|
|
|||||
|
التعجب من فعل المفعول
بين المانعين والمجيزين |
|||||
|
د/ سليمان
بن إبراهيم العايد |
|||||
|
الأستاذ
المشارك ورئيس قسم الدراسات العليا العربية |
|||||
|
في جامعة
أم القرى |
|||||
|
|
|||||
|
عُنيَ أهل العربية بهذا الموضوع: فلم يخلوا مصنفاً
من مصنفاتهم من إشارة إليه في أثناء حديثهم عن شروط فعلي أو صيغتي التعجب، بل
قامت المناظرات العلمية من أجله، كالمناظرة التي أوردها علم الدين السخاوي (643)
في كتابه "سفر السعادة" في صحيفة 580 وما بعدها. وأورد طرفاً منها أبو
حيان (745) في "التذكرة" في صحيفة 599. وقد دارت بين أبي جعفر النحاس
(338) وأبي العباس بن ولاّد (332) وهي مناظرة لا تخلو من مغالطة، وإلزام بما لا
يلزم من قبل ابن ولاّد. |
|||||
|
وهم حين يتحدثون عن التعجب من فعل المفعول، لا
يقصدون التعجب بالواسطة، وإنما يقصدون التعجب مباشرةً، أما التعجب بواسطة (ما
أشد) و(أشدد)، والإتيان بالمصدر، فلا يمنعون من ذلك اتفاقاً إذا كان المصدر
مؤولاً من (ما) والفعل، لأنه لا يُوقعُ في لبسٍ، أو صريحا ولم يُلْبِس، جاء في
تذكرة أبي حيان: "فإن قلت: ضُرِبَ زَيدٌ، لم يجز أن تقول فيه: ما أَضْرَبَ
زَيداً!؛ لأنه كان يلتبس بالفاعل ولكن تقول: ما أشدَّ ما ضُرِبَ زَيْدٌ!، وما
أَشَدَّ ضرْبَ زَيْدٍ!"
[1]. |
|||||
|
وقال ابن عقيل: "وإن لم يعدم الفعل إلا الصَّوغ
للفاعل، جيء به صلة ل (ما) المصدرية، آخذةً ما للمتعجب منه بعد (ما أشدَّ) أو
(أشدِد) ونحوهما، نحو: ما أكثر ما ضُرِبَ زَيدٌ!، وأَكثر بما ضُرِبَ زَيْدٌ!,
ولا يؤتى بالمصدر (يعني الصريح) للالباس، فإن لم يُلْبِس جاز، نحو: ما أكَثَرَ
شُغْلَ زيدٍ!، وأكثِرْ به!"
[2]. |
|||||
|
والخلاف الذي يرد في هذا البحث، بل يدور حوله, يتناول التعجب المباشر
دون ما كان بواسطة (ما أشَدَّ) أو(أشْدِدْ) مأتياً بعدهما بالمصدر المؤول، الذي
يدفع اللبس، ويرفع الشك، لورود الفعل المبني للمفعول صريحاً فيه. |
|||||
|
وأما التعجب المباشر بدون هذه الواسطة
بصيغتي (ما أَفْعَلَ) و(أَفْعِلْ), فهو الذي اشترطوا لإمكانه مباشرة عدم البناء
للمفعول؛ لأن التعجب في نظر الجمهور إنما يكون من فعل الفاعل، لأن التعجب إنما
يكون مما كثر حتى صار كالغريزة له، والضربُ ونحوه إذا وقع بالمحل فليس من فعل
المفعول، إنما هو للفاعل، فلا يصير فعل غيره غريزة له، لأن الغريزة ما كان
خِلْقَةً في المحل كالسواد والبياض، فإذا تكرر الفعل من الفاعلِ جُعل كالغريزة
[3]
حتى بالغ بعضهم فقال: "إنما معنى التعجب أن أجعل الفاعل مفعولا"
[4]. |
|||||
|
والبحث سيفصل الخلاف، ويشرحه، ويبيّن أدلَّة كل
فريق، ويؤصل منزعهم ومأخذهم. وبالله أستعين، فأقول: |
|||||
|
التعجب أسلوبٌ من الأساليب الإنشائية، لا
يُعْنَى به أهل البلاغة، لأنهم يقسمون أساليب الإنشاء إلى قسمين: إنشاء طلبي،
وإنشاء غير طلبي, ويقصدون بغير الطلبي "مالا يستدعي مطلوباً غير حاصل وقت
الطلب، ويكون بصيغ المدح والذم، وصيغ العقود, والقسم، والتعجب، والرجاء، ويكون ب
(رُب) و(لعل) و(كم) الخبرية"
[5]. |
|||||
|
ولا يقصده البلاغيون بالنظر، ولا
يخصُّونه بتبويب خاص، "لقلَّة المباحث البلاغية المتعلقة به، ولأن أكثر
أنواعه في الأصل أخبار نُقِلت إلى معنى الإنشاء"
[6]. |
|||||
|
وأفعال التعجب كأفعال المدح والذم، مثل
(نعم) و(بئس) لإنشاء المدح والذم والتعجب، وقيل: إنها أخبار تحتمل الصدق والكذب،
ولهذا بُشِّر أعرابي ببنت، فقيل له: نِعْمَتِ المولودةُ، فقال: "والله ما
هي بِنِعْمَتِ المولودةُ"
[7]. |
|||||
|
ويمر به الصرفيون مرّ الكرام عند ذكر
معاني الصيغ، مثل معاني فَعُلَ، ومعاني أَفْعَلَ. |
|||||
|
وُيعنى به النحويون، فيفردونه بالتبويب،
ويبحثون في صيغه، وشروط صوغه, وإعراب تلك الصيغ، وأحكام تقديم معموله وتأخيره،
وغير ذلك من أحكام، كما يذكرونه في الحديث عن (أفعل) التفضيل، ويحيلون على
الشروط التي ذكرت في فعلي التعجب، لاتفاقهما فيها. |
|||||
|
والتعجب: "استعظام فعل فاعل ظاهر المزيّة، بسبب زيادةٍ فيه خفي
سببها بحيث لا يتعجب مما لا زيادة فيه، ولا مما ظهر سببه"
[8].
