|
|
|
الحِيَل |
|
الدكتور محمد المسعودي |
أستاذ مساعد في كلية
الشريعة |
|
|
|
المقدمة |
|
إن الحمد لله نحمده ونستعينه
ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من
يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله
وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلوات الله وسلامه عليه، ورضي الله عن الصحابة
والتابعين وعمن تبع نهجهم واقتفى أثرهم إلى يوم الدين. |
|
أما بعد: |
|
فإن الفقه درة الإسلام، وثروة أمة
الإيمان، ولا يعرف قدره إلا أهله، وهو ذروة سنام العلوم، وتاج العلماء، من حصل
عليه وعمل به فقد أخذ بحظي الدنيا والآخرة، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين "[1]، وناهيك بقوله لابن عباس: " اللهم فقهه في الدين"[2]. |
|
والفقه يحتوي على قواعد كلية ترد
إليه جزئيات كثيرة من مسائل الفقه، ويحتوي على مسائل متناثرة، وبه من دقيق
المسائل وعويصها ما يعرفه أهل الفقه والفضل، ولقد عنى به الفقهاء عناية فائقة
ففتقوا مسائله، وخرجوها على أصول أصحابهم، وفرضوا فرضيات وقع بعضها، وسيقع البعض
الآخر، لأن الحوادث لا تتناهى، نظراً لاتساع دائرة الحياة، وتمدن البشر، واتساع
مداركهم واختراعاتهم. |
|
ومن مسائل الفقه التي تعد من أدقه
فهماً مسائل الحيل، لا أستبق
الأحداث، ولكنني إن شاء الله سأسلط الضوء عليها بتوضيح غامضها،
وكشف حقائقها. |
|
ولقد كانت البادرة الأولى أنني
ألقيت جزءاً منها محاضرة في القاعة الكبرى بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة،
وحصل مالم أتوقعه من الإقبال والحضور من طلبة العلم الذين زادوني همة وألحوا
عليَّ بإكمال الجزء المتبقي من الحيل، حيث أشرت إلى الحيل المحظورة وصورها، وضاق
وقت المحاضرة عن الحيل الجائزة وصورها. |
|
ولما وجدت حرصهم ومتابعتهم لهذا
الموضوع قررت الاستجابة، ولم يكن لي إلا أن أخوض غماره مرة أخرى بإكمال باقيه،
وارتقاء مراميه، وأن أجلي غموضه، وأميط لثامه، وها أنا أبين طريقة عرضي لهذا
الموضوع: |
|
1- فندت هذا الموضوع وجعلته في
مقدمة وتمهيد وسبعة فصول. |
|
2- حاولت
جاهدا أن أسهل أسلوب هذا الموضوع الشائك حتى يتيسر ويسهل تناوله لأكثر طلبة
العلم. |
|
3- دعمته بالاستدلال الكافي من
الكتاب والسنة. |
|
4- ضربت له الشواهد والأمثلة حتى يتضح المقال بالمثال ولم أشأ أن أجعله مستفيضاً في ضرب الأمثلة والشواهد طلبا للاختصار، وتحقيقاً لهدفي منه وهو الإبانة عن هذا الموضوع الشائق الشائك المبتكر إن كان المقصود بالابتكار إخراج عمل عصري جديد، لم يعمل بصفة الاستقلالية، ولم يفرد له بحث مستقل على هذا المنوال، من التوسط في المقال، مع إيفاء الموضوع حقه بالمثال، وإلا فالابتكار بمعنى عدم السبق في التأليف أمر يكاد يكون مستحيلا، فنحن خلف لسلف نقتدي لنهتدي، ونتبع ولا نبتدع، وما ترك الأول للآخر شيئاً، وقد قال الله تعالى:{الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِيناً}[3]. |
|
