طباعة

 توثيق النص

 

 

 

قضية الحداثة

الدكتور عبد الباسط بدر

أستاذ مشارك في كلية اللغة العربية

 

 

تمهيـد

تثير قضية "الحداثة في الأدب" في أيامنا هذه ضجة كبيرة وتشتعل المعارك حولها بضراوة، ويستخدم المتخاصمون فيها منابر مختلفة، كقاعات الجامعات والكتب، وأعمدة الصحف والمجلات، والأشرطة الصوتية ذات الانتشار المذهل، وتتخذ هذه القضية ميدانين رئيسين لمعاركها هما: ميدان الشعر، بأنواعه كلها: الخليلي والتفعيلي، والغنائي والتمثيلي، وميدان النقد: الأدبي وغير الأدبي، والموضوعي والمتعسف، بينما تغيب أو تكاد عن القصة والمسرحية النثريتين.

ومن المعروف أن الشعر والنقد ميدانان عريقان لمعركة الحداثة، فمنذ العصر العباسي الأول شهد الشعر محاولات لتغيير بعض أعرافه وقواعده، بدأها بشار بن برد، واشتدت على يد شعراء آخرين كابن هرمة ومسلم بن الوليد والحسن بن هانئ، وبلغت ذروتها على يد أبي تمام، وقد سمّى النقاد شعر هؤلاء "شعر المحدثين"، ومن أهم ما جاء به: الصياغة المتقنة التي توائم بين العناصر الفكرية والعناصر الفنية. فالأدوات البديعية: من جناس وطباق ومشاكلة، تمتزج بالفكرة الفلسفية وتخدمها، والاستعارة تأخذ أطرافاً من المنطق، والقواعد الفلسفية تؤثر على الصورة الفنية، وعلى لغة القصيدة، وتجعل اللون العقلي أقوى من اللون العاطفي. وهذا الضرب من "الصناعة الفنية" لم يألفه الشعر العربي من قبل.

وأما موسيقى الشعر، فلم يلحقها تغيير كبير، وظلت تعتمد على الأوزان المعهودة والقافية، وظهرت تنويعات محدودة تتمثل في المسمطات والمزدوجات والمخمسات، ولكنها لم تلق تشجيع النقاد، حتى أن ابن رشيق عدّها مظهرا من مظاهر ضعف الشاعر[1]. وعندما شاعت في وقت متأخر لم تحدث سوى تلوين محدود في التنغيم الأساسي لموسيقى الشعر

وفي ميدان النقد الأدبي أحدث شعر المحدثين ردة فعل قوية عند النقاد اللغويين فرفضوه لسببين: الأول أنه ليس من العصور التي يحتج بها في اللغة والنحو والصرف، والثاني أنه يتضمن خروجا على "عمود الشعر" الذي ألفوه في شعر الجاهلية وصدر الإسلام، ويمثل هذه الطائفة ابن الأعرابي في قوله المشهور عن شعر أبي تمام: "إن كان هذا شعرا، فما قالته العرب باطل"[2].

ولكن النقاد الآخرين أسقطوا السبب الأول فألغوا عنصر الزمن من مقاييس المفاضلة، ورفضوا أن يعطوا القديم أية ميزه إضافية بسبب قدمه، وأعلن ابن قتيبة أنه "لم يقصر الله العلم والشعر على زمن دون زمن، ولا خص به قوما دون قوم، بل جعل ذلك مشتركا مقسوما بين عباده في كل دهر، وجعل كل قديم حديثا في عصره..."[3].

وأما السبب الثاني - خروج شعر المحدثين على عمود الشعر العربي- فقد أثار معارك نقدية واسعة، اتخذت شكل الخصومة حول أبي تمام والبحتري، فأبو تمام رأس المحدثين والبحتري رأس العموديين آنئذ. وقد انحاز لكل منهما عدد من النقاد: فكان الصولي وبشر ابن يحيى والحاتمي من أنصار أبي تمام، وكان ابن عمار القطربلي وابن الأعرابي من أنصار البحتري، وما لبث أن ظهر أبو القاسم الحسن بن بشر الآمدي، ونصب الموازين النقدية ليوازن بين الشاعرين ويبين حسنات كل منهما وعيوبه، ويقوم- من ثم - الحداثة ممثلة في شعر أبي تمام.

وقد ظل كثير من النقاد من بعد يستأنسون بموازنة الآمدي كلما عرضوا لمذهب البديع أو لعمود الشعر العربي[4].

ويبدو أن قضية الحداثة في نقدنا القديم قد نضجت عند هذا الحد، ذلك أن عددا كبيرا من النقاد في القرون التالية قد تمسكوا بالمقاييس التي أعلنها ابن قتيبة، والتي تتلخص فيما يلي:

أ- ليس الزمن قيمة تفضيلية بين الشعراء، فليس للمتقدم فضل مطلق على المتأخر، ولا العكس.

ب- لا تنتهي المعاني في زمن معين، والشعراء في كل زمن يجدون مجالا للقول والإبداع.

ج- مقياس التفاضل الأمثل بين الشعراء هو: "الجودة الفنية".

وقد تكـررت هذه المقاييس بصياغات مختلفة عند أعلام النقد العربي على امتداد العصور التالية، نذكر منهم على سبيل المثال لا الحصر: المبرد، والآمدي، والمرزباني، والقاضي الجرجاني، وابن رشيق، وابن سنان الخفاجي، وابن بسام الشنتريني، وابن الأثير، وحازم القرطاجني… وغيرهم[5]

لذلك علينا أن نعبر القرون إلى العصر الحديث، لنرى قضية الحداثة تظهر وتنمو، وتشتد، بدلالات كثيرة، بعضها مشابه لدلالتها التراثية، وبعضها مختلفة عنها، وفي ميادين كثيرة متفاوتة.

قضية الحداثة في العصر الحديث

يَعدّ بعض النقاد الشاعر خليل مطران (1288-1369 هـ 1871-1949م) رائد الحداثة في العصر الحديث، "حتى ليكاد يختط طريقا يشبه الطريق الذي اختطته في العصر العباسي مدرسة البديع- وعلى رأسها أبو تمام-"[6]، ذلك أن خليل مطران كان أكثر شعراء جيله تأثرا بالثقافة الفرنسية، فقد ترجم عدة قصائد من الشعر الفرنسي، وعارض قصائد أخرى، وتأثر ببعض قواعد القصيدة الغنائية الفرنسية، وخصوصا استبطان المشاعر الذاتية، والحـزن الرومانسي، والتعلق بالطبيعة، وبناء القصيدة على دفقة شعورية واحدة، وربط أجزائها بوحدة عضوية، وقد تحمس لهذه القضايا، ودعا الشعراء العرب إلى الأخذ بها[7].

