طباعة

 توثيق النص

 

 

 

 

همزية بشار بن برد في مدى عقبة بن سلم دراسة تحليلية مفارنة

د/ أحمد مختار البزرة: أستاذ الأدب المشارك بكلية اللغة العربية

 

 

دواعي الدراسة:

دراسة الآثار الأدبية دراسة منهجية تحليلية هي الصرح لتاريخ الأدب، في عصر أو عدة عصور، أو لتاريخ جامع لأدب الأمة. وهي الميدان الموثوق لكثير من فروع علم اللغة ولاسيما:

 -  نشوء المفردات وتطور معانيها ما بين أجيالا الأدباء عبر العصور.

 -  وابتكار التراكيب ذات الدلالات الطارئة والفريدة.

 -  وجهود العبقريات في إغناء اللغة بالمضامين الفكرية والعاطفية التي يمرّ بها العصر.

وإذا كانت هي الأرضية للنقد الأدبي فهي أيضا الرصيد العملي الثري لعلم البلاغة ولعلم الأسلوب اللذين يعنيان بأسس التعبير الجدلي ودقائقه وأسراره، وبالعطاء المتبادل ما بين اللغة والأديب في عمليات التوليد والإبدال.

ولن تلقى مؤرخاً كبيراً في عالم الأدب أو ناقداً فذاً لم يحصّل خبرته وعلمه من التعامل الصابر مع النصوص: يفحص مبانيها، ويستكنه إيحاءاتها، ويكتشف إشاراتها ورموزها الخافية حتى ينتهي إلى نظرات وأحكام أُنفٍ مدعومة بالدليل المادي.

وهي في الدراسة الجامعية وسيلة ومنهج لازم للطلبة المتخصصين ليتعمقوا النصوص فهماً يبلغ الغور ويستخرج الدر الخبيء، وُيبصّرهم بمكونات النص الأدبي لتتمايز لهم مراكز القوة من الضعف، والتعبير الجاف المبدع من الآخر الساكن المحافظ.

ولن تكون لهم ملكة الذوق المصقول و التقويمٍ السديد والاستجابة الفنية التلقائية إلا بعد مرانٍ مدمن على تحليل النصوص شعرا أو نثرا، فهي في نهاية المطاف العدة والأداة لتكوين موقف موضوعي من الأحكام السياسية والفكرية والاجتماعية والفنية التي اكتنفت تاريخنا الأدبي بتعميمات مرتجلة أو مسرفة في الشطط أحياناً لم تعتمد الاستقصاء والبحث التحليلي.

وأدنى ثمار الدراسة التحليلية للنصوص أن يُكوِّن الطالب الدراسي تكويناً أدبياً شخصيًا يوظف فيه إمكاناته وذوقه.

ولعل من واجب الدارسين في الجامعة الإسلامية أن يقدّموا نماذج تَهْدي أبناءنا إلى إحراز هذا الغرض. وعسى أن يُوَفّق اللّه إلى تقديم عدد منها بادئين -  بعون من اللّه -  بقصيدة في المدح كانت تلاقي عند أهل الأدب حظاً من الاستحسان، لشاعر كان رائد الشعر والشعراء في العصر العباسي الأول هو بشّار بن برد.

القصيدة [1]

"وهي من مختار صنعة بشار، وصدورها ومما تشبَّه به بالقدماء في مذاهبهم "

أبو الفرج الأصفهاني: الأغاني: 3/ 198

1

 حاحبيَّ أمَّ   العلا [2]

واحذرا طرفَ عينها الحوراءِ

2

 إنّ  في  عينها  دواءً وداء

لُملمّ [3]، والداءُ قبل الدواء

3

رب مَمْش منها إلينا على رغ

م إزاءٍ[4]، لا طابَ عيشُ إزاء

4

أسقمت  ليلةُ  الثلاثاء   قلبي

وتَصدَّت في السبت لي لشقائي

5

وغداة الخميس قد موتتني

ثم راحت في الحلة الخضراء

6

يوم قالت: إذا رأيتك في النو

م خيالاً أَصبْتَ عيني بداء[5]

