|
|
|
|
|
|
|
طَرَسوس صفحة من جهاد المسلمين في الثغور |
|
|
بقلم الدكتور/ جميل عبد اللّه المصري |
|
|
الأستاذ المشارك في كلية الدعوة وأصول الدين |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
الحمد للّه، بعث رسوله صلى الله عليه وسلم بالهدى، ودينا لحق، ليظهره على الدين كله، وأيده بصحابة كرام، اختارهم على علم، وخصّهم بصحبته، فحملوا الأمانة، وسّلموها إلى من بعدهم من التابعين، الذين سلّموها إلى من بعدهم، وهكذا إلى أن وصلتنا نقية. |
|
|
وبعد: |
|
|
فقد سار الفتح الإسلامي
وفق خطة راشدة مستنيرة، اتضحت معالمها على يد رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ، قائد هذه الأمة، وسار عليها الخلفاء الراشدون، وخلفاء
بني أمية، وبني العباس. هذه الخطة تهدف إلى تثبيت
الدعوة في الداخل، وتبليغها، ومدّها في أقطار الأرض، وتعتمد المحافظة على شخصية
الفرد المسلم ودمه، فلا مجازفة، ولا امتداد بالفتح، إلا بعد إقامة قواعد ثابتة
للمسلمين، تتولّى إقامة حياة إسلامية، فتنطلق منها الدعوة إلى غيرها. وتبعا
لذلك، فقد كانت بلاد الإسلام كلّها ثغور، وكلّ أهلها مثاغرون، فكل مسلم على ثغرة
من ثغور الإسلام، كما قال صلى الله عليه وسلم: "أنت
على ثغرة من ثُغَر الإسلام، فلا يؤتين من قبلك". |
|
|
وأهم طرق تبليغ الدعوة: الجهاد في سبيل اللّه، وهو فرض على المسلمين، وكانت كل مدينة من مدن المسلمين مركزا من مراكز نشر الدعوة، ومعسكرا لمواصلة الفتوح، هذا دور المدن التي مصّرها المسلمون في العراق، والشام، وفارس، ومصر، وشمال إفريقيا، وتركستان، والهند، وآسيا الصغرى. |
|
|
ومنذ العهد الأموي انتقلت مراكز الجهاد إلى الحدود، وتكفل جند الدولة بالجهاد-ذلك الجند المرصود في العاصمة دمشق، أو المقيم في الأمصار الإسلامية (كالبصرة، والكوفة، والفسطاط، والقيروان....) أو على الأطراف في الثغور. ولم يتغيّر هذا الوضع في عهد الدولة العباسية الأولى. واستمر أهل الإِيمان يخرجون للرباط في نواحي الحدود، ويشتركون في الجهاد، حسبة للّه وتطوعا، ولم تخل بلاد الإسلام أبداً من أفذاد يتطوعون للرباط، أو الجهاد، ويخفّون إلى مناطق الثغور والسواحل، للاشتراك في ذلك العمل الجليل مع الجند، أو الانفراد به. وطَرَسوس من المدن التي مصّرها المسلمون في العهد العباسي في آسيا الصغرى، وقامت بدور جهادي بطولي هو موضوع بحثنا هذا بإذن اللّه. |
|
|
وطرسوس: بفتح الطاء والراء[1]،
من مدن آسيا الصغرى، على ساحل البحر الأبيض المتوسط إلى الشمال الغربي من
أنطاكيا، من ثغور الشام المشهورة، مع
المصيصة[2]ويبعد عنها مضيق البوسفور أكثر من 450 ميلا في خط مستقيم قاطعا هضبة آسيا الصغرى
الجبلية[3]وكانت قاعدة للهجوم الإسلامي على القسطنطينية[4]،
منذ تمصيرها، براً أو بحرا، إذ تشرف على المدخل الجنوبي للدرب المشهور عبر جبال
طوروس المعروف بأبواب قليقية[5].
فكان بينها وبين حدّ الروم جبال منيعة متشعبة من اللكام[6].
كما كان يشقها نهر البردان (نهر كودنس)[7]ومنبعه من جبل في شمال طرسوس يعرف بالأقرع، ويصب في بحر الروم، (البحر
الأبيض المتوسط) غير بعيد عن المصبّ الحديث لنهر سيحان. |
|
|
وفي ناحية الغرب وعلى مرحلة
من طرسوس نهر اللامس، الذي شهد أحداث الفداء بين المسلمين والروم[8]مرات كثيرة. |
|
|
طرسوس في عهد الخلافة الراشدة والدولة الأموية 11-132 هـ: |
|
|
تمكن المسلمون في عهد عمر بن الخطاب (13-23 هـ) من تحرير بلاد الشام من الحكم الروماني الييزنطي، وبلغ أبو عبيدة عامر بن الجراح رضي اللّه عنه قائد الجبهة الشامية أقصى شمال الشام عندما فتح قنسرين ثم أنطاكيا، وأسلم بعض أهلها، ورابط فيها المسلمون من أهل النيات والحسبة. وأصبحت أنطاكيا قاعدة التحرك الإسلامي إلى آسيا الصغرى قبل تمصير طرسوس[9]. |
|
|
وكان فيما بين الاسكندرونة وطرسوس حصون ومسالح للروم[10]، وعندما غادر هرقل الشام إلى غير رجعة عام 16هـ أخذ هرقل أهل هذه المدن والحصون معه[11]، وشعث الحصون[12]، في خطة تعرقل سير المسلمين إلى آسيا الصغرى. بحيث لا يسيرون في عمارة متصلة ما بين أنطاكيا وبلاد الروم[13]. فكان المسلمون إذا توغلوا في بلاد الروم لا يجدون أحدا، وربما كمن عندها الروم فأصابوا غرة المتخلفين، فاحتاط المسلمون لذلك[14]. |
|
|
وكان أول القادة المسلمين وصولا إلى طرسوس أبو عبيدة رضي اللّه عنه، غزا الصائفة فمرّ بالمصيصة، وطرسوس، وقد جلا أهلهما، وأهل الحصون التي تليها، فأدرب وبلغ في غزاته زندة، وقيل إنما وجه ميسرة بن مسروق العبسي[15]. |
|
|
وفي عام 25 هـ غزا معاوية والي الشام الروم، فبلغ عمورية، ووجد الحصون التي بين أنطاكيا وطرسوس خالية، فجعل عندها جماعة كثيرة من أهل الشام والجزيرة وقنسرين، حتى انصرف من غزاته[16]. ولما أغزى يزيد بن الحرّ العبسي الصائفة أمره بمثل ذلك. ولما خرج هدم الحصون إلى أنطاكيا[17]، وأَتمّ معاوية عملية الهدم هذه في غزوته من ناحية المصيصة عام 31 هـ[18]. |
|
|
وفتح جنادة بن أبي أمية الازدي طرسوس عام 53 هـ في غزو المسلمين القسطنطينية زمن معاوية رضي اللّه عنه[19]. |
|
|
وبقيت طرسوسِ قاعدة لانطلاق القوات الإسلامية إلى
بلاد الروم، وقاعدة لانطلاق القوات البيزنطية إلى بلاد الإسلام، طيلة عهد بنى أمية، فكانت تنطلق منها قوات الجهاد الإسلامي
إلى القسطنطينية، وإلى بلاد الروم سنويا على نظام الصوائف والشواتي التي استنها
معاوية في حرب الروم. وعندما كان الروم يغتنمون غرّه من المسلمين أو ضعفا كانوا
ينطلقون من طرسوس كما فعلوا عندما هاجموا أنطاكيا عام 79 هـ[20]. |
|
|
وتقدم الأمويون خطوة بعد انطاكيا، حينما مصّروا مدينة المصيصة عام 74 هـ في عهد عبد الملك بن مروان، ومصّرها ابنه عبد اللّه وبنى مسجَدها، وشحنت بالجند عام 85 هـ[21]. وقام الوليد بن عبد الملك (86 96هـ) بتعمير ما بين أنطاكيا والمصيصة[22]، فأصبحت من ديار الإسلام. وفي عام 93 هـ غزا العباس بن الوليد الروم ففتح سبسطية، والمرزبانين وطرسوس[23]. |
|
|
وعلى العموم فإن
المسلمين في عهد بني أمية كانوا يغزون الروم بأهل الشام والجزيرة صائفة وشاتية مما
يلي ثغور الشام والجزيرة، وتقيم الدولة للراكب الغزو، وترتب الحفظة في السواحل[24]،
دون أن تجعل من هذه الأماكن المتقدمة قاعدة دائمة من القواعد الإسلامية، وهي خطة
تقوم على التريث، وعدم الاندفاع في مغامرات غير مضمونة النتائج، وعندما كانت
الدولة تحسّ بالوقت الملائم للتقدم، تتقدم كما فعلت في تمصير أنطاكيا وقنسرين،
والمصيصة. ويظهر أن الأوضاع المناسبة لم تظهر لتمصير طرسوس في العهد الأموي.