ويُعرِّفه الرضي بأنه: "انفعال يعرض للنفس عند الشعور بأمر يخفى سببه،
ولهذا قيل: "إذا ظهر السبب بطل التعجب"
[9]
فالتعجب إنما يكون مما ندر من الأحكام، ولم تعرف علَّته"
[10]. |
|||||
|
وحين يطلقون فعل التعجب فالمراد به عندهم
صيغتا (ما أفعله) و(أفعِل به)، إذ من المعلوم أن للتعجب صيغا غير هاتين، بعضها
سماعي وبعضها قياسي. |
|||||
|
فالسماعي مثل قوله تعالى: {كَيْفَ
تَكْفُرُونَ بِاللهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ}
[11]
وقوله صلى الله عليه وسلم في حديث أبي هريرة: "سبحان
الله، إن المؤمن لا ينجُس". وقول العرب: " لله دَرُّه
فارساً"، وقولهم: "يالك من ليل", "وما أنت جاره",
"لله لا يُؤخر الأجل"
[12]
وفي تذكرة أبي حيّان: "وقد تجيء عن العرب ألفاظ مختلفة مضمنة معنى التعجب،
ليست مما يدخل تحت صيغة تلزمها أحكامها، فمن ذلك قولهم: "ما أنت من رجل،
وسبحان الله، ولا إله إلا الله، وحسبك بزيد رجلاً، ومنها: ما جاء باللام وبالتاء
في باب القسم، ومنها: (فعُل) في باب (نِعمٍ وبئسٍ)، إذا دخلت عليه اللام, نحو:
لكرم الرجل"
[13].
وقد عد بعض النحاة (فَعُل) صيغة قياسيةً, فيكون - على هذا - للتعجب ثلاث صيغ,
قال ابن عصفور: "وللتعجب ثلاثة ألفاظ: ما أفعله، وأفعِل به، وفعُل"
[14],
وقال الجوهري: "صور التعجب ثلاث: "ما أحسن زيداً وأسمع به، وكبرت
كلمةً"
[15]. |
|||||
|
والنحاة يخصون باب التعجب للصيغتين: (ما أفعَله) و(أفعِل به)، وأما
(فعُل) فإنّ كل فعل ثلاثي استوفى شروط التعجب يجوز تحويله إلى (فعُل)، ليلحق
بالغرائز للمبالغة والتعجب، فيستعمل استعمال (نِعم) و(بئس)، نحو: فَهم الرَّجل
زيدٌ، ويصح تجريد فاعله من (أل) نحو: فهُمَ زَيْد"
[16]. |
|||||
|
والشروط التي اشترطوها ثمانية: |
|||||
|
1- أن يكون
فعلاً، فلا يبنيان من "الجلف" و"الحِمار"، ولا يتعجب من
"اللص"، فإن جاء ما يخالف فهو شاذ، نحو: ما أذرع المرأَة، أي ماَ أخف
يدها في الغزل، ومثل: ما أقمنه، وما أجدره. |
|||||
|
2- أن يكون فعله ثلاثياً
[17]
مجرداً، فلا يبنيان من غيره، كدحرج، وضارب واستخرج، واختلفوا في صياغته من
(أفعَل)، وعلى هذا فقولهم: (ما أتقاه) شاذ لأنه من (اتَّقى). |
|||||
|
3- أن يكون متصرفاً تمام التصرف، فلا يبنيان من غيره،
مثل (نعم)، و(بئس), و(كاد)، و(يدع)، و(يذرُ)، و(هبْ) . |
|||||
|
4- أن يكون معناه قابلا للتفاضل أي: للزيادة والنقصان، فلا يبنيان من مثل: "فني" و"مات". |
|||||
|
5-
أن يكون الفعل تاماً، فلا يبنيان من نحو: "كان"، و"ظل"، و"بات"، و"كَاد"، لأن
الناقص لا يدل على الحدث، والتفضيل إنما يقع فيه. |
|||||
|
6- أن يكون مثبتاً، فلا يبنيان من منفي،
سواء كان ملازما للنفي، نحو: ما نبس بكلمة، وما عاج بالدواء، أم غير ملازم، نحو:
ما قام. |
|||||
|
7- أن يكون الوصف منه مقيساً على (أفعل فعلاء) فلا
يبنيان من (فَعِلِ) المكسور العين، الدال على الألوان، والعيوب الظاهرة،
والحِلىَ، مثل: عَرِجَ، وشَهِلَ، وخَضِر الزرْع. |
|||||
|
8-
أن يكون مبنياً للمعلوم، فلا يبنيان من نحو: ضُرِبَ، وهذا الشرط هو موضوع هذا
البحث، وبالتفصيل فيه، وخلاف أهل العربية في التعجب منه آتٍ، إن شاء الله. |
|||||
|
ويقرر أهل العربية أن الفعل إذا فقد تمام
التصرف، والتفاوت فلا يتعجب منه البته، ويتوصل إلى التعجب مما سواهما ب(أَشَدّ)
أو ب (أَشْدِدْ) ونحوهما، ويؤتى بعدهما بالمصدر منصوباً أو مجروراً، إلا أن
المصدر قد يكون صريحاً مما زاد على ثلاثة ومما وصفه المنقاس على (أفْعَلَ
فَعْلاَء) ويكون مؤولا عن المنفي والمبني للمفعول، وأما الناقص فمن قال: له
مصدر، فيأتي به صريحاً، ومن قال: لا مصدر له، أتى به مؤوَلاً. |