غير أن تحديث خليل مطران محدود، وأثره فيمن حوله أو بعده من الشعراء والنقاد ضئيل لا يرفعـه إلى درجـة الريادة، فصياغته الشعرية تداني الصياغة التقليدية التي يريد الخروج عليها، وموضوعات شعره تتراوح بين الموضوعات الوجدانية ، التأمل والشكوى والغـزل، والموضوعات التقليدية التي يهاجمها الحداثيون : المديح والرثاء وشعر المناسبات والمجـاملات، كما أن ظهور الديوانيين الثلاثة: عبد الرحمن شكري (1304-1378هـ 1886-1958م) وعباس محمود العقاد (1301-1383 هـ 1889-1964م) وإبراهيم عبد القادر المازني (1298-1369 هـ 1880-1949م)، أضاع عليه فرصة التأثير في الساحة الأدبية، فقد شد هؤلاء الثلاثة إليهم الأنظار، وأثاروا زوبعة كبيرة غطى ضجيجها على مطران وغير مطران. والحق أن الديوانيين الثلاثة هم الذين جعلوا إدخال التغييرات على الشعر قضية كبيرة، وهم الذين قادوا أول انعطاف حقيقي في النقد العربي الحديث، وهيئوا المناخ لتضخم قضية الحداثة وانتشارها فيما بعد. وقد وقفت في مقالة سابقة نشرت في هذه المجلة على جوانب من تحديثهم ومدى إسهامهم في دفع القضية[8]، لذلك أكتفي هنا بإيجاز نتائجها فيما يلي:

كان الأعلام الثلاثة على قدر كبير من الثقافة - ولا سيما الثقافة الإنجليزية - وقد درسوا آدابها وأخذوا من شعرها ونقدها عددا من الأصول والمفهومات، وأدخلوها في شعرهم ودعوا إليها في نقدهم، فكانوا كـما يقول العقاد نفسه: "مدرسة لا شبه بينها وبين من سبقها في تاريخ الأدب العربي الحديث، فهي مدرسة أوغلت في القراءة الإنكليزية، ولم تقتصر قراءتها على أطراف من الأدب الفرنسي- كـما كان يغلب على أدباء الشرق الناشئين في أواخر القرن الغابر- وهي على إيغالها في قراءة الأدباء والشعراء الإنجليز لم تنس الألمان والطليان والروس والأسبان واليونان واللاتين الأقدمين، ولعلها استفادت من النقد الإنجليزي الحديث فوق فائدتها من الشعر وفنون الكتابة الأخرى، ولا أخطئ إذا قلت إن "هازلت" هو إمام هذه المدرسـة كلها في النقد لأنه هو الذي هداها إلى معاني الشعر والفنون وأغراض الكتابة ومواضع المقارنة والاستشهاد"[9].

وأهم جوانب تحديث الديوانيين هي: إضافات في مفهوم الشعر ومحتواه وبعض قواعد الشكل فيه.

أ- في مفهوم الشعر: كان الشعر عند البارودي وتلاميذه صناعة متقنة تقوم على مجموعة من القواعد والقوانين، وقد رفض الديوانيون هذا المفهوم، وقرروا أن الشعر إبداع يعبر عن ذات الشاعر، ويصور عالمه الداخلي، بكافة مناحيه وطاقاته النفسية، ويصدر عن الشعور ويضطرب بالعاطفة، يقول عبد الرحمن شكري في تعريف الشعر: "هو كلمات العواطف والخيال والذوق السليم، فأصوله الثلاثة متزاوجة"[10].

ب- في مضمون الشعر: اهتم الديوانيون بالقضايا الوجدانية، ووجهوا الشعر نحو استبطان الذات والتعبير عن الاحساسات الفردية، وقلما اهتموا بالقضايا العامة التي كان يهتم بها شوقي وحافظ وأحمد محرم.. الخ.

ج- في شكل الشعر:

دعا الديوانيون إلى الوحدة العضوية في القصيدة لتكون "كالجسم الحي يقوم كل قسم فيها مقام جهاز من أجهزته، ولا يغني عنه غيره في موضعه"[11]، ودعوا إلى تطوير الصورة  الشعرية لتكون تعبيرا عن شعور أو قضية، وهاجموا الصورة الشعرية عند شوقي، واتهموها بالافتعال والمبالغة والسطحية والحسية.

كـما دعوا إلى التحرر من القافية الموحدة، ورأوا أنها قيد على الإبداع، يقول العقاد: "ليس بين الشعر العربي وبين التفرع والنماء إلا هذا الحائل، فإذا اتسعت القوافي لشتى المعاني والمقاصد وانفرج مجال القول، بزغت المواهب الشعرية على اختلافها، ورأينا بيننا شعراء الرواية، وشعراء الوصف، وشعراء التمثيل"[12].

تلك هي أهم ملامح الحداثة التي دعا إليها الديوانيون. ويعزو النقاد أصول دعوتهم إلى الرومانسية الإنجليزية التي تأثروا بها، فيذهب الدكتور محمد مندور إلى أن المنهج الشعري الذي اختارته هذه المدرسة ودعت إليه هو نفس المنهج الشعري الذي صدر عنه جامع "الكنز الذهبي"[13] في اختيار ما اختاره من الشعر الغنائي الإنجليزي. وقد قام الباحث محمد عبد الهادي محمود بتتبع هذه الأفكار عند عدد من الشعراء والنقاد الإنجليز، وأثبت أنها منقولة عنهم[14].

ولم ينكر الديوانيون هذا التأثير، بل أعلنوه على رؤوس الأشهاد، كـما رأينا في حديث العقاد عن مصادر ثقافتهم الإنجليزية قبل قليل.

ولاشك أن الديوانيين قد جاؤوا الشعر العربي في هذا العصر بعدد من القيم الفنية، استمدوا معظمها من الأدب الغربي، وأفادوه في عدة جوانب منها: إعادته إلى التعبير عن الـوجـدان الفردي بإِخلاص وصدق، كـما كان في شعـر معظم الشعـراء الجـاهلين والإسلاميين، والشعراء الغزليين، والصوفيين، وأصحاب الاتجاهات الفردية، كابن الرومي والمتنبي (في غير مدائحه) وأبي فراس الحمداني وأبي العلاء المعري... وغيرهم من الفرديين الذين لم يخل منهم عصر من العصور. وعلى ذلك فإن دعوة الديوانيين ليست جديدة كل الجـدة على الشعر العربي، وليست نابعة - أيضا - من التيار الوجداني العربي، وإنما من الرومانسية الغربية.