7

واستُخِفَّ الفؤادُ شوقاً إلى قر

بك حتى كأنني في الهواء

8

ثم صدَّت لقولِ   حمّاءَ[6]  فينا

يا لَقومي دمي على حمّاء

9

لا تلوما فإنها من نساء

مُشرفاتٍ[7] يَطْرفن طَرْفَ الظباء

10

وأعينا امْرأً جفا ودَّه الحيُّ     

وأمسى من الهوى في عناء

11

 اِِعْرضا حاجتي عليها وقولا

أنسيتِ السّرار تحت الرداء

12

 ومقامي بذهن المصلّى إلىالمن

بر أبكي عليك جهد البكاء

13

ومقالَ الفتاة عودي بحلم    

ما التجنّي من شيمة الحلماء

14

فاتقي اللّه في فتىً شفَّه الحبُ

وقولُ العدى وطول الجفاء

15

أنت با عدته فأمسى من الشو        

ق صريعاً كأنه في الفضاء

16

فاذكري وَأْيهَ عليك وجودي

حسبُك الوأْيُ[8] قادحاً في السخاء

17

قد يسيء الفتي ولا يُخْلف الوع

دَ فأَوْفي ما قلتِ في الرَّوْحاء[9]

18

إنَّ وعدَ الكريم دينٌ عليه           

فاقض واظفر به على الغرماء

19

فاستهلت بعبرةٍ[10] ثم قالت

كانَ ما بيننا كظل السَّراء

20

يا سُليمي قومي فروحي إليه

أنت سُرْسُورتي[11]  من الخُلطاء

21

بلّغيه السلام منيّ وقولي:      

كلُّ شيءٍ مصيرهُ لفناء

22

فتسَّليتُ بالمعازف عنها        

وتعزّى قلبي وما من عزاء

23

وفلاةٍ زوراءَ[12] تلقىِ بها العي  

ونَ رفاضاً يمشين مشي النساء

24

من بلاد الخافي[13] تَغوَّلُ بالر

كب فضاءً موصولةً بفضاء

25

قد تجشَّمتها[14] وللجندب الجو

ن نداء في الصبح أو كالنداء

26

حين  قال[15] اليعفور وارتكض الآ

ل بريعانه ارتكاض  النهاء

27

بسبوح[16] اليدين عاملة الرج

ل مروح تغلو من الغلواء

28

همها أن تزور عقبة في المل

ك فتروى من بحره بدلاء[17]

29

مي[18] تنشق عن وجهه الح

ب كما إنشقت الدجى عن ضياء

30

أيها السائلي عن الحزم والنج

دة والبأس والندى والوفاء

31

إن تلك الخلال[19] عند ابن سلم

ومزيدا من مثلها في الغناء

32

كخراج السماء[20] سيب يديه  

لقريب ونازح الدار ناء

33

 حرم اللّه أن ترى كابن سلم 

عقبة الخير مطعم الفقراء

34

يسقط الطير حيث ينتثر الحب

وتغشما منازل  الكرماء

35

ليس يعطيك للرجاء ولا الخو

ف ولكن يكذ طعم العطاء

36

إنما لذة الجواد ابن   سلم

في عطاء ومركب للقاء

37

لا يهاب الوغى ولا يعبد الما

ل ولكن يُهينه للثناء

38

أريحي[21] له يد تمطر      

ل وأخرى سم على الأعداء

39

قد كساني خزا[22] وأخد مني الح

ر وخلا بنيتي في الحلاء

40

وحباني به[23] أغر طويل البا

ع صلت الخدين غض الفتاء

41

فقضى اللّه أن يموت كما  

ت بنونا وسالف الآباء

42

راح في نعشه ورحت إلى عق 

بة أشكو فقال غير نجاء[24]

