طباعة

 توثيق النص

 

 

 

محاولات التحالف بين المغول والصليبيين ضد المسلمين

في القرنين السابع والثامن الهجريين وآثارها

بقلم الدكتور شفيق جاسر أحمد محمود

الأستاذ المساعد بقسم التاريخ الإسلامي

 

 

الحمد للّه رب العالمين الذي منّ على عباده بدينه القويم، والصلاة والسلام على نبيه الأمين سيد العالمين وعلى آلة وصحبه وثمن تبعه إلى يوم الدين.

 

جذور العداء بين المسلمين والنصارى:

منذ أن منّ اللّه تعالى على خلقه بنبي الرحمة وخاتم النبيين محمد صلى الله عليه وسلم، الذي جاء هاديا ومبشرا ونذيرا، ومنذ أن أضاء نور الإسلام جزيرة العرب، ولامست أشعة نوره جوارها من بلاد العراق والشام ومصر والحبشة، اتخذ منه النصارى واليهود موقفا معاديا، فتقولوا عليه الأقاويل، ونالوا منه أبشع نيل، وحاربوه  بألسنتهم وسيوفهم وبذلوا في سبيل ذلك جهدهم.

 {وَيَأْبَى اللَّهُ إِلاَّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ}[1] فعمت الدعوة الإسلامية العراق والشام ومصر وشمال إفريقيا في سنوات معدودة، وزال عنها نفوذ النصرانية ودخل جل أهلها في الإسلاَم. وقبل ذلك زالت اليهودية من الجزيرة العربية فقبعت مذمومة مدحورة في قلوب أهلها.

ولهذا تأججت الأحقاد في قلوب النصارى، ولم تزد الأيام حقدهم وكرههم للإسلام والمسلمين إلا اشتعالا، حيث لم تجد فيهم نظرة الإسلام السمحة إلى الديانات السماوية ومعتنقيها،  واعترافه بأنبياء الله عموما، وما لاقاه أهل الذمة تحت ظـل الإسلام في المشرق، والمغرب من إحسان ورعاية وعدل، وما تمتعت به مقدساتهم من رعاية وحماية واحترام، وما  وفرته الدولة الإسلامية من أمن وحماية لحجاجهم. {وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ}[2].

وزاد العداء النصراني حدة بازدياد ما حققـه الإسـلام من توسـع على حسـاب النصرانية، حيث غزاها في عقد دارها في أرمينية وآسيا الصغرى والأندلس بل وعبر البحر إلى جزر بحر الروم (البحر الأبيض المتوسط) وجنوب فرنسا وإيطاليا، وهدد أكثر من مرة باجتياح عاصمتها الشرقية (القسطنطينية) خصوصا في عهد الأتراك السلاجقة، حيث تمكن سلطانهم المسلم ألب أرسلان من   أن يهزم رأس نصارى الشرق- الإمبراطور رومانوس البيزنطي- في معركة مـلاذكرد عام 463 هـ (1071 م) وأن يهدد العاصمة نفسها.

ففقدت أوروبا صوابها، وبادرت بشن حرب صليبية بشعة حاقدة، اكتوى بنارها الشرق والغـرب مسلمون ونصـارى، قرابة قرنين من الزمان، توجوا خلالها انتصاراتهم بالاستيلاء على القدس من المسلمين، وإقامة مملكـة صليبية دامـت قرابة القرن، على أشلاء سبعين ألف مسلم من سكانها لم ينج منها مخبَّر.

قيض اللّه للمسلمـين النـاصر صلاح الدين الأيوبي، رحمه اللّه، ومن خلفوه من أيوبيين وممـاليك، جاهـدوا في الله حق جهاده، حتى اندحر الصليبيون دون أن يحققوا أهدافهم، ولم يبق منهم إلا جيوب هنا وهناك في صور، وقبرص، وغيرهما، تعلقوا بآمال واهية ارتبطت باحتـمال مساعدة أوروبية صليبية أو مغولية وثنية تعيد إليهم ما فقدوه.

 

ظهـور المغول:

وفي هذه  الأثنـاء التي انحـطت فيهـا قوى الصليبين في المشرق وأوروبا- ما عدا الأندلس حيث كانت هجـماتهم على أشدها- ظهرت قوة طاغية جبارة في المشرق تتفجر عنفا ورغبة في سفك الدماء - أي دماء -[3] هي قوة المغول. وقد نشأوا في هضبة مغوليا بشمال صحراء جوبى، في أواسط آسيا ما بين جنوب سيبريا وشمال التبت  وغرب منشوريا وشرق التركستان. بين جبال التاي غربا وجبال خنجان شرقا[4].

وكـان مؤسس إمبراطوريتهم هو جنكيز خان، الذي نظم الدولة ووضع قانون اليساق[5] ثم لم يلبث أن توفي عام 623هـ (1223م) فانساح خلفاؤه في كل اتجاه، ومنهم مغول إيران الذين انساحوا غربا مع هولاكو وخلفائه فجرفوا ما صادفوه أمامهم وخربوا وهدموا كالعاصفة المدمرة. حتى قال عنهم المؤرخ ابن الأثير المعاصر لتلك الأحداث: "وقد بقيت عدة سنين معرضا عن ذكر الحادثة - خروج التتر إلى بلاد الإسلام - استعظاما لها، كارها لذكرها، فأنا أقدم رجلا وأؤخر أخرى، فمن الذي يسهل عليه نعي الإسلام ! ومن الذي يهون عليه ذكر ذلك ؟! فيا ليت أمي لم تلدني، ويا ليتني مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا… وهذا الفصل يتضمن ذكر الحادثة العظمى والمصيبة الكبرى التي عظمت الليالي عن مثلها، عمت الخلائق وخصت المسلمين… وهؤلاء لم يبقوا على أحد، بل قتلوا النساء والرجال والأطفال وشقوا بطون الحوامل وقتلوا الأجنّة…"[6]

