طباعة

 توثيق النص

 

 

 

عقود الزبرجد على مسند الإمام أحمد في إعراب الحديث

-5-

تأليف جلال الدين السيوطي

تحقيق الدكتور حسن موسى الشاعر

أستاذ مشارك بكلية اللغة العربية بالجامعة

 

 

[ تابع- مسند أنس بن مالك- رضي الله عنه]

101- حديث "مَنْ كَذَبَ عَليَّ مُتَعمِّداً فَلْيَتبَوّأ مَقْعَدَهُ مِن النّار"[1]

قال في النهاية: "تكَررت هذه اللفظة في الحديث ومعناها لينزل منزله من النار.

يقال: بوّأه الله منزلا، أي أسكنه إياه، وتبوأت منزلا اتخذته"[2]. ا.هـ.

وقال الخطّابي: "لفظهُ أمر ومعناه الخبر، كقوله تعالى: {مَنْ كَانَ فِي الضَّلالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدّاً}[3]. يريد أن الله يبوّئه مقعده من النار.

وقال ابن بطّال: "هو بمعنى الدعاء أي بوأه الله"[4].

وقال الطيبي: "الأمر بالتبوّؤ تهكم وتغليظ".

وقال الكرماني: "يحتمل أن يكون الأمر على حقيقته بأن يكون معناه: من كذب فليأمر نفسه بالتبوّؤ ويلزم عليه[5] . قال: "فلقوله " فليتبوأ " توجيهات أربعة"[6].

قال الحافظ ابن حجر: "وأولها أولاها"[7]

قال الطيبي: "فيه إشارة إلى معنى القصد في الذنب وجزائه، أي كـما أنه قصد في الكذب التعمد، فليقصد في جزائه التبوّؤ"[8].

102 حديث (لا يُؤْمِنُ أحدكم حتى أكون أَحَبَّ إليه مِنْ وَلَدِه ووالِده والناسِ أجمعين)[9].

قال الكرماني: "أحبّ " أفعل التفضيل بمعنى المفعول[10]: وهو مع كثرته على خلاف القياس، إذ القياس أن يكون بمعنى الفاعل، وفصل بينه وبين معموله بقوله "إليه"، لأن الممتنع الفصل بأجنبي، مع أن الظرف يتوسع فيه"[11].

103 حديث (سُئِلَ عَنْ وَقْتِ صَلاةِ الصُّبْحِ فأَمَرَ بلالا حينَ طَلَعَ الفَجْرُ فَأَقامَ الصَّلاةَ، ثم أسفر الغدَ) [12].

قال أبو البقاء : "هو منصوب على الظرف، أي أسفر بالصلاة في الغد"[13].

104 حديث (بُعثتُ أنا والساعةَ كهاتين)[14].

قال أبو البقاء: "لا يجوز فيه إلا النصب، والواو فيه بمعنى مع، والمراد به المقاربة، ولو رفع لفسد المعنى، [لأنه كان يكون تقديره: بُعثتُ أنا وبعثت الساعة، وهذا فاسد في المعنى] إذ لا يقال بُعثت الساعة، ولا في الوقوع لأنها لم توجد بعد"[15]. انتهى.

وفي حديث آخر (بُعِثْتُ والسّاعةَ كهاتين) [16].

قال ابن السِّيد في مسـائله: "النصب والرفع جائزان في "الساعة"؛ النصب على تأويل مع، والرفـع بالعطف على الضمير في "بُعِثَت" والنصب فيه أحسن، لأن المضمر المرفوع يقبح العطف عليه حتى يؤكد. ألا ترى أنه يقبح أن تقول: قمتُ وزيد[17]. وهذا مشهور عند النحويين[18] تغني شهرته عن الإطالة فيه"[19].

وقال القاضي عياض في الحديث الأول: "الأحسن رفع الساعة عطفاً على ما لم يسمّ فاعله في "بُعثتُ"، ويجوز النصب على المفعول معه، أي بعثت مع الساعة، كقولهم: جاء البردُ والطيالسةَ[20]، أو على فعل مضمر يدلّ عليه الحال، أي فأعدّوا الطيالسة[21]. ويقدّر هنا فانتظروا الساعة".

وقال القرطبى: "قد اختار بعضهم النصب بناءً على التشبيه، أي إن التشبيه وقع بملاصقة الأصبعين واتصالهما، واختار آخرون الرفع بناء على أن التشبيه وقع بالتفاوت الذي بين رؤوسهما"[22].

وقوله: "كهاتين" حال، أي مقترنين.

