|
|
|
رسائل لم يحملها
البريد |
|
للشيخ عبد الرؤوف اللبدي |
|
أستاذ مساعد بكلية الشريعة |
|
|
|
أختي الاستفهاميـة:
"هل": |
|
هذه رسـالتي السـابعـة
عشرة التي وعدت أن أحدثك فيها عن أسلوب "أرأيتَ"
و"أرأيتَكَ" "أرأيتَكم" في القرآن الكريم: |
|
لقد ورد أسلوب {أَرَأَيْتَ} في إحدى عشرة آية من آياته
الكريمة: |
|
الآية الأولى في قوله تعالى: {وَإِذْ
قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ
أَوْ أَمْضِيَ حُقُباً, فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا
نَسِيَا حُوتَهُمَا فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَباً, فَلَمَّا
جَاوَزَا قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا
هَذَا نَصَباً, قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي
نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ
وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَباً, قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ
فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصاً, فَوَجَدَا
عَبْداً مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ
مِنْ لَدُنَّا عِلْماً} الآيات (60- 65) من سورة الكهف. |
|
روي أن سبب هذه
القصّة التي تضمنت هذه الآيات الكريمة الجزء الأول منها، سببهـا أن موسى عليه
السـلام قام خطيبا في بني إسرائيل فقيل له: أي الناس أعلم؟ فقال:
أنا، فأوحى الله تعالى إليه أن يسير على ساحل البحر حتى يبلغ مجمع البحرين،
وهناك في المكان الذي يفقد فيه الحوت- يجد الرجل الذي هو أعلم منه. |
|
ويعزم موسى على السفر، ويأمر فتاه يوشع-
وكان خادما له يتبعه ويأخذ عنه العلم- يأمره أن يستعد للرحيل وأن يأخذ معه حوتا
يكون لهـما زادا. |
|
وقـال موسى لفتاه يوشـع وقـد بدأ الرحلة: سوف أظل أسير حتى أبلغ مجمع
البحرين، فإما أن أجد الرجل على مقربة ودون نصب، وإما أن أمضي حقبا وسفرا ناصبا
قبل أن أعثر عليه وألقاه. |
|
وبلغ موسى وفتاه مجمـع البحـرين، وهناك وجدا صخرة كبيرة
شاهقة، فجلسا يستريحان في ظلها، وسرعان ما غلب النوم على موسى فنام، أما يوشع فقبل أن ينام رأى الحوت في مكتله يضطرب ثم يتخذ سبيله
في البحر سربا، وينام يوشع على أن يخبر موسى خبر
الحوت ومما كان من أمره حين يستيقظان. |
|
ويستيقظان، ويواصلان الرحلة، ويتجاوزان ملتقى البحرين، ويقطعان
شوطا بعيدا عن تلك الصخرة، ويحسّ موسى بالجوع والتعب فيقول لفتاه آتنا غداءنا
لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا، ولكن يوشع يقول أسيفا
معتذرا: أتذكر يا موسى إذ بلغنا مجمع البحرين وأوينا إلى تلك الصخرة نستريح
وننام، هنالك نسيت الحوت، نسيت أن أذكر لك ما كان من شأنه، وما أنساني ذكره وقت
الرحيل عن الصخرة إلا الشيطان، هنالك يا موسى أحيا الله تعالى الحوت فاتخذ سبيله
في البحر عجبا. |
|
لم يأس موسى ولم يغضب لفقدان الزاد والحوت، بل صاح يقول:
ذلك ما كنا نبغي يا يوشع، فالرجل الذي ننشده سنجده في
ذلك المكان الذي نسينا فيه الحوت فاتخذ سبيله في البحر عجبا. |
|
وسرعان ما دبّ النشاط والعزم
في موسى وفتاه فارتدا على آثار أقدامهما قصصا قبل أن
تضيّع سافيات الرياح وأمواج البحر الممتدة آثار تلك الأقدام فيضلا الطريق. |
|
ويصلان الصخرة، مكان فقدان الحوت، وإذا بهما
يعثران على الرجل الذي كانا ينشدانه، عثرا على الخضر عليه السلام، وكان عبدا من
عباد الله تعالى، آتاه الله النبوة، وعلمه غيب أمور أوحى بها إليه. |
|
أختي الاستفهاميـة:
"هل" |
|
أما بقية القصة، وأما الحوار الذي دار بين موسى والخضر فقد
جاء في الآيات التي وردت بعد هذه الآيات المتقدمة في سورة الكهف، وسوف أذكر بقية
القصة وذاك الحوار حين أحدثك- إن شاء الله تعالى- عن همزات الاستفهام التي وردت
في ذلك الحوار. هذا، وقد اختلفت آراء العلماء في (أرأيت) الواردة في هذه الآية،
فذهب أبو الحسن الأخفش إلى أن أرأيت هنا ليست بمعنى
أخبرني، لأنها لا تكون كذلك إلا إذا جاء بعدها مفعول به صريح يكون هو المستخـبر عنه، ومن بعده جملة استفهامية هي مناط الاستخبار ومتعلقه، و(أرأيت) في
هذه الآية ليست كذلك، فهي- في رأيه- قد خرجت عن معناها بالكلية، فهي لا تعمل ولا
تنصب مفعولا به ولا مفعولين، وإنما هي بمعنى أمَّا أو تنبّهْ، والتقدير: أما إذا
أوينا إلى الصخرة فإني نسيت الحوت، أو تنبّه إذ أوينا إلى الصخرة فإني نسيت
الحـوت. وعلى رأي الأخفش هذا تكون (إذْ) الظرفية الزمانية المضافة إلى الجملة بعدها، تكون متعلقة بأرأيت. |
|
أما الزمخشري فقد رأى في تفسيره
الكشاف أن (أرأيت) هنا بمعنى أخبرني، وكأن المعنى على رأيه: أخبرني أي شيء دهاني
إذ أوينا إلى الصخرة، أو أخبرني عما دهاني إذ أوينا إلى الصخرة، وعلى هذا الرأي
تكون (إذْ) الظرفية متعلقة بدهاني المقدرة. |
|
ونقل الألوسي في تفسيره والجمل
في حاشيته على الجلالين، نقلا عن أبى حيان جواز أن
تكون (أرأيت) هنا قد حذف مفعولاها اختصارا، والتقدير:
أرأيت أمرنا إذ أوينا إلى الصخرة ما عاقبته، وعلى هذا الرأي تكون (إذ) ظرفا
لأمرنا، وأبو حيان في هذا الرأي قد اتبع مذهب سيبويه في أن (أرأيت) إذا كانت
بمعنى أخبرني فهي علمية تنصب مفعولين: الأول مفرد منصوب يأتي بعدها يكون هو المستخبر عنه والثاني جملة استفهامية هي مناط الاستخبار ومتعلقه كـما في قولك
أرأيت زيدا ما صنع. |
|
وذهب بعض العلماء ومنهم أبو السعود إلى أن (أرأيت) في هذه
الآية بمعنى أعرفت أو أشاهدت فهي متعدية إلى مفعول واحد يدل عليه السياق، ولم
يقدر أصحاب هذا الرأي هذا المفعول الذي يدل عليه السياق، ويمكن أن يكون التقدير
أرأيت فعل الحوت إذ أوينا إلى الصخرة، وعلى هذا الرأي تكون إذ متعلقة بهذا
المفعول المحذوف، ورأي ابن عطية أن (أرأيت) هنا بمعنى أتأملت ونحن. |
|
هذه آراء العلماء في (أرأيت) الواردة في هذه الآية، ويبدو
أن رأي الأخفش المتقدم أقل هذه الآراء تكلفا وأخفها مؤونة، على أن أبا حيان لم يرتضه وقال إنه إخراج لأرأيت عن معناها بالكلية. |
|
أما استفهام (أرأيت) هنا فقد أفاد
التنبيه والتعجب: |
|
التنبيه: على معنى أن يوشع يريد
بهذا الاستفهام أن ينبه موسى للحالة العجيبة التي سيذكرها بعدُ، وكأنه يقول له:
استمع جيدا، وتنبه لما أذكره لك بعدُ، فهو شيء عجيب غريب. |
|
وأفاد التعجب:
على معنى أن يوشع نفسه قد تعجب كيف نسي أن يذكر لموسى بعد أن استيقظا من
نومهما عند الصخرة، أن يذكر له ما كان من الحوت، وأنه
قد حيي واتخذ سبيله في البحر عجبا، فمثل ذلك لا ينسى ولا ينبغي أن يقع فيه
نسيان. |
|
وقد ذهب أبو السعود إلى أن استفهام (أرأيت) هنا للتعجيب على معنى أن يوشع أراد
بهذا الاستفهام أن يحمل موسى على التعجب من نسيانه (نسيان يوشع)
أن يذكر له ما كان من الحوت مع أن ذلك مما لا ينبغي أن ينسى. |
|
أما الآية الثانية التي ورد فيها استفهام (أرأيت) ففي قوله
تعالى: {أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنَا
وَقَالَ لأُوتَيَنَّ مَالاً وَوَلَداً, أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ
عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْداً, كَلا سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ
الْعَذَابِ مَدّاً, وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْداً}
الآيات: (77- 85) من سورة مريم. |
|
ذكر أن هذه الآية الكريمة نزلت في العاصي بن وائل السهمي: |
|
فقـد عمل له خبّاب بن الأرتّ عملا، وتقاضاه أجر ما
عمل، فقال العاصي: لا أنصفك حتى تكفر بمحمد، فقال خباب:
لا أكفر بمحمد حتى يميتك الله ويبعثك، فقال العاصي:
أو مبعوث أنا بعد الموت؟! فقال خباب: نعم، قال
العاصي: فائت إذا كان ذلك فسيكون لي مال وولد، وعند ذلك أقضيك دينك. فالعاصي بن
وائل هو المراد بـ{الَّذِي
كَفَرَ بِآياتِنَا}. |
|
وقد تضمنت هذه الآية الكريمة: |
|
أفرأيت يا محمد هذا الذي كفر بالقرآن الكريم وبالحجج الدالة
على البعث، وقال مستهزئا متعنتا: لأوتَينّ مالا وولدا، أوَ بلغ من عظمة شأنه أن
ارتقى إلى علم الغيب الذي توحّد به الله تعالى فادعى أن يؤتى في الآخرة مالا
وولدا، أم اتخذ من عالم الغيب عهداً أن يؤتى ذلك؟!. |
|
لِيرتدع عن قوله الكاذب!! فليس الأمر كـما قال، فهو لم يطلع
الغيب، ولم يتخذ عند الرحمن عهدا، إنه مجرم كاذب كفّار!!. |
|
سنحفظ عليه قولـه هذا، فنجازيه به في الآخرة، وسنزيده عذابا فوق عذاب، ونسلبه ما أعطيناه في الدنيا من
مال وولد، ولسوف يأتينا يوم القيامة فردا ذليلا لا مال ولا ولد ولا عشيرة. |
|
وقد جاء استفهام
(أفرأيت) في هذه الآية الكريمة، جاء مفيدا التعجب والتعجيب
والتنبيه: التعجب والتعجيب من حال هذا الكافر الغريبة
ومن جرأته الوقحة القبيحة، فقد كفر بآيات الله الدالة على البعث، وكفر بيوم
القيامة، وقال هازئا مقسما أن يؤتى في الآخرة مالا وولدا، كأنما اطلع الغيب فعلم
ذلك، أو اتخذ عند الرحمن عهدا بأن يعطيه مالا وولدا. |
|
وجاء مفيدا التنبيه على قصة
هذا الكافر، وما حدث منه، وما قاله، فذلك شيء غريب جدير بأن يتعجب منه وأن يكون
فيه معتبر لمن أراد أن يتذكر. |
|
هذا، وقد ذهب الزمخشري إلى أن
أرأيت بمعنى أَخْبرْ (الكشاف ج2 ص 522) ولكن أبا السعود في تفسيره هذه الآية لم
يرتـض رأي الزمخشري هذا وقال: "وقد قيل إن أرأيت
بمعنى أَخْبرْ… وأنت خبير بأن المشهور استعمال أرأيت في معنى أخبرني بطريق
الاستفهام جاريا عَلى أصله مخرجاً إلى ما يناسبه من المعاني لا بطريق الأمر
بالإخبار لغيره" (تفسير أبي السعود ج 5 ص279) |
|
وقـال الألـوسي: "وإرادة
أخبرني هنا مما لا يكاد يصح كـما لا يخفي" (روح المعاني جـ16 ص 130) وكـلام
الألوسي هذا حق وصدق لو كان المراد بأخبرني المعنى الحقيقي لأرأيت،
لأن المعنى حينئذ أن الله سبحانه وتعالى يطلب من محمد صلى الله عليه وسلم أن
يخبره عن الذي كفر بالآيات وأقسم أنه سيؤتى يوم القيامة مالا وولدا، فالله
سبحانه وتعالى منزه عن أن يستفهم استفهاما حقيقيا، أو أن يستخبر عن شيء ما،
والله سبحانه وتعالى عالم بكل شيء لا تخفي عليه خافية. |
|
والمفسرون حـين يقولون إن أرأيت بمعنى أخبرني أو إن أرأيتم
بمعنى أخبروني لا يريدون أن هذا هو المعنى الحقيقي، وإنـما يشيرون إلى الأصل في
استعمالها وأنها علمية حينئذ، وأنها تنصب مفعولين: الأول اسم مفرد يأتي بعدها
ويكون هو المستخبر عنه، والثاني جملة استفهامية هي
متعلق الاستفهام ومناطه، أما المعنى المراد من أرأيت
وأخواتها فهو ما يدل عليه السياق كالتعجب والتنبيه في هذه الآية. |
|
وعلى هذا فليس في قول السمين في حاشية الفتوحات الإلهية على
الجلالين (ج 3 ص 76): إن أرأيت هنا بمعنى أخبرني ليس
في قوله حرج، لأنه لا يريد أن هذا هو معناها الحقيقي، فالمعنى الحقيقي في هذه
الآية وفي غيرها مما يشبهها لا يصح ولا يكاد يصح، فالله سبحانه وتعالى منزه عن
أن يستفهم استفهاما حقيقيا أو أن يستخبر. |
|
أما إعراب: {أَفَرَأَيْتَ
الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنَا}... الآية: |
|
فـ{رَأَيْتَ} علمية تنصب مفعولـين: المفعول الأول
هو اسم الموصول: {الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنَا}
وجملة كفر بآياتنا صلة الموصول لا محل لها من الإِعراب، والمفعول الثاني هو
الجملة الاستفهامية {أَطَّلَعَ الْغَيْبَ} وإعراب
{لأُوتَيَنَّ مَالاً وَوَلَداً}: اللام
واقعة في جواب قسم محذوف، (أُوتين) فعل مضارع مبني للمجهول، مبني على الفتح
لاتصاله بنون التوكيد، وهو في محل رفع لتجرده من الناصب والجازم، وقيل إذا بني
الفعل المضارع ولم يسبقه ناصب ولا جازم فلا محل له، ونائب الفاعل ضمير مستتر
وجوبا تقديره أنا، و{مَالاً} مفعول به،
و{وَلَداً} عطف على مالا وجملة {لأُوتَيَنَّ مَالاً وَوَلَداً}واقعة جواب قسم
محذوف لا محل لها من الإعراب، والقسم المحذوف وجوابه في محل نصب مقول القول،
وجملة {قَالَ لأُوتَيَنَّ مَالاً وَوَلَداً} معطوفة بالواو على جملة {كَفَرَ
بِآياتِنَا} فهي مثلها لا محل لها من الإعراب لأنها صلة الموصول. |
|
و{أَطَّلَعَ الْغَيْبَ}
الهمزة حرف استفهام، و(طلع) فعل ماض متعد بنفسه هنا، والغيب مفعول به وليس
منصوبا على نزع الخافض، وأصل أَطلع: أَاِطلع بهمزتين: الأولى مفتوحة وهي همزة
الاستفهام، والثانية مكسورة وهي همزة الوصل، وفي مثل هذا يستغنى عن همزة الوصل
المكسورة فتحذف تخفيفا لأن اجتماع همزتين في أول الكلمة ثقيل. و{أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْداً}: {أَمِ} متصلة عاطفة، و{اتَّخَذَ} فعل ماض وهو هنا متعد إلى مفعول به
واحد وهو {عَهْداً} و{عِنْدَ} ظرف مكان متعلق باتخذ،
وجملة {اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْداً} معطوفة على أطلع الغيب، فهي داخلة في حيز الاستفهام. |
|
و{اتَّخَذَ} على
وزن افتعل من الأخذ، والأصل اِأْتخذ بهمزتين: الأولى
همزة وصل مكسورة والثانية ساكنة هي فاء الكلمة، فاجتمع في أول الكلمة همزتان:
الأولى متحركة والثانية ساكنة، فوجب قلب الثانية ياء لتجانس حركة ما قبلها،
فصارت الكلمة اِيْتخذ، فأبدلت الياء تاء لوقوعها قبل
تاء الافتعال وأدغمت في تاء الافتعال، فصارت الكلمة اتّخذ بتاءين: التاء الأولى
هي التاء التي أُبدلت من الياء المبدلة من الهمزة، والتاء الثانية هي تاء
الافتعال. |
|
أما الآية الثالثة التي وردت فيها {أَرَأَيْتَ} فقوله تعالى: {أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ
تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً}. الآية (43) من سورة الفرقان. |
|
تتضمن هذه الآية الكريمة: أرأيت يا محمد حال هؤلاء المشركين
كيف يختار الرجل منهم الإله الذي يعبده بحسب ما تهوى نفسه وتحب، يعبد أحدهم
الحجر فإذا رأى حجراً آخر أحسن من الأول شكلا وصورة رمى بإلهه الأول في الأرض
واتخذ الثاني إلها يعبده من دون الله. |
|
لست يا محمد وكيلا على هذا
المشرك ولا كفيلا حتى ترده إلى الإيمان وتخرجه من الشرك وإنما عليك البلاغ. |
|
وقد جاء استفهام {أَرَأَيْتَ}
في هذه الآية الكريمة مفيدا التعجب والتعجيب
والتنبيه: مفيدا التعجب والتعجيب من حال هذا المشرك
الذي يتخذ إلهه حجرا لا يسمع ولا يعقل ولا يضر ولا ينفع، ثم هو يعبث بهذه
الأحجار الآلهة فيرمي بها في الأرض إلها إثر إله تبعا لما تهواه نفسه ويزين له
هواه. |
|
ومفيدا التنبيه لحال هذا المشرك الغـريبة الدالة على الجهل