|||||
|
وأما ما لا فعل له، فقيل: لا يتعجب منه،
وقيل: يتعجب منه، ويؤتى بعد (ما أشدَّ) أو (أشدد) بمصدره الصناعي، نحو: ما أشدَّ
حماريته. |
|||||
|
ونحن في بحثنا هذا، لم نورد ما أوردناه - وهو واضح - إلا من باب تقرير
الواضح، لما سيبني عليه فيما بعد من أحكام، وأما فعل المفعول فأوّل ما يقال فيه
تعيين المراد منه. |
|||||
|
لا نقصد بفعل المفعول: الفعل الذي لم يسم فاعله، أو الفعل المبني
للمجهول, بل لا نفرق بين "ضُرِبَ عَمروٌ" و"ضَرَبَ زيدٌ
عمراً" لأن التعجب - كما يقول الجمهور - لا يكون إلا من الفاعل لا من
المفعول، وقد استدرك الرازي على الجوهري، فقال: "تعليله يوهم أنه إذا سُمّي
فاعله يجوز، وليس كذلك، فإنك لو قلت: ضرب زيد عمراً، وقلت: "ما أضْرَبَ
عمراً" لم يجز، لأن التعجب إنما يجوز من الفاعل لا من المفعول"
[18]. |
|||||
|
وقد ذهب أهل العربية في جواز التعجب من فعل المفعول بدون واسطة (أشدَّ)
أو (أشْدِد) إلى أقوال: |
|||||
|
1-
المنع مطلقاً. وهو مذهب جمهور النحويين، ومنهم البصريون، وهو ظاهر كلام سيبويه. |
|||||
|
2- الجواز مطلقاً، وهو المشهور عنِ
الكوفيين، كما سيأتي. |
|||||
|
3- الجواز إذا كان الفعل ملازما لصيغة (فُعِل) نحو:
عُنِيتُ بحاجتك، وزُهِيَ علينا، فيجيز: ما أعناه بحاجتك، وما أزهاه علينا
[19]. |
|||||
|
4- الجواز إذا أمن اللَّبْسُ، وهذا مذهب المحققين من
النحاة، كخطّاب وابن مالك
[20]. |
|||||
|
وقد زعم عبد القاهر الجرجاني أنه لم ير للمانعين علة
لمنعه أكثر من أنه يؤدي إلى اللبس
[21]. ورجع
المنع - في نظره - إلى علتين: |
|||||
|
1- اتفاقهم على أن التعجب أصله أن يدخل فيما هو غريزة. |
|||||
|
2- أن همزة فعل التعجب همزة تعدية. |
|||||
|
والحق أن غير عبد القاهر قد سبقه إلى التنبيه إلى
هاتين العلتين وكأني بعبد القاهر لم يطلع على كلامه. |
|||||
|
فالذين منعوا أن يصاغ التعجب من الفعل الواقع على
المفعول قالوا: |
|||||
|
1- إنّ فعل التعجب وأفعل التفضيل إنما يصاغان من الفعل اللازم، ولهذا
يقدّر نقله من (فَعَلَ) و(فَعِلَ) المفتوح العين ومكسورها إلى (فَعُل) المضموم
العين
[22]. |
|||||
|
فالفعل في قولهم: (ما أفعله)، يقع النقل منه عن فعل
غير متعد يدل على ذلك مساواة الفعل المتعدي الفعل غير المتعدي فيه، وذلك في
قولنا: ما أحسن زيداً!، وما أضرب عمراً!, فحسن غير متعد، فإذا زيدت عليه الهمزة
تعدى إلى مفعول واحد، كما أن سائر الأفعال غير المتعدية كذلك، نحو: قام زيدٌ
وأقمته، فلو كان النقل عن الفعل المتعدي في هذا الباب، لوجب أن يتعدى الفعل
المتعدي فيه إلى مفعول واحد إلى مفعولين، وفي امتناعه من ذلك دلالة على أن النقل
وقع من فعل غير متعد"
[23]. |
|||||
|
قال ابن جني: "وكذلك نعتقد في الفعل المبني منه
فعل التعجب أنه قد نقل عن (فَعَلَ) و(فَعِلَ) إلى (فَعُلَ)
حتى صارت له صفة التمكن والتقدم، ثم بني منه الفعل، فقيل: (ما أفعله)،
نحو: ما أشعره، إنما هو من "شَعُرَ"، وقد حكاها أيضاً أبو زيد، وكذلك:
ما أقتله وأكفره، وهو عندنا من "قَتُلَ " و"كَفُرَ" تقديرا،
وإن لم يظهر في اللفظ استعمالا"
[24]. |
|||||
|
وقال عبد القاهر: "اتفقوا على أن التعجب أصله
أن يدخل فيما هو غريزة، ولذلك حملوه على (فَعُلَ)، وجعلوه علماً له في نحو:
قَضُوَ الرَّجُلُ زَيْدٌ ، وعَلُم الرجُل عَمْرٌو، وقالوا: إن الأفعال التي لا
تكون غريزة لا يدخلها التعجب إلا بعد أن تجري مجرى الغريزة، بأن يتكرر وقوعها من
أصحابها، أو تقع منهم على صفة تقتضي تمكنهم فيها، فلا يقال: ما أضربَ زيداً، وهو
ضارب ضربة خفيفة، لا، بل يقال ذلك إذا كثر هذا الفعل، أو وقع بقوة، وصدر على حد