واحتاج الأمر لسنين طويلة من العهد العباسي حتى تمّ تمصيرها. وبقيت خلال هذه
الفترة تقوم بالدور المناط بها كقاعدة لانطلاق القوات فقط. |
|
|
طرسوس في عهد قوة الدولة العباسية 33 1- 248 هـ: |
|
|
ظهرت الدولة العباسية عام 132 هـ، على أنقاض الدولة الأموية، وقامت بدورها في تثبيت الإِسلام، ومدِّه في البلاد التي فتحها المسلمون في عهد الأمويين[25]. |
|
|
وكان الروم بقيادة الإمبراطور قسطنطين الخامس (741- 775 م) قد انتهزوا فرصة انشغال الدولة العباسية بالتمكن لنفسها، فأغاروا على الحدود الإِسلامية، وآتوا على جهود المسلمين في التحصين، ودمروا خطوط حصون الفرات، ثم الخط الممتد بين الفرات إلى البحر. وهددوا النظام الثغري كله تهديداً خطيراً[26]. |
|
|
فأمر أبو العباس السفاح (132- 136 هـ) بإعادة تمصير المصيصة، وتم ذلك في عام 139 هـ في عهد أبي جعفر المنصور (136158هـ). ولما رغب امبراطور الروم في فداء الأسرى، وأبى المنصور، كتب إليه الإِمام الأوزاعي رسالة شديدة اللهجة بالمبادرة إلى الفداء[27]. فنزل المنصور عند كتاب الأوزاعي وجرى الفداء واستحق الأوزاعي منذ ذلك الوقت لقب "عالم الأمة"[28]. |
|
|
ولما تجدد تهديد البيزنطيين للنظام الثغري وسقطت اللاذقية بأيديهم عام 40 ا هـ، انبرى الأوزاعي لإنذار الخليفة بخطورة الأمر، وطلب منه أن يأمر بتخصيص أعطيات سنوية لأهل الساحل حتى يَقْووا على المرابطة، وحراسة الأبراج والحصون الساحلية. |
|
|
فتتبع المنصور حصون السواحل ومدنها فمصّرها، وحصّنها، وبنى ما احتاج البناء منها[29]. وجدّد الصوائف والشواتي، فقام العباس بن محمد بن علي عام 139 هـ بالغزو على الصائفة، ومعه صالح بن علي الذي بنى ما هدمه البيزنطيون من ملطية[30]. |
|
|
واستعمل المنصور وسائل إغراء كثيرة لحث الجند والناس على العمل في الثغور واستيطانها منها: زيادة العطاء لكل مقاتل عشرة دنانير إضافية وتخصيص معونة قدرها مائة دينار لكل واحدا منهم، وبناء بيوت خاصة لإِقامتهم مع عوائلهم. فاستكمل المنصور مرحلة الدفاع والتحصينات. |
|
|
ولإدراك المنصور لأهمية الجهاد في الثغور، لم ينس وهو على فراش الموت أن يوصي ابنه المهدي بشحن الثغور، وضبط الأطراف، إذ قال له[31]: |
|
|
"وليكن أهم أمورك إليك أن تحفظ أطرافك، وتسدّ ثغور.. وارغب إلى اللّه في الجهاد، والمحاماة عن دينك، وإهلاك عدوك، بما يفتح اللّه على المسلمين، ويمكّن لهم في الدين، وابذل في ذلك مهجتك، ونجدتك ومالك، وتفقّد جيوشك ليلك، ونهارك، واعرف مراكز خيلك، ومواطن رحلك، وباللّه فليكن عصمتك، وحولك، وقوتك ". |
|
|
وسار المهدي (1581- 169 هـ) على هذه السياسة الرشيدة بالفعل، فاستتمّ ما كان بقي من المدن والحصون وزاد في شحنها[32]. فتقدمت مراكز المسلمين الثّغْريّة واقتربت من طرسوس. |
|
|
وأخذ المهدي يوجه الحملات لجهاد الروم، فغزا الحسن بن قحطبة الطائي بلاد الروم عام 162 هـ، في أهل خراسان، وأهل الموصل والشام، وإمداد اليمن، ومتطوعة العراق والحجاز، ومعه مندل العنزي محدث الكوفة، ومعتمر بن سليمان البصري. ولما رجع من بلاد الروم مما يلي طرسوس، نزل في مرجها، وركب إلى مدينتها وهي خراب، فنظر إليها، وأطاف بها من جميع جهاتها، وحزر عدة من يسكنها فوجدهم مائة ألف. |
|
|
ولما قدم الحسن على المهدي وصف له أمر طرسوس وما في بنائها وشحنها من غيظ العدو وكبته، وعزّ الإسلام وأهله، كما أخبره بأهمية بناء مدينة الحدث في الثغور الجزرية. فاستجاب المهدي وأمر بتمصير الحدث أولا، وأوصى ببناء طرطوس. فمصّر علي بن سليمان بن علي والي الجزيرة وقنسرين مدينة الحدث[33]. قبل مدينة طرسوس. |
|
|
وأما الرشيد [170- 193 هـ]، الذي تمرس على غزو الروم في عهد أبيه، شاباً، فقد اجتهد في الغزو وأمام من الصناعة ما لم يقم بمثله، وقسم الأموال في الثغور والسواحل، وأشجى الروم[34]. وعندما بلغه عام 171 هـ ائتمار الروم بالخروج إلى طرسوس لتحصينها، وترتيب المقاتلة فيها، أغزى الصائفة هرثمة بن أعين، وأمره بعمارة طرسوس وبنائها وتمصيرها، وأجرى أمرها على يدي فرج بن سليم الخادم التركي[35]. فقام فرج ببنائها، وأحكمه، وجعل على نهرها الذي يشقها في وسطها القناطر المعقودة، وجُعل لها سور من حجارة، وستة أبواب، وخندق واسع. كما أقام حولها سبعة وثمانين برجاً. ومسح ما بين النهر إلى النهر فبلغ ذلك أربعة آلاف خطة، كل خطة عشرون ذراعاً في مثلها، ثم انتدب إليها الناس، فكانت الندبة الأولى من أهل خراسان، وهم ثلاثة آلاف رجل، ثم كانت الندبة الثانية وهم ألف رجل من أهل المصيص، وألف رجل من أهل انطاكيا على زيادة عشرة دنانير من أصل العطاء. وعسكرت الندبتان على باب الجهاد في مستهل عام 172 هـ. إلى أن تم بناء طرسوس وتحصينها وبناء مسجدها الجامع، فأقطع فرج أهل طرسوس الخطط، وسكنتها الندبتان في شهر ربيع الأول عام 172 هـ. |