والغباء وعزوب التفكير وغروب التعقل، لحال عبادته
الحجارة واتخاذها آلهة من دون الله الواحد القهار، ثم استبداله بعضها ببعض بحسب
ما تشتهيه نفسه وتلذّ به عينه. |
|
وقد ذهب ابن عاشور في تفسيره التحرير والتنوير (ج19 ص 36)
إلى جواز أن يكون الاستفهام إنكاريا على معنى لست أنت وكيلا على من اتخذ إلهه
هواه، وقد علل هذا بأن جملة {أَفَأَنْتَ تَكُونُ
عَلَيْهِ وَكِيلاً} هي مناط الاستفهام الأول ومتعلقه،
ثم هي وثيقة الصلة بأرأيت لأنها المفعول الثاني لها
فهي متممة لها، فالإنكار الذي تفيده جملة {أَفَأَنْتَ
تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً} انسحب على استفهام أرأيت وبيّنه. |
|
أما إعراب جملة استفهام {أَرَأَيْتَ} هنا في هذه الآية الكريمة: |
|
فقد جاء في تفسير الجلالين على
هامش الفتوحات الإلهية (ج 3 ص 259) أن أرأيت بمعنى أخبرني، وبناء على ذلك هي
علمية تنصب مفعولين: الأول اسم الموصول {مَنِ}
في {مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ}،
وهو المستخبر عنه، والمفعول الثاني الجملة
الاستفهامية {أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ
وَكِيلاً} وهي متعلق الاستفهام ومناطه،
وهمزة الاستفهام في {أَفَأَنْتَ} مؤكدة
لهمزة الاستفهام في {أَرَأَيْتَ} وليست
استفهاما جديدا، والفاء في {أَفَأَنْتَ}
واقعة في جواب اسم الموصول {مَنْ}،
وكثيرا ما يعامل اسم الموصول معاملة الشرط فيكون له جواب مقترن بالفاء. و{اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ}:
اتخذ فعل تعدى إلى مفعولين في هذه الآية الكريمة: المفعول الأول {إِلَهَهُ}، والمفعول الثاني {هَوَاهُ} من غير تقديم ولا تأخير بين المفعولين
لاستوائهما في التعريف. وهذا رأي أبي حيان، وذهب الزمخشري إلى التقديم والتأخير بين المفعولين، فيكون {إِلَهَهُ} هو المفعول! الثاني
وقد قدم للعناية به، ويكون {هَوَاهُ}
هو المفعول الأول. |
|
وعلى الإعراب الذي اختاره أبو حيان يكون المعنى: جعل إلهه الشيء
الذي يحب أن يكون إلها، أي لمجرد الشهوة وليس لاستحقاقه الألوهية، وعلى إعراب الزمخشري يكون المعنى: جعل هواه كأنه إله، فهو لا يأتي عملا
إلا إذا كان وفاقا لشهوته. |
|
أمـا الآية الـرابعـة التي وردت فيهـا {أَرَأَيْتَ} ففي قولـه تعـالى: {أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ أَفَرَأَيْتَ إِنْ
مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ, ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ, مَا أَغْنَى
عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ}. الآيات: (204- 207) من سورة الشعراء. |
|
كان المشركون يقولون للرسول صلى
الله عليه وسلم أشرا وبطرا واستهزاء: |
|
يا محمد، إلى متى تعدنا بالعذاب ولا تأتينا به؟!، ظنا منهم أن العذاب غير كائن ولا لاحق بهم، فهاهم أولاء
يُمتّعون بأعمار طوال في سلامة وأمن، ويعيشون حياة طويلة بلا عذاب، فنـزل! قولـه
تعالى {أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ}
توبيخا لهم وسخرية بهم وتعجبا من استعجالهم العذاب، وليس هناك من عاقل يستعجل
عذابا. |
|
ثم قال تعالى بعد ذلك ما يتضمن: |
|
هب أن الأمر كـما يعتقدون، فمتعناهم في الحياة الدنيا
زماناً طويلا في أمن ودعة، وعمرناهم أعـمارا طوالا في سلامة وأمن، وأملينا لهم
السنـين المديدة، ثم جاءهم بعد هذا ما يوعدون من العذاب الأليم، فأي شيء أغنى
عنهم هذا التأخير الذي أخرناه في آجالهم، والمتاع الذي متعناهم به في الحياة
الدنيا؟! لقد جنى عليهم التأخير، فازدادوا فيه إثما
على إثم، وجرما على جرم. |
|
أما إعراب هذا الاستفهام: {أَفَرَأَيْتَ
إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ, ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ, مَا
أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ}. الآيات: (205-205) من سورة الشعراء. |
|
فقد جاء في تفسير البحر المحيط لأبي حيان وفي تفسير أبي
السعود وفي تفسير الألوسي وفي تفسير الجلالين- جاء فيها أن {أَرَأَيْتَ}
هنا بمعنى أخبرني، وبناء على هذا تكون علمية تنصب مفعولين: المفعول الأولى- وهو المستخبر عنه- ضمير محذوف يعود على اسم الموصول {مَا} في قوله {مَا
كَانُوا يُوعَدُونَ}، على أساس أن المسألة هنا من باب التنازع، فقد
تنازع الفعلان: فعل {أَرَأَيْتَ} وفعل {جَاءَهُمْ}، تنازعا اسم الموصول في قوله {مَا كَانُوا يُوعَدُونَ}، فالفعل الأول وهو {أَرَأَيْتَ} يطلب هذا الموصول على أنه مفعوله، والتقدير: أفرأيت ما كانوا يوعدون، والفعل الثاني
وهو {جَاءَهُمْ} يطلبه على أنه فاعل
له، والتقدير: جاءهم ما كانوا يوعدون، فأعمل الثاني في المتنازع فيه، وأعمل
الأول في ضمير المتنازع فيه وحذف ذلك الضمير. |
|
أما المفعول الثاني لـ{أَرَأَيْتَ}-
وهو متعلق الاستفهام ومناطه- فالجملة الاستفهامية: {مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ}.
و{مَا} الأولى في هذه الجملة
الاستفهامية اسم استفهام في محل نصب مفعول مقدم لأغنى، بمعنى أيَّ شيء أغنى ما
كانوا يمتعون، و{مَا} الثانية اسم
موصول في محل رفع فاعل لأغنى، وجملة {كَانُوا
يُمَتَّعُونَ} صلة ما لا محل لها، والعائد محذوف تقديره {بِهِ}. ويجوز في {مَا}
الأولى أن تكون مفعولا مطلقا، وفي الثانية أن تكون مصدرية، وعلى هذا يكون
التقدير: أيَّ إغناء أغنى عنهم تمتيع
الله إياهم أو كونهم ممتعين، وجوز العكبري في {مَا} الأولى أن تكون نافية، أما جواب الشرط في
قوله {إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ}
فمحذوف يدل عليه الجملة الاستفهامية الواقعة مفعولا ثانيا، والتقدير: إن متعناهم
سنين لم يغن عنهم تمتعهم. وجملة {مَا كَانُوا
يُوعَدُونَ} في قوله تعالى {ثُمَّ
جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ} صلة الموصول {مَا} والعائد محذوف والتقدير: ما كانوا يوعدونه. |
|
أمـا استفهام {أَفَرَأَيْتَ} في هذه الآيات الكريمة فقد جاء
مفيدا التعجب من حال هؤلاء المشركـين الذين كانوا يستعجلون عذاب الله استهزاءً
وسخرية حين طالت آجالهم فظنوا أنْ ليس هناك عذاب. وجاء هذا الاستفهام مفيدا
التنبيه أيضا على أن تمتيع الله تعالى هؤلاء المشركين
بحياة طويلة آمنة وادعة لا ينجيهم من عذابه تعالى ولا يغني عنهم شيئا فعذابه
تعالى واقع بهم لا محالة، ولكن الله- جلت حكمته - تارة يعجل العذاب، وتارة ينظر
ويمهل ولكنه لا يهمل. |
|
وقد ذهب ابن عاشور في تفسير التحرير والتنوير إلى أن
استفهام {أَفَرَأَيْتَ}
هنا يفيد التقرير وعلى هذا يكون المعنى: اعلم أن تمتيعهم
بالسلامة وتأخير العذاب إن فرض امتداده سنين عديدة غير مغن عنهم شيئا إن جاء
العذاب بعد ذلك. |
|
وأيَّا ما كان معنى الاستفهام
فالخطاب في {أَفَرَأَيْتَ}
ليس مقصورا على الرسول صلى الله عليه وسلم بل عام يشمل كل من يصلح أن يكون
مخاطبا حتى المجرمين. |
|
أما الآية الخامسة التي وردت فيها {أَرَأَيْتَ} فهي قوله تعالى: {أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ
اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى
بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلا تَذَكَّرُونَ}.
