|
|
كتاب تصحيح العمدة
|
|
أبو عبد اللّه بدر الدين محمد بن عبد اللّه المنهاجي الزركشي |
|
دراسة وتحقيق |
|
الدكتور مرزوق بن هياس آل مرزوق الزهراني |
|
أستاذ مساعد بقسم الدراسات العليا |
|
|
|
المقدمـة |
|
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه،
ونستغفره، ونعوذ باللّه من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا
مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا اللّه، وحده لا شريك له،
وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. |
|
{يَا أَيُّهَا
الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ
وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ}
[1]. |
|
{يَا أَيُّهَا
النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ
مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا
اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ
عَلَيْكُمْ رَقِيب}[2]. |
|
{يَا أَيُّهَا
الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً
[3] يُصْلِحْ
لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ
وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً}[4]. |
|
اللهم صل وسلم وبارك على عبدك
ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين. |
|
أمـا بعـد: |
|
فإن كتاب تصحيح العمدة للإمام بدر
الدين الزركشي ألفيته كتاباً نافعاً ومفيداً فهو أحد الجهود العظيمة التي بذلها
المصنف في خدمة هذا الدين ففيه نكت جيدة تنبئ عن همة عظيمة وعزم لا ينثني لدى
علماء الأمة المحمدية بتِوخي الدقة في النقل، وسلامة الرواية وتحرير الألفاظ،
حتى تكون السنة المطهرة أقرب ما تكون للفظ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم، ولا
يجوز أن تخرج عن المعنى الذي أراد، ولا غرابة في مطاردة العلماء كل شاردة من
كنوز السنة واستقبالهم كل واردة منها، فهي المصدر الثـاني من مصـادر الشريعة
الإسلامية لذا وجبت العناية بدقائقها وتوخي الدقة والأمانة في تلقيها ونقلها هذا
ما حفز الإمام الزركشي رحمه اللّه أن يعني بكتاب عمدة الأحكام للإمام الحافظ عبد
الغني المقدسي رحمه اللّه، ويأخذ شرطه ميزاناً يطبقه على كل حديث أورده في
العمدة وقد استطاع الزركشي رحمه الله أن يستدرك ستة وسبعين موضعاً من مجموع
أربعمائة وسبعة أحاديث. وتلك المواضع التي سجل فيها الزركشي اعتراضاً أوافقه
فيها سوى ستة مواضع فقد سجلت الرأي مدعماً بما يؤيده ولقد كانت جولة ممتعة مع
الحوار الهادف المفيد وكانت محاور الحوار[5]
تارة تدفعنا إلى صحيح الإمام البخاري، وأخرى إلى مسلم، وثالثة إلى العمدة وإلى
عشرات المصنفات والشروح كل ذلك بحثاً عن الدقة والسلامة في اللفظ والمعنى وسيجد
القارئ الكريم ما تسعد به نفسه في الجانب الحديثي، والجانب اللغوي من هذا الكتاب
النفيس، وقد رأيت تقسيم العمل في هذا الكتاب إلى تمهيد وثلاثة أقسام وخاتمة. |
|
التمهيد وفيه كلمة موجزة عن
الصحيحين وعناية الأمة بهما، ثم عمدة الأحكام. |
|
القسم الأول وفيه فصلان: |
|
الفصل الأول ترجمة الإمام الزركشي
في مباحث. |
|
الفصل الثاني ترجمة موجزة للمقدسي. |
|
القسم الثاني وفيه فصلان: |
|
الفصل الأول بيان عملي في الكتاب . |
|
الفصل الثاني تسمية الكتاب ووصف
النسخ الخطية. |
|
القسم الثالث تحقيق نصوص الكتاب. |
|
ولعلم القارئ الكريم فإني استخدمت
الرموز التالية: |
|
أ- النسخة الخطية المعتمدة في
التحقيق. |
|
ب- النسخة الخطية الثانية. |
|
برهان الدين هو ابن خضر تلميذ
الحافظ ابن حجر صاحب التعليقات على النسخة الأصل ( أ). |
|
عبد الكريم هو عبد الكريم بن عبد
الله الشريف المكي، مالك النسخة الأصل. |
|
قال شيخنا: الحافظ ابن حجر والقائل
قال شيخنا برهان الدين بن خضر. |
|
م - مسلم في صحيحه. |
|
صف - صحيح البخاري مع الفتح. |
|
خ - البخاري في صحيحه. |
|
وليعلم القارئ الكريم أن كل ترجمة
لم أذكر مصدرها فهي من التقريب مع تصرف أحيانا. |
|
تمهيـد |
|
الحمد لله أجل الحمد وأوفاه، وصلاة
اللّه وسلامه على خليله ومصطفاه، نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن اقتفى أثره
وترسم خطاه. |
|
أمـا بعـد: |
|
فلا أعتقد أن طالب عِلم اليوم مهما
قلت بضاعته، ونأت به الديار، لا يعرف عن الصحيحـين شيئا، أو على الأقل مَا
المراد بالصحيحين؟ ومن ألف كلاً منهما؟ فإن أخطأت في هذا التصور قلت: إن
الصحيحين كتابان لشيخ وتلميذه، انفرد كل منهما بمؤلف خاص. |
|
الأول: صحيح البخـاري وسـماه الإمام
البخاري (الجامع الصحيح المسند من حديث رسول اللّه صلى الله عليه وسلم وسننه
وأيامه)[6]. |
|
والثاني: صحيح مسلم وسماه الإمام
مسلم (المسند الصحيح)[7]. |
|
هذا هو
المراد بالصحيحين وهما كتابان عظيمان، تميزا بصحة النقل، ودقة الرواية، وشدة
التحري، ففـاقت قيمتهما العلمية كل تصور، وطارت شهرتهما في ذلك العصر، وطبقت
الآفاق حتى لا يعذر اليوم طالب علم بجهل هذين الكتابين في عصر الثقافة والعلوم
التي سخرت لها وسائل سمعية وبصرية، وسرعة إيصال المعلومات بصور مختلفة وأسباب
مذهلة حتى لم تعد المعلومة تأخذ أكـثر من بضع دقائق فليست عسيرة المنال، لكنها
افتقدت الرجال ولاسيما في هذا العصر الذي كثرت فيه الصوارف الدنيوية. |
|
أما هذان الكتابان فيحسن إعطاء
نبذة موجزة عن كل كتاب ومؤلفه لتكون صورة مشرقة بين يدي القارئ الكريم. |
|
1- صحيح البخاري أصح الكتب بعد
كتاب الله عز وجل بذل فيه الإمام محمد بن إسماعيل البخاري أقصى درجات الحيطة
والتثبت منها. |
|
أ- الانتقاء فقد روي عنه أنه قال:
خرَّجتُ الصحيح من ستمائة ألف حديث[8].