|
|
أصبحت طرسوس قاعدة الإسلام المتقدمة في بلاد الروم، فتدافع إليها المجاهدون من بقاع العالم الإسلامي، وأصبحت بلدة في غاية العمارة والخصب، تمتد قراها على مساحات واسعة. وأصبح فيها زهاء مائة ألف فارس فيما يزعم أهلها، وليس من مدينة عظيمة من سجستان، إلى كرمان، وفارس، والجبال، وخوزستان، وسائر العراق، والحجاز، واليمن، والشامات، ومصر، إلاّ ولها لأهلها دار أو أكثر ينزلها أهلها إذا وردوها[36] للتجارة أو الجهاد أو العلم، كما أصبح لها وقوفات في سائر بلاد الإسلام، وخاصة في حلب، تمدّها بالأموال لصرفها في حركة الجهاد. وتردها الجرايات والصلات، وتدرّ على أهلها الأنزال والحملان العظيمة الجسيمة، إلى ما كان السلاطين يتكلفونه وينفذونه متطوعين وأصبحت موئلا للصالحين والمجاهدين. وزخرف المدينة بالمساجد الجامعة، والمساجد والمدارس، والربط، والمشاهد والأسواق، وكانت لها شوارع رئيسية تتفرع من أبواب الإمارة كان عرض كل منها ثمانين ذراعاً (40 مترا) وكانت تؤدي إلى أبواب المدينة، وتفرعت من هذه الشوارع دروب وسكك كما هي العادة في المدن الإسلامية. |
|
|
واتخذت أهميتها كموقع جهادي متقدم لاهتمام الرشيد بالثغور
إجمالا، فقد عزلها عن ولاية الجزيرة وقنسرين، وجعلها حيزاَ واحداً، وأقام منطقة
منفصلة أطلق عليها اسم منطقه العواصم[37].
ورتب لها جيشاً دائماً يرابط على طول الحدود، وقام بتحصين وبناء زبطرة وعين
زربة، والهارٍونية، واهتم بعمارة الحدث بعد أن شعّثها
الروم. بل وأراد أن يسكن أنطاكيا ليكون قريبا من الروم، في خطة للقضاء على الإمبراطورية
البيزنطية، ولكنه عدل عن سكناها[38].
ونزل عام180 هـ الرقة واتخذها وطنا[39]،
ليشرف إشرافاً تاماً على الثغور، وعلى الشام التي اتسمت في تلك الفترة بحوادث
العصبية[40].
وبذلك كله أصبحت طرسوس الثغر الإسلامي المتقدم في بلاد الروم، يقوم بواجبه في
الجهاد. إلى جانب أنه القاعدة الرئيسية لانطلاق الجيش
الإسلامي إلى جهاد الروم، فأصبحت شجىً في حلق الروم[41]. |
|
|
ففي عام 181هـ حد قام الرشيد بالغزو بنفسه، وتوجه بعد ذلك بالحج بالناس، وترك ابنه القاسم ليقوم بعملية الفداء باللامس على جانب البحر بينه وبن طرسوس اثنا عشر فرسخاً. وبالفعل قام أبو سليمان الخادم متولي طرسوس بعملية الفداء، ومعه ثلاثون ألفاَ من المرتزقة، وخلق كثير من أهل الثغور وغيرهم من الأعيان والعلماء، وفودي بكل أسير في بلاد الروم. وكان عدة الأسرى 3700 نفس، وقيل أكثر من ذلك[42]. |
|
|
وأغزى الرشيد عام 191 هـ يزيد بن مخلد الهبيرى بلاد الروم في عشره آلاف، فأخذت عليه الروم المضيق فقتلوه في خمسين من أصحابه على مرحلتين من طرسوس، وانهزم الباقون. فولى الرشيد الصائفة الهرثمة بن أعين، وقام هو بنفسه فافتتح هرقلة[43]. وأرسل محمد بن يزيد بن مزيد الشيباتي أشهر قادته إلى طرسوس مرابطاً[44]. فكانت جهود الرشيد قد تركت جرحاً عميقاً في جسد الدولة البيزنطية، وكانت مرابطة طرسوس وأهلها شجىً في حلوق الروم، فلم تستطع بيزنطة أن تفيق منها في سهولة ويسر، يدل على هذا أنها لم تحاول استغلال أَوضاع الدولة العباسية أثناء الفتة بين الأمين والمأمون[45] (193-194هـ). فمكن طرسوس وبقية الثغور من أن تحتفظ بمركزها، بل أن تقوم بدور فعال في الجهاد بنفسها. وظهر إلى جانب المجاهدين من أهلها المتطوعة الذين كان لهم أثر محمود في الجهاد إجمالا، وخاصة في الثغور، وكانوا يُجعلون في جناحي الجيش النظامي، فتكون وظيفتهم الإِحاطة بجناحي العدو، دون أن يختلطوا بالجند النظامي المدرب، أو أن يوكل إليهم أن يغيروا على العدو، قبل نشوب الحرب لإزعاجه في قواعده، وعرقلة تجمعاته، وتخريب مدخراته، وقطع مواصلاته، كما قد يوُكل إليهم مهمة مطاردة العدو عند تقهقره. |
|
|
وقد ظهر دور المتطوعة في الثغور جلياً إبّان ضعف الدولة الإِسلامية، الداخلي، وعدم قدرة الخلفاء على تسيير الجيوش أثناء الفتن الداخلية. وكانت أعمالهم كما عبر عنها الذهبي: تسر قلب المسلم[46]. |
|
|
واستتمت طرسوس أهميتها
في عهد المأمون (198 ، 218هـ). لما اعتلى
"تيوفيل" العرش سأل المأمون الصلح عام 210 هـ، فلم يجب المأمون إذ
كانت الدولة البيزنطية تقف إلى جانب البابكية في أذربيجان، فكتب المأمون إلى
عمال الثغور ومنها طرسوس فساحوا في بلاد الروم، فأكثروا من القتل فدوّخوها
وظفروا ظفرا حسناً إلا أن يقظان بن عبد الأعلى السلميِ أصيب[47].