الآية (23) من سورة الجاثية. |
|
تتضمن هذه الآية الكريمة: |
|
أفرأيت يا محمد من اتخذ إلهه ما تهواه نفسه، وخذله الله عن
سبيل الهدى والرشاد على علم سابق منه تعالى بأنه لا يهتدي ولو جاءته كل آية،
وختم على سمعه فلا يسمع آيات كتاب الله فيتدبرها، وختم على قلبه فلا يفهم ما في
كتاب الله من النور والهدى، وجعل على بصره غشاوة فلا يبصر به حجج الله فيستدل
بها على أنه لا إله إلا هو. |
|
من كان على هذه الصفات فلن يهتدي،
ولن يستطيع أحد من بعد الله أن يهديه إلى الحق وطريق الرشد. |
|
أفلا تتذكرون أيها الناس
وتتعظون وتعتبرون فتعلموا أن من فعل الله به هذا الفعل فلن يهتدي أبداً، ولن يجد
لنفسه وليا مرشدا. |
|
وقد جاء استفهام {أَفَرَأَيْتَ}
في هذه الآية الكريمة مفيدا التعجب والتعجيب
والتنبيه: التعجب والتعجيب من حال هذا المشرك يترك
عبادة الله الواحد الخالق الرازق القهار إلى عبادة الأصنام التي لا تفهم ولا
تعقل ولا تضر ولا تنفع، ثم هو لا يستقر به الحال على معبود واحد، تراه اليوم
يعبد حجرا فإذا رأى في الغد حجرا آخر أحسن انتقل إلى هذا ورمى بالأول في الأرض،
وهكذا ينتقل من معبود إلى معبود بحسب ما يختار هواه الأرعن، وتزينه له نفسه
الأمارة بالسوء، لقد ضل طريق الهدى والنور، فهو لا يسمع آيات الله فيتبين فيها
الحق والرشد، ولا يبصر خلائقه العظيمة فيستدل بها على وحدانيته، وليس له قلب
يعقل أو يفقه، فأنى له التذكر والتدبر فيدرك أن الله لا إله إلا هو، وأن هذه
الأصنام التي يعبدها من دونه ضلال وباطل. |
|
ويفيد هذا الاستفهام أيضا التنبيه لحال هذا المشرك الغبي
الضال، يعبث بآلهته وينتقي منها ويختار كـما يشاء هواه وتشتهي نفسه، ويصمّ أذنيه
ويغمض عينيه ويغلق قلبه عما في هذا الكون الواسع الرائع من آيات وخلائق تشهد بربوبية الله تعالى ووحدانيته وأنه وحده الذي يستحق
العبادة. |
|
إن حال هذا المشرك لجديرة بأن ينبه
لها، وجـديرة بأن تثير التعجب وتبعث على الاستغراب، وأن يكون فيها ذكرى لأولى
الألباب. |
|
وفي البحر المحيط وتفسير الجلالين
أن {أَفَرَأَيْتَ} هنا بمعنى أخـبرني،
فهي علمية تنصب مفعولين: المفعول الأول- وهو المستخبر
عنه- اسم الموصول {مَنْ} في قوله تعالى
{مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ}،
وجملة {اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ} صلة
الموصول لا محل لها من الإعراب، وجملة {أَضَلَّهُ
اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ} صلة ثانية للموصول معطوفة
بالواو على الصلة الأولى، وجملة {خَتَمَ عَلَى
سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ} صلة ثالثة معطوفة
بالواو على الصلة الأولى، وجملة {جَعَلَ عَلَى
بَصَرِهِ غِشَاوَةً} صلة رابعة معطوفة
بالواو على الصلة الأولى، والجار والمجرور {عَلَى
عِلْمٍ} في صلة الموصول الثانية في محل نصب حال من لفظ الجلالة بمعنى أضله الله وهو تعالى يعلم أن هذا المشرك لا
يهتدي، ويجوز أن يكون الجار والمجرور حالا من الضمير المفعول به في أضله، والمعنى
أضل الله هذا المشرك وهو أي المشرك يعلم الحق. |
|
أما المفعول الثاني لـ{أَفَرَأَيْتَ}-
وهو متعلق الاستفهام ومناطه- فقد جعله أبو حيان
(البحر المحيط ج 8 ص
48) محذوفا يدل عليه قوله تعالى {فَمَنْ يَهْدِيهِ
مِنْ بَعْدِ اللَّهِ}، والتقدير عنده: أفرأيت من اتخذ إلهه هواه
وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة أيهتدي. |
|
وفي الـفـتـوحـات الإِلهية (ج 4 ص 119) من يرى رأيا آخـر
فيجعـل الجملة الاستفهامية: {فَمَنْ يَهْدِيهِ
مِنْ بَعْدِ اللَّهِ} هي المفعول الثاني ومتعلق الاستفهام ومناطه، وعلى هذا تكون الفاء في هذه الجملة واقعة في جواب
اسم الموصول، وكثيرا ما يقترن جواب اسم الموصول بالفاء تشبيها له بالشرط. ولعل هذا الرأي أفضل من رأي أبي حيان لأنه لا تكلف فيه، ولأن
ما لا يحتاج إلى تقدير أولى مما يحتاج. |
|
أمـا الآية السـادسة التي وردت فيها {أَرَأَيْتَ}ففي قولـه تعالى: {أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى, وَأَعْطَى قَلِيلاً وَأَكْدَى, أَعِنْدَهُ عِلْمُ
الْغَيْبِ فَهُوَ يَرَى} الآيات: (33-35) من سورة النجم. |
|
ذُكر أن هذه الآيات نزلت في رجل أسلم فلقيه من يعيّره
بإسلامه وبـترك ملة آبائه، فقال الرجل: إني خشيت عذاب الله في الآخرة، فقال
المعّير: ارجع إلى دين آبائك وأنا أحمل عنك كل عذاب يكون عليك إن أعطيتني كذا
وكذا، فارتدّ الرجل وأعطى المعيّر قليلا مما وعد، ثم أمسك وشحّ. |
|
وقد تضمنت الآية الأخيرة
من هذه الآيات الثلاث: كيف يرتدّ عن إيمانه وهو لا يعلم الغيب ولا يعلم أن ما
ضمن له صاحبه من حمل أوزاره يوم القيامة حق؟!. |
|
وقـد جاء استفهام {أَفَرَأَيْتَ}
هنا مفيدا التعجب والتعجيب والتنبيه: التعجب والتعجيب من حال هذا الرجل: يسلم عن رضاً وطواعية، ثم يرتد
عن الإسلام إلى الكفر من غير ما سبب سوى أنه عُيِّر بترك ملة الآباء والأجداد،
ثم إنه يصدّق بضمان صاحبه أن يتحمل عنه عذاب الآخرة مع أنه لا يعلم الغيب ولا
يعلم أن ضمان صاحبه حق، ثم هو يعد بأن يعطى صاحبه مالا مسمى مقابل هذا الضمان
الباطل فيكذب ولا يفي بما وعد. |
|
وجاء هذا الاستفهام مفيدا
أيضا التنبيه على حال هذا الرجل المرتد: إسلام رضاً وطواعية، ثم ردّة طائشـة
تقوم على جهـالة الجاهلية، وقبول ضمان لا دليل على صحته وصدقـه، ثم وعـد لا
يعقبه وفاء. إنها لحال جديرة بأن ينبه عليها، حال مثيرة للتعجب والاستغراب، باعثة على التذكر والتدبر والتفكير. |
|
وفي البحر المحيط لأبى حيان وتفسير الجلالين
أن {أَفَرَأَيْتَ} هنا بمعنى أخبرني،
فهي علمية تنصب مفعولين: المفعول الأول- وهو المستخبر
عنه- اسم الموصول {الَّذِي تَوَلَّى}،
أما المفعـول الثاني- وهو متعلق الاستخبار ومناطه- فالجملة الاستفهامية: {أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرَى}. |
|
أما الآية السابعة
والثامنة والتاسعة لاستفهام {أرأيت} ففي قوله تعالى: {أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى عَبْداً إِذَا صَلَّى, أَرَأَيْتَ إِنْ
كَانَ عَلَى الْهُدَى, أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى, أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ
وَتَوَلَّى, أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى}. الآيات: (9-14)
من سورة العلق وسبب نزول هذه الآيات مايلي: |
|
"أخـرج
أحمد ومسلم والنسائي وغيرهم عن أبي هريرة أن أبا جهل حلف باللات
والعزى لئن رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلى
ليطأنّ على رقبته وليعفرنّ وجهه، فأتى رسول الله عليه الصلاة والسلام وهو يصلي
ليفعل، فـما فجأهم منه إلا وهو ينكـص على عقبيه ويتقي بيديه، فقيل له مالك؟ فقال: إن بيني وبينه لخندقا من نار وهولا وأجنحة، فقال رسول الله صلى الله تعالى
عليه وسلم "لو دنا مني لاختطفته الملائكة عضوا
عضوا، وأنزل الله تعالى كلا إن الإنسان إلى آخر السورة" (تفسير الألوسي ج30 ص183). ومن ضمنها هذه
الآيات المتقدمة موضع البحث. |
|
و {أَرَأَيْتَ}
هنا في آياتها الثلاث بمعنى أخبرني فهي علمية تنصب
مفعولين: |
|
أما {أرأيت}
الأولى: {أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى عَبْداً
إِذَا صَلَّى} فمفعـولها الأول- وهو المستخـبر عنـه- اسم المـوصـول {الَّذِي
يَنْهَى}، ومفعولها الثاني- وهو متعلق الاستخبار ومناطه- محذوف يدل
عليه {أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى}.