وهذا في حد ذاته مهمة صعبة وشاقة. وقال: لم أخرَّج في هذا الكتاب إلا صحيحاً،
وما تركت من الصحيح أكـثر[9]. |
|
ب- التروي والتثبت ودعم ذلك
بالصلاة والاستخارة قال البخاري: ما كتبت في كـتاب الصحيح حديثاً إلا اغتسلت قبل
ذلك وصليت ركعتين[10].
فما أعظمها من حيطة في دين أدته يغتسل بعدد الأحاديث ويصلى ضعف عددها كل ذلك
لئلا، يكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم. |
|
جـ- اشتراط أن يخرج الحديث المتفق
على ثقة نقلته إلى الصحابي المشهور من غير اختـلا ف بين الثقات الأثبات، ويكون
إسناده متصلاً غير مقطوع، وإن كان للصحابي راويان فصاعدا فحسن، وإن لم يكن إلا
راو واحد وصح الطريق إليه كفي[11].
ولم يكتف البخاري بمعاصرة الراوي لشيخه بل اشترط اجتماعهما[12]
واللقاء بينهما وهذه زيادة في الحرص والتثبت. |
|
والإِمام البخاري بهذه الدقة قدم
للأمة الإسلامية ما لم يسبقه مثيل، ولن يلحقه مغير، فكان كتابه بحق أصح الكتب
بعد كتاب اللّه عز وجل[13]
لذا أجمع علماء هذه الأمة على قبوله، وصحة ما فيه[14]. |
|
أما الإِمام
البخاري فباختصار هو أبو عبد الله، محمد بن إسماعيل، البخاري إمام المحدثين بغير
منازع، وسيد الحفاظ والمتقنين لم نسمع بأحفظ منه ولا أعلم بحديث رسول اللّه صلى
الله عليه وسلم ومقاصده، وما صنع في كتابه الصحيح خير دليل على ما نقول فله
الرواية والدراية، ولد في مدينة بخارى من بلاد خراسان، في سنة أربع وتسعين ومائة
من الهجرة، تحدث عنه الأئمة بما يذهل من بداية طلبه هذا الشأن إلى وفاته، وكانت
بقرية من قرى سمرقند، سنة ست وخمسين ومائتين من الهجرة[15]
رحمه اللّه. |
|
2- صـحيح مسـلم. |
|
اقتدى الإمام مسلم بأستاذه الكبير
الإِمام البخاري في العناية بالصحيح من حديث رسول اللّه صلى الله عليه وسلم، لكن
مسلماً خالف أستاذه في الطريقة والمنهج ومن هنا قال بعض الأئمة: ما تحـت أديم
السـماء أصـح من كـتاب مسلم بن الحجاج[16]،
وقد كانت عناية الإمام مسلم بمؤلفه هذا شبيهة إلى حد كبير بعناية شيخه بمؤلفه.
منها: |
|
أ- تحقيق جانب العلم بهذا الشـأن
رواية ودراية قال الإمام مسلم رحمه اللّه: إن الواجب على كل أحد عرف التمييز بين
صحيح الروايات وسقيمها، وثقات الناقلين لها، من المتهمين، ألا يروي منها إلا ما
عرف صحة مخارجه، والستارة في ناقليه، وأن يتقي منها ما كان منها عن أهل التهم،
والمعاندين من أهل البدع[17].
وهذا مبدأ التثبت في النقل. |
|
ب- الانتقاء
قال الإمام مسلم رحمه الله: صنفت هذا المسند الصحيح من ثلاثـمائة ألف حديث
مسموعة[18]. |
|
جـ- التروي وعدم العجلة قال الإمام
مسلم: ما وضعت في كـتابي هذا المسند إلا بحجة، وما أسقطت منه شيئاً إلا بحجة[19]. |
|
د- وزيادة في الـدقـة والتثبت يستخدم
الإمام مسلم أسلوب العرض على العلماء والاستشارة العلمية وهذا هو الإنصاف في طلب
الحق وعدم الاغترار بالثقة بالنفس، وهي صفة نبل وتواضع. قال الإمام مسلم رحمه
اللّه: عرضت كـتابي هذا على أبي زرعة الرازي، فكل ما أشار: أن له علة تركته، وكل
ما قال: إنه صحيح وليس له علة خرجته[20]. |
|
هـ- شرط الإمام مسلم في صحيحه أن
يكون الحديث متصل الإِسناد، بنقل الثقة، عن الثقـة من أوله إلى منتهاه، سالماً
من الشذوذ والعلة[21].
واكـتفى بمطلق المعاصرة بـين الشيخ والتلميذ ومن هنا حاز الكتاب الرتبة الثانية
بعد كتاب الإمام البخاري وهذا ما عليه المحققون من أهل العلم، قال النووي رحمه اللّه: وكتاب البخاري أصحهما
وأكثر فوائد ومعارف ظاهرة وغامضة، وقد صح أن مسلماً كان ممن يستفيد من البخاري،
ويعترف بأنه ليس له نظير في علم الحديث، وهذا الذي ذكرناه من ترجيح كتاب
البخاري، هو المذهب المختار قاله الجـماهير، وأهل الإتقان، والحذق والغوص على
أسرار الحديث[22].