وفي عام 215 هـ أخذ المأمون ينفذ خطته في ضرب الدولة البيزنطية مستعيدا خطة
الرشيد، فدخل طرسوس في جمادي الأولى في جحافل كثيرة، واتخذها قاعدة للهجوم على
الروم، فدخل بلاد الروم وفتح حصن قرة، وخرشنة، وصملة، ثم رجع إلى دمشق[48]،
لمواجهة بعض المشكلات فعدا"تيوفيل" امبراطور الروم على جماعة من
المسلمين في أرضِ طرسوس عام 216 هـ، وقتل نحوا من ألف وستمائة مسلم. وكتب من
هناك إلى المأمون كتابا بدأ بنفسه. فعاد المأمون مسرعاً، وانطلق من طرسوس إلى بلاد الروم، وفتح هرقلة في عام 216 هـ[49]
واعتمد المأمون خطة الفتح المنظم فحاول أن يتقدم بالثغور إلى ما وراء طرسوس في
بلاد الروم، وأن ينقل مركز ثقل الجهاد من طرسوس إلى الأمام في محاولة لمد
الإِسلام في آسّيا الصغرى، فاستولى على ممرات طوروس ذات الأهمية الاستراتيجية
[50]،
واهتم بتمصير وبناء طوانة عام 218 هـ، وراء طرسوس[51]
ولكنه توفي بالبندرون خارج طرسوس وعلى بعد أربعة مراحل، قبل أن تتم مشروعاته.
فحمله ابنه العباس ونقله إلى طرسوس ودفن بها
[52].
|
|
|
وقام المعتصم (218-227
هـ) بتخريب ما أمر المأمون ببنائه من طوانة، وحمل ما كان فيها من آلة وسلاح
[53].
كما أمر بانسحاب الجيوش الإسلامية إلى طرسوس، وأخلت البلاد التي فتحها المأمون
وراء جبال طوروس
[54].
إذ رأى المعتصم أن الظروف غير مناسبة للامتداد المنظم داخل آسيا الصغرى، ونقل
المدن الممصّرة إلى داخلها، وخاصة بعد اشتداد حركة بابك الخرمي والتنسيق مع
الامبراطورية البيزنطيه[55].
فبقيت طرسوس هي الثغر المتقدم الذي يقوم بعبء الجهاد، وقاعدة انطلاق الجهاد
الإسلامي في آسيا الصغرى وسواحلها. |
|
|
واستغل تيوفيل (215-228هـ- 829 هـ 842 م) امبراطور الروم وفاة المأمون، واشتداد حركة بابك الخرمي، فنسق معه، وهاجم زبطرة، وأوقع بها، وأسر من المسلمات ألف امرأة، ومثل بمن وقع في أسره من المسلمين فقطع آذانهم، وسمل أعينهم[56]. فهب أهل الثغور من الشام والجزيرة، إلا من لم يكنِ له دابة ولا سلاح، وبلغ ذلك المعتصم، فصاح في قصره النفير!، النفير!، ووجه عجيفاً وطائفة من الأمراء لإعانة الثغور، وتحرك بجحافل إسلامية أمثال الجبال، فقد عُبّئ جيشه تعبئة لم يسمع بمثلها، وقدم بين يديه الأمراء المعروفين بالحرب، وسار على رأسهم، فانتهى في سيره إلى نهر اللامس القريب من طرسوس في رجب عام 223 ه. وقسم جيشه إلى ثلاث فرق، سيّر إشناس من درب 155، طرسوس، وأمره بانتظاره في الصفصاف، وانطلق هو على أثره، واستولى المسلمون على أنقرة، ثم تقدموا إلى عمورية (مسقط رأس الأسرة العمورية الحاكمة في بيزنطة (802ه 867 م) وعلى مسافة سبعة مراحل من أنقرة، وحاصر المعتصم عمورية، واستولى عليها، وأمر بهدمها، وأحرقت. وكان نزوله عليها لسِتٍ خلون من رمضان، وأقام عليها -خمسة وخمسين يوما. ولم يستغل المعتصم انتصاره الكبير هذا، بل رجع إلى طرسوس[57]، ليصفي حسابه مع المتآمرين في جيشه، ففوت الفرصة على المسلمين في التقدم إلى القسطنطنية، ولكنه أمر بتحصين قالياقلا، وأمر ببناء زبطرة ورمّها وشحنها [58] فعادتا كما كانتا قبل مهاجمة تيوفيل لهما. وكان تيوفيل استنجد بملوك أوربا وأمرائها.. وهذا أيضا من الأسباب التي منعت المعتصم من استثمار ذلك النصر الكبير. |
|
|
وفي عهد الواثق (228- 232 هـ) تم تبادل الأسرى في المحرم من عام 231 هـ على يدي الأمير خاقان الخادم، على ضفاف نهر اللامس، واشترى الواثق من ببغداد وغيرها من أسرى الروم، وعقد لأحمد بن سعد بن مسلم بن قتيبة الباهلي على الثغور والعواصم، وأمره بحضور الفداء مع خاقان. فحضرت مفاوضات الفداء فرقة عباسية عددها سبعون ألفا من حملة الرماح، فكانت فرصة لإظهار قوة المسلمين. |
|
|
وفي العاشر من محرم اجتمع المسلمون ومن معهم من أسرى الروم على النهرِ، وأتت إلى الروم ومن معهم من أسرى المسلمين، والنهر بين الجانبين، وأقام كل منهما جسرا. فكان المسلمون إذا أطلقوا أسيرا، أطلقوا الروم أسيراً مثله، فيلتقيان وسط الجسر، فإذا وصل المسلم كبر المسلمين ، وإذا وصل الرومي إلى أصحابه صاحوا صيحة الفرح. وكان عدد من افتدي من المسلمين4460 نفساً، النساء وأزواجهن وأولادهن ثمانمائة، ومن أهل الذمة مائة، كانت الدولة تعطي الطليق فرساً وألف درهم[59] وممن أطلق من أسرى المسلمين مسلم بن أبي مسلم الجرمي، وكان من مشاهير أهل الثغور، وعلى معرفة بأهل الروم وأرضهم، وله مصنفات في أخبارهم، وملوكهم، وذوي المراتب منهم[60]. |
|
|