يوجب فضل قدرة منه عليه، وإذا ثبت هذا الأصل وجب الامتناع عن التعجب في فعل
المفعول، لأن الفعل يصح أن يصير كالغريزة والعادة للفاعل الذي منه يوجد، فأما
المفعول فلا يتصور فيه ذلك، إذ لا يكون وقوع الفعل على زيد من غيره غريزة له على
الحقيقة، كيف ولاحظَّ له في إيجاد الفعل؟! وأكثر ما يمكن أن يقال: إنه يعتاد الضرب
بمعنى يَمْرُنُ على احتماله، واحتمال الفعل الواقع من الغير عليه معنى خارج عن
الفعل، فلا يصير الفعل متمكنا فيه تمكن الغريزة، لكونه محتملاً له، فلو جاز أن
يكون فعل غيرك غريزة لك لجاز أن يكون سواد عمرو صفة لزيد، وخلقةً له؟ مع كونه
أبيض، فلما كان كذلك لم يبن فعل التعجب من فعل المفعول، إذ كان يؤدي إلى أن
يقال: ضُرِبَ زيدٌ، بمعنى صار فعل غيره غريزة له, وذلك محال كما ترى"
[25]. |
|||||
|
والخلاصة أن همزة (أفْعَلَ) لتعدية ما كان لازماً
بالأصالة، نحو: ما أحسنه, أو لتقوية ما صار لازماً بالنقل إِلى (فَعُلَ) إلى
مفعول غير مفعوله الأول، وهو فاعل أصل الفِعْلِ، نحو: ضَرَبَ زَيْدٌ عَمْراً في:
ما أضْرَبَ زيداً لعمروٍ! "
[26] كما
يتضح فيما يأتي. |
|||||
|
2- ولهذا اللزوم يُعدى بالهمزة إلى المفعول، فالهمزة للتعدية، كقولك: ما
أظرف زيداً، وأكرم عمراً!, وأصلهما من ظَرُفَ وكَرُمَ؛ قالوا: لأن المتعجب منه
فاعل في الأصل، فوجب أن يكون فعله غير متعدٍ، قالوا: وأما نحو: ما أضْرَبَ زيداً
لعمروٍ!، فهو منقول من (فَعَلَ) المفتوح العين إلى (فَعُلَ) المضموم العين، ثم
عُدي – والحالة هذه - بالهمزة. قال عبد القاهر: |
|||||
|
"إن فِعْلَ التعجب منقول بالهمزة من غير
التعدي، فقولك: ما أحسنَ زيداً! بمنزلة: عمروٌ أذهب زيداً. في أنك نقلته من
"حَسُنَ" بمعنى: شيء جعله حسناً، كما أن: عمروٌ أذهب زيداً بمعنى جعله
ذاهباً، ولا يصح النقل للتعدية في فعل المفعول، لأن الغرض فيها جَعْلُك غيرك
فاعلاً لفعل، من شأن ذلك الفعل أن يوجد منه، كقولك: أذْهَبْتُ زيداً، أي: حملته
على الذهاب، جعلته يفعل، فالذهاب فعل زيدٍ إلا أنه كان تاركاً له، فحمله عليه، أو
عاجزا عنه، فأعنته على فعله، فكل فعل متعد كان تعديه بنقل الهمزة، فالمفعول فيه
فاعل في المعنى والأصل، والمفعول القائم مقام الفاعل في قولك: ضرِبَ زَيدٌ ، لا
حظَّ له في الفعل بوجه، إذ لا يتصور أن يكون لزيد في قولك: "ضُرِبَ
زيدٌ" فعل تحمله عليه، وتجعله فاعلا له، لأنه بمنزله قولنا: أُوقِع به
الضربُ، فالفعل لمن أوقعه دون زيد، فأنت إذاً تحاول بتعدية ضُرِبَ أن تجعل زيداً
فاعلاً, وهذا الفعل الذي تزعم أنك تُعديه يقتضي أنه مفعول، فهما في طرفي نقيض,
وإذا ثبت هذا، وكان فعل التعجب مفعولاً بهمزة التعدي ثبت أنه لا يجوز إدخالها
على فعل المفعول، فلا يصِح: ما أَضْرَبَ زيداً! بمعنى ما أكثر ضرب غيره له، لأن
(آَفْعَلَ) وضع بمعنى جعله فاعلا على إيجاد الفعل لا بمعنى جعله مفعولا، وصيَّره
يوقع الفعل، فاعرِفه"
[27]،
وقد بنوا على هذا دليلا آخر. فقالوا: |
|||||
|
3- الدليل على ذلك مجيئهم باللام، فيقولون: ما أَضرَبَ زيداً لعمرو!،
ولو كان باقياً على تعديه لقيل: ما أَضْرَبَ زيداً عمراً!؛ لأنه متعدٍ إلى واحد
بنفسه، وإلى الآخر بهمزة التعدية، فلما أن عَدَّوه إلى المفعول بهمزة التعدية،
عَدَّوْه إلى الآخر باللام، فهذا هو الذي أوجب لهم أن قالوا: إنهما لا يصاغان
إلا من فعل الفاعل، لا من الفعل الواقع على المفعول". "وفي امتناعهم
من إجارة: ما أَضْرَبَ زَيْداً عمراً! حتى يقولوا: لعمرو, دلالة على أن النقل
وقع من فعل غير متعدٍ"
[28]. |
|||||
|
وقال ابن جني في الخاطريات: "مسألة (ما أَضْرَبَ زيداً لِعَمْروٍ!)