وقد أورد توماس أرنولد، وصفا لقسوة الهجمة المغولية على بلاد الإسلام جاء فيها: "لا يعرف الإسلام من بين ما نزل به من الخطوب والويلات خطباً أشد هولاً من غزوات

المغـول، فقد انسابت جيوش جنكيزخان انسياب الثلوج على قمم الجبال واكتسحت في طريقها الحواضر الإسلامية، وأتت على ما كان لها من مدينه وثقافة لم يتركوا وراءهم من تلك البلاد سوى خرائب وأطلال بالية" [7]

ولم يقتصر المغول في توسعهم على البلاد المسلمين بل توسعوا أيضا في بلاد النصارى كروسيا وبولندا وهنغاريا وغيرها وقتلوا وخربوا، لا يفرقون بين جنس وجنس ولا بين دين ودين، فلا يعني الإسلام ولا النصرانية لهم شيئا [8]

 

نظرة الصليبين إلى المغول:

ومع كل ذلك فقد رأى فيهم النصارى والصليبيون، حليفا طبيعيا، ونعمة ساقها الله إليهم لمساعدتهم في صراعهم التاريخي ضد المسلمين، خصوصا لما رأوه من عنفهم وشراستهم، وسرعة اجتياحهم للبلاد التي قصدوها في عهد إمبراطورهم كيوك، من الصين شرقا حتى أواسط روسيا وإيران وجبال طورس غربا، وما ألحقوه من هزيمة بكيخسرو الثاني سلطان سلاجقة الروم في آسيا الصغرى، وإخضاعهم هيثيوم ملك أرمينية النصراني لسلطانهم [9] فرأوا أن هؤلاء لو تحالفوا معهم أو استطاعوا أن يدخلوهم في النصرانية، فسوف يشكلون قوة هائلة تضغط على المسلمين في الشام ومصر من الشرق، في حين تضغط عليهم أوروبا من الغرب، فيصبحون بين المطرقة والسندان، مما قد يؤدي لاجتثاثهم.

 

بدء الاتصالات بين الصليبيين والمغول:

لهذا بدأ الصليبيون الأوروبيون في الاتصال بإيلخانات المغول، ومراسلتهم وتبادل الهدايا معهم، ودعوتهم إلى الإحسان لرعاياهم من النصارى، واستعدائهم على المسلمين من أيوبيين ومماليك وعباسيين، بل وإلى دعوتهم الصريحة وبإلحاح إلى الدخول في النصرانية [10].

ومن هذه المحاولات ما فعله البابا انوسنت الرابع، innocent 644هـ (1245م) حين أرسل إلى توراكيتا خان في قرة قوروم [11] مبعوثاً هو الراهب الفرنسيسكاني حناّ دي بلانوكاربنيس  john de Plano carpinis   يدعوه للدخول في الديانة النصرانية، فرد عليه مشترطا خضوعه - أي البابا- وخضوع أمراء أوروبا لسلطانه كثمن لذلك[12] فلم يسع البابا قبول هذا المطلب الذي كان ثمنا باهظاً لمطلبه الجريء.

كـما أن البابا انوسنت الرابع نفسه قد أرسل سفارة إلى بيجو زعيم مغول القوقاز تدعوه إلى الدخول في النصرانية. [13] وذلك سنة 644هـ (1246م).

 

موقف الإيلخان كيوك 644 -646 هـ (1246- 1248م) من هذه الدعوة.

يبدو أن هذه المحاولات قد لقيت صدى مبكراً في نفوس بعض الإيلخانات، حيث قيل أن هذا الإيلخان قد اعتنق النصرانية على المذهب النسطوري، وتبعه بعض الوزراء والقواد، مما شكل نصراً مبكراً للنصرانية، لو تم بشكل واسع ومستمر، لأدى إلى دخول المغول في النصرانية، ولكان في ذلك كل الخطر على الإسلام والمسلمين ولأصبحوا كما يتمنى الصليبيون بين فكي كماشة [14].

وكـان عمل كيوك هذا إدراكا منه لأهمية ما يعرضه عليه الصليبيون، ورغبة في استغلاله لصالحه، فقام نائبه على القوقاز وفارس- جغطاي خان- بعرض عقد تحالف مغولي صليبي مع الملك الفرنسي لويس التاسع عام 1248م (646هـ) ضد الخلافة العباسية والأيوبيين والمـماليك في الشام، وذلك خلال مرور لويس التاسع بقبرص في طريقه لغزو دمياط بمصر. وكـان رسولاه إليه راهبـين نسطوريين هما داود ومرقص، وقصده- أي جغطاي- من ذلك إشغال المماليك عن نجدة الخلافة العباسية، التي كان ينوي مهاجمتها[15].

وقد قام لويس التاسع بإرسال رده على هذا العرض مع وفد وجهه إلى أذربيحان- حيث كان جغطاي- ومنها إلى قرة قوروم- حيث كان يقيم الخان الأعظم كيوك- فوصل الوفد بعد وفاة هذا الخان 644 هـ( 1248م)

 

موقف منكوخان 646-655 هـ (1248 -1257م) من محاولات الصليبين:

استقبل منكوخان خليفة كيوك خان، وفد لويس التاسع بفتور، حيث إنه لم يكن ميالا للتعاون معه[16]   ولكن هذا الاستقبال لم يدفع لويس التاسع إلى اليأس، فكرر المحاولة بعد أن هزمه المصريون في المنصورة وأرسل رسولا آخر إلى منكوخان هو وليم روبروك - William of rubruck الراهب الفرنسيسكاني - فوصل العاصمة قرة قوروم، التي كانت تعج بالكثيرين من رسل الملوك والأمراء الذين جاؤوا يطلبون صداقة الخان الجديد، والتحالف معه، ويظهرون له الطاعة ويخطبون وده.