قال القرطبي: "فعلى النصب يقع التشبيه بالضم، وعلى الرفع يحتمل هذا ويحتمل أن يقع بالتقارب الذي بينهما في الطول".

105 حديث (فَلَمَّا نَظَرُوا إلَيْه قالُوا: مُحَمّدٌ والخَميس)[23].

قال في النهاية: " "محمدٌ" خبر مبتدأ محذوف، أي هذا محمد"[24].

وقال الكرماني: "أي جاء محمد"[25].

وقال الزركشي: "والخميس" بالرفع عطفاً على محمد، وبالنصب على المفعول معه"[26].

106 – حديث (جاءَ أَعْرابيٌّ فَبال في المسْجِدِ، فقال الصَّحابةُ: مَهْ مَهْ ) [27].

قال الجوهري: "هي كلمة مبنيَّة على السكون، وهي اسم سمي به الفعل، والمعنى اكفف. يقال مَهْمَهْتُه إذا زجرتُه، فإن وصلت نوّنت فقلت: مَهٍ مَهٍ"[28][29].

وقال الداودي: "أصل هذه الكلمة ما هذا، كالإنكار، فطرحوا بعض اللفظ فقالوا

"مه "، فصّيروا الكلمتين كلمة"[30].

107- حديث "ثلاثٌ مَنْ كُنَّ فيه وَجَدَ حَلاوةَ الإيمان"[31].

قال الكـرمـاني: " "ثلاث" مبتدأ. وجاز الابتداء بالنكرة لأن التنوين عوض من المضاف إليه، فالتقدير ثلاث خصال، أو لأنه صفة موصوف محذوف، وهو مبتدأ بالحقيقة أي خصال ثلاث، أو لأن الجملة الشرطية صفة، والخبر على هذا التقدير هو "أن يكون"، إذ على التقديرين الأولين الشرطية خبر، و"أن يكون " هو بدل من ثلاث أو بيان.

فأما "مَنْ" فهو مبتدأ، والشرط والجزاء معاً خبره، أو الشرط فقط على اختلاف فيه[32].

و"مَنْ" إما شرطية وإما موصولة متضمنة لمعنى الشرط، و"وجد" بمعنى أصاب، ولهذا عُدّي لمفعول واحد.

وقوله "كنّ " أي حصلن، فهي تامة.

وقوله "أن يكون الله ورسوله أحب إليه": "أحبَّ" منصوب خبر "يكون". فإن قلت:  لِم ما ثنّي "أحب" حتى يطابق خبر "يكون" اسمها؟ قلت "أفَعْلَ" إذا استعمل بـ "مِنْ " فهو مفرد مذكر لا غير، ولا تجوز المطابقة.

وقوله "وأن يحبّ المرء" بنصب "المرءَ" لأنه مفعول، وفاعله الضمير الراجع إلى "مَنْ ".

و"لا يحبه إلا للهِ" جملة حالية تحتمل بياناً لهيئة الفاعل أو المفعول، أوكليهما معاً.

قوله "أن يعود في الكفر" فإن قلت: المشهور عاد إليه معدَّى بكلمة الانتهاء[33]  لا بآلة الظرف. قلت: قد ضمّن فيه معنى الاستقرار، كأنه قال: يعود مستقراً فيه"[34]. انتهى.

108 – حديث "إذا جاء أحَـدُكُم الصلاةَ فلْيمْض على هَيْئَتِه، فلْيُصلِّ ما أدرك ولْيقْضِ ما سُبِقه"[35].

قال أبو البقاء: "هكذا ضبطوه على ما لم يسمَّ فاعله، والوجه فيه أنه أراد سُبِق به، فحذف حرف الجر، وعدّي الفعل بنفسه، وهو كثير في اللغة"[36].

109 - حديث "ما مِنْ مُسْلِم يغرسُ غرساً أو يَزْرَعُ زَرْعاً فيأكل منه إنسان أو طيرٌ أو بهيمةٌ إلا كانت له صدقة"[37].

قال الطيبي : "الرواية برفع "صدقة" على أن "كانت" تامة"[38].

110- حديث "ما أعددت لها مِنْ كبير عملٍ صلاةٍ ولا صَوْم" [39].

قال أبو البقاء: "يروونه بالجر على البدل من "عمل"، أو من "كبير""[40].

111- حديث "إنَّ الله تعالى لَغنيٌّ أنْ يُعذِّبَ هذا نَفْسه"[41].

قلت: هو على تقدير عن.

112 – حديث "يا أَنْجَشَة رُويدَكَ سَوْقَكَ بالقَوارير"[42].