قلت: ولم يرو مسلم عن شيخه البخاري في الصحيح شيئاً ولا غرابة في ذلك فعذر
الإمام مسلم واضح في ذلك. |
|
1- أنه شارك الإِمام البخاري في
كثير من شيوخه فهو من أقرانه وإن كان معترفاً بتقدمه وفضله لكنه رغب في طلب العلو
في الإِسناد. وهذا أبرز في بيان السبب في عدم الرواية عن البخاري. |
|
2- اختط الإمـام البخاري لنفسه
منهجاً في إخراج الصحيح فأراد الإمام مسلم إدراك الغاية نفسها فسلك نهجاً آخر في
الموضوع. واللّه أعلم. |
|
أما الإمام مسلم فهو أبو الحسين
مسلم بن الحجاج القشيري، ولد سنة أربع ومائتين من الهجرة، ونشأ في بيت علم، ترجم
له العلماء منذ ولادته حتى وفاته وذكروا من علمه وفـضله ما يجعله جديراً بلقب
الإمام مقدماً على غيره من أئمة هذا الشأن، وتلقت الأمة كتابه بالقبـول والثنـاء
الحسن، فاحتل صحيحه الرتبة الثانية بعد صحيح البخاري رحمهما الله وكانت وفاته في
سنة إحدى وستين ومائتين عن عمر ناهز سبعاً وخمسين سنة كانت حافلة بالفضل والعلم
والذكر الحسن وأورث الأمة الإِسلامية أعظم الكنوز التي تعتز بها وتعتمد على قوة
نصوصها وصحتها[23]. |
|
هذان هما الصحيحـان، وهذان هما
المؤلفان أنْعِم وأكْرم بالمؤلِّف والمؤلَّف قال ابن الصلاح رحمه الله:
وكتاباهما أصح الكتب بعد كتاب الله العزيز[24].
وقال النووي رحمه اللّه: اتفق العلماء رحمهم اللّه على أن أصح الكتب بعد القرآن
العزيز الصحيحان، البخاري ومسلم[25]. |
|
وبهذه النبذة
الموجزة يعلم القارئ الكريم اندفاع كل شبهة حول هذين الإمامين وكتـابيهما،
ويتأكـد له أن تلك المحاولات الفاشلة إنـما هي افتراءات يقصد منها النيل من
الإسـلام وأهله، جزا اللّه عنـا الإمامين كـل خير ورحم اللّه أئمة الإِسلام
وعلماء الأمة المخلصين الصادقين وغفر لنا ولهم أجمعين. |
|
كتاب عمدة الأحكام |
|
تقدمت الإشارة
إلى أن الصحيحين وقعا من قلوب المسلمين موقعاً عظيماً وذكرت أن الأمة تلقت ما
فيهما بالقبول نتج عن هذه المكانة العظيمة للكتابين أن العلماء شمروا عن سواعد
الجد والاجتهاد في البحث العلمي الهادف إلى خدمة الكتابين ببيان ما فيهما من
كنوز وإيضـاح ما يشكـل على طلاب العلم فكـان من هؤلاء من اعتنى بالشرح والتفصيل
في الجوانب الحـديثية والفقهية واللغة كالحافظ ابن حجر في شـرحه صحيح البخاري
(فتح الباري) والنووي في شرحه صحيح
مسلم ومنهم المخرج عليهما، والمستدرك، والموازن بينهما، وَكان من بين
المشتغلين بالصـحيحين الإمام المقدسي الذي طلب منه أن يجرد ما اتفق عليه الشيخان
في كتاب مستقل، فبادر رحمه اللّه إلى إجابة طالبه وشمر للجد سواعده فدون جملة من
الأحاديث شرط على نفسه أنها مما اتفق عليه الشيخان، أودعها كتابه الموسوم (بعمدة
الأحكام من كلام خير الأنام) فشاع ذكره عند الخاص والعام، واعتنى الأئمة بخدمته
ولا غرابة فالرابط بينه وبين الصحيحين كبير جدا، والمقدسي إمام يشار إليه
بالبنان، فكان لكتابه هذا حظ وافر من عناية الأئمة فمنهم الشارح له كابن العطار[26]،
وابن دقيق العيد[27]،
وابن الملقن[28]،
وممن أدلى بدلوله في هذا المجال الإمام الزركشي إذ عَنّ له أن يتتبع عمل المقدسي
ويطبق عليه شرطـه ليخرج بتصحيحات مفيدة، ونكت علمية نافعة أحسن اللّه مثوبتهم
أجمعين ووفقنا لخدمة كتابه وسنة نبيه الكريم. |
|
القسم الأول |
|
الفصل الأول: ترجمة الإمام الزركشي |
|
نسبه: هو بدر الدين أبو عبد اللّه محمد
بن عبد الله
[29]
بن بهادر، المنهاجي[30]،
الزركشي[31]. |
|
مولده: ولـد الزركشي في سنة
خمس وأربعين وسبعمائة من الهجرة في مصر، من أصل تركي. |
|
نشأته: |
|
نشـأ
الإِمـام الـزركشي في ظل أسرتـه وهي أسرة لم تكن ذات شهرة في الأوساط الاجتماعية
ولم تذكر بعلم، ولا وجاهة، أسرة مسلمة تعيش في بلاد إسلامية وذكر أن أباه كان مملوكا[32]،
وفي نظري أن لهذه الحالة الاجتماعية بعد توفيق اللّه عز وجل دوراً بارزاً في بعث
هذا الفتى النابغ، إذ بدأ حياته بتعلم حرفة تعينه على شئون حياته، فبرع في حرفة
الـزركش، لكن طموحه وهمته العالية أبت عليه الوقوف عند هذا الحد فبادر بفضل اللّه
وتوفيقه إلى طلب العلم، وهذا ما سنعرفه فيما يلي من الدراسة. |
|
سعيه في طلب العلم: |
|
ما من شك في أن اللّه عز وجل إذا
أراد بعبد الخير يسَّر له سبله، وبعث في نفسه همة عالية لإدراك المراد، والزركشي
رحمه الله أجاد حِرفة تُدِرّ عليه معاشاً في حياته، لكن اللّه عز وجل أراد له
أفضل من ذلك، فأثار في نفسه الرغبة الشديدة في العلم، فأحبه، وصبر على تحصيله،
وبادر إلى منابع العلم فلازم الشيوخ، وعايش الكتب، ونوّع مصادر المعرفة، حتى ضرب
في ذلك مثلاً للجد والمثابرة، والصبر والمصابرة، فاستوعبت ذاكرته العديد من
العلوم، واعتمد على ذاكرته بعد توفيق الله، وما يدون من الكتب إذ لم يشتر
كـتاباً، بل كان يقضي نهاره فيِ حوانيت الكتب[33]،
يقرأ ويفهم، ويدون ما يروق له، وهكذا كان جمَّاعاً للعلم حريصاً عليه، مقتحماً
كل عقبة كـؤود في سبيله، إنها بداية الجد والاجتهاد والصبر والمثابرة. |
|
رحلاته: |
|
لم تتسع الـرحلة عنـد الإمام
الزركشي ولم تزد المصادر على أن ذكرت لنا رحلتين قام بهما الزركشي رحمه اللّه
الأولى من مصر إلى دمشق حيث أخذ عن العماد بن كثير[34]
علم الحديث والثـانية كانت من دمشق إلى حلب حيث أخذ عن الأذرعي[35].