وكان شرط منكوخان للاستجابة لطلب لويس التاسع أن يخضع الملك لويس له فعاد الرسول خائبا في هذه السفارة أيضا.

إلا أن هذا الرسول سمع في قرة قوروم أثناء إقامته بها أخباراً تفيد أن المغول ينوون مهاجمة بلاد الخلافة العباسية والاستيلاء على بغداد نفسها. فبادر لدى عودته إلى عكا بإرسال الخبر إلى لويس التاسع الذي كان قد غادرها إلى فرنسا[17].

وقـام هيثيوم الأول ملك أرمينية الصغرى بمثل ما قام به لويس التاسع من تودد لمنكـوخـان، حيث أرسـل أخـاه سمباد على رأس سفارة إلى عاصمـة المغـول عام 1247 -1248م (645-646 هـ)[18] ثم أتبعها بزيارة شخصية قام بها بنفسه للتأكيد على ولائه لمنكوخان وأصبح تابعا له[19].

وهكذا يمكن اعتبار هذه الاتصالات المتكررة التي أثمرت انحياز منكوخان للنصارى بالعطف عليهم ورعايتهم وبإعلان حمايته للكنيسة، ووعده لهم بأنه سوف ينفذ أخاه هولاكو نحو الغرب ليحطم الخلافة العباسية- رمز الإسلام والمسلمين- ويستعيد الأراضي المقدسة في الشام ويسلمها للصليبيين الذين أخرجوا منها على يد صلاح الدين وخلفائه، حلفاً أثلج صدور الصليبيين وزاد من أملهم في سقوط الخلافة[20].

يمكن اعتبار هذه المبادرة الخطيرة نوعا من التحالف غير المعلن بين المغول والصليبيين ضد المسلمين، لعب في عقده كل من لويس التاسع وهيثيوم الأول الدور الأكـبر، في حين لم يحاول بقايا الصليبين في الشام وقبرص القيام بأي جهد في هذا المجال، فلم يتصلوا قط بالمغول[21] إلا نادراً. منها ما رواه المقريزي: "أن جماعة من الفرنج خرجوا من الغرب وبعثوا إلى أبغا بن هولاكو بأنهم واصلون لمواعداته من جهة سيس في سفن كثيرة... "[22].

وما رواه مفضل بن أبي الفضائل أن صاحب طرابلس بعد أن عقد هدنة مع بيبرس 669 هـ (1271م) توسل إلى أبغا وأرسل إليه يطلب معونته ضد المسلمين، ويصف ما فتحه بيبرس من القلاع والحصون حتى صاح به أبغا "أنت ما جئت إلا لتخوفني منه وتنفرني عنه وتملأ قلوب عسكري رعبا" [23].

بالإضافة لما ذكره بعض المؤرخـين من اتصالات قليله كانت تحدث أحيانا بين الصليبيين بالشام والمغول بقصد شن هجمات محدودة على المسلمين [24] كما حدث عندما أغار الفرنجَ على قاقون بمواعدة التتار [25].

 

التحالف بين المغول والصليبيين في عهد كوبيلان خان 655- 693 هـ (1257-1294م):

خلف كوبيلان خـان، منكوخـان في زعامـة المغـول العظمى، وفي عهـده قام هولاكوخان- وكان وثنيا- باجتياح بلاد خوارزم والاستيلاء على عاصمة الخلافة العباسية بغداد، حيث ارتكب المغول فيها من المجازر مالا زالت النفوس تشمئز منه وتقشعر منه الأبدان، فزاد عدد من قتلوه من المسلمين عن المليون، وهدموا وخربوا عاصمة كانت منار العالم علما وعمرانا وازدهارا، ومع ذلك فلم يقدم على إيذاء النصارى من أهل بغداد بل وضعهم تحت حمايته، وأجاز جاثليقهم النسطوري ووهبه منزل الدفتر دار الصغير[26] وذلك لميله لهم ولتأثير زوجته النصرانية النسطورية دكوزخان [27] كما أقر فعله ابنه أبغا الذي خلفه من بعده [28].

وقد قدر الصليبيون ذلك فتعـاونوا مع المغول في اجتياحهم لبلاد المسلمين حتى اتخذت هذه الحملة طابع الحملة الصليبية [29] فاشتركت فرقة من الأرمن مع المغول في غزو ميافارقين وساهموا في ذبح سكانها من المسلمين والحفاظ على النصارى من سكانها، واشترك هيثيوم الأول، ملك أرمينية الصغرى في وضع خطة غزو بلاد الشام، وطلب منه هولاكو أن  يلاقيه بجيشه عند الرها، ليصحبه معه إلى بيت المقدس فيخلصها من أيدي المسلمين ويسلمها للصليبيين [30] وشارك في هذا التأييد للغزو المغولي بوهيمند السادس أمير أنطاكية وطرابلس الصليبي وزوج ابنة هيثيوم الأول [31] والبابا اسكندر الرابع الذي أرسل سنة 658هـ -1260م إلى هولاكو يهنئه على بطولاته ويدعوه للدخول في النصرانية [32] وسارع مطران اليعاقبة في حلب إلى لقاء هولاكو وبذل جهده في استعدائه على المسلمين[33] لذلك لم يقم هولاكو بالاعتداء على نصارى حلب، ولم يتعرض لكنيسة اليعاقبة في الوقت الذي أحرق فيه مسجدها وذبح معظم أهلها من المسلمين بتحريض من حليفه ومرافقه الصليبي هيثيوم الأول [34].