قال أبو البقاء: "الوجه النصب برُويد، والتقدير: أمهل سوقَك، والكاف حرف للخطاب وليست اسماً و"رويد" يتعدّى إلى مفعول واحد"[43].

وقـال ابن مالك في توضيحه: " "رويد" هنا اسم فعل بمعنى أرود، أي أمهل، والكاف المتصلة به حرف خطاب، وفتحة داله بنائية. ولك أن تجعل "رويد" مصدراً مضافاً إلى الكاف، ناصباً "سوقك" وفتحة داله على هذا إعرابية"[44].

وقـال النـووي: " "رويدك" منصوب على الصفة لمصدر محذوف أي [سُقْ] سوقاً رويداً، ومعناه الأمر بالرفق [بهن]، و"سَوْقك" منصوب بإسقاط الجارِّ، أي ارفق في سوقك بالقوارير"[45].

وقال الأندلسي في شرح المفصل: "تلحق الكاف "رويد" إذا كان اسم فعل، وإذا كان مصدراً، لما فيها من معنى الأمر في هذين الوجهين، والكاف في الأمر حرف خطاب بمنزلتها في "ذاك" وإنما دخلت لتبيّن من تعني إذا خفت اللبس بمن لا تعني؛ وتحذفها إذا لم تخف لبسا".

وذهب بعض النحويين إلى أن هذه الكاف في موضع رفع، ومنهم من قال هي في موضعِ نصب. والقولان باطلان، أما الأول فلأن الكاف لو كانت فاعلة لما جاز حذفها، وأيضا فإن جميع هذه الأسماء التي في معنى الأمر، لا يبرز منها الفاعل نحو: حَذار زيداً. وأما الثاني فلأن "إرواد" الذي هو الأصل لا يتعدّى إلا إلى واحد، ولو كانت الكاف منصوبة لكنت عديته إلى مفعولين.

ثم الذي يدلّ على أن الكاف لا موضع لها من الإِعراب أصلاً أنها لو كان لها محل لكنت تؤكـدّهـا فتقول رويدك نفسُـك، بالرفع إن كانت مرفوعة، وبالنصب إن كانت منصوبة، وبالجرّ إن كانت مجرورة. وحيث لم يجز ذلك دلّ على أنها حرف.

وإن كان "رُوَيد" مصدراً وأضفته إلى الكاف، فالكاف هنا اسم لأنك تقيم الظاهر مقامه، فتقول: رُويدَك، مثل: رُويدَ زَيْدٍ ، لأن المصدر يضاف، فعلى هذا الوجه تقول رُويدَك نفسِك، فتؤكد الكاف لأنه اسم، ويجوز أن ترفع التأكيد على أن تجعله للضمير المرفوع.

وأما قول العرب: رُويدَك نَفْسَك، في الأمر، فإن الكاف حرف خطاب، و"نفسك" مفعول. انتهى.

113 - حديث "ما مِنْ رجل مُسْلم يموتُ له ثلاثةٌ مِنْ وَلَدِه لم يَبْلُغوا الحِنْثَ إلا أدْخَلَ الله عزّ وجَلَّ أبوَيْهمُ الجَنّةَ بفضْل رحمتِه إياهم"[46].

قال أبو البقاء: " "من" زائدة، و"رجل" مبتدأ: [وما بعده]، إلى قوله "لم يبلغوا الحنث" صفة للمبتدأ. والخبر قوله "إلا أدخل الله أبويهم الجنة". فإن قيل الخبر هنا جملة وليس فيها ضمير يعود منها إلى المبتدأ، فالجواب: إن الرجل المسلم الذي هو المبتدأ هو أحد أبوي المولود، وهو المذكور في خبر المبتدأ، فقد وضع الظاهر موضع المضمر لغرض، وهو إضافة الأم[47] إليه، فهو كقوله تعالى: {إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ}[48] [49].

 وقـال الحـافظ ابن حجر : "الضمير في "رحمته" راجع إلى الله. وفي "إياهم" إلى الأولاد، أي بفضل رحمة الله للأولاد"[50].

وقال ابن التين: "قيل إن الضمير في "رحمته" للأب في قوله "ما من رجل مسلم" لكونه كان يرحمهم في الدنيا، فيجازى بالرحمة في الآخرة"[51].

قال ابن حجر: "والأوّل أولى، ويؤيده أن في رواية ابن ماجة "بفضل رحمة الله إياهم".