واستمرت طرسوس تقوم بدورها عى رأس الثغور الشامية في تثبيت الإِسلام على حدود الروم، والدفاع عنه طيلة عهد المتوكل (232- 248 هـ) ، وتم فداء عام 240 عند نهر اللامس، بالقرب من طرسوس، وقام به خاقان الخادم، واستمر تبادل الأسرى مدة أربعة أيام، بدل كل نفس نفس، ثم بقي مع خاقان الخادم جماعة من الروم الأسارى، فأطلقهم للروم، حتى يكون له الفضل عليهم[61]. وتم فداء آخر عام 241 في بلاد طرسوس، حضره قاضي القضاة جعفر بن عبد الواحد عن إذن الخليفة المتوكل، واستنابة ابن أبي الشوارب. وكانت عدة الأسرى من المسلمين 785 رجلاً ومن النساء 125 امرأة، فقد كانت أم الملك تدورهٍ (تيودوره) قد عرضت النصرانية على من كان في يدها من أسرى المسلمين، وعددهم نحوا من عشرين أيضا، فمن أجابها إلى النصرانية و إلا قتلته. فقتلت اثني عشر ألفاً، وتنصر بعضهم، وبقي منهم هؤلاء الذين فودوا[62]. |
|
|
وفي عام 245 هـ أصيبت ثغور الشام ومنها طرسوس بزلازل شديدة[63]، فأثر ذلك على قدرتها، ولكن امكانيات الأمة كانت كبيرة فتجاوزت الأزمة. |
|
|
وتمّ الفداء الثالث في عهد المتوكل عام 246 هـ ففودي نحو أربعة آلاف أسير من المسلمين[64]. وأمر المتوكل على اللّه بترتيب المراكب في جميع السواحل، وأن تشحن بالمقاتلة[65] فنالت طرسوس خيرا كثيراً بسبب ذلك ، وأصبحت قدرتها البحرية كبيرة إلى جانب قدرتها البرية، وتستطيع الاعتماد على نفسها، وأخذ المبادرة في حركة الجهاد بنفسها. |
|
|
طرسوس في أوج قوتها- عهد النفوذ المكي 248- 334 هـ: |
|
|
استكملت طرسوس قوتها البرية والبحرية في عهد المتوكل على اللّه، ولمّا قتله القادة الأتراك عام 248 هـ تنافسوا على السلطة، والتسلط على الخلفاء، فدبت الفوضى في مركز الخلافة في الفترة (248-256 هـ) ففقدت الثغور الإمدادات العسكرية، وقامت بعبء الجهاد معتمدة على نفسها، وتعرّضت لكارثة كبيرة عام 249 هـ، باستشهاد أمير المسلمين في الثغور المجاهد عمر بن الأقطع، ومعه ألف رجل، واستشهاد علي بن يحي الأرمني أمير طائفة أخرى من المجاهدين في الثغور. |
|
|
ووصلت أخبار الكارثة إلى بغداد، فجمع أهل اليسار أموالا كثيرة من أهل بغداد، لتصرف إلى من ينهض إلى ثغور المسلمين لقتال العدو، عوضاً عن من استشهد من المسلمين هناك. فأقبل الناس من نواحي الجبال، وأهواز، وفارس لغزو الروم، ذلك لأن الخليفة والجيش لم ينهضوا لقتال الروم[66] فورد طرسوس عدد من المجاهدين رابطوا فيها ومنهم أحمد بن طولون ومعه الخاقاني وكان خصيصاً عنده، وَرَدَها عام 251 هـ[67] ورابط بها، وأدمن على الغزو والجهاد. فحصلت نقطة تحول تاريخي، إذ ظهر دور المتطوعة وأهالي الثغور بوضوح في التصدي للروم، وأصبحت طرسوس تظهر بقوة عظيمة، منها تخرج النجدات لأهالي الثغور، ولا يجرؤ الروم على مهاجمتها. |
|
|
وانتعشت الخلافة في عهد المعتمد (256- 279 هـ) على يدي أخيه أبي أحمد الموفق، الذي واجه حركة الزنج بقوة وجرأة. وولي أحمد بن طولون مصر، وكان يؤثر أن يلي طرسوس ليغزو منها أميراً. فكتب إلى أبي أحمد الموفق يطلب ولايتها، فلم يجبه، واستعمل عليها محمد بن هرون التغلبي، فقتل قبل وصوله. فاستعمل عوضه محمد بن علي الأرمني، وأضيف إليه انطاكيا، فوثب به أهل طرسوسِ فقتلوه. فاستعمل عليها أرخوز بن يولغ بن طرخان التركي، فسار إليها، وكان غرّاً جاهلاَ فأساء السيرة، وأخذ عن أهل لؤلؤة أرزاقهم، وميرتهم، فضجوا من ذلك، وكتبوا إلى أهل طرسوس يشكونه ويقولون: "إن لم ترسلوا إلينا أرزاقنا وميرتنا، وإلا سلمنا القلعة إلى الروم ". فأعظم ذلك أهل طرسوس، وجمعوا من بينهم خمسة عشر ألف دينار، ليحملوها إليهم. فأخذها أرخوز، ليحملها إلى لؤلؤة، فأخذها لنفسه. فسلّموا القلعة إلى الروم. فقامت على أهل طرسوس القيامة، لأنها كانت شجاً في حلق الروم، فلم يكن يحرج الروم في برّ أو بحر إلا ردّوه وأنذروا به. |
|
|
واتصل الخبر بالمعتمد، فقلد أحمد بن طولون طرسوس والثغور، واستعمل عليها من يقوم بغزو الروم ويحفظ ذلك الثغر عام 263 هـ[68]. |
|
|