وليست أمور الشرع جارية على ناموس العلوم الكونية من علوم الآلات وعلوم الطب
والفيزياء والكيمياء والتجارب الحسية الخاضعة للابتكار والاختراع. |
|
وأخيرا أرجو من إخواني إتحافي
بملاحظاتهم القيمة فالمؤمن مرآة أخيه، وما كان من صواب في هذا البحث فمن الله،
وما كان من خطأ فمني ومن الشيطان، وأستغفر الله لذنبي كله وصلى الله وسلم وبارك
على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم. |
|
|
|
تمهيد |
|
الحمد لله الذي أنار عقول
المؤمنين، وألزمهم كلمة التقوى وكانوا أحق بها وأهلها، والصلاة والسلام على سيد
الأولين والآخرين، الذي أنار الله به دياجير الظلام وختم به دين الإسلام. |
|
أما بعد: |
|
فإن من أشد الضروريات التي طالب بها
رب العزة والجلال، أن نعبده وحده ولانشرك به شيئا وبين توحيده في أفعاله وأفعال
عباده وأسمائه وصفاته مما يجب الإيمان به والتسليم له. |
|
ثم ألزمنا بمأمورات، ونهانا عن
محظورات، وفرض لنا فرائض، وسنَّ لنا سنناً وبهذا تكامل العقد وانتظم وتجانس الدين
وانسجم، وتمت كلمة ربك الحسنى وأصبح لدين الإسلام الطريقة المثلى في تحقيق الأمن
والسعادة وما يحتاجه أي إنسان في حياته، وما ينجيه في دنياه وأخراه. |
|
وهذه النعمة ألا وهي نعمة الإسلام،
التي امتن الله بها علينا كما قال تعالى:{بَلِ الله
يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ}[4] توجب
علينا الشكر لمنعمها وتقتضي منا العمل على تطبيقها في سائر حياتنا، ثم حملها
للناس دعوة وجهاداً في سبيل الله عز
وجل . |
|
ويوم كان الإسلام عزيز الجانب مهيب
الصولة والجولة تفجرت ينابيع العلم وتدفقت مناهله، وهكذا سنة الله في الأرض، حتى
العلم يقوى بقوة الإسلام ويضعف بضعفه. |
|
لقد كان مصدر العلم ولا زال ولن
يزال إن شاء الله إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها،كتاب
الله عز وجل وسنة رسوله صلى الله
عليه وسلم وهما المنبعان الأساسيان
الخالدان، ويليهما من مصادر وأصول التشريع الإجماع وهو راجع إليهما، ثم استصحاب الحال ودليل العقل ، وهذه
الأربعة متفق عليها. |
|
وهناك أصول أربعة مختلف فيها وهي:
شرع من قبلنا، إذا لم يصرح شرعنا بنسخه، والثاني قول الصحابي
إذا لم يظهر له مخالف، والثالث
الاستحسان، والرابع المصلحة المرسلة. |
|
ومجمل القول أن مصادر التشريع وأدلة الأحكام إما أصلية، وهي الكتاب والسنة والإجماع، وإما
تابعة وهي: استصحاب الحال ودليل العقل وقلنا إنه تابع لأنه إبقاء لما كان على ما
كان من الإثبات أو النفي، ط والقياس،
وشرع من قبلنا إذا لم يصرح شرعنا بنسخه، وقول الصحابي إذا لم يظهر له
مخالف، والاستحسان، والمصلحة المر سلة وسد الذرائع. والعرف؛ وسنعطي لمحة موجزة عن
هذه الأدلة أصلية كانت أو تبعية
تمهيدا للدخول في صلب الموضوع الذي نريده
لأن عليها يبني الفقيه فقهه ويلجأ إليها عند حدوث الوقائع والمشكلات فأقول
وبالله التوفيق: |
|
المصدر الأول:
وهو القرآن الكريم: كلام الله تعالى المعجز في لفظه ومعناه الذي نزل به جبريل