والمعنى والتقدير: أرأيت الذي ينهي - وهو أبو جهل -
عبدا إذا صلى - وهو الرسول صلى الله عليه وسلم - ألم يعلم ذلك الناهي أن الله
يراه فيحاسبه. |
|
وعبر عن أبي جهل باسم الموصول {الَّذِي يَنْهَى} ليشمل كل ناه عن الصلاة، وعبر
عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بـ{عَبْداً} وهي نكرة تدل على التعظيم لتشمل كل
منهي عن الصلاة، وعبر عن النهي مع أنه قد مضى بصيغة المضارع التي تدل على الحال
والاستقبال لبيان أن ذلك النهي جدير بأن يستحضر ويظل عالقا بالأذهان لغرابته
وأنه مما لا ينقضي التعجب منه. |
|
أما أرأيت الثانية: {أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى, أَوْ أَمَرَ
بِالتَّقْوَى} فمفعولها الأول- وهو المستخبر عنه - ضمير محذوف يعود على الذي ينهي، ومفعولها الثاني - وهو متعلق الاستخبار
ومناطه - محذوف أيضا يدل عليه {أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى}
والضمير المستتر في {كَانَ} وفي {أَمَرَ} يعود على الذي ينهي وهو أبو جهل، وهذا
رأى جماعة من المفسرين منهم الزمخشري وأبو السعود والألوسي، وعلى هذا الرأي قال البيضاوي في تفسيره:
"والمعنى أخبرني عمن ينهى بعض عباد الله عن صلاته إن كان ذلك الناهي على
هدى فيما ينهى عنه أو آمرا بالتقوى فيما يأمر به من عبادة الأوثان كـما يعتقده… {أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى} ويطلع
على أحواله من هداه أو ضلاله " ا.هـ. |
|
وذهب مفسرون آخرون منهم الطبري وابن كثير وابن عاشور إلى أن
الضمير المستتر في كان وأمر يعود على {عَبْداً}
وهو الرسول صلى الله عليه وسلم، وإلى هذا الرأي أشار البيضاوي في تفسيره:
"وقيل المعنى: أرأيت الذي ينهى عبدا يصلى والمنهي على الهدى آمر
بالتقوى"ا.هـ. |
|
أمـا أرأيت الثالثة: {أَرَأَيْتَ
إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى, أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى} فمفعولها الأول محذوف اختصارا يعود على الذي ينهي، ومفعولها الثاني الجملة الاستفهامية: {أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى}. أما
الشرط الواقع بعد أرأيت الثانية والشرط الواقع بعد أرأيت الثالثة فجوابهما محذوف دل عليه الجملة الاستفهامية، والمعنى أرأيت
أبا جهل الناهي عن الصلاة إن كذب بالحق الذي بعث الله به محمدا وتولى وأدبر عنه
فلم يصدق به ألم يعلم بأن الله يراه فيحاسبه على تكذيبه وتوليه. |
|
والمراد بتاء الخطاب في {أَرَأَيْتَ}
في آياتها الثلاث الرسول صلى الله عليه وسلم وكل من يصلح أن يكون مخاطبا. |
|
وقـد جاء استفهـام {أَرَأَيْتَ}
في آياتها الثـلاث مفيدا التعجب والتعجيب والتنبيه
والتهديد والوعيد: |
|
التعجب والتعجيب من حالة أبي
جهل، فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم على الهدى ويأمر بالتقوى، ويدعو إلى
عبادة الخالق الرازق، وإلى نبذ عبادة الأصنام التي لا تسمع ولا تعقل ولا تضر لا
تنفـع، فكـان ينبغي لأبي جهل أن يستجيب إلى دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم فيؤمن به
ويصدقه، لا سيما أنه قد عرف الرسول صلى الله عليه
وسلم أمينا صادقا مستقيما، ولكن أبا جهل
يكذب الأمين، ويظل يعبد الأصنام، وزيادة في الكفر والعناد والجهالة حاول أن يمنع
الرسول صلى الله عليه وسلم من الصلاة في
المسجد الحرام حول الكعبة عند المقام، وهو يعلم أن الله تعالى يراه ويعلم فعله
وأنه قادر على الانتقام منه ونصرة رسوله الأمين. |
|
وجاء مفيدا التنبيه أيضا: التنبيه لحال تبعث على التعجب
وتثير الاستغراب، وتدعو إلى التدبر والتبصر، حال أبي جهل- وما أكثر آباء الجهل-
فقد وقف إلى جانب الباطل وهو يعلم أنه باطل، وترك جانب الحق وهو يعلم أنه حق،
وعبد الأصنام وهو يراها لا تسمع ولا تعقل ولا تضر ولا تنفع، وأعرض عن عبادة الله
الواحد القهار، وكذب من يعلم صدقه وأمانته وكان عليه أن يصدقه ويؤمن به. |
|
ويفيد هذا الاستفهام أيضا
التهديد والتوعد: تهديد أبي جهل وتوعده بأن الله تعالى ليس بغافل عما يفعل، فهو
يراه وسوف ينتقم منه وينزل به العذاب الأليم. |
|
ويدخل مع أبي جهل في هذا
التهديد والتوعد أمثاله الذين يمنعون مساجد الله أن يذكر فيها اسمه، ويحولون بين
المسلمين وبين إقامة الصلاة. |
|
أما الآية العاشرة التي ورد فيها استفهام
: {أَرَأَيْتَ} ففي قوله تعالى:
{أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ فَذَلِكَ
الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ, وَلا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ}
الآيات: (1-3) من سورة الماعون. |
|
وتتضمن هذه الآيات الكريمة: |
|
أعلمت الذي يكفر باليوم الآخر وما فيه من بعث وحساب وثواب
وعقاب من هو، وعلى أي صفة يكون، إن لم تكن قد علمته فذلك الذي يدفع اليتيم عن
حقه دفعا في خشونة، ويرده عن طعامه الذي يستحقه في غلظة وقسوة، ولا يحث نفسه ولا
غيره على إطعام المساكـين طعامهم دون مِنة وتطاول، ذلك هو الذي يكفر باليوم
الآخر وما فيه، ولو كان قد آمن به وبما يقع فيه ما فعل الذي قد فعل من قسوة
وغلظة وإمساك يد وشحّ. |
|
والتاء في {أَرَأَيْتَ} خطاب للرسول صلى الله عليه وسلم
وقيل هي عامة تشمل كل من يصلح أن يكون مخاطباً. |
|
و{أَرَأَيْتَ} قيل
هي من الرؤية البصرية فتأخذ مفعولا واحدا، وقيل هي بمعنى أخبرني فهي علمية تأخذ
مفعولين: المفعول الأول- وهو المستخبر عنه - {الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ}، والثاني- وهو
متعلق الاستخبار ومناطه-
جملة استفهامية مقدرة، والتقدير: أعلمت الذي يكذب بالدين من هو. |
|
وقُدر المفعول الثاني: جملة استفهامية لأن {أَرَأَيْتَ} التي بمعنى أخبرني لم يأت مفعولها الثاني مصرحا به في القرآن الكريم إلا جملة
استفهامية، فكان أن قدر هنا جملة استفهامية طردا للأسلوب على نمط واحد وطريقة واحدة. |
|
والمراد بـ{الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ} قيل هو شخص
معينّ، وذكروا أشخاصا بأسمائهم، وقيل- وهو الحق - أنه على عمومه، فيشمل كل من
كان مكذباً بالدين. |
|
وقـد اختلفت آراء العلماء في استفهام {الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ}: فذهب ابن خالويه إلى أنه للتقرير والتنبيه، وذهب الفخر الرازي
والبيضاوي إلى أنه للتعجب، وقال أبو السعود إنه للتشويق والتعجب. |
|
والذي يبدو لي أن استفهام {أَرَأَيْتَ}
هنا يفيد التشويق والتنبيه: |
|
يفيد التشويق على معنى
تشويق المخاطب وإثارة تطلعه واستشرافه إلى معرفة جواب هذا الاستفهام، حتى إذا
جاءه الجواب تمكّن منه فضل تمكن. |
|