وقال الكرماني: الظاهر أن المراد بقوله "إياهم" جنس المسلم الذي مات أولاده، لا الأولاد، أي بفضل رحمة الله لمن مات لهم. قال: وإنما جمع باعتبار أنه نكرة في سياق النفي يفيد العموم"[52].

وقال ابن حجر: "وهذا الذي زعم أنه ظاهر ليس بظاهر، بل في غير هذه الطريق ما يدلّ على أن الضمير للأولاد؛ ففي حديث عمرو بن عبْسة[53] عند الطبراني[54] "إلا ادْخَلَهُ الله بِرَحْمتِه هو وإياهُم الجنّة"[55].

وفي حديث أبي ثعلبة الأشجعي[56] عنده "أَدْخَلَهُ الله الجنَّةَ بفَضْل رحمتِه إياهما". قاله بعد قوله "مَنْ ماتَ لَهُ وَلَدان" فوضح بذلك أن الضمير في قوله "إياهَم" للأولاد لا للآباء.

 114 - حديث "أتانا رسول الله صلى الله عليه وسلم  في دارنا فاسْتَسْقى، فَحَلبْنا لَه شاةً لنا ثُمّ شُبْتُه مِنْ ماءِ بِئْرِنا"[57].

قال الكرماني: "فإن قلت استعمل هنا بـ "مِنْ " وروي في موضع آخر بالباء. قلت: المعنيان صحيحان، وقد يقوم حرف الجرّ مقام أخيه"[58].

قوله: "ثم قال: الأَيْمَنون الأَيْمَنون".

قال الزركشي: "كذا بالرفع بتقدير مبتدأ مضمر، أي المقدّم".

115- حديث "وإنْ وَجَدْناهُ لَبَحْرا"[59].

قال الخطابي  : " "إنْ " هنا نافية، واللام في "لبحرا" بمعنى إلا، أي ما وجدناه إلا بحرا، والعرب تقول: إنْ زيدٌ لعاقلٌ ، أى ما زيدٌ إلا عاقل، والبحر من نعوت الخيل. قال الأصمعي[60]: فرسٌ بحر إذا كان واسع الجري"[61].

قلت: هذا الذي أعربه الخطابي مذهب كوفي، وذلك لأنه أخذ عن ثعلب[62]، وهو من أئمة الكوفيين. والبصريون يقولون في هذا: إنّ "إنْ" مخففة من الثقيلة، واللام لام الابتداء دخلت للفرق بين "إنْ" المخففة و"إنْ" النافية[63]

قال أبـو حيان: "الكـوفيون يرون أنّ "إنْ" هي النافية، واللام بمعنى إلا وهذا باطل، لأن اللام لا تعرف في كلامهم بمعنى إلا"[64].

وقال ابن مالك: "قولهم إن اللام بمعنى "إلا" دعوى لا دليل عليها، ولو كانت بمعنى "إلا" لكان استعمالها بعد غير "إنْ" من حروف النفي أولى، لأنها أنصّ على النفي من "إنْ"، فكان يقال: لم يقمْ لزيدٌ ، ولن يقعدَ لعمروٌ ، بمعنى لم يقمْ إلا زيدٌ ، ولن يقعد إلا عمرو. وفي عدم استعمال ذلك دليل على أن اللام لم يقصد بها إيجاب، وإنما قصد بها التوكيد كـما قصد مع التشديد".

116- حديث "إذا أَقْرَضَ أَحَدُكُم قَرْضاً فأَهْدى إليه أو حَمَلَهُ فلا يَقْبَلْها"[65].

قال الطيبي: "القَرْض" اسم للمصدر، والمصدر في الحقيقة الإقراض، ويجوز أن يكـون هاهنا بمعنى المقروض، فيكون مفعولا ثانياً لأقرض، والأوّل مقدّر كقوله تعالى: {مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً}[66] والضمير الفاعل في "فأهدى" عائد إلى المفعول المقَدّر. والضمير في "لا يقبلها" راجع إلى مصدر أهدى.

وقوله "فأهدى" عطف على الشرط، وجوابه "فلا".

117 – حديث "هذا جَبَلٌ يُحبُّنا ونُحِبُّه"[67].

قال الأندلسي: "قال سيبويه: حدثنا يونس[68]  أن العرب تقول "هذا أنت تقول كذا". لم يُرد بقوله "هذا أنت" أن يعرفه بنفسه، ولكنه أراد أن ينبهه، كأنه قال: الحاضر عندنا أنت، والحاضر القائل كذا وكذا [ أنت]"[69].

