجد في حرمه المطهر من يقول لملون ليس هذا بمكانك، بيد أنك لا تعدم أن ترى في أي لحظة رجلا يصافح جاره وهو يقول له يا أخي .. لا تنسنا من دعائك…

أوليس في هذا السلام والطمأنينة والأخوة والضالة التي يفتش عنها المفكرون، ويتهلف إليها الحزانى والمعذبون..؟ أجل وربي، وسيظلون عبثا يفتشون، وعبثا يكدحون، حتى يعرفوا طريقهم إلى روح هذه البلدة المصفّاة، التي أخبر الصادق الأمين أنها محصنة بالملائكة من الدجال والطاعون.

ولكن.. ولنعلنها صريحة إن هذه النفحة، نفحة السلام والغبطة الروحية، في خطر.. إنما الخطر يزحف من الخارج مع السموم الوافدة من هنا وهناك وهنالك.. تلك التي تريد، بكل ما تملك من قوة الإغراء والإغواء، أن تُعَكّر على الجو الطهور صفاء الفطرة، وأن تصرف القلوب عن ريها الروحي إلى وهم كالماء الأجاج، لا يزداد منه القلب غبّا إلا ازداد ظمأ… تماما كما في الآخرين الذين خدعتهم تلك السموم الدخلية , فسلختهم من أخلاق الإسلام، حتى لم يبق في أيديهم من دليل عليه غير الهوية المزورة…

فليقف أهل الحرم بوجه ذلك الخطر الزاحف…وليتذكروا أنهم الأسوة، وأن المسلمين عنهم يأخذون، وبهم يقتدون، وليزودوهم بنفحات مباركات من عبير النبوة، الذي لم يشخصوا إليهم من مئات الأميال وآلافها إلا شوقا إليه، وحرصا عليه..

وبعد.. فأنا لم أعد الحقيقة عندما قلت إنني سعيد.. سعيد منذ حطت بي الطائرة في مدرج الوطن الحبيب .. وطن القلب الذي لا يجد المؤمن قراره إلا في ظلاله…