الأمين على قلب سيد الأولين والآخرين صلى الله عليه وسلم بلسان عربي مبين وهو
مابين دفتي المصحف المنقول إلينا نقلا متواترا لا زيادة فيه ولا نقصان
{وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ الله حَدِيثاً}[5]
{إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}[6] وهذا
القرآن هو أساس الدين ومصدر التشريع وحجة الله البالغة في كل عصر ومصر، تلقاه عنه
أصحابه رضوان الله عليهم، تلاوة له، وحفظاً ودراسة لمعانيه، وعملا بما فيه. |
|
قال أبو عبد الرحمن السلمي: " حدثنا
الذين كانوا يقرؤوننا القرآن عثمان بن عفان وعبد الله بن مسعود وغيرهما أنهم
كانوا إذا تعلموا من النبي صلى الله عليه وسلم عَشر آيات لا
يتجاوزونها حتى يتعلموها وما فيها من العلم والعمل جميعاً " وهكذا استمر نقله
وحفظ المسلمين له جيلا بعد جيل من غير تحريف أو تبديل. |
|
المصدر الثاني:
السنة المطهرة وهي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم من قول أو فعل أو تقرير وهذا
تقسيم لها من حيث ذاتها أو من حيث هي. |
|
وأما أقسامها من حيث الرواية
فهي على قسمين: |
|
1- الحديث المتصل وهو ما اتصل سنده
إلى رسول الله
صلى الله عليه وسلم فلم يسقط أحد رواته. |
|
2- الحديث
الغير متصل وهو ما أسقط منه راو فأكثر ويسمى في اصطلاح الأصوليين بالمرسل سواء
سقط منه الصحابي أو غير الصحابي، وأما في اصطلاح المحدثين فالمرسل ما سقط منه
الصحابي فقط، وأما ما سقط منه غير الصحابي فيسمونه المنقطع. |
|
وأما الحديث المتصل فهو على ضربين: |
|
أحدهما: الحديث المتواتر وهو
الذي يرويه جمع عن جمع يستحيل عادة تواطؤهم على الكذب، وذلك من أول السند إلى
منتهاه. |
|
مثل حديث
" إنما الأعمال بالنيات " وحديث " من كذب علي
متعمداً فليتبوأ مقعده من النار". |
|
ثانيهما: حديث الآحاد أو خبر
الواحد، وهو الذي يرويه واحد أو اثنان من أول السند إلى منتهاه، فرواته لا يبلغون
حد التواتر في الطبقات الثلاث، أعني طبقة الصحابة وطبقة التابعين وطبقة تابعي
التابعين وإن بلغوا حد التواتر فيما بعد، لأن السنة قد دونت بعد عصر تابعي
التابعين وأصبحت الأخبار معلومة بهذا التدوين. |
|
وغالب الأحاديث الواردة من هذا
الباب، وزاد الحنفية ضرباً ثالثاً وهو المشهور وهو فوق خبر الآحاد ودون المتواتر
وهو الذي لم يبلغ رواته عن الرسول صلى الله عليه وسلم حد التواتر ولكنهم يبلغونه
فيما بعد فإذا روى الحديث عن الرسول صلى الله عليه وسلم أحد أو اثنان
من الصحابة ثم رواه عنهم جمع من التابعين يمتنع اتفاقهم على الكذب وهكذا حتى
نهاية السند في عصر التدوين، فهذا الحديث يسمى مشهورا عند الحنفية والمعول عليه
في الشهرة هو الطبقة الثانية أو الثالثة من الرواة أي التابعون أو تابعوا
التابعين. |
|
وليس المقام مقام التفصيل في كل من
الأنواع المتقدمة وشروط العمل بها ومدى حجتها فمكانه في مظانه أن علمي الحديث
والأصول ولكنه الإجمال وبيان العناية التي أولتها هذه الأمة الإسلامية هذه السنة