وأرسل رسالة تهديد إلى قطز جاء فيها: "من ملك الملوك شرقا وغربا القائد الأعظم ... يعلم... قطز الذي هو من جنس المماليك الذين هربوا من سيوفنا إلى هذا الإقليم... أنا نحن جند الله في أرضه،  خلقنا من سخطه وسلطنا على من حل به غضبه... وأسلموا إلينا أمركم قبل أن ينكشف الغطاء... ونحن لا نرحم من بكى ولا نرق لمن شكا... فأبشروا بالمذلة والهوان... فقد حذر من أنذر، وقد ثبت عندكم أن نحن الكفرة وقد ثبت عندنا إنكم الفجرة... " فغضب قطز وقطع رؤوس أعضاء الوفد ما عدا صبي استبقاه مملوكا له [35] ولكن رشيد الدين الهمداني أورد نصا آخراً لهذه الرسالة تضمن نفس المعنى، وذكر أن قطز قتل رسل هولاكو بناء على مشورة بيبرس [36].

وعندما اضطر هولاكو للعودة إلى الشرق مستخلفا على معظم جيشه قائده كتبغا المشهور بميله للنصارى [37] لإكمال مهمته في اجتياح بلاد الشام ومصر، قام هيثيوم الأول ملك أرمينية الصغرى وصهره بوهيمند السادس أمير أنطاكية وطرابلس بمرافقته، ودخلا معه مدينـة دمشق، وطلبا منه أن يغلق مساجدها وأن يحول بعضها إلى كنائس، فأجابها إلى طلبهما رغم استعطاف المسلمين [38].

وتحمس نصارى الشام لهذه الحملة حتى ظنوا أنهم إنما يقومون بدعم حملة صليبية جديدة، فعندما أقبل المغول إلى دمشق نظم النصارى في طرقهم المواكب الكبيرة، وأخذوا يرتلون التراتيل النصرانية، واستطالوا على المسلمين، حتى وصف أبو الفداء ذلك فقال: "واستطالوا على المسلمين بدق النواقيس وإدخال الخمر في الجامع الأموي" [39] وروى المقريزي في حوادث سنة 658هـ ما نصه "استطال النصارى بدمشق على المسلمين، وأحضروا فرمانا من هولاكو بأمرهم وإقامة دينهم، فتظاهروا بالخمر في نهار رمضان، ورشوه على ثياب المسلمين في الطرقات، وصبوه على أبواب المساجد، وأمروا أصحاب الحوانيت بالقيام إذا مروا بالصليب عليهم. وأهانوا من امتنع عن القيام للصليب، وصاروا يمرون به في الشوارع إلى كنيسة مريم، ويخطبون في الثناء على دينهم وقالوا جهرا: ظهر الدين الصحيح دين المسيح. فقلق المسلمون من ذلك وشكوا أمرهم إلى كتبغا، فأهانهم وضرب بعضهم، وعظم قدر قسوس النصارى. ونزل إلى كنائسهم وأقام شعائرهم[40]".

وفي عام 659هـ (1260م) جهز الظاهر بيبرس جيشا لطرد المغول من حلب، وعندما وصل الجيش إلى غزة، كتب الفرنجة إلى المغول يحذرونهم فرحلوا عنها مسرعين [41].

 

الإيلخان أباقا (ابغاخان) بن هولاكو: 665- 681هـ (1265- 1282م)

وفي عهد أباقا بن هولاكو ازدادت هجمة النصارى عليه محاولة إدخاله في دينهم، فأرسل إليه أربعة من البابوات هم كليمنت الرابع، وجريجوري العاشر، ويوحنا السادس والعشرون، ونقولا الثالث، يحضونه على الدخول في النصرانية [42] فتزوج من امرأة نصرانية هي مارية ابنة الإمبراطور البيزنطي ميشيل باليوغولوس التي سماها المغول باسم (دسينا)، وأظهر ميلا للنصارى وعطفا عليهم، فأقر إعطاء دار الدفتردار الصغير في بغداد للجاثليق النسطوري.

وطمـع أباقا بمساعدة النصارى الأوروبيين فأرسل إلى ملك إنجلترا إدوارد الأول 673 هـ (1274م)[43] في ذلك فرد عليه يعده خيراً ويوصيه بالنصارى.

كـما أرسل إلى فيليب الثالث ملك فرنسا يطلب منه التعاون معه في محاربة المـماليك، فرد عليه واعداً إياه بالمساعدة[44] كـما وراسل إلى جيمس الثاني ملك أرغونة واتفق معه على إعداد حمله صليبيه ضد المماليك، وتوجهت هذه الحملة فعلا ولكنها فشلت بسبب كبر سن جيمس الثاني، وتحطم سفنه في الطريق[45].

وعندما عقد مجمع ليون عام 1274م (673 هـ) حضره مبعوثان من قبل أباقا عرضا على المجتمعين مشروع تحالف صليبي مغولي، وتم تعميدهما نصرانيين دون أن يجابا إلى طلبهما[46].

 

الإيلخان أحمد تكوادر (أحمد بن هولاكو):

لقد شذ هذا الإيلخان الذي تولى السلطة عام 681 هـ (1282م) عن سابقيه في الميل للنصارى والرغبة في التحالف مع الصليبيين ضد المسلمين، فلم يلبث بعد توليه الحكم بعد أباقا خان، أن دخل في الإسلام، رغم أنه كان نصرانيا منذ طفولته، وأنه سبق أن عمد باسم نقولا، فسمى نفسه أحمدا، وأرسل رسله إلى بغداد وسلطان مصر المملوكي، يخبرهم بإسلامه ويعرض عليهم التحالف وإنهاء العداء التقليدي بين المغول والمسلمين. ولكنه لم يلبث في الحكم سوى ست سنـوات حيث ثار عليه بعض قادته وقتلوه عندما حاول نشر الإسلام بين شعبه[47].