وقام عبد اللّه بن رشيد بن كاوس عام 264 هـ في أربعة آلاف من أهل الثغور الشامية بدخول بلاد الروم، فلما عاد عن البدندون خرج عليه بطريق سلوقية، وبطريق قرة كوكب، وخرشنة، فأحدقوا بالمسلمين، وقتلوهم إلا خمسمائة فإنهم حملوا حملة رجل واحد، ونجوا على دوابهم. وأسر عبد اللّه بن رشيد بعد ضربات أصابته، وحمل إلى ملك الروم أسيراً[69]. فدخل أحمد بن طولون طرسوس بجيشه، وعزم على المقام بها، وملازمه الغزاة، فغلا فيها السعر، وضاقت عنه وعن عساكره، فركب إليه أهلها، وقالوا له: "ضيقت بلدنا، وأغليت أسعارنا، فإما أقمت في عدد يسير، و إمّا ارتحلت عناية" وأغلظوا له في القول، وشغبوا عليه. وأقنع أحمد أصحابه بالانهزام من الطرسوسيين، والرحيل عن البلد، ليظهر للناس وخاصة العدو أن ابن طولون على بعد صيته، وكثرة عساكره، لم يقدر على أهل طرسوس[70]. ونجحت خطة ابن طولون، فقد زادت هيبة طرسولس في قلب العدو، وأصبحت تظهر بقوة عظيمة، وتخرج منها النجدات إلى الثغور الشامية والجزرية، تهاجم الروم، ولا يجرؤ الروم على مهاجمتها. وظهر فيها عدد من القادة المسلمين الأفذاذ الذين قادوا حركة الجهاد في الثغور، دون أن يتخلصوا من التنافس، والاختلاف، وتأرجح الولاء لأحمد بن طولون أو للموفق أبي أحمد، ومن هؤلاء القادة: سيما الخادم خليفة أحمد بن طولون على الثغور الشامية، وخلف صاحب أحمد بن طولون، ويازمان الخادم مولى الفتح بن خاقان، وأحمد العجيفي، وراغب مولى الموفق، ومحمد بن موسى بن طولون. |
|
|
ففي عام 266 هـ غزا سيما في ثلاثمائة رجل من أهل طرسوس ووصلوا في غارتهم إلى بلاد هرقلة[71]. |
|
|
وفي عام 269 هـ وثب خلف صاحب أحمد بن طولون بالثغور الشامية على يازمان الخادم[72] مولى الفتح بن خاقان، وحبسه. فوثب به جماعة من أهل طرسوس، واستنقذوا يا زمان، وهرب خلف، وتركوا الدعاء لابن طولون، فسار ابن طولون إِليهم ونزل إذنة، واعتصم أهل طرسوس ومعهم يازمان، ورجع عنهم[73] ابن طولون وفقا لخطته الحكيمة، وأرسل إلى يا زمان: "إنني لم أرحل إلا خوفا أن تخترق حرمة هذا الثغر، فيطمع فيه العدو"[74] فزادت ثقة أهل طرسوس في أنفسهم، ففي عام 270 هـ خرجت الروم في مائة ألف، ونزلوا على قلمية، وهي على ستة أميال من طرسوس فخرج إليهم يا زمان في أهل طرسوس، وبيّتهم ليلا في ربيع الأول، فقتل فيما قيل سبعين ألفا، وعدداً من البطارقة، وأخذ لهم سبع صلبان |
|
|
من ذهب وفضة، وصليبهم
الأعظم من ذهب (صليب الصلبوت )[75]
مكلل بالجوهر، وأخذ كثيرا من الغنائم الأخرى[76]. |
|
|
ولجأ المعتضد بن أبي أحمد الموفق إلى طرطوس عام 271
هـ، بعد معركة
الطواحين التي دارت بينه وبين خمارويه بن أحمد بن طالون[77].
فاشتد الصراع بين الموالين للطولونيين ، والموالين
لأبي العباس المعضتد ، والموالين ليازمان الذين كانوا يريدون بقاء طرسوس على
الحياد بين القوى الإسلامية المتصارعة ، وملجأ لمن يريد الرباط ، والجهاد في
سبيل الله . |
|
|
واشتد الخلاف عام272 هـ ، بين أبي العباس ويازمان صاحب طرسوس ، فثار أهل طرسوس
بأبي العباس وأخرجوه منها ، فعاد إلى والده ببغداد[78]. |
|
|
وقام يازمان بالغزو، فوغل
في أرض الروم براً، وبحراً، وغنم عدة مراكب[79]
وجدّد الغزو بأهل طرسوس عام 274 هـ، واستعرض قوة طرسوس ، وعاد سالماً
غانمًا[80].
كما شاركت طرسوس في أحداث الفتن التي تجددت عامي 274، و 5 27 هـ بين أبي الساج،
وخمارويه، وتأثرت بها[81]،
ولكنها لم تمنع يازمان عن الجهاد، فغزا الروم بحراً عام 275 هـ، ودمّر لهم عدة
مراكب[82]. |
|
|
وسار خمارويه على سياسة
والده في تقوية طرسوس، فأمدّ يازمان عام 277 ه بالسلاح والمال، والذهب الكثير،
فمال يازمان إليه[83].
ودخل عام 278 هـ أحمد العجيفي طرسوس، وغزا مع يازمان الصائفة، فبلغوا سلند.
فأصابت يازمان شظية حجر منجنيق في أضلاعه، فارتحل عنها بعد أن أشرف على أخذها،
فتوفي في الطريق، وحمل إلى طرسوس فدفن بها. وفقدت مجاهداً كبيراً. فخلفه أحمد
العجيفي وكتب إلى خمارويه يخبره بموته، فأقره على ولاية طرسوس، وأمدّه بالخيل
والسلاح، والذخائر وغيرها. ثم عزله واستعمل عليها ابن عمه محمد بن موسى بن
طولون. |
|
|
وتوفي أبو أحمد الموفق
في العام نفسه (278 هـ)، وكان له خادم من خواصه يقال له راغب ، فاختار
الجهاد ، وسار إلى طرسوس، على عزم المقام بها. فلما وصل إلى الشام، سير ما معه
من دواب ، وآلات ، وخيام ، وغير ذلك إلى طرسوس مع غلامه
مكنون، وسار هو جريدة إلى خمارية ليزوره، ويعرفه عزمه. فلما لاقيه بدمشق أكرمه
خمارويه وأحبه، وأُسر به، واستحيا راغب أن يطلب منه المسير إلى طرسوس، فطال مقمه
عنده: وظن أصحابه
أن خمارويه قبض عليه، فأذاعوا ذلك، فاستعظمه أهل طرسوس، وقالوا: يعمد إلى رجل
قصد الجهاد معه في سبيل الله فيقبض عليه؟ فثاروا على
محمد بن موسى، وقبضوا عليه، ونهبوا داره، وقالوا: لا يزال في الحبس إلى أن يطلق
ابن عمك راغبا. |
|
|
وبلغ الخبر خماروية،
فأطلع راغباً عليه، وأذن له في المسير إلى طرسوس، فلما وصلها، أطلق أهلها أميرهم.