هاتان الرحلتان أكسبته السماع من عالمين كـبيرين يشار إليهما بالبنان في عصره
وقد نسبه في كشف الظنون فقال: الموصلي (1/448) فلعله رحل إليها. ولعل السبب في
عدم سعة الرحلة والله أعلم أن مصر والشام كانتا أكثر البلاد الإسلامية من حيث
الشهرة العلمية وكثرة العلماء في ذلك العصر أو أنه آثر الأخذ عن علماء مصر
والشام ، وبدأ دراسة التصانيف والاشتغال بالتأليف. |
|
شيوخه: |
|
أفاد الزركشي رحمه الله من مشاهير
علماء مصر والشام ولازم بعض شيوخه ومن أولئك الأعلام عبد الله بن يوسف بن أحمد
المتوفى سنة 761 هـ، ومغلطائي بن فليح الحنفي المتوفى سنة 762 هـ، وإسماعيل بن
كـثير المتوفى سنة 774 هـ، وأحمد بن محمد بن جمعة المتوفى سنة 774 هـ[36]،
وأحمد بن حمدان الأذرعي المتوفى سنه 783 هـ وسراح الدين البلقيني المتوفى سنة
805 هـ. |
|
ومن أبرز
شيوخه الذين تأثر بهم في منهجه العلمي جمال الدين الأسنوي المتوفى سنة 772 هـ[37]،
والأذرعي، وبرهان الدين بن جماعة المتوفى سنة790 هـ، واستفاد من منهج الزيلعي في بعض مصنفاته. |
|
الآخذون عنـه: |
|
تتلمذ عليه وتخرج به محمد بن عبد
الدائم بن موسى البرماوي المتوفى سنة 831 هـ، وأخذ عنه أيضاً عمر بن حجي السعدي
المتوفى سنة 835 هـ، وحسن بن أحمد بن حرمي بن مكي المتوفى سنة 833 هـ، وقد أكمل
الدكتور عبد الرحيم القشقري العدد إلى ثـمانية وأعطى معلومات موجزة عن كل واحد
منهم[38]. |
|
حالته الاجتماعيـة: |
|
عمـل الزركشي رحمه اللّه بالسنة في
تحصين النفس بالزواج، الذي ندب إليه نبي الهدي صلى الله عليه وسلم، فأنجب
الزركشي ذكوراً هم محمد وعلي وأحمد، وإناثاً هن عائشة وفاطمة[39]،
وكـانت له عناية بتعليمهم وتثقيفهم ذكوراً وإناثا[40]،
وله أقارب يجلونه ويعتمد عليهم في كفالة أبنائه وتدبير شئون معاشهم[41]،
واعتنى بالجانب العلمي، وتفرغ للعبادة، ولم تكن علاقته بالعلماء أقل حظاً من
علاقته بأبنائه، كانت علاقة حب ووفاء، وصدق وإخاء، كان معترفاً بالفضل لأهله
وفياً لمن أحسن إليه ومن هذا الباب كانت علاقته مع برهان الدين بن جماعة علاقة
مودة ووفاء، لا كـما وصفه الدكتور السيد بأنه كان متزلفاً[42]
له، وفي نظري أن إطلاق مثل هذا اللفظ على عالم جليل اشتغل بالعلم والتصنيف وترك
الدنيا وأهلها أمر فيه إجحاف بحقه رحمه الله فضلاً عن كون مثل هذا الخلق وصمة إن
تخلق به رجل من عامة الناس فضلاً عن عالم له فضله وجلالته، ولعل الأسلوب لم
يسعفه الدكـتور فزلَّ قلمه فقد أشاد بالزركشي وأثنى عليه، وقطعاً لم يرد ما تدل
عليه اللفظة. |
|
عصر الإمام الزركشي: |
|
إن أي باحث يرغب في الكتابة عن
مثـل هذا العنصر أول ما يحضره أن عصر الشخص ينقسم إلى قسمين: ما سبقه من فترة
والزمن الذي عاشه وألم بأحداثه وتطورات الأمور فيه وليس هذا بالأمر الهين لمن
أراد الاستقصاء لغزارة المادة العلمية فيه ومنها كثرة الأحداث في الداخل والخارج
وتشعبها غير أنني أرى أن لابد من الكلام عن ناحيتين بإيجاز لأهمية هذين الأمرين
في حياة كل عالم يعني بأمور المسلمين. |
|
1- الناحيـة
السياسـية: |
|
كان المسلمون يعـانـون من التفـرق
السياسي وشتات الأمر، الشيء الذي أطمع الأعداء في البلاد الإسلامية وكانت حملات
المغول والتتر تترى على المسلمين الذين أثخنهم الأعـداء جراحاً وأذاقوهم مرارة
العداوة والحقد غير أن أحوال المسلمين بدأت تهدأ قليلا وتلتئم جراحاتهم بأمور
منها: |
|
أ- دخول قبائل مغولية في الإِسلام
وكان ذلك قبيل مولد الزركشي رحمه اللّه. |
|
ب- نشاط الدولة العثمانية، ومد
نفوذها على كثير من البلاد الإسلامية. |
|
جـ- تحرك الفتح الإسلامي، وهزيمة
زعماء البلقان، وكسر الجيش الصليبي. |
|
ولم تكن هذه الأحداث سوى ومضة
أيقظت الشعور بالأمل عند المسلمين على تخوف وحـذر فأحـداث التيمورية روعت
المسلمـين وأعـاثت في الأرض الفسـاد والـدمـار، والاضـطرابـات الداخلية تهز كيان
المسلمـين ليل نهار، ولاسيما تلك الدويلات المتناثرة المتناحرة في اليمن
والحجاز، وبلاد الجزيرة، وبلاد فارس تتنازعها دويلات عدة، والشام ومصر تحت حكم
المـماليك وأقـاليم إفريقيا ليست بأحسن حالاً مما سبق، فكانت الحالة السياسية