ويفيد التنبيه تنبيه المخـاطب لأمر جدير بالتأمل والتبصر،
ذلك حرمان اليتيم من حقـه، والبخـل على المسكين بطعامه الذي يستحقه، فإنهما يدلان على أنّ المقدم عليهما
لا يرجو ثوابا ولا يخاف عقابا ولا يحسّ برحمة، وذلك مما ينبغي للمؤمن أن يتقيه
ويحذر منه. |
|
أختي الاستفهامية:
"هل": |
|
أريد الآن أن أبدأ الحديث عن الأسلوب الثالث من أساليب
الهمزة الداخلة على الفعل الماضي (رأى) بعد أن حدثتك عن الأسلوب الأول وهو
(أرأيتم) في رسالتي السابقة، وبعد أن انتهيت من الحديث عن الأسلوب الثاني وهو
(أرأيت) في هذه الرسالة. |
|
لقد جاء على الأسلوب
الثالث - وهو ما لحقت فيه تاء المخاطب كافُ الخطاب المتصرفة إفرادا وتثنية وجمعا
وتذكيرا وتأنيثا – لقد جاء على هذا الأسلوب صورتان: الأولى (أرأيتك) والثانية
(أرأيتكم). |
|
أما (أرأيتك) فقد وردت مرة واحدة في قوله تعالى: {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ
فَسَجَدُوا إِلا إِبْلِيسَ قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً, قَالَ
أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ
الْقِيَامَةِ لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلا قَلِيلاً} الآيتان:
(61-62) من سورة ا لإسرَاء. |
|
تتضمن هاتان الآيتان الكريمتان: أن الله جلّ وعلا أمر
الملائكة أن يسجدوا لآدم سجـود تحية وتكـريم، فسجدوا إلا إبليس أبى واستكبر أن
يسجد وقال منكرا متعجبا: أأسجد وقد خلقتني من نار لهذا الذي خلقته من طين؟! إنني
لن أسجد ولن أكون من الساجدين!!. |
|
أخبرني عن آدم هذا الذي
كرّمته عليّ بأن أمرتني بالسجود له لم كرّمته عليّ؟! يمينا لئن أخرتني حيّاً إلى
يوم القيامة لأستولينّ على ذريته وأقودهم إلى الضلال
وارتكاب المعاصي ولن ينجو من إغوائي إلا قليل هم عبادك المخلصون. |
|
هذا، و{أَرَأَيْتَكَ}
هنا- في رأى كثير من المفسرين- بمعنى أخبرني فهي علمية تأخذ مفعولين: مفعولها الأول اسم الإِشارة {هَذَا}-
وهو المستخبر عنه - واسم الموصول بعده نعت له، ومفعولها الثاني- وهو متعلق الاستخبار
ومناطه- جملة استفهامية مقدرة يدل عليها صلة الموصول،
والمعنى: أخبرني عن هذا الذي كرمته عليّ بأن أمرتني بالسجود له لم كرمته علي. |
|
وقد ذهب إلى جعل الجملة الاستفهامية المقدرة هي المفعول
الثاني لأرأيتك جماعة من المفسرين منهم الزمخشري والبيضاوي والجلال السيوطي
والألوسي وابن عاشور، أما أبو حيان فقد قال إن ما ذهب
إليه الزمخشري هو الصحيح، ثم قال بعد ذلك: "ولو
ذهب ذاهب إلى أن هذا" مفعـول أول لقـولـه {أَرَأَيْتَكَ}
بمعنى أخبرني، والثـاني الجملة القسمية بعده لانعقادهما مبتدأ وخبرا قبل دخول أرأيتك لذهب مذهبا حسنا إذ
لا يكون في الكلام إضمار" (البحر المحيط جـ6 ص 37). |
|
وقد ردّ السمين في حاشية الفتوحات الإلهية هذا الرأي بقوله:
"ويردّ ذلك التزام كون المفعـول الثـاني جملة استفهامية مشتملة على
استفهام... فعليك باعتباره هنا" حاشية الفتوحات الإلهية ج2 ص 364 وما قاله
السمين في ردّه على أبي حيان حق- فيما أرى- فإن المفعول الثاني لـ{أَرَأَيْتَ} التي بمعنى أخبرني لم يأت في
القرآن الكريم مصرحا به إلا جملة استفهامية كـما في قوله تعالى: {أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنَا وَقَالَ لأُوتَيَنَّ
مَالاً وَوَلَداً. أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ
عَهْداً}. (الآيتان: 77، 78) من سورة مريم
وكـما في قوله تعالى:{أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ
إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً} الآية (43)
من سورة الفرقان. وكـما في قوله تعالى: {أَفَرَأَيْتَ
الَّذِي تَوَلَّى. وَأَعْطَى قَلِيلاً وَأَكْدَى. أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرَى}
الآيات (33-35) من سورة النجم. وكـما في قولـه تعـالى: {أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ. أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ
الْمُنْزِلُونَ} (الآيتان 68، 69) من سوره الواقعة. وكـما في قوله
تعالى: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ
لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَاماً وَحَلالاً قُلْ آللَّهُ أَذِنَ
لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ} الآية (59) من سورة يونس. |
|
ويتبين من هذه الآيات- وهناك في القرآن الكريم آيات كـثيرة
غيرها- أنه قد التزم في المفعول الثاني لأرأيت التي
بمعنى أخبرني كونه جملة استفهامية هي متعلقُ الاستخبار
والاستفهام عن مفعولها الأول، فإذا جاءت (أرأيت) التي
بمعنى أخبرني في بعض الآيات دون أن يصرح فيها بالمفعول الثاني لزم أن يكون هذا
المفعول الثاني جملة استفهامية مقدرة قياسا على ما جاء في آيات أخرى مصرحا بها. |
|
ثم إن قول أبي حيان: "لانعقادهما
- أي المفعول الأول والثاني - مبتدأ وخبرا قبل دخول أرأيتك- قول يقال في أرأيت
إذا كانت علمية ليست بمعنى أخبرني نحو أرأيت زيدا عالما- أما إذا كانت (أرأيت)
بمعنى أخبرني فإن القول يختلف، فلا يكفي في المفعول الثاني أن ينعقد منه ومن المفعول
الأول مبتدأ وخبر، بل لابدّ مع ذلك أن يكون المفعول الأول مستخبرا
عنه من حيث المعنى، وأن يكون المفعول الثاني موضع الاستفهام والاستخبار
عن المفعول الأول، وأن يبقى المعنى سليما مستقيما إذا ما وضعنا (أخبرني عن) موضع
(أرأيت)". |
|
ولنعد إلى الآية الكريمة موضع البحث وهي: {قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ
لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ
إِلا قَلِيلاً} فالمعنى والتقدير على ما ذهب إليه أبو حيان من أن
الجملة القسمية هي المفعول الثاني لأرأيتك التي بمعنى أخبرني هو: أخبرني عن آدم هذا الذي
كرمته عليّ لئن أخرتني إلى يوم القيامة لأغوين ذريته إلا قليلا. |
|
فالجملة القسمية هنا لا تصلح أن
تكون مفعولا ثانيا لأرأيتك التي بمعنى أخبرني، لأنها
ليست متعلق استفهام إبليس واستخباره حينما قالت:
أخبرني عن آدم هذا الذي كرمته عليّ، ويظلّ السؤال قائـما: ما الذي يريد إبليس أن
يُخبر به عن آدم وعمّ يستفهم؟ وليست هناك من أحد
يستطيع أن يدّعي أن قسَمَ إبليس {لَئِنْ
أَخَّرْتَنِ}... هو الذي يريد إبليس أن يُخبر به عن آدم، وأن قسَمَ إبليس هو الذي يسأل عنه إبليس. |
|
ولأنه لا ارتباط بين الجملة القسمية
هذه وما قبلها ذهب المفسرون إلى أن هذه الجملة كلام مستأنف. |
|
أما تقدير الكلام في هذه الآية الكريمة على ما ذهب إليه
معظم المفسرين فهو: أخبرني عن آدم هذا الذي كرمته عليّ لمَ كرمته عليّ، ففي هذا
التقدير الذي جعل فيه المفعول الثاني جملة استفهامية نجد المعنى واضحا مرتبطا