فذا يدل على أن (أفْعَلَ) التعجب
لا يُبنَى إلا من غير متعدٍ، وهو(فعُلَ). ألا تراه لو كان "أَضْرَبَ"
هنا منقولا من "ضَرَبَ " هذه المتعدية لوجب بعد النقل أن يتعدى إلى
مفعولين، فيقول: ما أَضرَبَ زيداً عمراً!، أي: جعلته يضربه، فحاجته إلى اللام
يدل على ضعفه، وأنه ليس منقولاً من "ضَرَبْتُ" هذه المتعدية, بل من
"ضَرُبْتَ" كقولك: "ظَرُفْتَ"، وعليه حكاية الكوفيين, فيما
رويناه عن ابن مِقْسَمٍ، عن ثَعْلَبَ: ضَرُبَتِ اليَدُ! أي: جاد ضرْبُها"
[29]. |
|||||
|
هذا إذا كان الفعل الثلاثي متعدياً بنفسه إلى
مفعوله، أما إن كان متعدياً بحرف الجر[30],
مثل: رغب زيدٌ في عمرو، فيعدى كما كان في الثلاثي يتعدى، إذ ليس "تحت
إعماله لحرف الجر منزلة أنزل منه فينحطوا إليها، فلما لم يجدوا ذلك
)ل(
يبلغوه فأقاموا عليه، كما أنهم لما قالوا: مررت بزيد ، ثم بنوا منه اسم الفاعل
قالوا: هذا مارٌّ بزيد، فعدوا اسم الفاعل بالحرف كما عدوا الفعل به، وإن كنا
نعلم ضعف اسم الفاعل في التعدي عن الفعل، ألا تراك تقول: ضَرَبْتُ زيداً، وأنا
ضارِبٌ لزيدٍ، لكنهم لم يجدوا تحت حرف الجر منزلة فينْحَطُّوا إليها مع اسم
الفاعل"
[31]. |
|||||
|
4- ومما يدل على النقل أن الفعل إذا زاد على ثلاثة
أحرف لم يدخل في هذا الباب، لأنه يلزم أن تزاد عليه الهمزة التي وضعت للتعدي،
فإذا زيدت عليه الهمزة, وهو على أكثر من ثلاثة أحرف خرج عن الأمثلة التي تكون
عليها الأفعال إلى ما ليس في كلامهم، فلذلك رفض إدخال الأفعال التي تقع عبارات
عن الألوان في هذا الباب، لأنها تقع على أكثر من ثلاثة أحرف، نحو: أبيض، وأبياض.
واشهب وأشهاب. وما امتنع من ذلك في قولهم: ما أفعله، امتنع من (أفْعِلْ به) وهو
أفْعَلُ من كذا، لإجرائهم الأبنية الثلاثة مجرىً واحداً، فهذا وجه الامتناع من
قولهم: ما أبيضه، ومن قولهم: هو أبيض من كذا. |
|||||
|
وقد وجدناهم استعملوا حروفاً من هذا الباب على (ما أفْعَلَهُ)، فقالوا
للأنوك: ما أنوكه، وحروفاً نحو هذا، ووجدناهم أيضاً يحذفون من الأفعال المزيدة
في هذا الباب، ويقولون: ما أعطاه للخير!، وما أولاه بالجميل!، فالهمزة التي كانت
في "أعطى" وقد حذفت، وهذه التي في "أعطاه" غيرها. يدل على
ذلك أن الأمر فيه لا يخلو من أن تكون: هِيَ هِيَ، أو غيرها. فلو كانت التي كانت
في أصل الكلمة في قولهم: "أعطى زيداً عمراً"، لوجب أن يتعدى في التعجب
إلى المفعولين اللذين كان يتعدى إليهما في "أعطيت زيداً درهماً"، فلما
لم يتعد هذا التعدي، وإنما تعدى إلى مفعول واحد، علمت أن تلك التي في قولهم:
أعطيت زيداً درهماً، قد حذفت واجتلبت همزة أخرى, وهي التي تكون للتعدي في هذا
الباب، فتبينت من هذا أنهم قد حذفوا الزيادة من هذا الباب. وحذفوا الزيادة أيضا
حذفاً مطرداً في باب ترخيم التحقير، في نحو: أسود وسويد، وحارث وحريث، وحذفوها
أيضاً في التكسير في نحو: ظَريف، وظُرُوف، فإذا كَثُر حذفُهم في هذه الأبواب،
وفي باب التعجب، لم ينكر أيضاً أن يقول قائل: إن الزيادة التي في باب الألوان
تحذف في باب التعجب، ويستعمل فيه "هو أفعل من كذا"، كما استعملوا في:
"ما أنوكه"، و"وما أحمقه"، وحروف نحوهما، ويستدل على ذلك من
كلامهم بما أنشده أحمد بن يحيى، عن ابن الأعرا بي: |
|||||
|
أبيضُ
من أخت بني إِبَاضِ |
ياليتني
مِثلُك في البياض |
||||
|
تقطِّع
الحديث بالإيماض |
جارية
في رمضانَ الماضي |
||||
|
وقد يجوز له أن يتناول أيضاً ما يرِوى لِطَرَفَة في
قوله: |
|||||
|
فيهم وأبيضهم سربال طبَّاخ |
إن
قلت... نصر فنصر كان شرَّ فَتَى |
||||
|
فإذا ساعد القياس الذي ذكرته, وورد في السماع، لم يكن مستعمله معيباً،
وإن كان غيره أشيع وأكثر
[32]. |
|||||
|
وقد ذهب الكوفيون إلى جواز صياغة (ما أفْعَلَ)
و(أفْعِلْ) من فِعل المفعول، وأجازوا التعجب مباشرة منه، وتابعهم بعض المتأخرين،
واستدلوا ب: |
|||||
|
أ- كثرة هذا في كلامهم، نثراً ونظماً، مما يمنع حمله على الشذوذ؛ لأن
الشاذ ما خالف استعمالهم، ومُطَّردَ كلامهم، وهذا غير مخالف لذلك
[33]
ومن الألفاظ التي بني فيها التعجب
[34] من
فعْلِ المفعول: |
|||||
|
1- ما أجنه !