بالنسبة للمسلمين منذرة بخطر، مهددة بكوارث في الأنفس والممتلكات، إلا أن بارقة
أمل لاحت للمسلمين في مصر حينما قيَّض اللّه في مطلع القرن الثامن الهجري الملك
الناصر محمد بن قلاوون وكان رجلاً صالحاً ذا حكمة وبعد نظر باشر الأحداث
السياسية في سن التاسعة وحدثت له تطورات في الشطر الأول من القرن الثامن استطاع
الملك الناصر أن يرفع ميزان القوى عند المسلمين ويذكي جذوة الإيمان إلا أن الأجل
لم يمهله لتوطيد الـدولـة الإسلامية بالصورة التي توقف الأعداء أو تقطع دابرهم
إذ توفي في سنة إحدى وأربعين وسبعمائة بعد أن وضع ركائز جيدة لدولة إسلامية
رشيدة استخلف عليها ابنه سيف أبـو بكـر الـذي لم يقدر على لمّ شعت إخوته واحتواء
خلافاتهم فانفرط العقد بينهم وبدأ المسلمون المعاناة من جديد، من كثرة نفوذ
الأمراء، وتفشي الظلم، وكثرت الأسباب التي أدت إلى سقوط دولة المـماليك البحرية
في سنة أربع وثـمانين وسبعمائة، وظهرت دولة المـماليك الجراكسة وأول ملوكهم
الملك الظاهر برقوق بن أنس الذي أشعل الحرب بينه وبين سابقيه مما أدى إلى تفريق
كلمة المسلمين وإضعافهم. |
|
2- حالة المجتمع في هذا العصر: |
|
خلاصة المقال في هذا الجانب أن
المجتمع كان يعاني من أمور كثيرة من أبرزها ضعف الدولة الشيء الذي نتج عنه مشاكل
لا حصر لها مثل انتشار الظلم، والتعسف، والتلاعب بأموال المسلمين، والاستيلاء
عليها بغير وجه حق، وظهور الفساد الخلقي حتى راجت تجارة الحشيش وأخذ قانوناً
تجارياً، يباع ويشترى على مرآى ومسمع من الدولة[43].
وانتشار الفقر، وتفشي الأمراض، والأوبئة، لانصراف الدولة عن خدمة المجتمع إلا في
بعض محاولات إصلاحية. |
|
3- الحالة العلمية: |
|
رغم ما سبق تصويره من مشكلات
سياسية، ومتاعب اجتماعية جمة، فإن المجتمع الإسلامي لم يخل من رجال جردوا أنفسهم
لله، وخدموا العلم بأمانة وإخلاص، رغم أنوف الكثيرين من الولاة الذين فرطوا في
الأمانة وضيعوا حقوق العباد. في هذا العصر ضحى كثيرون من العلماء بالجاه والمال
وزهدوا في السلطان، وسخروا أنفسهم لخدمة الدين والعقيدة ولم يبخلوا بنصح ولا
توجيه، ولم يكتموا علماً عن طالبه، وممن سبق الزركشي الإمام ابن تيميه، الإمام المصنف
المجاهد، الذي أشعل جذوة الجهاد لدى السلطان وجنده وأبلا بلاء حسناً في تلك
المعارك، ومن أولئك شيوخ الزركشي الذين أخذ عنهم ومنهم أفاد علماً، ولا ريب أن
ثبات أولئك الأفذاذ من العلماء أنقذ البلاد من ويلات الجهل والضلال، ومما كان
يهدد الأمة الإسلامية من الفرق الضالة ذات المبادئ الهدامة، وكانوا درعاً واقياً
لجسد الأمة من زحف الزندقة والإلحاد، والوثنية كل هذه الصعوبات صمد أمامها أفذاذ
العلماء، وحطموا قواها بصبر وثبات على الحق، والله هو المنقذ والحامي. |
|
إفـادة الزركشي من هذه الأحـداث: |
|
إن المستوفي دراسة عصر الزركشي
يتبين له أن تلك الأحداث الجسام
التي اكـتنفت حياة الزركشي سابقاً ولاحقاً، لم تكن صعوباتها ومخاوفها
تثنى عزم هذا الرجل الفذ عن شق طريقه في الحياة مختاراَ- بعد توفيق اللّه - أسلم
السبل وأشقها في نفس الوقت فانقطاعه إلى العلم، ومـلازمة العلماء دليل قاطع على
قوة شخصيته، وعدم تأثرها بالأحداث الجوفاء فتحصيل العلم هو السلاح الواقي من
التردي في المهالك، وهو الأساس الذي تبني عليه الأمم دولها وقوتها وحضارتها، هذا
جانب من شخصية الزركشي قد يستشفه الباحث بعد إمعان النظر. |
|
الجـانب الثاني أن الإِمام الزركشي
وإن وصف بالعزلة عنِ الناس والزهد في الدنيا والاشتغال بالتصنيف فإنه لم يكن
غافلاً عن مجتمعه فقد كان محاربا للأعداء بقلمه السيال، فقد كتب في جانب العقيدة
حول الركن الأول من أركان الإسلام، وفي هذا محاربة للوثنية والإلحـاد، وصـد
للزندقـة، وصنف في تحريم الحشيش الذي تفشى في المجتمع بصورة مذهلة. ودرس في
خانقاه كريـم الدين وأفتى. |
|
ومن هنا يلمس الباحث عناية الزركشي
بمجتمعه الطبقة العامة من الناس وطبقة العلماء المصنفين، فطبقة العامة أخذت
قدراً من تفكير هذا الإمام لدراسة المشكلة وتحديد الحكم الشرعي فيها وذلك الحكـم
هو في نظر الزركـثي الحل الوحيد، والعلاج الناجع المفيد لأدواء المجتمع لاسيما
أنه قد بدأ الاشتغال بهذا المجال في سن مبكر[44].