أوله بآخره وآخره بأوله،
وأن العلاقة وثيقة بين مفعـولي أرأيتك، وأن المفعول
الثاني جاء مشتملا على موضع الاستفهام والاستخبار عن
المفعول الأول، وأنه يسير وفقا لأساليب أرأيت التي بمعنى أخبرني. |
|
ومن هذا الذي تقدم يتبينّ أن ما ذهب إليه أبو حيان من كون
الجملة القسمية مفعولا ثانيا لأرأيتك
مذهب بعيد عن الحسن كل البعد. |
|
هذا، وقد رجع أبو حيان عن
هذا الرأي في آخر الجزء الأخير من تفسيره البحر المحيط عند تفسير قوله تعالى: {أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى}... الآيات (9-14)
من سورة العلق، فقال متحدثا عن المفعول الثاني لأرأيت
التي بمعنى أخبرني: "وعندنا أن المفعول الثاني لا يكون إلا جملة
استفهامية" (البحر المحيط ج8 ص 494). |
|
هذا، والتاء في {أَرَأَيْتَكَ} ضمير المخاطب فاعل، والكاف- عند
البصريين- حرف خطاب لا محل له من الإِعراب، مؤكد لمعنى التاء قبله، وهو من
التوكيد اللغوي. |
|
وذهب الفراء إلى أن الكـاف في {أَرَأَيْتَكَ}
لها محل من الإِعراب وهو النصب على المفعـولية،
والمعنى أرأيت نفسك، و{هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ
عَلَيَّ} مبتدأ وخبر وقد حذف منه الاستفهام أي أهذا
الذي كرمت عليّ. |
|
وقال ابن عطية: الكاف في {أَرَأَيْتَكَ}
حرف خطاب ومبالغة في التنبيه لا موضع لها من الإعراب فهي زائدة،
ومعنى أرأيت أتأملت ونحوه، كأن المخاطب بها أي بأرأيتك
ينبّه المخاطب ليستجمع لما ينبه عليه بعدُ، ولا تكون بمعنى أخبرني إلا إذا كان
بعدها استفهام مصرح به. |
|
وقد أفاد استفهام {أَرَأَيْتَكَ} التعجب والإِنكار: |
|
فقد عجب إبليس من تكريم
الله تعالى لآدم، فقد أمر الله تعالى الملائكة بالسجود لآدم وأمره هو أيضا
بالسجود فكان في هذا السجود تكريم لآدم عظيم. |
|
وقد أنكر إبليس ذلك
التكريم، لأن الله تعالى خلقه من نار، وخلق آدم من طين، ومن يُخلق من نار أفضل -
في زعمه - ممن يُخلق من طين. وقد ضل إبليس عن أن الله
تعالى لا يُسأل عما يفعل، وأن خلقه هم الذين يُسألون. |
|
أختي الاستفهامية
"هل": |
|
وعلى أسلوب أرأيتك بمعنى أخبرني
جاء أرأيتكم في آيتين اثنتين: |
|
الأولى: في قوله تعالى:
{قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ
اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ
صَادِقِينَ, بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ
شَاءَ وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ}. الآيتان: (40- 41) من سورة الأنعام. |
|
في هاتـين الآيتين الكـريمتين يأمر الله سبحانه وتعالى
رسوله محمداً صلى الله عليه وسلم أن يقول للمشركـين ما يتضمن: |
|
أخبروني- أيها المشركون - عن
عذاب الله إن أتاكم في الدنيا أو أتتكم أهوال يوم القيامة، أترجعون إلى غير الله
في دفع ذلكم العذاب أو تلكم الأهوال. إن كنتم صادقين فأخبروني إلى مَنْ ترجعون،
إنكم لن ترجعوا في دفع ذلك كله إلا إلى الله تعالى، فيكشف الذي من أجله دعـوتموه
إن شاء أن يتفضل عليكم بكشفه، وتنسون الأصنام التي كنتم تعبدونها كأن لم تعبد من
قبل. |
|
والتاء في {أَرَأَيْتَكُمْ}
ضمير المخاطب في محل رفع فاعل، و(كُمْ) التي بعد التاء حرف خطاب لا محل له من الإعراب
جاء لتأكيد الخطاب الذي دلت عليه التاء، وهذه (الكافات) اللواحق التي تأتي بعـد
التاء تختلف باختلاف المخاطب مع بقاء التاء مفتوحة، فتقول: {أَرَأَيْتَكَ} الخطاب المفرد المذكر،
و(أرأيتَكِ) لخطاب المفردة المؤنثة، و(أرأيتكُما) لخطاب المثنى بنوعيه (المذكر والمؤنث)،
و{أَرَأَيْتَكُمْ} لخطاب جماعة الذكور،
و(أرأيتكُنَّ) لخطاب جماعة ا لإناث. |
|
هذا إذا كانت {أَرَأَيْتَكَ} بمعنى أخبرني، وهو رأي البصريين،
وسوف أذكر لك رأي الكوفيين ضمن أمور أنبهك عليها في ختام هذه الرسالة. |
|
وإذا لم تكن {أَرَأَيْتَكَ}
بمعنى أخبرني فهذه الكافات اللواحق بالتاء ضمائر في محل نصب مفعول به لرأيت،
سواء أكانت علمية أم بصرية أم عرفانية، ولايلزم الفتح تاء الضمير. |
|
والحديث عن هذه المسألة مجاله كتب النحو الموسعة عندما
تتحدث عن (رأى) في باب ظن وأخواتها، وليس لهذه الرسائل أن تأخذ من النحو إلا ما
يتصل بآياتها الكريمة اتصالا وثيقا، وفيما ذكرته لك ما يكفي ويزيد. |
|
و{أَرَأَيْتَكُمْ}
هنا بمعنى أخبروني، والمستخبر عنه هو عذاب الله
والساعة، ومتعلق الاستخبار ومناطه
وموضعه هو الجملة الاستفهامية: {أَغَيْرَ اللَّهِ
تَدْعُونَ}، والمعنى: أخبروني أيها المشركون عن عذاب الله إن أتاكـم
أو الساعة إن جاءتكـم أغير الله تدعون لكشفه أو كشف أهوالها. |
|
و{أَرَأَيْتَكُمْ} وإن كانت بمعنى أخـبروني من
حيث المعنى- هي علمية من حيث الإعراب تأخذ مفعوليـن: المفعول الأول ضمير محذوف
يعود على {عَذَابُ اللَّهِ} فاعل
أتاكـم، وهذه المسألة من باب التنازع، فقد تنازع (أرأيتكـم) و(أتاكم): {عَذَابُ اللَّهِ}، فالأول وهو {أَرَأَيْتَكُمْ} يطلبه على أنه مفعوله، والثاني وهو {أَتَاكُمْ}
يطلبه على أنه فاعله، فأعمل الثاني وارتفـع {عَذَابُ
اللَّهِ} على الفاعلية، وأعمل الأول في ضميره وحذف ذلك الضمير، أما
المفعول الثاني لـ{أَرَأَيْتَكُمْ} فهو
الجملة الاستفهامية: {أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ}
والرابط لهذه الجملة الاستفهامية بالمفعول الأول ضمير محذوف، والتقدير: أغير
الله تدعون لكشفه أو كشفها. أما جواب {إنْ}
الشرطية في قوله تعالى{أَرَأَيْتَكُمْ
إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ} ففيه خمسة أوجه: |
|
الوجه الأول: أن الجواب
محذوف، وقدّره الزمخشري: إن أتاكـم عذاب الله من
تدعـون، وقال أبو حيان: وإصلاح هذا الجواب أن يكون: (فمن تدعون) بالفاء، لأن
جواب الشرط إذا وقع جملة استفهامية فلابد فيه من الفاء. |
|
الوجـه الثاني: أن جوابه {أَرَأَيْتَكُمْ}
- قاله الحوفي- وقال أبو حيان: رأي الحوفي هذا فاسـد لسببين: الأول: أن جواب الشرط لا يتقدم
عند جمهور البصريات وإنـما جوزه الكوفيون وأبو زيد والمبرد. والسبب الثاني: أن
الجملة المصدرة بالهمزة لا تقع جوابا للشرط البتة، إنـما يقع من الاستفهام ما
كان بهل أو اسم من أسماء الاستفهام. |
|
الوجه الثالث: أن الجواب هو الجملة الاستفهامية: {أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ}، وهو ظاهر عبارة الزمخشري، وقد ردّ أبو حيان هذا الرأي بقوله: لا يجوز أن
يتعلق الشرط بقوله {أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ}
لأنه لو تعلق به أعان جوابا له، لكنه لا يقع جوابا، لأن جواب الشرط إذا كان استفهـاما بالحرف لا
يقع إلا بهل مقدّما عليها الفاء، وأيضا الجملة