وكذلك الأمر بالنسبة لآرائهم النقدية، فهي أيضا نتيجة من نتائج تأثرهم العميق بثقافتهم الإنجليزية، ولعل هذا هو الذي يفسر لنا التفاوت الكبير بين دعوتهم النظرية وتطبيقهم العملي، فشعرهم - ولاسيما شعر العقاد، ثم شعر المازني - لا يحقق أحيانا المبادئ التي دعوا إليها، ولا يخلوا من المعاني التي هاجموها بشدة. والطريف أن العقاد نفسه - وهو أعنف زملائه في الهجوم على الشعر التقليدي - وقع في الفخ الذي نصبه من قبل لأمير الشعراء أحمد شوقي، فقد أخذه الناقد محمد مندور بجريرة تفكك القصيدة وضياع وحدتها العضوية، وطبق عليه الطريقة نفسها التي اتبعها هو في تحليل قصيدة شوقي، وكال له بالمكيال الذي استخدمه في الهجوم على شوقي![15].

والأمر الذي يحسب للديوانيين أنهم فتحوا الباب لرياح الحداثة أوسع مما فتحه أية داعية من قبل، وأنهم جرؤوا من بعدهم أن يدفعوا الباب بحدة أكثر، إلى أن جاء من يقتلعه نهائيا.

وقبل أن نتحـدث عن تلك المراحل، نلتفت قليلا إلى بيئة أدبية ساندت حداثة الديوانيين وعززت أثرها في الساحة الأدبية، تلك هي بيئة المهجريين، الذين رفعوا أصواتهم من خلف الآفاق، فآزروا الديوانيين، وشاركوهم في التأثير على الجيل التالي من الشعراء والنقاد.

تحديث المهجريين:

لقي الأدب العربي الذي أنشأه المهاجرون العرب إلى الأمريكـتين عناية فائقة في بلادنا. فقد اهتمت به المؤسسات الثقافية الرسمية والخاصة، وعكف عليه عدد من الدارسين يحللونه ويظهرون جوانب الإِبداع فيه، ونسبوا إليه فضل السبق والريادة في عدد من الجوانب، فجعلوه مرحلة مهمة من مراحل الحداثة في عصرنا الحاضر[16].

ويجمع هؤلاء الدارسون على أن الموجهين الحقيقيين للحركة الأدبية في المهجر، ورواد الحداثة فيها، أربعة أدباء هم: أمين الريحاني (1293-1365هـ 1876-1945م) وجبران خليل جبران (1301-1350هـ 1883-1931م) وميخـائيل نعيمة (1307-1408هـ 1889-1988م) وإيليا أبـو ماضي (1308-1377هـ 1890-1957م). وكـان هؤلاء الأربعة على درجة عالية من الثقافة الغربية، أما ثقافتهم العربية فلم تكن واسعة، لأنهم انقطعوا عن مصادرها في تلك الأصقاع النائية، ولم تكن دراستهم في بلادهم- قبل الهجرة - واسعة. يقول ميخائيل نعيمة في ذلك: "إن أدباء المهجر - بما فيهم أعضاء الرابطة القلمية - لم يكونوا من ذوي الثقافات العميقة، ولم تهيئهم مدارسهم في وطنهم للمركز الممتاز الذي شغلوه في عالم الأدب"[17].

وقد اتخذ الأدب المهجري منذ نشأته سمة التمرد والثورة على التراث، وكان رائده الأول- أمين الريحاني - ذا مزاج ثوري حاد، وهو صاحب أول دعوة إلى الشعر المنثور في الأدب العربي، ومن أشد المتحمسين له، وكان الرائد الثاني - جبران خليل جبران - ثورة عارمة على المقاييس اللغوية والشعرية التراثية كلها. وكان ميخائيل نعيمة - فيلسوف الحركة المهجرية وناقدها الأول - يدعو إلى تغييرات مهمة في مفهوم الأدب ووظيفته، وقد سجل معظم المبادئ التي دعا إليها المهجريون في كتابه النقدي "الغربال"، أما إيليا أبو ماضي فقد آثر أن يكون تجديده عمليا، يطبقه في قصائده المتوالية دونما ضجة.

وقـد أدخـل المهجريون - ولا سيما الرواد - إلى الشعر العربي ونقده عدة مفهومات جديدة، ووجهوا محتوى الشعر وجهة جديدة، وتركوا في أسلوبه بصمات خاصة، أثرت في جيل ما بين الحربين في المهجر وفي البلاد العربية.

وكـان تجديدهم في موضوعـات الشعر أقوى من أي تجديد آخر، فقد ثاروا. على الموضوعات التقليدية الصلدة كالمديح والهجاء والنسيب، واتجهوا إلى استبطان النفس البشرية وكشف صراعاتها الداخلية، والتأمل العميق في الكون والحياة وتوثيق الصلة بالطبيعة، والتفكير من خلالها، وتحايلوا على أشد الموضوعات الفلسفية صلابة فصبغوها بلون شعري، كقضايا الموت والخلود والروح، ونمت في قصائدهم نزعة إنسانية قوية، تدافع بضراوة عن حقوق الإنسان، وتنشد العدالة المطلقة، وتدعو إلى المحبة. كـما ظهرت في أشعارهم الروابط الأسرية، ومن الطبيعي أن تظهر وتشتد، فالغربة والحنين إلى الوطن ومن فيه يجعلان أوهن الروابط قوياً متيناً، لذلك كانت الغربة والحنين المحورين اللذين تلتقي عندهما قصائد المهجريين بعامة.

ومن المؤكد أننا نجد صورا لهذه الموضوعات في الشعر العربي القديم، ولكن هذه الصور قليلة، تزاحمها الموضوعات التقليدية السائدة آنئذ، وهذا ما يجعلنا نقول: إن المهجريين قد وجهوا الشعر العربي في العصر الحديث إلى العناية بهذه الموضوعات، وأعطوها صدارة القصائد، وجعلوا شعرهم مثالا عمليا يحتذيه كثيرون من بعدهم. ولا شك أن مرارة الغـربـة والصعـوبات الكثيرة التي واجهتهم في سبيل لقمة العيش، والروح الشرقية التي صدمتها الحضارة الغربية، والثقافة النصرانية التي يصدر عنها هؤلاء، هذه العوامل كلها قد ساعدت على تألق الموضوعات الجديدة في الأدب المهجري. يضاف إلى ذلك أن اطلاعهم على جانب من الفلسفة التي تُعنى بالروح من وجهة نظر غربية، كفلسفة امرسون، والأعمال الأدبية المتأثرة بها، قد ضاعف اهتمامهم بالموضوعات الإنسانية الجديدة، يقول صاحبا كتاب "الشعر العربي في المهجر" في هذا الشأن: وربما سمعوا أو قرأوا شيئا من فلسفة امرسون عن الطبيعة، " المعلم الأكبر" أو عن "غاب ثورو" وربما يأتي إليهم- بطريقة ما- صوت الشاعر "ويتمان" وهو يرى أن الإنسان قد يستطيع تحقيق حريته فيحرر عقله وجسمه عن طريق الديمقراطية، ويحرر قلبه عن طريق الحب، ويحرر روحه بالدين....... ولكننا نعلم أن هذا الاتجاه الأمريكي نفسه هو وليد اتجاه أوربي عند "كانت" و "كولريدج" و "بليك" و "وردزورث" و "روسو"، وقد اتصل جـبران بهذا الموروث من خلال "بليك" و "نيتشه"[18]. والمعروف أن جبران هو أكثر الشعراء المهجريين استبطانا لذاته، وأكثرهم التصاقا بالطبيعة، وأنه أغرم - أثناء وجوده في فرنسا - بوليم بليك، وقرأ مؤلفاته، وتأثر بها في اختيار موضوعاته[19]، ولاسيما موضوعات العناية بالنفس والروح والعالم العلوي - حسب التصور النصراني - ومن جبران سرت هذه الموضوعات إلى عدد من الشعراء المهجريين، ومن ثم إلى عدد من الشعراء المشرقيين.