 

الإيلخانات أرغون وكيخانو وبايدو:

تولى إرغون السلطة بعد أحمد تكوادر عام 688 هـ (1288م)[48] عن طريق الجيش، وكـان كأبيه محبا للنصارى، فعمل على الحد من نفوذ المسلمين في الدولة، وأبعدهم عن المراكز الهامة وعن الظهور في بلاطه، وغالى في عدائه لهم حتى أعلن بتأثير من وزيره اليهودي سعد الدولة أنه سيعمل على جعل مكة معبدا وثنيا، ولكن اللّه تعالى أخذه أخذ عزيز مقتدر هو ووزيره الغاشم[49].

وكان قبل موته قد اتصل بالملك إدوارد الأول ملك إنجلترا مقترحا عليه شن هجوم مشـترك على الأراضي المقـدسـة من الشرق والغرب، ولكن الملك الإنجليزي اعتذر إليه بانشغاله بالحروب الاسكتلندية.

وكرر عرضه هذا على فيليب الرابع ملك أرغون عام 688 هـ (1289م) مقترحا عليه التعـاون في غزو مصر، ويعده بمنحة دمشق وكثير من الخيول والإمدادات، ويعلمه بأن ملكي بلاد الكرج[50] سينضمان إلى حلفهما، وحدد لبداية الغزو شهر محرم 690 هـ (1291م)[51].

وكان الإِيلخان كـيخانوا خليفة أرغون مؤيدا للنصارى كسابقيه[52] إلا أنه اتبع أسلوبا معتدلا في ميله إليهم، وصار يظهر شيئا من العطف على المسلمين، فأعفى آل البيت من دفع عامة الضرائب[53] وكتب شعارات إسلامية على عملته، حيث كتب على أحد وجهيها "لا اله إلا الله محمد رسول اللّه"[54].

أما الإيلخان بايدو الذي خلف كيخانوا فقد كان ظاهر الميل والتأييد للنصارى بتأثير من دسبينا زوجة أباقا خان، التي كانت لا تزال على قيد الحياة، وكانت ذات تأثير شديد عليه، حيث كان يقضي معظم وقته عندها. فقام بتعليق صليب فخم في عنقه، وسمح للنصارى ببناء الكنائس وقرع أجراسها في معسكره، وعاقب بشدة كل من يحاول الدخول في الإسلام من المغول، ومع هذا فإنه كان يحاول إظهار الاعتدال تجاه المسلمين، فيرسل ابنه ليصلي كما يصلون[55].

 

الإيلخان غازان (قازان): 694- 4 70 هـ (1295- 4 130 م)

كان هذا الإيلخان في أول عهده بوذيا، ثم اعتنق الإسلام أثناء ولايته للعهد، وذلك في الرابع من شعبان عام 694 هـ (1295م)[56] فكان ذلك مفاجأة كبرى وانتصاراً غير متوقع للإِسلام على المحاولات النصرانية لتنصير المغول. لأن هذا الخان فور ارتقائه العرش جعل الإسلام دين الدولة الرسمي، وأدخل في الإسلام عدداً كبيرا من قبائل المغول. ودخل من جيشه في الإسلام عشرة آلاف وقيل مائة ألف من القادة[57].

وقد اختلف في سبب إسلامه ومدى إخلاصه، فقيل أنه أسلم لكسب تأييد المسلمين الذين يؤلفون غالبية شعبه ضد عدوه وعدوهم بايدو. وقيل كان بضغط وإلحاح من قائده نوروس، وتوسلات من بعض أمرائه وبعض المشايخ.

ومهما كان السبب وحتى لو كان إسلامه في البداية سياسيا، فإن من الثابت أنه فيما بعد قد أصبح مسلما حقيقيا، وذلك بشهادة رشيد الدين، أحد معاصريه ووزرائه، فقد ذكر أنه كان يشك في صحة إسلام غازان ولكنه تأكد فيما بعد من صحته من حديث جرى بينه وبين غازان حول الذنوب والأوثان[58].

وقد عرف عنه إنه تعلم شرائع الإسلام فصلى وصام وانقطع عن الولاء لخاقان التتار ألغى اسمه عن عمله إيران.

ومـع ذلـك فإن غازان قد حارب المـماليك المسلمـين، وقيل أنـه حاول الاستعانة بالنصارى ضدهم واعداً إياهم أن يرد إليهم الأراضي المقدسة عندما يستخلصها، فراسل البابا بانونيفاس الثامن ودعاه لشن حرب صليبية ضد المـماليك سنة 699 هـ (1300 م) واعداً إياه وملوك أوروبا بإعطائهم فلسطين ثمنا لذلك [59].

وقد استجاب له جيمس الثاني ملك أرغونة وأرسل إليه سنة 698 هـ (1299م) يهنئه بانتصاراته ويعده بإمداده بالسفن ويعلمه بأنه سمح لمن يرغب من رجاله بالانضمام إليه. كـما زعم بعضهم أن غازان عرض على الأوروبيين أن يعتنق النصرانية في سبيل الحصول على مساعدتهم ضد المماليك[60].

هذا وقد قام الإيلخان خدا بنداه خان خليفة غازان[61] 703 هـ (3 هـ 1303 م) والذي كان مسلماً منذ 694 هـ (1294م) ويلقب بغيات الدين محمود بالاتصال بالملك الناصر قلاوون، وتصالح معه وأظهر تراجعا عن سياسة سلفه[62].

