|
|
|
|
|
في ظِلال سُورَةِ
الأنْفَال
(2) |
|
بقلم الشيخ أبو بكر الجزائري |
|
المدرس بكلية الشريعة بالجامعة |
|
|
|
|
|
|
|
يقول الله تعالى : |
|
{إِنَّمَا
الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا
تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ
يَتَوَكَّلُونَ, الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ
يُنْفِقُونَ, أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ
رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ}. |
|
بسم الله، والحمد لله وبعد، لقد ذكرنا عند دراستنا للآية السابقة: {يَسْأَلونَكَ عَنِ الأنْفَالِ...} الآية, إن
المواضيع التي تعالجها هذه السورة القرآنية الكريمة إجمالا هي: |
|
1- العقيدة بتركيزها
في النفوس المؤمنة وتعميقها. |
|
2- السلوك بتهذيبه،
وإصلاحه حتى يتلاءم مع العقيدة الإسلامية، ويكون دليلا لها، وبرهانا عليها. |
|
3- الجهاد بذكر
قوانينه، وطرف من آدابه، وعوامل النصر أو الهزيمة فيه. |
|
4- الغنائم، وحكم
قسمتها، وطريقة توزيعها بين المجاهدين. |
|
5- المعاهدات الحربية
والسلمية، وكيفية إبرامها ونقضها. |
|
6- حكم الأسرى،
والهجرة والموالاة في الإسلام. |
|
والآن وقد أشرنا إلى هذا ليتمكن القارئ الكريم من تفيء ظلال هذه السورة
من أول مده إلى نهايته، نعود لندرس هذه الآيات الثلاث، ويحسن أن نشير أولا إلى
المناسبة بين الآية السابقة، وبين هذه الآيات فنقول: لما كان الإيمان هو السلطان
الذي يحكم تلك الجماعة المؤمنة، ويخضعها للقيادة النبوية، والمنهاج الإلهي،
يوجهها إلى حيث كمالها وسعادتها، ولم يكن للرسول صلى الله عليه وسلم وهو قائدها
ما يعتمد عليه في أمرها ونهيها، وقيادتها وتوجيهها إلا إيمانها وإيمانها فقط، إذ
هو الذي قامت عليه حقيقتها، وانبنى عليه كيانها فصارت به أمة مستعدة للفوز
متهيئة للكمال, فبموجبه تؤمر، وبموجبه تنهى، وعلى أساسه تدعى إلى الخير فتقبل
مسرعة، وتزجى عن الشر فتنفر منه خائفة مذعورة، ألم تر أنها يوم اختلفت في
الأنفال, وكاد الخلاف يفضي بها إلى القتال والانحلال لم يكن لها ما تقاد به إلى
وحدة الصف، وجنة الوئام إلا الإيمان فبه أمرت فانقادت، وبه دعيت فأجابت: {فَاتَّقُوا اللهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ
وَأَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ}. |
|
ولما كان الإيمان بهذه المثابة ناسب أن يبين لها مزيدا من آثار الإيمان
في نفوس المؤمنين, وسلوكهم وأحوالهم، وليكون ذلك بمنزلة وضع مرقاة جديدة لهم
ليرتقوا بها إلى منازل الإيمان الكبرى، ويبلغوا الغاية من الكمال البشري في هذه
الدار، ويصبحوا بذلك أهلا لجوار الله تعالى وكرامته. فقال تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ
اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ..} في ثلاث آيات بينات اشتملت
على خمس صفات رسمت بها الصورة الكاملة للمؤمن الحق الذي يستحق الإنعام والتكريم. |
|
وأولى هذه الصفات هي وجل القلب عند ذكر الله تعالى {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ
وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ}, والوجل: رقة القلب، واضطراب النفس للوارد
القوي الذي تضعف معه, ويكون بالشوق والحب، كما يكون بالخوف والرهبة، ويعقبه عادة
طمأنينة القلب كالأثر لازم له، يشهد لهذا مثل قوله تعالى: {اللهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَاباً
مُتَشَابِهاً مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ
رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللهِ..},
وقوله تعالى: {الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ
قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ}.