وفي ميدان الشكـل يتمثل تحديث المهجريين في عدة جوانب، أهمها جانبان هما: التشكيل الموسيقي و المعجم الشعري.

أ- تحديث المهجريين في الشكل الموسيقي:

كثيرا ما تحدث الدارسون عن أثر المهجريين في موسيقى الشعر العربي الجديدة، وكثيرا ما عدوهم ممهـدين للتغييرات الواسعـة التي نادى بها الحـداثيون فيما بعد، والحقيقة أن تجديدهم في هذا الميدان ليس كبيرا، وأنه في معظمه دعوة نظرية لم تطبق تطبيقا كاملا قط. فقد دعا أمن الريحاني إلى الشعر المنثور، وكتب نماذج منه، وظل متمسكا به إلى آخر حياته[20]، ولكن دعوته لم تنتشر بين الشعراء المهجريين، وظل هؤلاء مخلصين لإطاري القصيدة والموشح، يدخلون عليهما في بعض الأحيان تنويعات بسيطة لا تخرجهما عن بنيتهما الأساسية[21].

وهاجم ميخائيل نعيمة الأوزان والقوافي، ونادى بالتخلص منها، لأنها في اعتباره زخارف لا قيمة لها، تشبه زخارف المعابد. قال: لقد وضع الناس للشعر أوزانا مثلما وضعوا طقوسـا للصلاة والعبادة، فكـما أنهم يتأنقون في زخرفة معابدهم لتأتي لائقة بجبروت معبودهم، هكذا يتأنقون في تركيب لغة النفس، لتأتي لائقة بالنفس، وكـما أن الله لا يحفل بالمعابد وزخرفتها، بل بالصلاة الخارجة من أعماق القلب، هكذا النفس لا تحفل بالأوزان والقوافي، بل بدقة ترجمة عواطفها وأفكارها. فلا الوزن ولا القوافي من ضرورة الشعر، كـما أن المعابد والطقوس ليست من ضرورة الصلاة والعبادة. فرب عبارة منثورة، جميلة التنسيق، موسيقية الرنة، كان فيها من الشعر أكثر مما في قصيدة من مئة بيت بمئة قافية[22].

وتطرف في هجومه على موسيقى الشعر العربي، فعد الزحافات والعلل أوبئة تصيب القصيدة، ولم يحسبها تنويعا موسيقيا يثري نغمها، فقال: "والزحافات والعلل أوبئة تتنزل بأوزان الشعر العربي فتحرك ساكنا أو تسكن متحركا، وتقضم حرفا هنا ومقطعا هناك، وقد عني بها الخليل عناية خاصة، فأعطى لكل منها اسما ورتبها في أبواب وفصول، وهي أكثر عدا من خطاياي!"[23].

غير أن نعيمة يناقض نفسه في قضية الوزن، فهو يهاجمه في مكان من غرباله ويشيد به في مكان آخر منه، فيقول مبينا أهميته وأثره في تنسيق موسيقى الشعر: "الوزن والتناسب أخوان لا ينفصلان، والشاعر الذي يعانق روحه روح الكون يدرك هذه الحقيقة أكثر من سواه. لذلك نراه يصوغ أفكاره وعواطفه في كلام موزون منتظم. الوزن ضروري، أما القافية فليست من ضروريات الشعر لاسيما إذا كانت كالقافية العربية بروي واحد يلزمها في كل القصيدة"[24].

وبذلك يتراجع عن رأيه السابق الذي يجعل الوزن كالنقوش في المعابد لا قيمة لها، ويقترب من الديوانيين الذين يتمسكون بالوزن ويتساهلون في أمر القافية.

وقد قام الباحث شفيع السيد بدراسة شعر نعيمة دراسة مستفيضة، وتوصل إلى أن نعيمة الشاعر غير نعيمة الناقد، فهو لا يطبق دعوته النقدية في شعره، ولا يتخلى عن الأوزان الخليلية[25]، وكل ما فعله هو الخروج على ما أثر عن العرب في الزحافات والعلل، وعمل تشكيلات موسيقية جديدة لا تخرج عن الوحدة النغمية القديمة، كـما أنه استغل إطار الموشح استغلالا كبيرا.

كذلك فعل جبران خليل جبران، وإيليا أبو ماضي، ونسيب عريضة، وسائر المجددين من شعراء المهجر[26].

وبوجه عام لم تخرج موسيقى القصيدة المهجرية عن الأسس التي يقوم عليها نظام الموشح من حيث التزام التماثل التام في الوزن والقافية بين المقاطع، فالمقطع في القصيدة المهجرية يقوم مقام البيت في القصيدة التقليدية وفي الموشح معا. الأمر الذي يجعل الباحثين يجزمون بأن هذه الظواهر امتداد لما جاءت به الموشحات الأندلسية، فهم كـما يقول عنهم عيسى الناعوري: وجدوا الطريق أمامهم مشقوقة وليس عليهم إلا أن يطوروها التطور الذي يقتضيه الفن الرفيع، ويبلغ بها المرحلة التي تجعل من الشعر رفيقا للنفس وتصويرا للإحساس، ولكن وعلى الرغم من ارتباطهم بأنظمة الموشحات فثمة أنغام خاصة في موسيقاهم الشعرية، وصلوا إليها بتفننهم في نغم الموشح، وخروجهم على نظامه الرتيب. كـما أنهم مع اعتمادهم على نظام المقطوعة، أحدثوا تنويعات موسيقية في قصائدهم، فقد تكون هذه المقطوعة ثنائية أو ثلاثية أو رباعية أو خماسية غير أن هناك تنويعاً داخل الثنائية أو الثلاثية في بعض الأحيان[27].