ثم إنـه لم يلبث في أواخـر عهـده أن عاد لمعاداة المـماليك والاستعانة بأوروبا ملوكا وبـابـوات ضدهم، فاتصل بالبابا كليمنت الخامس، والملك إدوارد الثاني ملك إنجلترا، والملك فيليب الجميل ملك فرنسا، محاولا الاستعانة بهم ضد المـماليك[63].

وحاول إعانة بعض الأمراء المتمردين، فذكر المقريزي بأنه أعد حملة هدفها الشام مع الأميرين سنقر والأقرم الهاربين من الملك محمد بن قلاوون، ثم لم تلبث هذه الحملة أن فشلت وتخلت عن مهمتها بعد أن سمعت بخروج السلطان لملاقاتها[64].

ومنذ عهد الإيلخان أبي سعيد الذي خلف خدا بنداه سنة 716 هـ (1316م) الذي كف عن معـاداة المـماليك، وصـادق الناصر محـمد بن قلاوون وراسله وهاداه وعقد معه اتفـاقيات فتحـا بموجبها حدودهما للتجارة، وتعهد له الناصر بحماية الحجاج الإيرانيين والمحمل اللإيلخاني[65] وتبعه في ذلك خلفاؤه من الإيلخانات الذين ضعف شأنهم وانشغلوا بنزاعاتهم على العرش، لم يعد التاريخ يعلمنا بغارات مغولية على الشام بل انعكس الحال فصار بعض المـماليك يحاولون التوسع في أراضي الإيلخانات[66].

 

موقف مغول القفجاق (القبيلة الذهبية) من المماليك المسلمين.

يطلق اسم القفجاق (القبشاق) أو (القبيلة الذهبية)  golden horde  على المغول الذين أقاموا في البلاد التي منحها جنكيزخان قبل وفاته لابنه الأكبر جوشي. وتشمل سهول جنوب روسيا وأقصى غرب آسيا وسيبيريا فيما بـين نهر آتش والسواحل الجنوبية لبحر قزوين. وسمى هؤلاء باسم القبيلة الذهبية لأن خيام معسكراتهم كانت ذات لون ذهبي.

انقسمت هذه الدولة بعد جوشي 624 هـ (1227 م) بين أولاده الأربعة عشر الذين كانوا بزعامة أكبرهم أوردا، ثم سيطر أخوه باطو على القسم الغربي من المملكة الذي سمى باسم القبيلة الزرقاء أو القبشاق الغربي، واقتصر حكم أوردا على القسم الشرقي الذي عرف بالقبيلة البيضاء.

ولما كان باطو هذا على قدر من الشجاعة والقوة فقد غزا أوروبا، وتوغل في روسيا وبولندا والمجر 625-640 هـ (1227 -1242م) وحمل اسم خان القبيلة الذهبية بشكل عام وطغى اسمه على اسم أخيه أوردا [67].

وخلف باطو خان ابنه طرطق خان الذي توفي في نفس السنة ليخلفه ابن أخيه وهو بركة خان بن ناظو خان بن جوشي 1256 -1267م (656-666 هـ) الذي اعتنق الدين الإسلامي على يد أحد التجار، فجعل الإسلام دين الدولة الرسمي وأظهر شعار الإسلام وقرب العلماء، كـما أسلمت زوجته وبنت لها مسجدا. ورغم محاولات البعض التشكيك في صحة إسلامه إلا أن التاريخ يعلمنا أنه أسلم منذ صغره، وإنه حفظ القرآن الكريم، وإن جيشه كان مسلما يحمل كل فرد سجادة صلاة وهذا أغضب خصومه حتى تآمروا عليه[68].

وبما أن هذه القبيلة كانت على عداء دائم مع أقربائهم وجيرانهم مغول فارس الذين " كان يتزعمهم هولاكو وخلفاؤه، بسبب خلافاتهم على الأرض وعلى زعامة المغول، فإنه كان من الطبيعي أن يتعاون القفجاق مع أكبر دولة إسلامية تحمي الإِسلام والمسلمين وهي دولة المـماليك، العدوة الطبيعية لأعدائهم مغول إيران، كـما كان من الطبيعي أيضا أن يتحالف مغول إيران مع الصليبيين أعداء المـماليك.

وازدادت حاجـة كل منهـما إلى حليفه بازدياد الصراع بين هولاكو وبركة خان عام 661 هـ (1262م) عندما هزم بركة خان زعيم القبيلة الذهبية هولاكو خان زعيم مغول إيران، فقام هولاكو بالانتقام من تجار من القفجاق تابعين لبركة خان بأن قتلهم في بلاده، فأغضب ذلك بركة خان فأمر أفراد جيشه الذين كانوا يحاربون مع هولاكو أن ينضموا إلى الظاهر بيبرس ففعلوا[69].

وقد وصف القاضي محي الدين بن عبد الظاهر (620-622 هـ)[70][71]  وهو معاصر للأحداث. وصول هؤلاء الجنود الفارين من جيش هولاكو فقال: "وصل كتاب الحاج علاء الـدين- متولي دمشق سنة 660 هـ (1262م) بأن الكشافة وجدوا جماعة كبيرة من التتار مستأمنين وافدين إلى الباب الشريف لأنهم من أصحاب الملك بركة وكانوا نجده عند هلاون (هـولاكو) فلما وقـع بينهما كتب الملك بركة إليهم بالحضور إليه وإن لم يقدروا على ذلك ينحازون إلى عسكر الديار المصرية، ويذكرون أن العداوة قد استحكمت بينهما، وأن ولد هلاون قتل في المصاف، وإنهم فوق المئتي فارس، فكتب السلطان إلى النواب في الشام بإكرامهم وحمل الخلع إليهم وإلى نسائهم وأحسن إلى مقدميهم الأربعة... وخرج السلطان للقائهم... فكان يوما عظيما، ورأوا من كثرة العساكر وكثرة العالم شيئا بهر عقولهم... وبلغ التتار ذلك فتوافدوا جماعة بعد جماعة والسلطان يعتمد معهم هذا الإحسان "[72].