ومن مظاهر الوجل القوية أن تفيض روح العبد عند ذكر الله تعالى بأسمائه أو صفاته،
أو وعيده رهبة وخوفا أو حبا وشوقا، الذين فارقوا هذه الحياة بهذا الوارد القوي
خلق قد لا يحصون كثرة. ودون هذا المظهر قشعريرة الجلد، وذرف الدمع، وهدوء النفس
وسكون القلب، وأدنى مظاهر وجل القلب عند ذكر الرب: أن يقال للعبد: اتق الله في
واجب تركه أو مكروه ارتكبه، فيقع في الحال فيأتي الواجب الذي تركه، أو يترك
الحرام الذي ارتكبه. وليس وراء هذا مطمع في وجود الإيمان. |
|
وثاني هذه الصفات زيادة الإيمان بسماع الآيات: {وَإِذَا
تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً} وتلاوة الآيات
قراءتها من خطيب على منبر، أو واعظ، أو مرشد، من قارئ يتهجد بليل، أو متعلم يرتل
بالنهار، فذو الإيمان الحق لمجرد سماعه آيات الله تتلى ترتفع درجة إيمانه إلى
مستوى أدناه أن يخف معه لقضاء الواجب، وترك المكروه، وأعلاه أن يصبح الغيب عنده
شهادة، والمعقول كالمحسوس، ويوضح هذا المعنى الذي في زيادة الإيمان رؤية المرء
شخصا عند طلوع الفجر، ثم رؤيته مرة أخرى عند الإسفار، ثم ثالثة عند طلوع الشمس
وارتفاع النهار، أليست الرؤى الثلاث قد اختلفت اختلافا كبيرا، فالأولى لم تعد
أكثر من رؤية شبح أو شخص غير معروف، والثانية كانت رؤية شخض عرف بها معرفة
إجمالية، أما الثالثة فإنها رؤية عرف معها الشخص بكامل سماته وخصائصه وفوارقه؟؟ |
|
فإذا كانت الرؤية واحدة واختلفت آثارها باختلاف قوة الضوء وضعفه، فكذلك
الإيمان يقوى ويضعف ويزيد وينقص, والدليل على ذلك آثاره في قوة اليقين وصلاح
الحال، والاستقامة في السلوك. فالمؤمن الحق هو الذي يزيد إيمانه لسماع كلام ربه
جل جلاله ومن لم يجد أثر الزيادة في إيمانه عند سماع كلام ربه فليشك في وجود
إيمانه وليفتش عنه ليتعرف أي العواصف المادية ذهبت به. |
|
إن الإيمان أيها الإخوة القارئون بمثابة محرك السيارة الآلية، فإنه متى
كان صالحا حرك السيارة ودفع بها إلى الأمام، وبقدر ما يصب عليه الوقود تزداد
حركته وسرعته، وبقدر ما ينقص الوقود
تنقص قوته وسرعته وكذلكم الإيمان سواء بسواء. فالإيمان الذي لا يقوى على دفع
المؤمن إلى أعلى المراتب كالجهاد بالنفس والمال، أو أدناها كترك الشر والبعد عن
الإثم ليس بإيمان، والمؤمن الذي يدعى إلى خير فتتلى عليه الآيات الداعية إليه
والحاضة عليه فلا يتحرك ولا يجيب يستحي العاقل أن يقول فيه: مؤمن، أو يصفه
بالإيمان، إذ للإيمان حقيقته ككل الأشياء، فإذا لم توجد تلك الحقيقة فمن
المكابرة أو المغالطة أن يسمى هذا إيمانا وصاحبه مؤمنا. |
|
وقد روي أن الرسول صلى الله عليه وسلم مرّ ذات مرة يوم بحارثة الأنصاري
فقال له - بعد السلام -: "كيف أصبحت يا
حارثة؟" قال: "أصبحت مؤمنا حقا"، فقال له الرسول صلى الله عليه
وسلم: "انظر ما تقول, فإن لكل شيء حقيقة فما حقيقة إيمانك؟ فقال حارثة:
"عزفت نفسي عن الدنيا فأسهرت ليلي, وأظمات نهاري، وكأني أنظر إلى عرش ربي
بارزا، وكأني أنظر إلى أهل الجنة
يتزاورون فيها، وكأني انظر إلى أهل النار يتضاغون فيها (يتصياحون)", فأجابه
الرسول صلى الله عليه وسلم قائلا: "يا حارثة عرفت فالزم- ثلاث مرات -". |
|
والشاهد من إيراد هذا الأثر إثبات هذه الحقيقة العلمية وهي أن لكل شيء
حقيقة من طريق الاستدلال بالسنة النبوية. |
|
وثالث هذه الصفات: التوكل على الله دون سواه {وَعَلَى
رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} فإيمان العبد بأن الله حي لا يموت، وأنه
لا يخرج شيء عن سلطانه وقهره وتدبيره، وأن شيئا لا يكون إلا بإذنه ومشيئته، وأنه