فتركهم وسار عنهم إلى بيت المقدس فأقام بها وعاد العجيفي إلى ولايتها[84]
وأخذ راغب يلعب دورا في أحداث هذا الثغر الهام، وقام بدور في الجهاد. |
|
|
وتوفي المعتمد عام 279هـ،
وولي الخلافة المعتضد (279-289 هـ) حيث واصلت الخلافة العباسية انتعاشها على
يديه، وتم الوفاق مع خمارويه حين تزوج المعتضد قطر الندى ابنة خمارويه عام 279
من، فاشتد ساعد طرسوس، إذ أخذت الإمدادات ترد من الجانبين، فدخل أحمد بن أبا
طرسوس للغزاة من قبل خمارويه عام 280 هـ، ودخل بعده بدر الحمامي، فغزوا جميعاً
مع أحمد العجيفي أمير طرسوس، حتى بلغوا البلقسون (البوسفو)[85]
ودخل طغج بن جف طرسوس عام 281 هـ، لغزو الصائفة من قبل خمارويه، فبلغ
طرابزون، وفتح بلودية (ملوريا)[86]. |
|
|
وقام أحمد بن طغان بالفداء عام 283 هـ على نهر اللامس ، ومعه راغب ومواليه، ووجوه طرسوس ، والمطوعة ، والقواد بأحسن زي. وبعد الفداء انصرف الأمير ومن معه، وخر ج أحمد بن طغان إلى البحر وخلف دميانة على عمله في طرسوس. ثم وجه بعد يوسف بن الباغمردي على طرسوس ولم يرجع هو إليها[87]. وكان راغب قد ترك الدعاء لهرون بن خمارية ودعا لبدر مولى المعتضد، فأمد أحمد بن طوغان دميانة وقوي أمره وأنكر ما كان يفعله راغب ، فوقعت الفتنة في طرسوس بين راغب ودميانة ، وظفر راغب عام 284 هـ، فحمل دميانة إلى بغداد[88]. فوفد أهل طرسوس على المعتضد، وطلبوا أن يولي عليهم والٍ، فأرسل ابن الإخشيد أميراً على طرسوس من بغداد[89]، فقاد عملية الجهاد، وغزا بأهلها عام 285 هـ، وفتح اللّه على يديه[90]. وقام راغب الخادم بالغزو في البحر[91] ولم تدم إمارة ابن الإخشيد طويلا، إذ توفي عام 286 هـ، واستخلف أبا ثابت عليها. ولما خرج المعتضد إلى الرقة، استدعى راغباً من طرسوس، فقدم عليه، فحبسه وأخذ جميع أمواله، ومات بعد أيام من حبسه، وقبض على مكنون غلام راغب وأخذ ماله بطرسوس[92] فحنق أهل طرسوس على المعتضد، وكانت حركة القرامطة أيضاً قد اشتدت بهجر عام 287 هـ، فطمعت الروم في ناحية طرسوس، واجتمعت، وحشدت العساكر، ووافت باب قلمية من طرسوس، فنفر أبو ثابت أميرها، فلم يقدر على مقاومتهم، وأسروه، وقتلوا من أصحابه جماعة، وأسروا من أسروا. وكان ابن كلوب غازياً في درب السلامة، فلما عاد جمع مشايخ الثغر، ليتراضوا على أمير، فأجمعوا رأيهم على ابن الأعرابي، فولوه أمرهم[93]. |
|
|
وتحرك وصيف ضد المعتضد في الثغور، ولحنق أهل طرسوس على المعتضد كاتبوا وصيفاً، فتوجه المعتضد بنفسه إلى الثغور، وهزم وصيفاً، ثم رحل إلى المصيصة، وهناك أحضر رؤساء طرسوس فقبض عليهم، وأمر بإحراق مراكب طرسوس التي كانوا يغزون فيها، وجميع آلاتها، وكان من جملتها نحو خمسين مركباً قديمة قد أنفق عليها من الأموال ما لا يُحصى، ولا يمكن عمل مثلها، فأضر ذلك بالمسلمين، وفتّ في أعضادهم، وأمن الروم أن يُغزوا في البحر. وكان إحراقها بإشارة دميانة غلام يازمان، لشئ كان في نفسه على طرسوس. واستعمل المعتضد على أهل الثغور الحسن بن كوره، وبماد إلى بغداد[94]، وقد أضرّت سياسته هذه بطرسوس كثيراً وأصبحت تعتمد على جند الخلافة، بدلا من اعتمادها على نفسها في الجهاد، واحتاجت عملية البناء من جديد جهداً ووقتاً وأموالا، وزاد الأمر سوءاً انشغال الخلافة بعد ذلك بحركة القرامطة، وبفتنها الداخلية، فتوجه غلام زرافة إلى طرسوس، بعد تدمير اسطولها، وكان أحد البحارة المسلمين، والمجاهدين الكبار، فجمع أمهر البحارة، وأشدهم بأساً، وأخذ يبني أسطولا جديداً، ويستعد للقيام بغزوات بحرية تعيد لطرسوس هيبتها. كما قام نزار بن محمد عامل الحسن بن علي كوره بغزو الصائفة عام 288 هـ، وأسر عددا من الروم، أدخلهم طرسوس، ثم وجههم إلى بغداد[95]. |
|
|
وتوفي المعتضد عام 289 هـ، وبويع للمكتفي باللّه 2891-295 هـ، وفي عهده اشتد أذى القرامطة، والأعراب، وامتد من هجر إلى الشام[96]، فأثر ذلك على عملية الجهاد في طرسوس، واتجه أهلها إلى المكتفي بالشكوى من واليهم مظفر بن جناح، فعزله المكتفي عام 290 هـ، وولّى عليهم أبا العشائر أحمد بن نصر[97]، الذي خرج مع جماعة من المطوعة للغزو، كما حمل الهدايا من المكتفي إلى ملك الروم[98]. |
|
|
وخرج المكتفي إلى الرقة عام 291 هـ، وأخذ يسرح الجيوش إلى القرمطي، جيشاً بعد جيش، وورده هناك رسول من ملك الروم يسأله الفداء بمن في يده من المسلمين أسرى، ومعهما هدايا، وأسارى من المسلمين، بعث بهم إليه، فأجابه إلى طلبه. وقام أبو العشائر أمير طرسوس بالفداء[99]. |
|
|
ويظهر أن مهمة رسل الروم كانت للتجسس في الدرجة الأولى، فبعد عودتهم وإتمام عملية الفداء، نهض الروم في عشرة صلبان، مع كل صليب عشرة آلاف، وتوجهوا إلى الثغور، وأغاروا عليها، وخرّبوا، وقتلوا خلقاً، وسبوا نساء وذرية من المسلمين[100]. |
|
|
وكان غلام زرافة قد أتم استعداداته البحرية، فهاجم بعسكر طرسوس بلاد الروم من الساحل، وفتح مدينة أنطاكية. وهي أتاليا أو انطاليا- من أعظم مدن الروم على ساحل البحر المتوسط، وخلّص من أسارى المسلمين خمسة آلاف أسير، وأخذ للروم ستين مركبا، وغنم شيئا كثيراً، فبلغ نصيب كل واحد من الغزاة ألف دينار[101]. |
|
|
وعندما أغار "اندرونقس" الرومي على مرعش ونواحيها، نفر أهل المصيصة، وأهل طرسوس عام 292 هـ، فأصيب أبو الرجال بن أبي بكار، في جماعة من المسلمين، فعزل الخليفة أبو العشائر عن الثّغُور، واستعمل رستم بن بردو والياً على طرسوس، وتم على يديه فداء آخر للأسرى، وكان جملة من فودي من المسلمين 1200 نفس[102]. وفي عام 294 هـ، قام نائب دمشق أحمد بن كيلغلغ، بغزو بلاد الروم، ومعه رستم بن بردو بأهل طرسوس، فقتل نحواً من أربعة آلاف، وأسر نحواً من خمسين ألفاً، وأسلم بطريق من بطارقة الروم الكبار، وأطلق نحو مائتي أسير من المسلمين كانوا معه، وقد حاول الروم تتبعه، وفشلوا، ودخل بلاد المسلمين وقدم إلى الخليفة، فأكرمه وأحسن إليه، وقد وصل المسلمون في تلك الحملة إلى قونية، ثم عادوا إلى طرسوس[103] قاعدة غزوهم. |
|
|
ومن نتائج هذا الغزو
الرائع، أرسل إمبراطور الروم إلى المكتفي يطلب الفداء،
وقد ضم الوفد الذي أرسله خال ولده اليون، وبسيل الخادم، ومعهم جماعة، وكتاب إلى
المكتفي يسأله الفداء، وأن يوجه المكتفي رسولاً إلى بلاد الروم، ليجمع أسرى
المسلمين فِى بلاده، وليجتمع هو معه على أمر يتفقان عليه، وتخلف بسيل الخادم
بطرسوس، ليجمع الأسرى من الروم في الثغور ليصيرهم مع صاحب السلطان إلى موضع
الفداء. وأجيب صاحب الروم إلى ما سأل[104].