43

إن يكن منصف[25] أصبت فعندي

عاجل مثله من الوصفاء

44

فتنجزته[26] أشم كجرو اللي  

ث غاداك خارجا من ضراء

45

فجزى اللّه عن أخيك ابن سلم 

حين قلّ المعروف خير الجزاء

46

صنعتني يداه حتى كأني

ذو ثراء من سر[27] أهل الثراء

47

لا أبالي صفح اللئيم ولا تج

ري دموعي على الخؤون الصفاء

48

وكفاني أمرا على البخ

ل  بكف محمودة بيضاء

49

يشترى الحمد بالثناء ويرى الذ

مَّ فظيعا كالحية الرقشاء[28]

50

ملك يفرع المنابر[29] بالفض

ل ويسقي الدماء يوم الدماء

51

كم له من يد علينا وفينا

وأياد بيض على الأكفاء

52

أسد يقضم الرجال وإن شئ

ت فغيث أجش ثر السماء[30]

53

قائم باللواء يدفع بالمو

ت رجالا عن حرمة الخلفاء

54

فعلى عقبة السلام مقيما

وإذا سار تحت ظل اللواء

الشاعر والقصيدة

كان عقبة بن سلم والي البصرة لأبي جعفر المنصور، منتجعاً خصباً ومورداً ثريا لبشار بن برد، وجد عنده رواجاً لمديحه، فأكب على تجويده لما يلقى منه من جزالة الجائزة والعطاء المغداق، ولم ينكر بشار بن برد أن الرغبة المادية كانت الباعث الملحاح على كثير مديحه في عقبة، وعلى التفوق فيه، إذ قال له قائل: "إن مديحك عقبة بن سلم فوق مدائحك كلَّ أحد؟ فقال: إن عطاياه إياي كانت فوق عطاء كل أحد"[31]. وكان الشعر لبشار وسيلة من ليس له وسيلة كسب غيرها إذ لم تكن له موارد إضافية من إرث أو مزاولة مهنة، وكان العصر يتفجّر بالغنى، ولا يسد مطالب عيش رفةٍ رغدٍ إلا مالٌ وفر، فكان الحافز للمدح حيوياً، ولم يكن للشاعر مندوحة عن استنباط ملكة الإبداع ليبلغ موضع الرضا الفني من ممدوحه فيصيب من المال ما ينهض به من شظف الفاقة والحاجة إلى لين الاغتناء، ولعله بلغ ما أمّل في مضماري الفن والثواب، ولم يكن ما قاله في هذه القصيدة:

ذو ثراء من سرِّ أهل الثراء   

صنعتني يداه حتى كأني

غير تقرير حقيقة. ودراسة قصيدة أنشأها حافز وباعث مادي مَحْضٌ جديرة أن تكشف للنقد عن فعاليّة الرغبة الحاشدة في صناعة قصيدة المديح وفي تحبيرها إذا كان ثمة تفاعل إيجابي وتبادلٌ موضوعي ما بين المنتج والمستورد، ما بين الشاعر والممدوح.

 

بناء القصيدة

تَعدُّ هذه الهمزية في مدح عقبة بن سلم أربعة وخمسين بيتاً، فهي أجنح إلى الطول. ولا تنحو قصائد المدح في العصر الأموي والإسلامي والجاهلي، في الغالب، غير هذا المنحى: فالإطالة في هذا الفن مطلوبة، وبشار بن برد يسير فيها على منهج مطروق. وعلى هذا فالذين يستصدرون المدح من الشعراء، باعتبارهم نقاداً عمليين، أصحاب حق في التقويم وإصدار الأحكام وتكييف القصيدة وفاق مطالبهم، لما لهم من إسهام مادي في ابتعاث هذا الشعر واستصداره، هؤلاء الممدَّحون كانوا يرون أن قصيدة المدح في العصر العباسي الأول لا ينبغي لها أن تقلّ كمّاً عما كانت عليه من قبل.

فهل كان هذا العُرْف الأدبي قاصراً على الحجم والكم أو أنه ينسحب على الهيكل التخطيطي للقصيدة؟

من اليسير أن نلمح أن بشاراً بنى قصيدته من قسمين متساويين عِدَّةَ أبيات: المقدمة فالمديح، كل منهما سبعة وعشرون بيتًا.