قال السـيرافي: "وقولهم "هذا زيدٌ يفعل كذا": "يفعـل" في موضـع الحـال عند البصريين، هذا زيدٌ فاعلاً. وعند الكوفين هو منصوب على أنه خبر هذا". انتهى.

وفي حديث الشفاعة: "هذه الأنبياء قد جاءتك يسألون". وفي حديث النحر: "هذا يومٌ يُشتهى فيه اللحم"[70]

وقوله: "اللهمّ إنَّي أحرّم ما بين جبليها مثل ما حرّم به إبراهيم مكة" قال الكرماني:  فإن قلت لفظ "به" زائد. قلت: لا، بل "مثل" منصوب بنزع الخافض، أي أحرّم بمثل ما حرّم به، أو معناه أحرّم بهذا اللفظ وهو"أحرّم" مثل ما حرّم به إبراهيم"[71].

118 – حديث "مِنَ السُّنَّةِ إذا تَزوَّجَ البِكرَ أقَام عِنْدَها سَبْعاً"[72].

قال الطيبي: "يجوز أن يكون قوله "من السنة" خـبراً، وما بعده في تأويل المبتدأ، أي من السنة إقامة الرجل عند البكر إذا تزوجها سبعاً".

119 – حديث "قوموا إلى جَنَّةٍ عَرْضُها السماوات والأرض"[73].

قال الطيبي: "عدّاه بـ "إلى" لإرادة معنى المسارعة، كـما في قوله تعالى: {وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ}[74]

120 – حديث "لم يُصَدَّقْ نَبِيّ من الأنبياء ما صدقت"[75].

قال الطيبي: " "ما" فيه مصدرية"[76].

121 - حديث "قولُ أُمّ حارثة لرسول الله صلى الله عليه وسلم : قد عَرَفْتَ مَنْزِلَةَ حارثة منيّ فإنْ يكُ في الجَنَّةِ اصبر ْوأحتسب، وإن تكن  الأخرى ترى ما أصنع"[77].

قال ابن مالك: "حقّ الفعل إذا دخلت عليه "إنْ" وكان ماضياً بالوضع، أو بمقارنته "لم" أن ينصرف إلى الاستقبال نحو{إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لأَنْفُسِكُم}[78] {فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا}[79]. وإن كان قبل دخول "إنْ" صالحاً للحال والاستقبال تخلّص له بدخولها، نحو {إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ}[80]. وقد يراد المضيّ بما دخلت عليه "إنْ" فلا يتأثر بها، ويستوي في ذلك الماضي بالوضع نحو {إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ}[81] والمضارع نحو {إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ}[82]. ومنه "فإن يكُ في الجنةِ أصْبرْ وأحْتسِب". والأصل "يكون" ثم جزم فصار "يكنْ" ثم حذف نونه لكثرة الاستعمال فصار "يكُ".

وهذا الحذف جائز لا واجب. ولذلك جاء الوجهان في كتاب الله نحو {وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ}[83]  {وَلَمْ يَكُنْ جَبَّاراً عَصِيّاً}[84]. ولو ولي الكاف ساكن عادت النون نحو {لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ}[85] ولوجوب عود النون قبل الساكن لم يجئ الفعلان في الحديث المذكوِر بالحـذف، بل حذفت نون الأول لعـدم ساكن بعده، وثبتت نون الثاني لإيلائه ساكنا. ولا يستصحب الحذف قبل ساكن إلا في ضرورة، كقول الشاعر:

فَإنْ لَمْ تَكُ المِرْآةُ أبْدَتْ وَسامَةً

فَقدْ أَبْدتِ المِرْآةُ جَبْهَةَ ضَيْغَم [86]

و"ترى" من قول أم حارثة "وإن تكن الأخرى ترى ما أَصنع" مضارع راء بمعنى رأى، والكلام عليه كالكلام على قول أبي جهل "متى يراك الناس"[87] . وكـما جُوّز رفع "يراك" لإهمال "متى" وتشبيهها بـ "إذا"،  كذلك يجوز رفع "يرى" لأنه جواب، والجواب قد يرفع، وإن كان الشرط مجزوم اللفظ، كقراءة طلحة بن سليمان[88] {أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكُكُمُ الْمَوْتُ}[89]  وكقول الراجز:

إنّك إنْ يُصْرَعْ أخوُكَ تصْرَعُ"[90] [91]. انتهى.

وقوله: "أصابهُ سَهْم غَرْب"[92].

يروى بالإضافة وعدمها على الصفة لسهم، ونظيره من ذلك "غرّة عبد أو أمة"[93] و"برد حِبَرة"