وفي ميدان اللغة، كانت ثورة المهجريين عارمة في التنظير، ومحدودة في التطبيق. فقد دعا ميخائيل نعيمة إلى تطوير اللغة، وفتح الباب أمام الشعراء والأدباء ليدخلوا الكلمات التي يرونها دون عائق. وهاجم بعنف أحد النقاد المصريين لأن هذا الناقد أخذ على جبران استخدامه كلمة (تحمم) مكان استحم، ورفض الاحتكام إلى القواميس، وجعل ذوق الشاعر الحكم الفيصل في هذه القضايا قال: "لماذا جاز لبدوي لا أعرفه ولا تعرفونه أن يجعلها تحمم، ولا يجوز لشاعر أعرفه وتعرفونه أن يجعلها تحمم؟ وأنتم تفهمون قصده، بل تفهمون تحمم قبل استحم"[28].

وفي يقيني أن الـذوق وحـده لا يكفي حكـما لقبول الكلمات الجديدة، وهو معيار شخصي جدا، ولا يجوز أن يتدخل في لغة لها قواعدها وأصولها التي استقرت منذ قرون عديدة. لذلك لم يرض العقاد عن رأي نعيمة، وأعلن مخالفته الصريحة له في المقدمة التي كتبها للغربال فقال: "الأديب في حل من الخطأ في بعض الأحيان، ولكن على شرط أن يكون الخطأ خيرا وأوفى من الصواب، وأن يكون مجاراة التطور فريضة وفضيلة، ولكن يجب أن نذكر أن اللغة لم تخلق اليوم فنخلق قواعدها وأصولها في طريقنا، وأن التطور إنما يكون في اللغات التي ليس لها ماض وقواعد وأصول. ومتى وجدت القواعد والأصول فلماذا نهملها أو نخالفها؟ إلا لضرورة قاسرة لامناص منها؟[29].

وفي الحقيقة كانت ثورة المهجريين على اللغة نظرية أكثر منها تطبيقية أيضا، فقد كتبوا أشعارهم بالفصحى وقلما خرجـوا عنها. لكن معظمهم كان يعاني من ضعف محصوله اللغوي، وكـان يقع في الخطأ، فتحول ضعفهم وتساهلهم إلى دعوة للتجديد، ولقبول الاستعمالات غير الفصيحة ما داموا قد استعملوها.

وقـد ساعدهم على التساهل في اللغة مزاجهم الرومانسي، فمن طبيعة هذا المزاج رفض القيود في كل شيء، وإيثار اللغة اللينة ولو أدى الأمر إلى استخدام بعض الكلمات العامية في القصائد، كـما أنه ينفر من قوة التركيب وجزالته.

ومن الضروري أن نتحـرز - ونحن نذكـر هذا - فنؤكد أن المجيدين منهم كنعيمة وجبران والريحاني وعريضة وإيليا أبو ماضي.. ونفر آخر قليل من المهجريين كانوا رغم أخطائهم يحسنون استخدام اللغة في شعرهم، حتى أن الدكتور مندور أعجب بها إعجابا شديدا، وعدها القمر التي لا يصل إليها إلا الأفذاذ من الشعراء[30].

ولاشك أن هؤلاء الشعراء استطاعوا أن يصفّوا لغتهم ويخلصوها من النبرة الخطابية، كـما استطاعوا أن يصقلوا عباراتهم لتعبر عن أعماق ذواتهم، ولكنهم في اعتقادي لم يصلوا إلى القمة التي يشير إليها الدكتور محمد مندور.

وأخـيرا نشـير إلى التجـاوب الكبير الذي قام بين جماعة الديوان في مصر، وجماعة المهجريين في المهجر الأمريكي، ولاسيما جيل نعيمة ومن بعده، وتبدو صورة التجاوب في المقدمة التي كتبها العقاد لغربال نعيمة، حيث رحب العقاد بالغربال ووافق على المبادئ النقدية التي وردت فيه، باستثناء تحفظ واحد في قضية اللغة[31].

وقد أثمر هذا التجاوب مساندة قوية لآراء الديوانيين، وأسهم في دفع عملية التغيير في الأدب العربي الحديث ونقده، فتضافرت جهود جماعة الديوان مع دعوة المدرسة المهجرية في توجيه الشعر وجهة وجدانية لا تزال آثارها تلازمه حتى اليوم، كـما أثرت جهود المدرستين في إنتاج "جماعة أبولو"، وفي إنتاج شعراء ما بين الحربين في عدد من البلاد العربية. فكان شعـراء أبولو مثالا لاستمرار عملية التحديث في الشعر العربي. وهذا ما سنقف عليه في الفقرة القادمة.

تحديث (جماعة أبولو)[32]:

تضافرت جهود خليل مطران والديوانيين والمهجريين في إدخال قيم حديثة إلى الشعر العربي، وتعاونت على توجيهه نحو الخط الرومانسي، فكان التيار الرومانسي العربي في الشعر، يبدأ بخليل مطران، ويقوى بشعر الديوانيين والمهجريين، ويتكامل في شعر جماعة أبولو ونظرائهم.

ويمثل شعر جماعة أبولو تطور الحركة الشعرية في الثلاثينيات من هذا القرن الميلادي.

وعلى الرغم من تباين اتجاهات شعرائها، فثمة سمات عامة تغلب على معظمهم أهمها: الرغبة في تحديث الشعر ودفعه خطوة أخرى بعد الديوان، والتأثر القوي بالثقافة الغربية، والإعجاب الكبير بمبادئ الرومانسية الغربية.

وقد سار شعراء جماعة أبولو المجددون في ركب الديوانيين، وقدموا الصورة التطبيقية الناجحة لدعوتهم، فاهتموا بتناسق الشكل والمضمون في العمل الشعري، وعنوا بالوحدة العضوية عناية خاصة، حتى أننا لنرى هذه الوحدة تنتظم معظم شعرهم، وسعوا إلى التجديد في موسيقى الشعر، فتابعوا عبد الرحمن شكري في تلوين القافية وإرسالها، وكتبوا الشعر المرسل، والمتعدد القافية، فضلا عن الشعر المقفى، ثم اندفعوا خطوة أبعد من ذلك ودعوا إلى الشعر الحر. 

ومن المفيد أن نتوقف هنيهة عند الشعـر الحر الـذي دعوا إليه لتداخله - في الاصطلاح - مع الشعر الحر الذي دعت إليه نازك الملائكة فيما بعد.