المطهرة حيث حفظوها وكتبوها ورواها كل عن الآخر حتى جاء بعضها متواتراً باللفظ
والمعنى أو بالمعنى فقط متصلا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا من خصائص
ومزايا وكمال هذه الشريعة وحدها فنقل الثقة عن الثقة يبلغ به النبي صلى الله عليه وسلم
مع الاتصال
خصَّ الله به المسلمين دون سائر الملل[7]. |
|
ثالثها: وأما الإجماع لغةً فهو
الاتفاق والعزم وفي اصطلاح الأصوليين: اتفاق مجتهدي العصر من أمة محمد صلى الله
عليه وسلم، بعد وفاته على أمر من أمور الدين. |
|
فقد انقطع التشريع والوحي بوفاة النبي صلى الله
عليه وسلم واتسعت رقعة الدولة الإسلامية وجدت حوادث
ونوازل لم تكن من قبل أملتها الظروف التي نحياها والاتصالات بالأمم الأخرى وما هم
عليه من عادات وتقاليد فاقتضى ذلك أن يجتهد الصحابة فمن بعدهم في تلك الوقائع فإن
اتفقوا على أمر منها عدَّ ذلك إجماعاً وإن اختلفوا فذلك هو غالب الأحكام ولكل
مجتهد نصيب[8]. |
|
رابعها: وأما
استصحاب الحال ودليل العقل فمعناه إبقاء ما كان على ما كان حتى يقوم الدليل الذي
يغيره. |
|
فإذا ثبت حكم معين في الزمن
الماضي فإنه يظل ثابتاً حتى يقوم دليل عليه بنفيه وإذا انتفى هذا الحكم بقي
منفياً حتى يقوم دليل على ثبوته. |
|
واستصحاب الحال
أربعة أنواع: |
|
1- النفي الأصلي أو براءة ذمة. |
|
2- استصحاب الدليل مالم يرد مغير. |
|
3- استصحاب الحكم مالم يرد مغير. |
|
4- استصحاب حال الإجماع إلى مسألة
موضع خلاف. |
|
فمثال الأول: وهو براءة الذمة
أو النفي الأصلي أن الإنسان مباح له أن يفعل كل شيء حتى يأتي الرسل ويحصل
التبليغ، والعقل دليل للنفي، والأحكام الشرعية تدرك بالسمع. |
|
ومثال النوع الثاني: وهو استصحاب
دليل الشرع مالم يرد المغير فكاستصحاب العموم إلى أن يرد تخصيص واستصحاب النص إلى
أن يرد النسخ. |
|
ومثال النوع الثالث: وهو استصحاب
الحكم مالم يرد مغير كاستصحاب الملك الثابت حتى يأتي المغير بالدفع، وشغل الذمة
بالاتلاف حتى يأتي الإبراء. |
|
ومثال النوع الرابع: وهو استصحاب
حال الإجماع إلى مسألة موضع خلاف أن يقول في المتيمم إذا رأى الماء في أثناء
الصلاة: الإجماع منعقد على صحة صلاته ودوامها فنحن نستصحب ذلك حتى يأتي دليل
يزيلنا عنه. |
|
وهذا النوع ليس بحجة في قول الأكثرية، لأن الإجماع في المثال السابق إنما دل على دوام الصلاة حال العدم. فأما مع الوجود في أثناء الصلاة فهو مختلف فيه ولا إجماع مع الاختلاف لأن حقيقة الإجماع الاتفاق ولا اتفاق هنا[9]. |
|
خامسها: القياس وقد عرفه علماء
الأصول بأنه إلحاق فرع بأصل لعلة جامعة بينهما في الحكم كإلحاق الأرز بالبر في
الحكم وهو تحريم الربا لجامع الكيل أو الطعم أو الاقتيات والادخار وإلحاق النبيذ
بالخمر في التحريم لجامع الإسكار. |
|
ومن أدلة جوازه قوله تعالى:{فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي
الأَبْصَارِ}[10]، وقوله
صلى الله عليه وسلم للخثعمية: " أرأيت لو كان على أبيك دين أكنت قاضيته قالت نعم قال فدين
الله أحق بالقضاء "[11].