لا يملك عطاء ولا منعا سواه، ولا ضرا ولا نفعا غيره، وإيمان العبد بهذا يحتم
عليه التوكل على الله دون سواه {وَتَوَكَّلْ عَلَى
الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوت}, وبعدم التوكل على الله تعالى يكون
العبد عرضة لنفي الإيمان عنه، إذ من حقيقة الإيمان بالله تعالى وصفاته التوكل
عليه دون غيره. هذا وما هو التوكل؟ التوكل: صفة تفويض إنجاح المساعي, وإثمار
الأعمال وإنتاج المقدمات إلى الله تعالى، إذ هو الذي يملك ذلك على الحقيقة دون
غيره من خلقه، وثمرة التوكل العاجلة الإقدام على العمل في حزم، وإتيان الأسباب
في غير توان، ووضع المقدمات في غير حيرة ولا تردد، مع طمأنينة القلب، وهدوء
البال، واستراحة الضمير، فلا قلق للمتوكل على الله، ولا مخاوف تنتابه في الحياة،
يؤمر بالجهاد فيرمي بنفسه في معاركه ومعامعه في غير هيبة ولا وجل، يكفر بذره في
التربة ولا يفكر في الحصاد، ويضع رجله في الفرز أو على درجة سلم الطائرة وهو
مسافر بإذن الله ولا يفكر في الوصول غايته ومنتهاه، إذ ذاك ليس له، وإنما هو
لله، والله قد أمر العبد وقد فعل، فلم إذن يفكر العبد في غير ما هو له، وإنما هو
لله. |
|
هذه بعض ثمرات التوكل: عمل، وأمل، وهدوء بال وطمأنينة خاطر. وأما غير
المتوكلين فلا تسأل عن مدى المخاوف التي تنتابهم والقلق والحيرة والهم الذي
يصيبهم في كل ساعة من ساعات حياتهم، وقد يقعد بأحدهم خوفه من عدم تحقيق الهدف أو
الوصول إلى الغاية ما يقعد به عن العمل مرة واحدة، فتمشي عليه الحياة وتخلفه
مواكبها ملوما محسورا. |
|
ولعل القارئ قد لمح من هذه الكلمات أن التواكل غير التوكل، وأن ترك
الأسباب معصية لله تعالى وفسق عن أمره، وتفص من النظام الذي وضعه للكون وربط به
الحياة. كما أن الاعتماد على الأسباب وتجاهل الحقيقة فيها وأنها ليست هي الخالقة
المنتجة، وإنما الخالق هو الله متى شاء أثمرت، ومتى لم يشأ لها ذلك لم تثمر،
فجهل هذه الحقيقة شرك في ربوبية الله وهو أقبح الصفات وأسوأ أنواع الشرك والكفر
والعياذ بالله. |
|
ومن علامات كفر المؤمنين بالأسباب، الكافرين بالخالق بها والمسبب لها،
أنهم يحرصون على إعدادها وإحضارها حرصا يعصون معه الله الذي سخرها لهم ووفقهم
لإتيانها، فيترك أحدهم الصلاة، أو يترك حج بيت الله، أو يتعامل بالربا، أو
يتعاطى الخنا، أو يمنع الحقوق الواجبة، أو يظلم غيره ويتعدى على سواه حرصا منه
على أسباب النجاح وتوفيرها حتى يصل إلى غايته ويفور ببغيته. |
|
والذي ألفت النظر إليه هنا هو خفاء معنى التوكل على الناس، حتى أصبح
الكثير لا يفرق بين التوكل الذي هو أخص صفات المؤمن، وأقوى دعائم الإيمان، وبين
التواكل الذي هو الجبن والمهانة والضعف. |
|
وقد سرى هذا الجهل بالتوكل في المسلمين أزمنة طويلة حتى صار عدوهم الذي
مكنوه من رقابهم في شتى ديارهم وأقطارهم يعيبهم بالتوكل، وينسب كل ضعف فيهم إلى
عقيدتهم وحتى انخدع له الكثير فتفصوا من الإسلام، وخرجوا من الدين! وهذه إحدى
نتائج جهل الأمة بأصول دينها، وحقائق شريعتها، وساءت الحال اليوم بين المسلمين
أكثر، فبعض آمن بالأسباب وكفر بالله مسببها، فجرى وراءها يعدها ويحضرها غير مبال
بالمأذون فيه المشروع منها، وغير المأذون ولا المشروع، فعبد الأسباب وأطاعها،
وتمرد على الله وعصاه، وبعض كفر بالأسباب وتجاهلها وقعد عن إحضارها وإعدادها
ومنى نفسه بأنه المتوكل على الله. وسدر في غيه وجهله حتى فاتته قافلة الحياة ولم
يؤب بأكثر من ضياع الحياة، وسخط الله، إذ تجاهل أمر الله وعصاه. |