الشعر الحر - كـما نظمه بعض شعراء جماعة أبولو - شعر يخرج في تشكيله الموسيقي عن قواعد العروض في شيئين: الأول أنه يجمع بين بحور مختلفة في قصيدة واحدة، بحيث يمكن أن يكون كل بيت على وزن يختلف عن وزن البيت الذي يجاوره، ولكنه لا يخرج على الأوزان الخليلية المقررة، بل يلتزم بها التزاما تاما في البيت الواحد على الأقل.

والثاني أنه يتحرر من القافية تحريرا تاما. فلا تجد في القصيدة أية قافية تربط بين الأبيات. ومثال هذا الشعر قول الدكتور أحمد زكي أبو شادي في قصيدته "مناظرة وحنان" حيث يقول[33]:

وجلسن بين تناظر متأملات في المرائي

فلم التناظر

الحسن وحدته تجل وإن تنوع أو تباين

فله الجلالة

وللمحبين أشواق وتقديس

هيهات يحصرها داع إلى حصر

فالحسن سلطان والجوهر الأسنى

لا قسمة المظهر

مهما ازدهى وغلا

وكأنما الأزهار وقد حنن إلى التناظر

ويعد هذا اللون من الشعر أول محاولة لكتابة الشعر الحر بإيقاع شعري لا نثري، إذ أن محاولة أمين الريحاني في الشعر المنثور لم تكن تهتم بالوزن على الإِطلاق.

وقد تبنى هذه الدعوة الدكتور أحمد زكي أبو شادي، ودافع عنها بحماسة فائقة. ويرى الباحث س. موريه أن أبا شادي استقى فنية الشعر الحر من الشاعر "الجرنون تشارلز سونيرن" وأن دفاعه عن هذا النمط في وجه منتقديه مقتبس من كتاب "هاربيت مونور" (الشعراء وفن الشعر) حيث ناقشت المؤلفة حركة الشعر الحر في إنكلترا وأمريكا، وأن بعض عباراته منقولة عنها كلمة بكلمة[34]

لكن أبا شادي - كـما يقول موريه - لم يصل في قصائده الحرة إلى تلك التكتيكات الخفية التي يتقنها الشعراء الغربيون أمثال: أزرا باوند وهيلدا دولتيل وريتشارد الدينجتون، وبخاصة ما يتعلق باختيار البحور المناسبة للتجربة، وطريقة استخدامها، وتنويعها في القصيدة بتوقيت دقيق حسب تغير الحالة الشعورية، مع إضافة مجموعة من الحيل الموسيقية المعوضة عن فقدان القافية وتغير الوزن[35].

لذا لم تكن قصائده نموذجا يشجع جمهور الشعراء على احتذائه، كـما لم يكن أنصاره كثيرين، فقد كانت الاستجابة لدعوته محدودة، لا تجاوز عددا من شعراء جماعة أبولو، في حين رفضها معظم الشعراء والنقاد. أما أبوشادي نفسه فقد دافع عن دعوته بحرارة، وعدها تحديثا للشعر العربي يساعده على الانتقال من الغنائية إلى الدرامية، وهاجم خصمه، وعلل إعراضهم عن دعوته بجهلهم، أو بسبب خصومة شخصية، قال: وإني إذا عذرت من لا يقدِّرون قيمة الشعر الحر والشعر المرسل وتنويع الأوزان والابتداع فيها، وأثر كل ذلك في تحرير التعابير الشعرية من القيود الثقيلة، ودفعها حرة لتكون للأدب العربي شعرا دراميا قويا بعـد أن حرم من ذلك طويلا في ماضيه، إذا عذرت هؤلاء، فإني لا أعذر من يجازفون بأحكامهم تبعا للمحبة والكراهية[36]

وإذا جاوزنا الشعر الحر باحثين عن جوانب أخرى لحداثة جماعة أبولو فلن نعثر على كثير. ذلك أن هذه الجماعة لم تخرج في أهدافها عن الأسس العامة التي وضعها الديوانيون، ولم تضف جديدا إلى دعوتهم، فضلا عن تباين اتجاهات شعرائها، وقد عدها الدكتور محمد مندور صورة مكررة للديوانيين، فقال: إننا لا نستطيع أن نحدد لهذه المدرسة - ولأبي شادي رائـدها خاصة - مذهبا محددا من مذاهب الشعر التي عرفها الأوربيون، كالرومانسية أو الواقعية أو الرمزية، وإنما الذي يتفقون عليه هو نفسه ما اتفقت عليه جماعة الديوان من قبل أي: الدعوة للتجديد والتحرر من التقاليد العربية التي تحجرت[37].

ويرجع الفضل إلى أبي شادي في تعميق الرغبة في الحداثة عند عدد من شعراء جماعة أبولو، فهو الذي تولى النقد والتوجيه على صفحات مجلتها، معتمدا على ثقافته الواسعة واتصاله الوثيق بالأدب الإنجليزي.

والملحوظ أن ثقافة أبي شادي تشبه ثقافة الديوانيين، ولعل هذا سر تشابه دعوته مع دعوة الديوانيين، فقد استقى من المنابع التي وردوها، وتأثر بمنهجهم في النقد.

وهكذا يجتمع دعاة التجديد من شعراء جماعة أبولو مع الديوانيين، ومع المهجريين، للعمل على "تحديث الشعر العربي" ومضمون هذا التحديث هو: إدخال عدد من مبادىء الرومانسية الغربية إلى الشعر العربي ونقده، فهؤلاء الشعراء - ابتداء بخليل مطران وانتهاء بعلي محمود طه - اطلعوا بنسب متفاوتة على الأدب الغربي، وأعجبوا بالشعر الرومانسي ونقده، وأسهموا في ترجمة الآثار الأدبية الرومانسية إلى الأدب العربي، وكتبوا المقالات للتعريف بالرومانسية وأدبائها، وطبقوا عددا من مبادئها الرئيسة في أشعارهم.

نخلص من ذلك كله إلى القول: إن قضية الحداثة قد نمت عند "الرومانسيين العرب": الديوانيين والمهجريين وجماعة أبولو، وان مفهومها الأساسي هو: الاستفادة من بعض القيم الفنية في الشعر الغربي ونقده.

وقد استمرت قضية الحداثة خلال الحرب العالمية الثانية، وتكررت الكتابات فيها، وكانت الآراء متناقضة، تعيد صورة الخلاف بين الديوانيين وخصومهم. إذ أثيرت قضية الشعر المرسل في سلسلة من المقالات كتبها دريني خشبة[38] وتحول العقاد عن مناصرته لها، ورأى أن القضية حلت نهائيا باعتماد القافية المنوعة[39]، ودخل الدكتور محمد مندور حلبة النقد بعد عودته من فرنسا، فأثار قضية القاموس الشعري الجديد من خلال دعوته إلى الشعر المهموس، وتخطى المفهوم التقليدي للشعر، وهاجم شعر العقاد، وعد الشعر المهجري - في نماذجه الجيدة - مثالا لما يجب أن يكون عليه الشعر العربي الحديث[40]. وما لبث أن دعا الأدباء صراحة إلى الأخذ بأدب أوربا في أنواعه المستحدثة[41]، وكتب سلسلة من المقالات درس فيها قضايا الوزن والقافية في موسيقى الشعر الغربي وموسيقى الشعر العربي وشرح الفروق بينهما[42].