الاستفهامية المصدرة بالهمزة لا يصح وقوعها جوابا للشرط. |
|
الوجه الرابع: أن الجواب محذوف، دلّ عليه الاستفهام: {أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ}، والتقدير: إن
أتاكـم عذاب الله أو أتتكـم الساعة دعوتم الله. |
|
الوجه الخـامس: أن الجواب
محذوف، دلّ عليه الكلام السابق وهو {أَرَأَيْتَكُمْ}
والتقدير: إن أتاكـم عذاب الله أو أتتكـم الساعة فأخبروني عنه أتدعون
غير الله لكشفه. ومثل هذا قولهم: أنت ظالم إن فعلت، أي
فأنت ظالم، فحذف فأنت ظالم لدلالة ما قبله عليه. (البحر المحيط ج 4 ص 127). |
|
وهذا الوجه الخامس هو الذي اختاره أبو حيان وقال إنه الذي
تقتضيه قواعد العربية، وهو الذي التزمته في جواب كل
شرط جاء بعد (أرأيت) إذا كان المعنى عليه. |
|
وقد كان للعلماء في المفعول الأولى والثاني لـ{أَرَأَيْتَكُمْ}
ثلاثة آراء: |
|
الرأي الأول: أن مفعولها الأول
محذوف لدلالة الكلام عليه، وأن مفعولها الثاني محذوف
أيضا لدلالة الجملة الاستفهامية عليه، والتقدير: أرأيتكـم عبادتكـم الأصنام هل
تنفعكـم. أو اتخاذكم غير الله إلها هل يكشف ضركم، وقال
أبو حيان هو رأي ضعيف ولم يعلّل، وربـما كان ضعفه في أنه متكلف لا داعي إليه. |
|
الرأي الثاني: أنه ليس لـ{أَرَأَيْتَكُمْ}
مفعول أول ولا مفعول ثان وأن الشرط الذي بعدها وجوابه سدّا مسدّ مفعوليها، وقال أبو حيان هو رأي ضعيف، ولكن السمين في حاشية
الفتوحات الإلهية ردّ هذا الرأي بأنه لم يعهد في باب ظن أن يسدّ الشرط وجوابه
مسدّ المفعوليـن. |
|
الرأي الثالث: أن المفعول
الأول ضمير محذوف يعود على {عَذَابُ اللَّهِ}
وأن المسألة من باب التنازع، وأن المفعول الثاني هو الجملة الاستفهامية {أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ}. |
|
وهذا الرأي الثالث هو الذي اختاره أبو حيان، وهو الذي التزمته فيما جاء على أسلوب {أَرَأَيْتَكُمْ}
هنا. |
|
وقد أفاد استفهام {أَرَأَيْتَكُمْ}في هذه الآية الكريمة توبيخ
المشركـين وتقريعهم على عبادتهم الأصنام وتركهم عبادة الله تعالى، مع أنهم إذا
وقع العذاب بهم لا يدعون أولئك الأصنام لكشفه عنهم، وإنـما يدعون الله وحده
وينسون ما كانوا يعبدون. |
|
ويفيد أيضا التنبيه: تنبيه
المشركين على سوء صنيعهم، فهو يعبدون الأصنام التي لا تقدر أن تجلب لهم نفعا أو
تدفع عنهم ضرا، ويتركون عبادة الله الذي لا يدعون غيره إذا نزل بهم البلاء. |
|
ويفيد أيضـا التعجب: التعجب من حال هؤلاء المشركـين، فهم
يعبدون الأصنام حتى إذا نزل العذاب وأصابتهم المصائب لجئوا إلى الله تعالى وحده
ليكشف عنهم ما نزل بهم، وتركوا الأصنام وراءهم نسيا منسيا، وكان مقتضى هذا- لو
كان لديهم إدراك سليم وفهم مستقيم ومُسكة من عقل
وقليل من تدبر- أن يعبدوا الله القادر على أن يكشف عنهم العذاب والضر، وأن
يتركوا عبادة ما لا يقدرون على شيء. |
|
الآية الثانية قوله تعالى: {قُلْ
أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ
يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ}. الآية (47) من سورة
الأنعام. |
|
في هذه الآية الكريمة يأمر الله سبحانه وتعالى رسوله محمدا
صلى الله عليه وسلم أن يقول للمشركين ما يتضمن: |
|
أخبروني- أيها المشركون- عن عذاب الله إن أتاكم فجأة من غير
مقدمات، أو أتاكم جهرة قد تقدمه علامات وأمارات- هل يهلك بهذا العذاب إلا أنتم
أيها المشركون. |
|
و{أَرَأَيْتَكُمْ}
هنا بمعنى أخبروني، والمستخبر عنه عذاب الله، ومتعلق الاستخبار وموضعه ومناطه الجملة
الاستفهامية: {هَلْ يُهْلَكُ إِلا الْقَوْمُ
الظَّالِمُونَ}. |
|
و{أَرَأَيْتَكُمْ}
من حيث الإِعراب علمية تنصب مفعولين: المفعول الأول ضمير محذوف يعود على عذاب
الله، والمسألة هنا من باب التنازع على نحو ما مرّ في الآية الأولى التي سبقت
هذه. أما المفعول الثاني فهو الجملة الاستفهامية: {هَلْ يُهْلَكُ إِلا الْقَوْمُ الظَّالِمُون}
والرابط الذي يربطها بالمفعول الأول ضمير محذوف، والتقدير: هل يهلك به إلا القوم
الظالمون. وأداة الشرط {إِنْ} في قولـه
تعالى {إِنْ أَتَاكُمْ} جوابها محذوف
دل عليه {أَرَأَيْتَكُمْ}، والتقدير:
إن أتاكم عذاب الله بغتة أو جهرة فأخـبروني هل يهلك به إلا القوم الظالمون. والتاء في {أَرَأَيْتَكُمْ}
ضمير المخاطب فاعل، والكاف أو {كُمْ}
حرف جيء به لتأكيد الخطاب الذي دلت عليه التاء لا محل له من الإعراب. و{بَغْتَةً أَوْ جَهْرَة} مصدران، وهما منصوبان
على الحالية من فاعل أتاكم وهو عذاب الله فيؤولان باسم الفاعل، أو على الحالية
من المفعول به في أتاكم وهو الكاف أو كُمْ، فيؤولان باسم المفعول، أو منصوبان
على المصدرية. واستفهام {أَرَأَيْتَكُمْ}
هنا يفيد التهديد: تهديد المشركين بالعذاب جزاء
إشراكهم بالله تعالى. |
|
ويفيد أيضا التقريع والتـوبيخ: تقريع المشركـين وتوبيخهم
على إشراكهم الذي استحقوا به عذاب الله تعالى. |
|
ويفيد أيضـا التنبيه: تنبيه المشركـين على أنهم بإشراكهم
بالله يظلمون أنفسهم ويستحقون به عذاب الله تعالى الذي سوف ينزل بهم بغتة أو
جهرة وليس لهم منه سلامة ولا نجاة. |
|
أختي الاستفهامية
"هل": |
|
بهذا ينتهي حديثي إليك عن الآيات التي وردت فيها همزة
الاستفهام داخلة على الفعل الماضي "رأى يا ولكنني أودّ قبل أن أكتب إليك
حديثا جديدا- أودّ أن أعود إلى الوراء قليلا لأريك أمورا جاءتك تفاريق في مواضع شتى، ومن هذه الأمور: |
|
1- أن همزة
الاستفهام قد دخلت على الفعل الماضي "رأى" في أربع وثلاثين آية من
آيات القرآن الكريم، وليس هناك فعل آخر قد دخلت عليه الهمزة وكان في مثل هذا
العدد أو قريبا منه. |
|
2- وأنني قد
ذهبت إلى أن {أَرَأَيْتَ} في هذه
الآيات كلها كانت بمعنى أخبرني، وأنها من حيث الإعراب علمية تنصب مفعولين: الأول
يجيء بعدها ويكون اسما مفردا ظاهرا أو مضمرا- وهو المستخبر
عنه من حيث المعنى- والثاني يجيء جملة استفهامية ظاهرة أو مقدرة وهي موضع الاستخبار ومتعلقة ومناطه. |
|
وقد جاء هذان المفعولان من حيث الذكر والحذف على أربع صور: |
|
الصورة الأولى: ذكر المفعولين
مصرحا بهما، وقد جاء ذلك في ثلاث عشرة آية: |
|
1- في قوله
تعالى: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ
لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَاماً وَحَلالاً قُلْ آللَّهُ أَذِنَ
لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ} الآية (59) من سورة يونس. |
|
المفعـول الأول هنا اسم الموصول {مَا أَنْزَلَ}، والمفعول الثاني الجملة الاستفهامية: {آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ} و{قُلْ} الثانية توكيد للأولى. |