وكانت العلاقات قد توطدت بـين بيبرس وبركة خان[73] حيث لم يكد بيبرس يسمع بإسلام بركة خان حتى كتب إليه يغريه بقتال هولاكو ويرغبه في ذلك[74].

ويصف صاحب الروض الزاهر سفارة بركة خان إلى الظاهر بيبرس بأنها كانت مكونة من الأمـير جلال الـدين بن القـاضي والشيخ نور الدين علي، عن طريق الإسكندرية، ويحملون رسالتين "مضمونهما السلام والشكر وطلب الإنجاد على هلاون (هولاكو) والإعلام بـما هو عليه من مخالفة جنكيزخان وشريعة أهله، وأن كل ما فعله من إتلاف النفوس بطريق العدوان منـه "وإنني قد قمت أنـا وإخوتي الأربعة بحربه في سائر الجهات، لإِقامة منار الإسـلام وإعادة مواطن الهدى إلى ما كانت عليه من العمارة، وذكر اللّه والأذان والقراءة والصلاة وأخذنا ثأر الأئمة والأمة" ويلتمس إنقاذ جماعة من العسكر إلى جهة الفرات لإمساك الطريق على هلاون، ويوصي على السلطان عز الدين صاحب الروم ويستمد مساعدته [75]".

ورد السلطان الظاهـر بيبرس على رسـالـة وسفـارة الملك بركه خان يخبره بأحوال المسلمين، وبمبايعة الخليفة العباسي وبأنه أمر بأن يدعي له في خطب مكة والمدينة المنورة والقدس وحمل رسله بالهدايا الثمينة[76]. وذلك في عام 661 هـ (1261م).

وعنـدمـا عاد وفـد بيـبرس من بلاد الملك بركـة خان ذكروا أنهم رأوا في بلاده لكل أمير عشرة مؤذن وإمام، ولكل خاتون مؤذن وإمام، وأن الصغار كانوا يتلقون القرآن العزيز في المكاتب[77].

وفي أواخر عام 661 هـ (1261م) وصـل حوالي ألف وثـلاثـمائة فأرسل مغولي من المستأمنين فاستقبلهم السلطان بيبرس وعرض عليهم الإسلام فأسلموا، وتكرر بعد ذلك وصول جماعة منهم[78].

واشتعلت نار الحـرب بـين بركـة خان وعـدوه هولاكو، وتوفي هولاكو سنة 663 هـ (1265م) وخلفه ابنه أبغا، فقاتله بركة خان حتى هزمه[79].

وتوفي بركة خان عام 665 هـ (1266م)، وخلفه منكوتمر، فواصل سياسة سلفه في نشر الإسلام بين المغول والتحالف مع المـماليك ضد مغول إيران، فقام بمحاربة أبغا بن هولاكو فهزمه وخلص منه الأسرى، مما قوى معنويات المسلمين وشجعهم على الاستبسال في محاربته، ولم يكتف بذلك بل قدم بنفسه ليساعد المـماليك في قتاله واستعادة أرض المسلمين من أيدي المغول.

وعنـدمـا توفي سنـة 680 هـ (1281م) خلفـه أخـوه تدان منكو، الذي دخل في الإسلام، وأرسل يبشر قلاوون بذلك ويطلب منه أن يلقبه بلقب، ويجهز له علم الخليفة وعلم السلطان ليقـاتـل بهما أعـداء الإِسلام، فلبى السلطان قلاوون طلبه سنة 682هـ (1283 م)[80] وأرسل له هدية قيمة وأموالا[81] ولكن تدان لم يلبث أن تنازل عن عرشه وتزهد وانقطع للعبادة، ومصاحبة العلماء، فخلفه ابن أخيه تولا يوغا بن منكوتمر بن طوغان 686هـ (1287م)، ولكنه ما لبث أن مات غيلة سنة 690هـ (1291م) على يد طقطقا (طقطاي) الـذي كان على دين المغول والذي حكم حتى عام 713 هـ (1314 م) فعمت في عهده المجاعة[82] وأرسل طقطاي هذا إلى الملك الناصر محـمد بن قلاوون عام 704 هـ (1304م)، فطلب محالفته ضد غازان، فاعتذر إليه حيث أن خدا بنده أخو غازان قد تولى الحكـم وعقد معه الناصر صلحا، وكرر طلبه عام 713 هـ (1313م) عندما هاجمه خدا بنده وهزمه فوعده الناصر باستعادة بغداد وإعادة الخليفة العباسي إليها.

وهكـذا استمـرت العـلاقـات بين خليفـة طقطاي وهـو أزبـك 713- 741 هـ (1313- 1340م)، وابن أخيه، الذي أسهم في العمل على نشر الإسلام فصاهره الملك الناصر ودامت العلاقة جيدة بين المـماليك وخانات القبيلة الذهبية فيما بعد.

 

نتائج محاولات التحـالف:

مما سبق نرى أنه لم يتم عقد تحالف فعلي فعال بين المغول من جهة والصليبيين في أوروبا والشام وآسيا الصغرى من جهة أخرى، وذلك راجع لأسباب متعددة تتعلق بكل منهما.