[35]. |
|||||
|
2- ما أشغله!، وأشغل من ذات النَّحْيين
[36]. |
|||||
|
3- ما أبغضه إلي !
[37]. |
|||||
|
4- هذا الشيء أحب من كذا, وما أحبه إلي!
[38]. |
|||||
|
3- هذا المكان أخشى من هذا, أي أخوف
[39]
أو أشد خوفاً. |
|||||
|
6- ما أبركه!، جاء فعل التعجب على نية المفعول
[40]. |
|||||
|
7- هو أجدُّ منك
[41]. |
|||||
|
8- ما أعجبه برأيه!
[42]. |
|||||
|
9- ما أزهى زيداً!، وأزهى من ديكٍ
[43]. |
|||||
|
10- ما أعناه بحاجتك!
[44]. |
|||||
|
11- أعذر منه
[45]. |
|||||
|
12- ألوم منه
[46]. |
|||||
|
15- هذا الشيء أهوى إلي من كذا، أي: أحب إلي
[51]، " قال أبو صخر الهذلي: |
|||||
|
في
غير ما رفث ولا إثم |
ولليلة
منها تعود لنا |
||||
|
مما
ملكت ومن بني سهم
[52] |
أهوى
إلى نفسي ولو نزحت |
||||
|
17- ما أشهاها!
[55]. |
|||||
|
18- قول بعض العرب: "ما أملأ القربة!"
[56]. |
|||||
|
19- ما أولعه بالشيء!
[57]. |
|||||
|
20- مما يحتمل ما أنشده ابن الأعرابي: |
|||||
|
أخل
إليه من أبيه وأفقرا
[58] |
وما
ضم زيد من مقيم بأرضه |
||||
|
21- أعرف
[59]. |
|||||
|
22- أنكر
[60]. |
|||||
|
23- أرجى
[61]. |
|||||
|
24- أهيب
[62]. |
|||||
|
25- أرهب
[63]. |
|||||
|
26- هذا أخصر من هذا، وهو من "اختصر"
مبنياً للمفعول
[64]. |
|||||
|
27- أحمد من أسماء رسول الله - صلى الله
عليه وسلم -
[65]
ويقولون: العود أحمد
[66]. |
|||||
|
28- أخوف, في قول كعب بن زهير في مدح
رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: |
|||||
|
وقيل:
إنك مسلوب ومقتول |
فلهوَ أخوفُ عندي إذ أُكلِّمه |
||||
|
في
بطن عثَّر غيلٌ دونه غِيلُ
[67] |
من ضيغم من ضراء الأسد مَخْدَرُهُ |
||||
|
ب- قيام
المفعول مقام الفاعل، جاء في مناظرة النحاس وابن ولاّد: أن ابن ولاّد قال:
"نحن إذا قلنا: اجعل الفاعل مفعولاً, ساغ لنا ذلك في الفاعل إذا تعجبت منه،
ولم يكن في الأصل مفعولاً، كان ذلك جائزاً فيما قام مقامَه، وهو لم يُسمَّ
فاعله، وإلا لم يكن في موضعه، ولا في مقامه "
[68]. |
|||||
|
ومما هو ذو وصلة قوية بهذا الدليل اختلاف
النحاة في مجيء المصدر من الفعل المبني للمفعول: الذي لم يُسمَّ فاعله، وهي
مسألة خلاف: أيجوز أن يعتقد في المصدر أنه مبني للمفعول، كما هو مذهب الأخفش،
واختاره الزمخشري، فيجوز: عَجبْتُ من ضَرْب زيدٍ، على أنه مفعول، لم يسم فاعله،
ثم يضاف، أم لا يجوز ذلك؟. |
|||||
|
فيه ثلاثة مذاهب، يفصّل في الثالث بين أن
يكون المصدر من فعل لم يُبن إلا للمفعول الذي لم يُسمَّ فاعله، نحو: عَجِبْتُ من
جُنُونِ زيدٍ بالعلم، لأنه من "جُنِنْتَ" التي لم تُبن إلا للمفعول
الذي لم يسم فاعله، أومن فعلٍ يجوز أن يُبنى للفاعل، ويجوز أن يبنى للمفعول،
فيجوز في الأول، ويمتنع في الثاني، وأصحها المنع مطلقاً
[69]
" كما كان الخلاف في التعجب من فعل المفعول. |
|||||
|
ويصاغ مصدر المبنيِّ للمفعول على زنة
مصدر المبني للفاعل تغليباً للثاني، لكثرته، أو استغناءً به، وقد ورد في كتاب
الله مصادر ظاهرها أنها من المبني للمجهول، ومن ذلك قوله تعالى: {يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللهِ}
[70]،
{كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِين}
[71]
"، {الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللهِ مِنْ
بَعْدِ مِيثَاقِهِ}
[72]، و{هَذَا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي}
[73]،
و{وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ
وَإِقَامَ الصَّلاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاة}
[74]،
الأصل: أن تُفعَل الخيرات. و{يَوْمَ نَطْوِي
السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ}
[75]،
و{وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ}[76]،
و{فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ}
[77]،
و{لأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ}
[78]. |
|||||
|