أما طبقة العلماء فكان ملازماً للشيوخ[45]
منهم، متتبعاً مؤلفات السابقين عليه، فأفاد من علم شيوخه، ودَرسَ التصانيف،
فاستدرك، وشرح، وعلق، وصوب ما رآه خطأ، فكانت حياته خدمة جلى بـين أخـذ من منابع
العلم، وإفاضة من غزير الفوائد مع تتبع للنكت والفرائد. ولعل من الأسباب الدافعة
لهذا المنهج غاية الحرص على الخير والبعد عن مخاطر السلطان، ومهالك المجتمع، وقد
بسط القول في دراسة عصره الشيخ علي محي الدين علي أثابه اللّه[46].
|
|
مكانته العلمية: |
|
إن شابـاً يزهد في مهارة بيده
تكسبه مالاً ويتجه إلى طريق العلم[47]،
والعيش على الكفاف ويعشق الرحلة في طلب العلم وهو في الثامنة عشرة من عمره[48]،
ويصنف الكتب وهو في الرابعة والعشرين[49]
لجدير بالمكانة العلمية العالية، كانت حياته مقصورة على هذا الشأن قيّد وقته
بقوة العزيمة فلا يرى إلا مع شيخ يفيد منه علماً، أو معتكفاً في داره على كتـاب
يدرس فيه ويؤلف، أو في جولة علمية في أسواق الكتب ليمتع فكره بفنون العلم وفوائده[50].
هذا المنهج الفريد، أكسب الزركشي مكانة علمية عالية، شهد له بذلك أعلام كبار،
منهم الحافظ ابن حجر يقول عن شرح الزركشي للمنهاج: هو أنفع شروح المنهاج على
كثرتها[51].
صنف عشرات الكتب في فنون من العلم شهد بجودتها وحسنها العلماء، وأفادوا منها
علماً ومعرفة. فكان بحق فقيهاً، أصولياً، محدثا بارعاً، أديباً ناقداً، ومن يشك
في ذلك فليستقرئ مصنفاته تتضح له الحقيقة، ويعرف منْ الزركشي، وكيف استطاع أن
يؤلف أكثر من أربعـين كتابا. |
|
بـعض صفاته: |
|
إن من أبرز ما يجد الباحث من صفات
الإمام حرصه الشديد على وقته، ومثابرته على خدمة العلم، كـما يجد التواضع الجم
صفة ملازمة له رغم تلك الجهود العلمية التي تسمو به إلى درجات عُلى، كان رحمه
اللّه لا يرى لنفسه مزية، يجل من سبقه في هذا الميدان، ويجهل من يدعي العلم،
ويترك الإفادة من جهود السابقين يقول رحمه اللّه: اعلم أن بعض الناس يفتخر
ويقول: كتبت هذا وما طالعت شيئاً من الكتب، ويظن أنه فخر، ولا يعلم أن ذلك غاية
النقص، فإنه لا يعلم مزية ما قاله إلى ما قيل، ولا مزية ما قيل إلى ما قاله،
فبماذا يفتخر؟![52]
وقد ذكر الزركشي رحمه اللّه أنه اجتمع عنده من مصنفات الأقدمين ما يزيد على
المائتين[53].
قلت: ولا يعارض ما سلف من أنه لم يشتر كتاباً فقد يحمل عدا الشراء على بداية
الطلب. والاقتناء على حالة التصنيف أو على أنه طالع هذا العدد من المصنفات
واللّه أعلم. ويؤيد جانب التواضع عند الزركشى قوله: ومع هذا ما كتبت شيئاً
إلاخائفاً من اللّه مستعيناً به، معتمداً عليه، فـما كان حسناً فمن الله وفضله،
وما كان ضعيفاً فمن النفس الأمارة بالسوء[54].
قلت: وهذا ورب الكـعبة لهو أساسا النجاح في الأعـمال وسر السعادة والفلاح في
الآخرة. |
|
وكان من صفاته
الحذق وتذوق العلوم، فقد كان ناقداً بصيراً، ولم يكن جماعاً دون تمييز بين غث
وسمين ومؤلفاته خير دليل على هذا ومنها تصحيح العمدة هذا، والنكت وله في كل علم
جولة تشهد له بالحذق والإتقان. |
|
عقيدته: |
|
أثبت فضيلة الـدكتـور عبد الرحيم
في دراسته أن الزركشي رحمه الله كان أشعري العقيدة وذلك من خلال دراسته لمؤلفين
من كتب الزركشي هما لقطة العجلان، ومعنى لا إله إلا اللّه، وقال ما معناه: إنه
لم يسلك في تقريراته أمورا في العقيدة مسلك أهل السنة، بل ترسم خطى الأشاعرة في
بحثه ومناقشته لتلك الأمور[55].