وهكذا ترتبط الحداثة في الشعر العربي - إلى حد بعيد - بالأخذ عن الشعر الغربي ونقده بعض المبادىء الجديدة على الشعر العربي، حتى أن نعيمة يقول بصراحة تامة: إن ما تعود البعض (كذا) أن يدعوه نهضة أدبية عندنا ليس سوى نغمة هبت على بعض شعرائنا وكتابنا من حدائق الآداب الغربية، فدبت في مخيلاتهم وقرائحهم كـما تدب العافية في أعضاء المريض بعد إبلاله من سقم طويل[43].

ولا تخلو دعوة من دعوات التجديد في هذه الفترة من شيء مما قاله نعيمة، حتى "العقاد" الذي وقف مواقف ثابتة من الشعر الغربي، يستند فيها إلى فهم عميق للشعر العربي، وارتباط كبير به، فإن دعوته إلى تحديث الشعر العربي ليست في الحقيقة إلا دعوة لإدخال عدد من القيم الغربية - والإنجليزية الرومانسية بخاصة - إلى القصيدة العربية. حتى الآن اقتصر حديثنا في قضية الحداثة على الحركة الشعرية في مصر، والحقيقة أن الحركة الشعرية لم تكن محصورة في مصر وحدها. ولم يكن التطور وقفا على إنتاج شعرائها. بل كان موزعا هنا وهناك في أطراف البلاد العربية. ولكن من الواضح تماما أن قيادة الحركة الشعرية في مطلع العصر الحديث، بدءاً بانعطاف محمود سامي البارودي إلى قمم الشعر العربي الأصيل ووصولا إلى الدعوة الرومانسية، كان في مصر، أو لنقل كان صوتها القوي في مصر، وذلك لأسباب كثيرة: فمصر كانت أسبق البلاد العربية إلى الاحتكاك بأوربا، جاءتها الحملة الفرنسية في نهاية القرن الثامن عشر الميلادي، وخرجت منها في مطلع التاسع عشر، ومصر أسبق البلاد العربية إلى تكوين حكم ذاتي قوي، ينافس الدولة العثمانية إلى درجـه كاد أن يزحزحها عن بلاد الشام، وأسبق شقيقاتها إلى إرسال البعثات العلمية والاتصال بالثقافة الغربية. لذا من الطبيعي أن تزدهر حركة الثقافة فيها، وأن تتسرب إليها ألوان من الثقافة الغربية، ثم تنتقل منها إلى البلاد العربية الأخرى. وقد سهل هذا الانتقال تنقل المثقفين بين الأقطار العربية، ورحيل عدد منهم إلى مصر، سواء للإقامة فيها - كـما فعل الكواكبي ومطران وغيرهما - أو مرورا بها للتزود من مواردها الثقافية، كـما فعل جميع طلاب الأزهر من غير المصرين، ومنذ منتصف القرن الماضي، أو لنقل منذ ظهور البارودي في مصر ظهرت في الأقطار العربية الأخرى بوادر التغير في الشعر. لكنها لم تلق النجاح الذي لقيته حركـة البارودي. لذا نقول بثقة واطمئنان إن ريادة تحديث الشعر كانت في مصر، وإن انتشارها بدأ في مصر، على الرغم من وجود مظاهر لها في البلاد العربية الأخرى، وإن هذه الريادة استمرت حتى نهاية الحرب العالمية الثانية، ثم انتقلت منها إلى البلاد العربية الأخرى، وبالذات إلى العراق ولبنان. ذلك أن سيطرة المحتلين الأوربيين على معظم البلاد العربية ولا سيما بلاد الشام والعراق، وشيوع الثقافة الغربية في هذه البلاد، أثر في ريادة مصر، وجعل المثقفين يتحولون عنها ليصيبوا من الموارد التي أصابها المجددون في مصر. حتى إذا كانت نهاية الحرب العالمية الثانية، أخذ هؤلاء المثقفون ينقلون النزعات الحديثة في الغرب عن أصحابها مباشرة دون المرور بمصر، واستطاعوا أن يأخذوا في بعض القضايا الشعرية دور الريادة، لذا، واستكـمالا لقضية الحـداثة في الشعر العربي، أرى من الضروري أن أعرض (خطفاً) الحركة الشعرية في بعض البلدان العربية، لنصل الي رؤية شاملة لقضية حداثة الشعر العربي.

قبل النهضة كان التشابه بين الأقطار العربية كبيرا، فجميعها متخلفة علميا وأدبيا واجتماعيا، والشعر في جميعها متشابه في جموده وارتباطه بالأسلوب البديعي المتكلف.

وكـما بدأت بوادر التغيير في مصر إثر رحيل الحملة الفرنسية، فإن بوادر التغيير في سورية بدأت إثر انتشار المدارس التبشيرية في الساحل وفي عدد من المدن الكبرى، فقد أعدت هذه المدارس طلابها ليكونوا طلائع التغيير القادم.

غير أن ريادة هؤلاء لم تنجح، لأنها حاولت أن تقفز من مرحلة التخلف الشديد إلى مرحلة تقليد الشعـر الغربي وتطعيم الأدب العربي بالمفهومات الغربية، ولم يكن لخريجي المدارس التبشيرية هؤلاء صفات الريادة المؤثرة، ولم يكن في المجتمع من يتحمس لآرائهم ودعـواتهـم. ومن أشهـر أولئك "الـرواد": بطرس البستـاني (1316- 1389هـ -  1898-1969م) وسليم البستاني (1265-1301هـ - 1848-1884م) وإبراهيم اليازجي (1316-1372هـ - 1898-1953م) ورزق الله حسـون (1241-1298هـ - 1825-1880م) وقسطاكي حمصي (1275-1360 هـ - 1858-1941م).

ويعد رزق الله حسون أسبقهم إلى الدعوة للتحديث، فقد نادى في وقت مبكر بإهمال القافية في الشعر، لأنها في اعتقاده ليسـت من عناصر الشعر الأساسية، قـال: "فالشعر نظم موزون، وليست القـافية تشترط إلا لتحسينه، فقد كان الشعر شعرا قبل أن تُعرف القافية"[44].