|
|
وللقياس مباحث جليلة تراجع في
مظانها من كتب الأصول. |
|
سادسها: شرع من قبلنا إذا لم يصرح
شرعنا بنسخه وهو من الأصول المختلف فيها وقد حصل الإتفاق على أن ما أمرنا الله
باتباعه من هذه الأحكام في كتابه أو على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم فإنه يكون ملزماً لنا لا بطريق الشرائع
السابقة بل بالنص الوارد في شريعتنا، مثاله شرعية الصوم قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ
الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ
تَتَّقُونَ}[12]. |
|
كما حصل اتفاق الأصوليين أيضاً على أن ما نهانا
عن اتباعه مما في الشرائع السابقة لا يجوز لنا اتباعه، لأن النهي عنه يعد نسخاً
صريحاً بالاتفاق، ولا يجوز العمل بالمنسوخ، مثاله حل الأطعمة التي كانت محرمة على
اليهود لهذه الأمة المحمدية قال تعالى:{وَعَلَى
الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ
حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ
الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ}[13]. |
|
وأما الأحكام التي ورد ذكرها في القرآن الكريم أو السنة المطهرة دون أن نؤمر باتباعها أو ننهى عنها فهذا هو مثار النزاع ومحط الخلاف بين علماء الأصول، وهذا ما أحيل القارىء الكريم عليه بكتب الأصول[14]. |
|
سابعها: قول الصحابي إذا لم يظهر له مخالف: وهو من الأصول المختلف فيها أيضاً فقد ذهب مالك والشافعي في القديم وبعض الحنفية والراجح عند الحنابلة إلى أنه حجة يقدم على القياس ويخصص به العموم وقال الشافعي في الجديد وأبو الخطاب من الحنابلة وعامة المتكلمين أنه ليس بحجة ولكل وجهة[15]. |
|
ثامنها: الاستحسان وللعلماء في
الأخذ بالإستحسان وتفسيره أقوال ليس هذا مجالها، والصحيح من أقوالهم أنه لا يراد
به الاستحسان العقلي المجرد من الدليل، وإنما المراد به العدول بحكم مسألة عن
نظائرها لدليل شرعي خاص فيكون هذا بمثابة تخصيص الدليل بدليل أقوى في نظر
المجتهد. |
|
ومن أمثلة ذلك: |
|
1- أن
يتيمم فاقد الماء لكل صلاة استحسانا والقياس أن التراب بمنزلة الماء فلا يتيمم
حتى يحدث. |
|
2- ومنه مسألة ما يسمى بالاستصناع وذلك كأن تتعاقد مثلا مع شخص على بناء بيت أو صنع سيارة أو حياكة ثوب، فالمعقود عليه معدوم وقت العقد ولا يصح بيع الشيء المعدوم فكان القياس عدم جواز هذا العقد، ولكنهم أجازوه استحساناً لتيسير المعاملات وجرى عرف الأمة على التعامل به[16]. |
|
تاسعها: المصلحة المرسلة: ونصوص
الشريعة العامة تدل عليها كقوله تعالى: {يُرِيدُ
الله بِكُمُ الْيُسْرَ}[17] {مَا يُرِيدُ الله لِيَجْعَلَ
عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ} [18]. |
|
والمصلحة المرسلة هي جلب منفعة أو
دفع مضرة لم يشهد لها الشرع بإبطال ولا باعتبار معين، ومثلوا لذلك بجمع القرآن في
عهد أبي بكر، عندما استشرى القتل في القراء بعد وقعة اليمامة، ومثلوا كذلك بتترس
الكفار بجماعة من أسرى المسلمين، فإننا لو رميناهم قتلنا مسلماً معصوماً وهذا لا
عهد به في الشرع، ولو تركناهم تسلطوا على سائر المسلمين بالغلبة فقتلوهم ولاشك أن
حفظ جميع المسلمين أقرب إلى مقصود الشارع وإن أدى إلى قتل القلة من المسلمين
الأسارى فهذه مصلحة ضرورية ليس لها أصل معين في نص أو قياس. |
|
وقد قسم الأصوليون المصلحة إلى
ثلاثة أقسام: |
|
1- مصلحة
ضرورية وهي ما لابد منها في مصالح الدين والدنيا وهي على خمسة أضرب، حفظ الدين،
وحفظ النفس، وحفظ النسل، وحفظ المال، وحفظ العقل. |