فنسبة المصادر إلى فعل المفعول مسألة فيها خلاف، كما تقدم، ولكن هذه
المصادر كلها مصادر للمفعول، ونكتفي بشرح "رهبة" ف "رهبة"
مصدر "رُهِبَ " المبني للمفعول، كأنه قيل: أشد مرهوبية، فالرهبة واقعة
منهم لا من المخاطبين، والمخاطبون مرهوبون، وهذا كما قال: |
|||||
|
وقيل:
إنك مأسور ومقتول |
فلهو أخوف عندي إذ أكلمه |
||||
|
ببطن
عثَّر غيل دونه غيل |
من ضيغم بثراء الأرض مخدعه |
||||
|
فالمخبر عنه مخوف لا خائف
[79]. |
|||||
|
فحصلت إضافة المصدر إلى المفعول، ولم
يمنع اللبس، وما دامت الأفعال فروع المصادر، فما المانع من نسبة الفعل إلى
المفعول في التعجب، وخاصة إذا أمِنَ اللبس، وظهر المعنى؟. |
|||||
|
وقد رد على اعتراض ابن ولاّد بأن
المفعول- وإن قام مقام الفاعل في أنا نحدِّث عنه كما نحدث عن الفاعل- فنحن نعلم
أنه مفعول في الأصل، فكيف يقال: أقمه مقام المفعول؟!. وأيضاً فإن أقمناه مقام المفعول، فإن الفاعل هو
المحدث للفعل، وليس كذلك ما يقوم مقامه
[80]
والشيء إذا شُبه بالشيء من جهة لا يلزم أن يشبه به من كل الجهات، ثم " إن
المفعول لا تأثير له في الفعل الذي يحل به، حتى يتصور فيه الزيادة والنقصان"
[81]. |
|||||
|
فإن جاء عن العرب ما ظاهره أنه تعجب من فعل المفعول نحو: "ما
أجَنَّه! " فيقال فيه: إنه حُملِ على المعنى، لأن الجنون داخل "في حيز
الأوصاف التي لا تكون أعمالاً، وإنما تكون خصالا في الموصوفين... فحمل
"جُنَّ زيدٌ" على المعنى، لأن العرب تشبه الشيء بالشيء، ويحمل على
المعنى إذا وافقه واقترب منه، فمن ذلك قولهم: "حاكم زيدٌ عمروٌ" برفع
الاثنين جميعاً، لأن كل واحد منهما فاعل..."
[82]. |
|||||
|
ج - عدم
استقامة أدلة المانعين في نظرهم، إذ قالوا: "وأما تقديركم لزوم الفعل، ونقله
إلى (فَعُلَ) فتحكُّم لا دليل عليه، وما تمسكتم به من التعدية بالهمزة... إلى
آخره". فليس الأمر فيها كما ذهبتم إليه، والهمزة في هذا البناء ليست
للتعدية، وإنما هي للدلالة على معنى التعجب والتفضيل فقط، كألف (فاعل)، وميم
"مفعول"، وواوه، وتاء "الافتعال"، و"المطاوعة"،
ونحوها من الزوائد التي تلحق الفعل الثلاثي لبيان ما لحقه من الزيادة على مجرده،
فهذا هو السبب الجالب لهذه الهمزة، لا تعدية الفعل"
[83]. |
|||||
|
"ومما يدل على فساد ما ذهبوا إليه
أنهم يقولون: ما أعطاه للدراهم، وأكساه للثياب "، وهذا من "
أعطى" و"كسا" المتعدي، ولا يصح تقدير نقله إلى "عطو":
إذا تناول، ثم أدخلت عليه همزة التعدية، لفساد المعنى، فإن التعجب إنما وقع من
إعطائه لا من عطوه وهو تناوله، والهمزة التي فيه همزة التعجب والتفضيل، وحذفت
همزته التي في فعله، فلا يصح أن يقال: هي للتعدية"
[84]. |
|||||
|
وردوا على استدلالهم بتعدية فعل التعجب للمفعول
الثاني باللام بأن قالوا: "الإتيان باللام ههنا ليس لما ذكرتم من لزوم
الفعل، وإنما أتي بها تقوية له لما ضعف بمنعه من التصرف، وأُلزم طريقة واحدة،
خرج بها عن سنن الأفعال، فضعف عن اقتضائه وعمله فقويَ باللام كما يقوى عند تقدم معموله عليه، وعند فرعيته،
وهذا المذهب هو الراجح كما تراه "
[85]. |
|||||
|
واللام هذه لام التقوية لا لام التعدية، وهي التي
تزاد لتقوية عامل ضعف إما بتأخره، نحو: {هُدىً
وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ}
[86]
ونحو: {إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيا تَعْبُرُونَ}
[87]
أو بكونه فرعاً في العمل، نحو: {مُصَدِّقاً لِمَا
مَعَهُمْ}
[88]، و{فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ}
[89]
و {وَلا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ}
[90]
"ونحو: ضربي لزيدٍ حَسَنٌ . |
|||||
|
وقد منع ابن مالك زيادة لام التقوية مع عامل يتعدى
لاثنين، وعُد من الشاذ - لقوة العامل - قول ليلى الأخيلية: |
|||||
|
ولا
الله يعطي للعصاةِ مُناها[91]
|
أحجَّاج
لاتعطي العُصاة منَاهم |
||||
|
وذهمب المجيزون للتعجب من فعل المفعول، ومنهم
الفراء، وابن كيسان، والزجاج والزمخشري، وابن خروف، وابن الطراوة، ذهبوا إلى: أن