وقـد طبق رزق الله حسون دعوته هذه في إحدى قصائده، فنظم جزءا من "نشيد الإنشاد" في قصيدة غير مقفاة[45] (43)، وتبعه بولس شحادة الذي دعا صراحة إلى وجوب اقتفاء الشعراء الأوربيين في انتشار الشعر غير المقفى، وطبق دعوته أيضا في قصيدة ترجم فيها جزءا من مسرحية  "يوليوس قيصر" لشكسبير[46].

ولم تلق هذه الـدعوات أية استجابة لدى الأدباء، ولا لدى الجمهور، وربما يكون السبب في ذلك- إضافة إلى ما قدمته عن صعوبة الانتقال من مرحلة الجمود إلى مرحلة الشعر الأوربي مباشرة، وعدم وجود جمهور يستسيغ التقنية الأدبية الأوربية - هو ضعف القصائد التي قدمها حسون وشحادة لتكون نماذج للدعوة الجديدة، وفي الحقيقة فإن شعر هؤلاء في جملته ضعيف لا يملك قوة شعر البارودي وإشراقة ديباجته.

وعندما جاء الجيل الثاني، جيل محمد البزم (1305-1375هـ - 1887-1955م) وتامر الملاط (1237-1333هـ - 1856-1914م) وإلياس صالح (1254-1303هـ 1839م) وشـفـيق جبري (1316-1400هـ - 1898-1970م) وشكـيب أرسـلان (1286-1366هـ- 1869-1946م) وشبلي الملاط (1293-1380هـ - 1876-1961م) وبشارة الخوري (1308-1388هـ 1890-1968م).. الخ كان شعر البارودي وتلاميذه في أيديهم، إضافة إلى الدواوين التراثية التي كانت المطابع تخرجها واحدا تلو الآخر. فتهيأت الظروف لحركة إحياء في سورية، تتأثر خطى حركة الإِحياء التي قامت في مصر.

ولكن سرعان ما تسللت النزعة الرومانسية المتأثرة بالأدب الغربي الرومانسي من جهة، وبالديوانيين من جهة أخرى، واختلطت بالصفات التراثية "الكلاسيكسة" عند بشارة الخوري وعمر أبي ريشة وبدر الدين حامد وبدوي الجبل، ثم ظهرت قوية وحادة في شعر علي الناصر، الذي كان يعب ومن الثقافة الفرنسية بنهم شديد، ويجتهد في صياغة شعره على هديها.

وطبيعي أننا نجـد أصداء دعوات العقاد وشكري والمازني في محاولات الشعراء السوريين للاهتمام بالذات الفردية، وأن نجد أصداء دعوة المهجريين وجماعة أبولو أيضا في تنويع القافية أو تركها، ذلك أن التأثر الكبير بتلك المدارس لابد أن يدفع الشعراء السورين إلى تجريب ما يجدونه في شعر النماذج التي يتطلعون إليها[47].

وفي فلسطين والأردن[48]، كانت الصورة مشابهة للصورة التي رأيناها في سورية فقد بدأت حركـة الإحياء مع ظهور الشعراء: محمد إسعاف النشاشيبي (1302-1368هـ  1885-1948م) وفؤاد الخطيب (1269-1376هـ 1879-1957م) وعادل أرسلان (1304-1373هـ - 1887-1954م). وهؤلاء جميعا تأثروا بحركة الإِحياء في مصر. ثم ظهرت امتدادات الإحياء في اتجاه جديد، قاده خير الدين الزركلي ووديع البستاني، وكان موازيا لاتجاه شوقي وحافظ ومتأثرا به إلى حد كبير. وما لبثت النزعة الرومانسية أن خالطت الاتجـاه الجديد بفضل شيوع الثقافة الإنكليزية بين الشعراء. ثم غلبتها في شعر إبراهيم طوقان ومطلق عبد الحق، ليكون مسار حركة الشعر في الأردن وفلسطين موازيا تماما لمسار حركة الشعر في سورية.

وفي السودان كان الشعر فاترا في مطلع القرن التاسع عشر، تغلب عليه آثار التصنع الذي ساد في العصر العثماني، باستثناء خيط من الشعر الصوفي حافظ على شيء من الحيوية[49]. فلما كانت الثورة المهدية تأثر الشعر بها، وبدت بوادر التغير في أسلوبه وموضوعاته، فقد لانت لغته، وتخلصت - إلى حد ما - من التصنع والبديع، وكثرت فيه الملامح العباسية الحـماسية، فكان أسبق من شعر البارودي في الالتفات إلى الشعر العباسي والتتلمذ على شعرائه. ولكن لفتته هذه لم تطل، ولم تؤثر في الشعر العربي، وسرعان ما انتهت مع خمود الحركة المهدية، فعاد الشعر سيرته الأولى، منزويا في قصائد المديح والغزل والتصوف، وظل على حالته حتى الحرب العالمية الأولى[50].

وبعد الحرب العالمية الأولى، ظهر الجيل الأول من المثقفين من خريجي كلية غوردون، وقد درس هـؤلاء المثقفون التراث الشعري العربي كـما درسوا الشعر المعاصر في مصر، وتأثروا بهما تأثرا كبيرا، ونبغ من بينهم شعراء مجيدون أمثال: عبد الرحمن شوقي، وعبد الله عبد الرحمن، ومحمد سعيد العباسي، وأحمد محمد صالح. فكانوا أعمدة الاتباعية، وكان شعرهم صورة للشعر الاتباعي في مصر، سواء في أسلوبه أو في موضوعاته، وإن كان لا يحوي براعة شعر شوقي ورشاقة شعر حافظ.

وقد تألق الشعر الاتباعي في السودان لأن الشعراء هناك لم يتأثروا بالثقافة الغربية، فكانت ديباجتهم عربية أصيلة. وكان الجمهور مفتونا بها، وقد بلغ افتتانه به - كـما يقول الدكتور إبراهيم الشوشي - حدا من التقديس جعل التجديد عسيرا[51].

ولكن ما لبث الخط الرومانسي أن تسرب إلى الشعر السوداني. فقد ظهر الشاعر "حمزة الملك طنبل"، الذي تأثر بالرومانتيكي الإنكليزي "ماثيو أرنولد"، وكانت ظروف الرجلين متشابهة، فأثر في الوسط الشعري بقصائده الرائعة. ثم ظهر عدد من الشعراء الذين تأثروا به وبالحركة الرومانسية العربية والغربية، أمثال: صالح عبد القادر، وعثمان حسن بدري، والشيخ حسيب علي حسيب، فملؤوا ساحة الشعر بدواوين ذات نزعة رومانسية واضحة، يظهر فيها آثار محمود علي طه وإبراهيم ناجي وأحمد زكي أبو شادي[52].

وهكذا تتبع الشعر السوداني - كـما تتبع من قبله الشعر السوري- خطوات التطور ال