هذا التوازن الدقيق لا نكاد نقع عليه فيما نظم من قبل، فهل كانت المقدمة تعدِلُ "الغرض" أهمية وقيمة فنية عند بشار؟ إن اعتراضاً كميّاً ما على هذه المقدمة ونظائرها لا نعثر عليه في معرض من معارض النقد العابر أو المقصود، وإن موافقة ضمنية على هذا التناظر متحققة ما بين المادح والممدوح والجمهور. فما الدوافع الفنية أو الذاتية فيما وراء هذا التعادل؟

إن دراسة المقدمة قد تخرج لنا مفاتيح تعليلية مقبولة.

 

المقدمة

والمقدمة قسمان يتفاوتان عدد أبيات تفاوتاً ملحوظاً، والقسم الأول في الغزل، وعدد أبياته اثنان وعشرون بيتاً والقسم الثاني في وصف الصحراء، والرحلة والناقة، وهو خمسة أبيات.

(أ) الغزل: من نافلة القول أن المطالع أو المقدمات الذاتية الوجدانية تقليد عريق في القصيدة العربية القديمة، ولاشك أن المكانة الجليلة التي كانت تحتله تلك القصيدة جعل منها مثالا يحتذى على جانب من الاحترام والالتزام كبير، وخاصة قصيدة المناسبات في المواقف الرسمية. إن عرفاً مشتركاً، غير معلن عنه تصريحاً، إلا في وقت متأخر، ما بين الشعراء ورجال اللغة والأدب وأرباب القصور، هو أنه ينبغي لقصيدة المدح المحدثة أن تبلغ شأو قصائد المدح الممتازة في العصور السابقة، ومن ثم لابد من العمل على مثال أو أنموذج متعارف عليه.

وليست المطالع الغزلية وقفاً على قصائد المدح في أدبنا القديم، فهي في المفاخرات والنقائض وغير ذلك من الأغراض تتراوح بين الإسهاب والاقتضاب. وإذا كانت القصيدة ذاتية المضمون في مجموعها تتركز حول شخص الشاعر مثل معلقة امرئ القيس اللامية، فإن حظ النسيب والغزل والنساء يغطي على نصف القصيدة أو يزيد. ولكنه يتراجع إلى نسبة قليلة إذا كان موضوع القصيدة غير ذاتي، مدحاً أو فخراً قبلياً، أو ذاتيًا متمركزًا على الجانب العملي من الحياة كمعلقة عنترة التي رفع بها من شأنه من خلال مواقف البطولة وحسن البلاء.

ولكن قصائد المدح والفخر التي تُعدّ نماذج تامة في الجاهلية والإسلام تتوافق على الابتداء بمقدمة ذاتية أكثر ما تنطلق من الوقوف على الديار، وأحيانا من الغزل الصرف بالنساء. ولا يسعنا أن نرفض تعليلاً نقديا استقرأه ابن قتيبة في القرن الثالث إذ رأى في هذه الخطوة مَقْصداً ذاتياً فَنِيًّا معًا، فالشاعر ينبعث في النظم من أقرب الدواعي إليه، وهي قادرة على استمالة الآخرين لما في هذه الدواعي الذاتية من مشاركة وجدانية أو شجاً إنساني عام [32].