قلت: قد نسب إلى اعتقاده على الصفحة الأولى من كتابه "الأزهية في أحكام
الأدعية" وفي مواطن من الكتاب المذكور عبارات لا تدع مجالاً للشك في أنه في
العقيدة أشعريًّ، عفى اللّه عنا وعنه، والغريب أنه أخذ عن العماد بن كثير ولم
يتأثر وكذلك من المعلوم أنه شافعي المذهب فكيف غفل عن ما قال الأئمة في هذا
الباب أمثال ابن خزيمة واللالكائي وعلى كل حال فقد زل في هذا الباب أئمة عفى
اللّه عنهم وغفر لهم، واللّه يهدي من يشاء إلى سواء السبيل[56]. |
|
ألقابه العلمية ومناصبه: |
|
وصف الزركشي رحمه الله من بعض من
ترجم له بأنه إمام عالم علاَّمة[57].
وقد ذكر لقب الإفتاء الحافظ ابن حجر[58]،
والداودي[59]،
وابن العماد[60]،
فقالوا: المفتي وهو لقب علمي رفيع لا يطلق إلا على من تأهل لهذه الرتبة ومارسها
ولا غرابة فالزركشي جدير بمثل هذا. |
|
ومن ألقابه
العلمية أيضاً المصنف[61]،
فقد اعتنى بهذا الجانب وأبدع وآثاره شاهد عيان على واقعية هذا اللقب. |
|
كـما ذكر العلماء لقباً علمياً
تخصصياً أعني أن فيه إشارة إلى تخصص دقيق وهو حفظه وعنايته بالمنهاج حتى قيل
عنه: المنهاجي فهو أوثق من اعتنى بهذا المؤلف وأبدع في شرحه كـما قال الحافظ: هو
أنفع شروح المنهاج على كثرتها. |
|
أمـا المناصب العلمية: |
|
فمعلوم أن
الإفتاء منصب علمي رفع وهو رتبة علمية ينالها من تأهل لها وإن لم تتبنى الدولة
إشغاله بذلك. |
|
وقـد تولى الزركشي رحمـه اللّه
مشيخة خانقاه[62]
كريم الدين بالقرافة الصغرى[63]
بمصر، والمشيخة منصب علمي لا يناله إلا من فاق أقرانه، وبزهم علماً وفطنة. |
|
مصنفاته: |
|
برع الزركـشي رحمه الله في علوم
كثيرة وأثرت بمصنفاته المكتبة الإسلامية وقدّم حصاد عمره ونفائس ما خزنته
ذاكرته، وجاد به فكره، خمسين مؤلفاً في مختلف العلوم الإسلامية منها المؤلف
الضخم، والجزء النافع المفيد، كتب عن أكـثرها الشيخ سعيد الأفغان
[64]،
والدكـتور السيد أحمـد فرج[65]،
والشيخ علي محيى الـدين[66]،
واستوعبها الـدكتـور عبـد الرحيم القشقري[67]
وتحدثت عنها كتب التراجم[68]
من غير حصر، ومن تلك المصنفات: |
|
1- ثلاثة في القرآن وعلومه منها: |
|
البرهان في علوم
القرآن. |
|
كتاب في التفسير وصل فيه إلى سورة
مريم. |
|
2- أحد عشر كـتاباً في الحديث
وعلومه منها: |
|
تصحيح العمدة (كتابنا هذا). |
|
شرح الجامع الصحيح تركه مسودة،
ولخص منه كتاب التنقيح. |
|
النكت على ابن الصلاح. |
|
3- سبعة عشر كتاباً في الفقه منها: |
|
خادم
الرافعي، والروضة في عشرين مجلدة، وقيل في أربع عشرة مجلدة. كل منها خمس وعشرون
كراسة. |
|
شرح التنبيه للشيرازي في أربعة
مجلدات. |
|
4- سبعة كتب في أصول الفقه منها: |
|
البحر المحيط من أهم الكتب في هذا
الفن، وقد جاء نتيجة جهود مضنيه، وبحـث متواصل في مائتي مؤلف درس من خلالها آراء
الشافعية والأحناف والحنابلة والظاهرية. |
|
تشنيف السامع بجمع الجوامع، تعليق
وشرح للغريب علـى كتاب أبي الحسن السبكي. |
|
5- أربعة كتب في اللغة والأدب
منها: |
|
التذكرة النحوية، إعراب لبعض
الأحاديث النبوية والأبيات الشعرية التي استشهد بها علماء اللغة، ربيع الغزلان،
كتاب في الأدب. |
|
6- له جملة مؤلفات في جوانب من هذه
العلوم. |
|
وهكذا أمضى الزركسثي رحمه اللّه
حياة حافلة بالطاعة والاجتهاد في خدمة العلوم الإسلامية، والإفتاء، والتعليم،
مخلفاً ثروة من الأجر المتواصل والعلم النافع. |
|
وفاته: |
|
لقد تظافرت المصادر
[69] على أنه رحمه الله توفي في ثالث رجب من
سنة أربع وتسعين وسبعـمائة وذكر الداودي أنه دفن بالقرافة الصغرى بالقرب من
تربة الأمير بكتمر الساقي رحمهما
الله تعالى. |
|
الفصل الثاني |
|
كل من ترجـم لهذا العلم بعد الإمام
اسأذكر مختصر الترجمة مفيداً مما ذكر الحافظ الذهبي في ترجمته
لعبد الغني المقدسي[70]. |
|
نسبه: |
|
عبـد الغني بن عبد الواحد بن علي
بن سرور بن رافع بن حسن بن جعفر، تقي الدين، أبو محمد، المقدسي[71]،
الجـمّاعيلي[72]،
ثم الدمشقي. |
|
مولده: |
|
ولد في سنة إحدى وأربعيـن وخمسمائة
من الهجرة، بجمّاعيل. |
|
نشأته: |
|
لم يتطرق الذهبي رحمه اللّه إلى
شيء من هذا سوى صحبته لابن خالته موفق الدين عبد اللّه بن أحمد بن قدامة وكان
يكبر عبد الغني بأربعة أشهر[73].