المجرور بالباء بعد (أَفعِل) موضِعُهُ النصب لا الرفع، فهو في حقيقته مفعول لا
فاعل
[92]
وبناءً على هذا قالوا: إن مما يدل على أن معنى الهمز التعجب لا التعدية "
أن الفعل الذي يُعدى باطراد، يجور أن يعدى بحرف الجر، وبالتضعيف، نحو: جلست به
وأجلستُه )جَلَّسْتُه(،
وقمت به، وأَقمْتهُ)وقَوِّمْتُهُ(، ونظائرها، وهنا
لا يقوم مقام الهمزة غيرها، فعلم أنها ليست للتعدية المجردة أيضا، فإنها تجامع
باء التعدية، نحو: أكرم به، وأحسن به، ولا يجمع على الفعل تعديتين
[93]. |
|||||
|
وواضح أن هذا مبني على القول بأن (أَفْعِل)
[94]
في التعجب فعل أمرٍ فاعله ضمير مستتر وجوبا، والجار والمجرور متعلق به، وقد
اختلف فيه، فذهب الجمهور ومنهم سيبويه إلى أن (أفعِل) صورته صورة الأمر، ومعناه
الماضي من (أَفعَلَ) أي: صار ذا فعل، كألحم، أي: صار ذا لحم، والباء حرف جر
زائدة زيادةً لازمة، وما دخلت عليه هو الفاعل، لأنه لا فعل إلا بفاعل, وليس معنا
ما يصلح أن يكون فاعلا إلا المجرور بالباء, وهو الذي قد كرُم وحسن، فاللفظ
محتمل، والمعنى عليه, وإنما لزمته الباء لتؤذن بمعنى التعجب بمخالفة سائر الأخبار. |
|||||
|
وقد ضُعّف قول الجمهور بأمور منها: |
|||||
|
1- أن الأمر بمعنى الماضي مما لم يُعهد، بل جاء الماضي بمعنى الأمر،
نحو: اتقى امرؤٌ به، وبأن (أَفعَلَ): صار ذا كذا، قليل، والمطرد زيادتها في
المعقول
[95]. |
|||||
|
"فقال الفراء وتبعه الزمخشرى وابن خروف: إن (أَحسِن) أمر لكل أحد بأن يجعل زيداً حسناً،
وإنما يجعله حسناً كذلك بأن يصفه بالحُسن، فكأنه قيل. صفه بالحسن كيف شئت، فإن
فيه منه كل ما يمكن أن يكون في شخص، كما قال: |
|||||
|
فإن
وجدت لساناً قائلاً فقُلِ |
وقد
وجدت مكان القول ذا سعة |
||||
|
وهذا معنى مناسب للتعجب بخلاف تقدير
سيبويه"
[96]. |
|||||
|
2- التناقض في قول الجمهور حيث يجعلون
المتعجب منه في (ما أفعلَه) مفعولاً، ويجعلونه في (أَفعل به) فاعلا, والشيء لا
يكون فاعلا ومفعولا به في وقت واحدٍ . |
|||||
|
3- أنكروا على الجمهور اعتبارهم الباء
زائدة، وقالوا: إن الباء إذا جعلنا همزة (أَفعل) للجعل، كهمزة "ما
أحسن" والباء مزيدة في المفعول للتأكيد، وهو كثير[97]"
نحو قوله تعالى: {وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ
إِلَى التَّهْلُكَة}[98] والمراد: أيديكم، ونحو: قرأت بالسورة،
وأجاز بعض هؤلاء - وهو الزجاج- أن تكون الهمزة للصيرورة، فتكون الباء للتعدية،
أي: أجعله ذا حسن، والأول أولى، لقلة همزة الصيرورة، إذ تكون نحو: نزلت بالجبل,
أي: في الجبل، وذلك بعيد من الصواب[99] . |
|||||
|
4- استدل أبو حيَّان في شرح التسهيل على
أن الباء في موضع نصب بشيئين: |
|||||
|
أحدهما: جواز حذفه اختصاراً، كقوله تعالى: {أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ}[100]. |
|||||
|
واقتصاراً، كقول الشاعر: |
|||||
|
حميداً،
وإن يستغن يوماً فأجدِر |
فذلك إن يَلْقَ المنية يلقها |
||||
|
والآخر: أنهم لما حذفوا الباء نصبوا الاسم، كقول الشاعر: |
|||||
|
فأبعد
دار مرتحل مزارا |
لقد طرقت رحال الحي ليلى |
||||
|
وقول الآخر: |
|||||
|
فأجدر
مثلَ ذلك أن يكونا |
|
||||
|
أي: ما أبعد دار مرتحل مزارا، وما أجدر
مثل ذلك[101]. |
|||||
|
بل تفارق الباء المتعجب منه إن كان (أن) وصلتها، فيجوز في "أجود
بأن يكتب زيدٌ!: أجوِد أن يكتب زيدٌ!، منه: |
|||||
|
وأحبب إلينا أن تكون المقَّدَّما[102] |
وقال نبي المسلمين تقدموا |
||||
|
ولو كان ما دخلته الباء فاعلاً، ما حذف
كما في الشاهد الأول، ولما نصب كما في الأمثلة بعده. |
|||||
|
5- أنه لا يعهد صيغة أمر ترفع الاسم الظاهر، وإن كان
خبراً في المعنى، دون هذا الأمر. |
|||||
|
6- ذكر ابن هشام أكثر هذه الأوجه بقوله: "قول
البصريين في "أحْسِنْ بزيدٍ" يلزم منه شذوذ من أوجه: |
|||||
|
أحدها:
استعمال (أفعل) للصيرورة قياساً، وليس بقياس،
وإنما قلنا: ذلك؛ لأن عندهم أن (أَفْعَل) أصله (أَفعَلَ) بمعنى صار ذا كذا. |
|||||
|
الثاني: وقوع | |||||