 واستقراء تام ومسح كامل لأمثال هذه المقدمات يهب لنا فائدة لا يستغني عنها النقد والتقويم، وهي أن هذه المقدمات إن تكن تقليداً متبعاً فإن فيما بينها تفاوتاً ذاتياً وفنياً ملحوظاً تُرَّدُ أسبابه إمَّا إلى النموذج النفسي، أو الوضع النفسي للشاعر وتركيب ميوله واتجاهاته، وإما إلى طابع العصر واتجاهه الفني الغالب، وإن يكن من الصعب الفصل ما بين العاملين بخطوط قاطعة تُرجح تغليب أحدهما على الآخر في إيثار إحدى الصورتين، الغزلية أو الطللية، على الأخرى، فإن هذه المقدمات في نهاية التحليل هي نتاج هذين العاملين معا. ويقودنا الاستقراء إلى تقرير حقيقة تشفع لها موضوعية أكيدة هي أن الصبغة الفنية الغالبة كانت تجنح في أواخر العصر الجاهلي إلى مزج متكافئ ما بين المرأة والطلل أو اقتران متين يكشف عن ترجيح العنصر الإنساني أو الذاتي على الجوامد المادية. وفي معلقة زهير بن أبي سلمى مثال موافق يقرن أسماء الأمكنة باسم المرأة قرانا يدل على ارتباط لا يقبل الانفصام وأن الدار إنما تذكر بصاحبتها:

بحومانة الدراج فالمتثلم

أمن أم أوفى دمنة لم تكلم  

مراجع وشم في نواشرمعصم [33]

فدار لها بالرقمتين كأنها

حتى إن صورة هذه الدار تنعكس لعينيه في مرآة من معصم موشوم، ومن ثم يرفع بصره وشيكًا باحثاً عن الحياة والأحياء من العين والآرام والظعائن.

ويظهر هذا التأليف المنسق بين الطلل والمرأة وشظف الصحراء معاً في لامية الأعشى:

وسؤالي وما ترد سؤالي [34]

ما بكاء الكبير في الأطلال

فللأطلال بيتان وللمحبوبة وما يفصل بينهما من نائي المكان خمسة عشر بيتاً.

ويتردد الاقتران في معلقة عنترة في كل بيت تذكر فيها الدار بل لا تذكر الدار إلا بالمرأة. ولولا اضطراب المعلقة ترتيباً لكانت الأبيات التي تصلح أن تكون مجموعة متوالية من مقدمة نسيب مثالاً حسناً لضآلة العنصر المكاني بجانب العنصر الإنساني أو العاطفي. فإذا قورنت هذه النماذج بمطلع معلقة امرئ القيس وببعض قصائده رأينا المكانية تنساح في بيتين أو ثلاثةٍ متواليات انسياحاً يغمر النبض الوجداني أو الإشعاع بالحياة.

وفي مطلع العصر الإسلامي نجد شاعراً مخضرماً، أعرق نظماً في الجاهلية منه في الإسلام، يقدم على رسول اللّه صلى الله عليه وسلم، بقصيدة مدح ظلت تتمتع بنموذجية فذة على مدى العصور، هو كعب بن زهير صاحب البردة، وفيها نجد الشاعر أحلَّ مقدمة غزلية خالصة مكان المقدمة الطللية أو المزيجة، شغلت (14) بيتاً من (58) بيتاً.

فلمَ أقدم على هذا التعديل وهو يُعِدُّ قصيدة يود لو تفوق كل شعر ليظفر بالصفح والحياة؟ لا شك أنّ بعض الشعراء  -  كعلقمة الفحل  -  لهم مطالع غزلية خالصة، ولكن قصيدة المدح لها صباغ رسمي  -   دعك عن المناسبة الحساسة  -   كما أن كعبًا هو عماد في مدرسة الصنعة والتحكيك التي لا تهمل المراسم المفضَّلة؟.

هل وجد كعب الغزل الصرف أحسن وقعاً عند من يحيا متحضراً؟ وهل أحسَّ أنَّ الأطلال ظل من الصحراء لا يستهوي الأنفس ولا تقبل عليه الأسماع إقبالها على الغزل؟

لا نستطيع أن نجزم قاطعين، ولكن الغزل يشهد - إذا قورن بأقسام القصيدة -  لصاحبه أن قد توخى فيه الرقة والقرب، وجاهد أعرابيته على ذلك.

فإن كان في هذا دليل مرجِّح جاز لنا أن نلاحظ أن مراعاة ميول الجمهور وأذواقهم، للتأثير فيهم، بدأ يؤثر في مضمون المقدمة مادامت مادة المقدمة تسمح بالتعديل أما إذا كانت المادة صحراوية طبيعةً وجبلّةً - مثل وصف الناقة -  فلا سبيل للمواءمة والتعديل[35].