وذكر ياقوت أنه نشأ في دمشق[74]
ولم يزد على ذلك. |
|
سعيه في طلب العلم: |
|
تشير المصادر إلى أنه بدأ حياته
العلمية في دمشق فتلقى العلم عن علمائها منهم أبو المكارم بن هلال. |
|
رحلا تـه: |
|
اتسعت الرحلة في طلب العلم عند
الإمام المقدسي رحمه الله، فبعد أن أفاد من علماء بلده تاقت نفسه إلى المزيد
فرحل إلى بغداد وسمع من علمائها منهم هبة اللّه بن هلال، وابن البطي، ورحل إلى الثغر[75]
حيث سمع من أبي طاهر السلفي، وأقام عليه ثلاثة أعوام، وكتب عنه الكثير، ورحل إلى
الموصل وفيها سمع أبا الفضل الطوسي، ثم رحل إلى همذان حيث سمـع من عبد الرزاق بن
إسماعيل القومساني، ورحل إلى أصبهان وفيها سمع من الحافظ أبي موسى المديني، ورحل
إلى مصر حيث سمع مِن علي بن هبة الله الكاملي، هكذا قطع الغيافي، وجاب الأمصار،
بحثاًَ عن العلم، وجهاداً في سبيله. |
|
بعض شـيوخه: |
|
تقدم ذكر المشاهير منهم في الرحلات
ولا أرى مزيد حاجة للإِعادة. |
|
الآخذون عنـه: |
|
تتلمذ عليه ولداه أبو الفتح، وأبو
موسى، وأخذ عنه عبد القادر الرهاوي، وموفق الـدين ابن خالته، والضياء محمد بن
عبد الواحد بن أحمد، وابن خليل يوسف، والفقيه اليونيني محمد بن أحمد، وعثمان بن
مكي الشارعي، وأحمد بن محمد الأرتاحي، وآخر من أخذ عنه محمد بن مهلهل الجيتي
وبقي بعده بالإجازة أحمد بن أبي الخير شيخ الحافظ الذهبي. |
|
عصر المقـدسي: |
|
ولد المقدسي رحمه اللّه في خلافة
المقتفي لأمر اللّه، محمد المستظهر باللّه، وهو عبارة عن رمز للخلافة، وليس بيده
من أمور الدولة شيء، ويعتبر هذا التاريخ عمق ضعف الدولة العبـاسية، فقد انفرط
عقد الخلافة العباسية، وبدأت الانحدار من أوج قوتها بعد موت المعتصم وإن كان
ابنه المتوكـل جعفر أصلح ما أفسده جده المأمون، وأخوه الواثق هارون من أمر
العقيدة فأمات بدعة القول بخلق القرآن وهذا العمل أبرز حسناته[76]،
ومنذ ذلك الوقت والمسلمون يعانون من الضعف السياسي، وشتات الأمر، وكان ظهور
الدويلات، والممالك الإسلامية وبـالاً على وحـدة المسلمـين، وإضعافاً لقوتهم،
فسادت الفوضى السياسية، وانـدلعت الحـروب بين المسلمـين، فأضرمت نار الهلاك،
وكـثر النهب والسلب، ووجد الإفرنج فرصة سانحة لضرب المسلمين في عقر دارهم، ونشطت
الفرق الهدامة. |
|
كـما عاصر المقدسي رحمه اللّه
خلافة المستنجد باللّه بن المقتفي، ولم يكن أحسن حالاً من أبيه، فكان من أبرز
أعـماله في بداية عهده الاشتغال بالصيد، في الوقت الذي كانت المـمالك نشطة في
الغارات والحروب والاستنجاد بالفرنج[77]. |
|
وقد عايش المقدسي رحمه الله خلافة
المستضيئ بأمر الله الحسن بن المستنجد، كان خيرا من أبيه ومن أحداث عهده، إبطال
مظالم كثيرة، وانقطاع الدعوة العبيدية والحمد للّه[78]. |
|
وعـاصر المقـدسي رحمـه اللّه أحداث
الملك نور الدين صاحب الشام، وكان ملكاً مجاهـداً، محاسنـه جمة، في دينه
وشجاعته، وغزواته وفتوحاته، ومساجده ومدارسه، وبره وعدله، وقد أبطل المكوس،
وأبلى بلاء حسناً في دك حصون الفرنج والاستيلاء عليها، وله آفاق قتالية واسعة،
جرت أحداثها سجالاًَ بينه وبين الفرنج[79]. |
|
وعاصر المقدسي رحمه اللّه صلاح
الدين الملك الناصر، الذي رفـع راية الجهاد، مؤيداً منصوراً بجيوش الإسلام. |
|
وشهد المقدسي عصر خلافة الناصر
لدين الله أحمد بن المستضيئ، وقد تميز عهده بقوة صلاح الدين الملك الناصر، يوسف
بن الأمـير نجم الدين أيوب، الذي كان سلطان زمانه له السيادة والقيادة، أذاق
الفرنـج الذل والهوان، وهو بحق السلطان الكبير، والمجاهد في سبيل الله، افتتح
بسيفه وبإخوته بلاداً، من اليمن إلى الموصل، ومن طرابلس إلى أسوان[80]،
فارتفعت به هام المسلمـين وخدم السنة والدين. |
|
ومن أحداث عصر المقـدسي: |
|
1- موقعه الزلاقة في الأندلس، كان جيش المسلمين فيها |