وتم الفداء بالفعل في ذي القعدة من عام 295 حد قبلَ وفاة المكتفي بقليل، وقام به
مؤنس الخادم، واستنقذ المسلمون نحواً من ثلاثة آلاف من أسراهم[105].
|
|
|
وبوفاة المكتفي عام 295 هـ، انتكست الخلافة مرة أخرى، زمن المقتدر [295-320]، وكان صغير السن، ووقع بين تنافس قادة الأتراك، وألاعيب النساء، ورغم ذلك فقد اهتم المقتدر بالثغور، ففي شعبان من عام 296 هـ خلع على مؤنس الخادم، وأمره بالمسير إلى طرسوس لغزو الصائفة، فخرج في عسكر كثيف، ومعه جماعة من القواد، وغلمان الحجر[106]، وقام عام 297 هـ بغزو الروم عن طريق ثغر ملطية، ومعه أبو الأغر السلمي، وظفر بالروم، وأسر منهم[107]، فطلب الروم المفاداة، ففادى مؤنس الأسارى عام 297 هـ[108]. |
|
|
وفي عام 298 هـ، غزا القاسم بن سيما بلاد الروم، ورجع إلى بغداد بأسارى، بأيديهم أعلام عليها صلبان، وحاول الروم أن يقصدوا اللاذقية بحرا[109]، فردّ رستم أمير الثغور بأن غزا الصائفة ومعه دميانة (غلام زرافة) من ناحية طرسوس، وحصر حصن مليح الأرمني، ثم دخل بلده، وأحرقه[110]. |
|
|
وفي عام 300 هـ قلّد المقتدر مؤنس الخادم الحرمين والثغور، وولىّ بشر بن أبي الساج الأفشيني طرسوس[111]، وقام مؤنس بغزو الروم مع بشر، وأوقع بهم بأساً شديداً، وأسر 150 بطريقا- أي أميرا- عام 301 هـ، وفي عام 302 هـ، وصلت الأخبار إلى بغداد بانتصارات مؤنس وبشر، ففرح المسلمون بذلك[112]، ونال مؤنس لقب المظفر، وأمر المقتدر وزيره علي بن عيسى بالمسير إلى طرسوس، لغزو الصائفة، فسار في ألفي فارس معونة لبشر والي طرسوس، فلم يتيسر لهم غزو الصائفة فغزوا شاتية، وفي برد شديد وثلج[113]. |
|
|
وانشغل جند المسلمين والثغور بأمر الحسين بن حمدان عام 303 هـ، فاغتنم الروم الفرصة، وسار الغثيط على رأس جيش كبير، وأوقع بغزاة من أهل طرسوس والغزاة، وقتلوا نحو ستمائة فارس. ولم يكن للمسلمين صائفة. وسبي من المسلمين في الثغور حوالي 50 ألفاً. فعظم الأمر على المسلمين، فوجه المقتدر بمال ورجال إلى طرسوس. وارتحل الروم بعد وقعات كثيرة[114]. وقام مؤنس المظفر بغزو الصائفة عام 304 هـ من ملطية، وكتب إلى أبي القاسم علي بن أحمد بن بسطام أن يغزو من طرسوس في أهلها، ففعل. وأنكى مؤنس الروم، وفتح حصوناً كثيرة، وأثر آثاراً جميلة، وعتب عليه أهل الثغور وقالوا: "لو شاء لفعل أكثر من هذا"، ولكنه عاد إلى بغداد، فأكرمه الخليفة، وخلع عليه[115]. فوصل وفد من ملك الروم عام 305 هـ إلى بغداد، ومعهم الهدايا، فأكرم المقتدر الوفد، وأدرك مهمة الوفد التجسسية كعادة رسل الروم، فعرض الجيش الإسلامي، عرضا مهيباً رائعاً، وكان يوماً مشهوداً[116]، وسير مؤنس ومعه 120 ألفاً ليحضر الفداء عام305 هـ[117]. |
|
|
وزاد المسلمون من حدة غزواتهم بين عامي 306 و312 هـ، من طرسوس، براً وبحراً. فغزا بشر الإِفشيني عام 306 هـ براً، فافتتح عدة حصون، وغزا ثمال بحرا فغنم وسبى وعاد، ودخل جني الصفواني بلاد الروم، فنهب، وأحرق، وفتح وعاد، وقرئت أخبار الانتصارات على المنابر ببغداد[118]. |
|
|
وأسهم أهل طرسوس بقيادة ثمل الخادم في انقاذ الإسكندرية من البربر عندما هاجموها، واستغاث المسلمون عام 308 هـ[119]. ودخلوا بلاد الروم من جهة ملطية عام 310 هـ فظفروا[120]، وقرئت أخبارهم على منابر بغداد[121]. |
|
|
وهنا يجب ملاحظة أن معظم أعمال الجهاد هذه، كانت استعراضية، وهدفها الدعاية، ولم تحقق شيئاً من تثبيت الإسلام في آسيا الصغرى، أو مدّه. وكان القادة ينالون التكريم العظيم من الخليفة، ومن الأمة، فكان مؤنس الخادم مثلاً يدخل بغداد قادماً من الجهاد، دخول الفاتحين العظام. كما حدث عام 311 هـ[122]. |
|
|
وانقلبت الأوضاع في الثغور عام 313 هـ. فقد تأكد للروم ضعف المسلمين وانشغالهم بحركة القرامطة، وقد عاد مؤنس لحربهم. فكتب ملك الروم إلى أهل السواحل والثغور يأمرهم بحمل الخراج إليه، وإلا قصدهم، فقتل الرجال، وسبى الذرية، وقال: "إنني صح عندي ضعف ولاتكم ". ولما لم يفعلوا، هاجمهم الدمستق، ودخل ملطية عام 314 هـ، ومعه مليح الأرمني صاحب الدروب، وعاثوا فساداً، في بلاد الإِسلام، وطلبت ملطية الغوث من بغداد، فلم يغاثوا[123]. ولكن أهل طرسوس تحركوا للانتقام، فغزوا الصائفة، فغنموا |