ولكن الاستقراء الدقيق، ولاسيما قصائد العصر الأموي، لا تأذن بإصدار حكم له صفة الشمول، وكثيراً ما نجد أنفسنا لدى نماذج متفاوتة وفي بعضها لا يفارق الشاعر التصميم الجاهلي لقصيدة المدح من الوقوف على الأطلال ومساءلتها، واجتياب الفلاة على الناقة الوجناء، والتغزل بالمرأة، حتى ليخيل إلينا في بعض القصائد أن هذه المقدمة التقليدية أولى من الغرض الأول فيها، وهو المدح، ومن أمثلتها قصيدة القطامي اللامية:

وإن بليت وإن طالت بك الطول

إنا محيوك فاسلم أيها الطلل

إذ هي "43" بيتاً لا يشغل المدح غير العشرة الأخيرة منها[36].

ولكن المقدمة في قصيدة بشار هذه ليس فيها من حديث الديار أثارة، فهي تنتمي إلى بردة كعب بن زهير. والشاعر ينصرف عن الوصف المادي الذي كان لا يفوت السابقين، من تعدادٍ لمفاتن حسيَّة كانت تُعدّ في ذلك اليوم المثلَ الجمالي الأعلى، ينصرف إلا قليلاً في المطلع إذ يذكر حور عينيها ولكنه يُعوّل على الأثر متجاوزًا في تصويره عن المؤثِّر:

واحذرا طرف عينها الحوراء        

1 - حيّيا صاحبيّ أمّ  العلاء

 لملمّ والداء قبل الدواء  

2 - إن في عينها دواء وداء

إنه الإِغراء متنكر في هيئة تحذير، إن ينجح بإثارة الفضول لدينا فلن يُعْقِبَ قناعةً لأنه فضول غير مدعوم بدليل مادي يجعل النظر مخشيًا حقاً مثل الدليل المادي في قول امرئ القيس:

بسهميك في أعشار قلب مُقتَّل[37]

وما ذرفت عيناك إلا لتضربي

وما ذاك إلا لأن بشاراً تنقصه خبرة امرئ القيس بخفايا المقاصد وبواعث السلوك، فغزله غزل الفن، غزل الحقائق المتقابلة في الفكر لا غزل الوقائع والصراع.

وكان النابغة أقدر على الإِيحاء بالأثر من خلال الصورة المادية للمؤثر:

  أحوى أحم المقلتين مقلدّ           

نظرت بمقلة شادن متربّبٍ 

نظر السقيم إلى وجو العوّد[38]   

نظرت إليك بحاجة لم تقضها

وإن الصيغة المنطقية المحكمة "والداء قبل الدواء" لم تطلع علينا بسبرٍ لمدى التأثير كما يبدو مداه في شعر لجرير:

قتلننا ثم لم يحيين قتلانا[39]

 إن العيون التي في طرفها حور    

 وهن أضعف خلق اللّه إنسانا

يصرعن ذا اللب حتى لا حراك به

وعلى ما في تقرير بشار "والداء قبل الدواء" من المعقولية المنطقية فإن المبالغة في قول جرير تبعث على استمتاع مريح، واسترسال وجداني مستعذب، نفتقد مثله في بيتي بشار. أهي العاهة التي تعوق الشاعر الأعمى عن الصورة الخارجية؟

ما ذاك ببعيد إذ نفتقد - لفقدانه الرؤية - الصور البصرية التي تنم عن تأثر حق. وكان يغطي على تصويره للمرئيات بصور ذات عموم غير محدود أو إجمال لا تفصيل له، كما يغطي على ذلك تصويره للمسموعات كقوله:

     كأن حديثها ثمر الجنان[40]

ودعجاء المحاجر من  معدّ

وقوله في صوت مغنية:

محاسنها من روضة ويفاع