فالأوروبيون كان أملهم ضعيفا في استراد الأراضي المقدسة بعد أن حاولوا ذلك سنين طويلة، بالإضافة لانشغالهم بخلافاتهم الداخلية، وكون دولتهم لازالت في دور التكوين والنشوء في ظل حركة القوميات الحديثة[83]. فلم تكن إيطاليا موحدة، وكذلك ألمانيا، وكانت أرغون وصقلية مشغولتين بصراعهما.

والمغـول في إيران كانوا حكـامـا لبلاد إسلامية من الصعب عليهم- كحكام غير مسلمين- السيطرة على شعوب مسلمة لفترة طويلة وسوقها لمحاربة مسلمين، مما كان يضطر بعضهم إلى مصـانعـة المسلمين، ويضطر البعض الآخر إلى اعتناق الإسلام ومصادقة المـماليك، ومحاولة الابتعاد عن الأوروبيين، ولا يخفى أن اعتناق بعض الإلخانات للإسلام كان يتسبب في فتور همته في عدائه للمسلمين.

يضاف إلى ذلك أن تحالف مغول القبيلة الذهبية المتواصل مع المـماليك وتعاونهم الفعلي معهم لدفع خطر أقربائهم مغول فارس، وتهديدهم لحدودهم، كان يخفف من حدة توجه هؤلاء نحو بلاد الشام ويشل قوتهم.

أما نصارى الشرق فقد وقفوا مواقف متفاوتة من المغول والأوروبيين فقد أحجم بقايا الصليبيين في الشام عن التعاون معهم، ونظروا للمغول نظرة شك وخوف، بل وتعاونوا أحيانا مع المـماليك ضدهم، بينما اقتصر تعاون نصارى بلاد الشام مع المغول على إظهار السرور بانتصاراتهم وإظهار الشماتة بهزائم المسلمين بطرق غوغائية، واحتفالات مهرجانية لا يلبثون أن يتلقـوا العقوبة عليها. ولم تكن جهودهم تتجاوز ذلك لأن خبرتهم التاريخية أقنعتهم بعدم جدوىَ ذلك[84].

أما الدولة البيزنطية فلم يكن لديها من القوة ما يمكنها من تهديد المـماليك[85] جيرانها، بالإضافة إلى أن المغول وحلفاءهم لا يقلون عداءً لها عن المسلمين. وكانوا يدركون أن النصر سيكون حليفا للمماليك على المدى البعيد، كـما أدرك ذلك بعدهم ملك أرغون فسارع إلى طلب صداقة السلطان محـمد بن قلاوون في عدة سفارات في سنوات 1303، 1305، 1314، 1318م (702، 704، 714، 718 هـ).

ولم يكن حليفا للمغول إلا دولتي أرمينية الصغرى وبلاد الكرج، وهؤلاء كانوا أقرب إلى التـابعين للمغول منهم إلى حلفائهم، حيث كانوا تحـت سلطة المغول كتابعيـن أذلاء لا يملكون من أمرهم شيئا.

وهكذا لم يرد اللّه تعالى لهذه المحاولات الخبيثة أن تتم، لأنه لو تمت لأدى ذلك إلى نتائج لا يعلمها إلا الله، إذ لو دخل مغول إيران في النصرانية فلربـما جروا إيران إلى التنصر، مما كان سيؤدي لنشوء دولة صليبية في المشرق تقوم بالتعاون مع الصليبيين في الغرب والشمال بوضع بلاد الشام ومصر في وضع خطير ولكن اللّه سلم فله الحمد أولا وأخرا.

 
المماليك

647هـ-1250م

شجرة الدر

647هـ -1250م

المعز، عز الدين أيبك

656هـ -1259م

المنصور نور الدين علي أيبك

659هـ-1259م

المظفر سيف الدين قطز

660هـ - 1260م

الظاهر ركن الدين بيبرس البند قداري

679هـ - 1279م

السعيد بركة بن بيبرس

679هـ - 1279م

سلامش بن بيبرس

679هـ - 1280م

سيف الدين قلاوون

689هـ -1290م

خليل بن قلاوون

693هـ -1294م

الناصر محمد بن قلاوون

694هـ - 1225م

العادل كتبغا

696هـ - 1297م

حسام الدين لاجين

698هـ -1299م

الناصر محمد بن قلاوون (للمرة الثانية)

709هـ -1309م

عز الدين بيبرس (الثاني)

709هـ - 1309م

الناصر محمد بن قلاوون (للمرة الثانية)

 
خانات المغول

603هـ -1206م

جنكز خان

624هـ -1227م

اوكتياي (أجتاي)

639هـ -1241م

توراكينا

644هـ -1246م

كيوك

644هـ -1246م

اوغول قيمتس (وصيه)

646هـ -1248م

صوتكو (مانجو)

655هـ -1257م

قوبيلاي

693هـ -1294م

اولجاتيو

706هـ -1307م

كيويوك

711هـ -1311م

بويانتو

720-732 / 1320-1332

جحن الى توغان تيمور

 
إيلخات فارس
655هـ-756هـ / 1256- 1353م

655هـ -1256م

هولاكو

665هـ -1265م

أباقا

681هـ -1282م

أحمد تكوادر

688هـ -1288م

ارغون

690هـ -1291م

كيختو

694هـ -1295م

بايدو

649هـ-1295م

غازان محمود

703هـ -1304م

اولجايتو خدا بنده محمد

717هـ -1317م

أبو سعيد بهادر

735هـ -1335م

أربا كماون (معز الدين)

736هـ -1336م

موسى

 
خانات القبيلة الذهبية

623هـ -1226م

جوجي

 

فرع باتو خانات القبيلة الزرقاء

 

جنوب روسيا وغرب بلاد القبجاق

639هـ -1227م

باتو جوجي

654هـ -1255م

سارتاق

655هـ -1256م

اولاغجي

656هـ -1257م

بركة بن جوجي

666هـ -1267م