|
2- مصلحة حاجية وهي ما احتاج إليها
المكلفون مع عدم الضرورة الملجئة إليها بل من باب رفع الحرج والمشقة ومن أمثلتها
الرخص التي شرعت في باب العبادات كقصرِ الصلاة، والفطر في السفر، وفي العادات
إباحة ما زاد على الضرورة من اقتناء الطيبات مأكلاً ومشرباً وملبساً ومركباً، وفي
المعاملات بالقراض والمساقاة والسلم، وفي الجنايات بالحكم باللوث وتحميل الدية
على العاقلة. |
|
3- مصالحة تحسينية وتسمى أيضاً
كمالية وهي مانزلت عن حد الحاجة وعُدَّ تحصيلها من باب محاسن الأخلاق وكريم
العادات. |
|
ومثالها أخذ الزينة في الصلاة والتقرب إلى الله بنوافل الطاعات[19]. |
|
عاشراً: سد الذرائع وسنفرد لها
كلاماً مستقلاً وشرحاً مختصراً في موضوعنا " الحيل " للعلاقة الوثيقة بينهما. |
|
الحادي عشر: العرف وهو دليل من أدلة
الشرع حيث لا يوجد النص، أو يصادمه ما هو أقوى منه من أدلة الأحكام الأخرى. |
|
والمراد بالعرف ما تعارف الناس عليه واعتادوه ولذلك قيل " العادة محكمة "، وذلك كما لو حلف لا يدخل بيتاً فإنه لا يحنث بدخول المسجد لأنه وإن سُمي بيتاً في اللغة فإنه لا يسمى بيتاً في العرف وكذلك لو حلف لا يأكل لحماً لا يحنث بأكل السمك والخلاصة أن ما تعارف الناس عليه من أوجه المعاملات والتصرفات يحكم بصحته طالما أنه لم يخالف دليلاً شرعياً معتبراً[20]. |
|
هذه هي أصول الأحكام وأدلة الشرع
التي يبنى عليها الفقيه فقهه، ويلجأ إليها عند وقوع الحوادث والمشكلات وحيث إن
موضوع الحيل من أدق الموضوعات، ويتطلب من أراد أن يبحر في عبابه أن يجيد فيه
السباحة، وأن يكون من ربانه؛ لذلك كان لزاماً عليَّ أن أعطي هذه المقدمة الضافية
المختصرة في الأدلة الشرعية لتعين المطلع على هذا الموضوع فهي أدوات لفهمه،
ووسيلة لإيضاح غموضه، ولعلي ألقي الضوء على جانب من جوانب الفقه، جانب حارت فيه
العقول وتباينت فيه الأفهام ما بين مجيز له ومانع، هذا الجانب هو جانب الحيل في
الشريعة الإسلامية كما أرجو أن أوفق في موضوع شائق شائك تكبدت مصاعبه ومتاعبه
لأجلي غموضه وأميط لثامه، ولأجل العلاقة الوطيدة بنا الحيل وسد الذرائع والاشتباه
الحاصل بينهما في كثير من المواضع أحببت أن أبين بياناً مختصراً شافياً يزال فيه
الالتباس وتتضح به أوجه الافتراق وأوجه الاجتماع بين هاتين القاعدتين قاعدة الحيل
وقاعدة سد الذرائع فلنشرع في المقصود بعد بذل المجهود سائلين العون من المعبود. |
|
|
|
سد الذرائع: |
|
الذريعة لغة هي الوسيلة إلى الشيء، والجمع الذرائع قال ابن منظور: الذريعة جمل يختل به الصيد يمشى الصياد إلى جنبه فيستتر به ويرمي الصيد إذا أمكنه[21]. |
|
وأما شرعاً فهي الشيء الذي
أصله الحل لكنه يفضي إلى المحرم أو ما استخدم كوسيلة للمحرم. |
|
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: " الذريعة ما كان وسيلة وطريقاً إلى الشيء لكن صارت في عرف الفقهاء عبارة عما أفضت إلى فعل محرم ولو تجردت عن ذلك الإفضاء لم يكن لها مفسدة "[22]. |
|
|
|
الفرق بين الذريعة والحيلة: |
|
الذريعة والحيلة قد تجتمعان وقد
تفترقان، فالحيلة تجتمع مع الذريعة عند القصد وكل منهما تفترق عن الأخرى فيما عدا
ذلك؛ فالذرائع والحيل قاعدتان
متشابهتان، والكلام فيهما متداخل ولأجل هذا التداخل نلاحظ أن من كتب عنهما كابن
تيمية وابن االقيم يتكلم عن أحدهما أثناء الكلام على الأخرى ويستدل لأحدهما بأدلة
الأخرى فابن تيمية مثلاً اعتبر الذريعة إن كان إِفضاؤها إلى المحرم بقصد فاعلها
من باب الحيل، وعلى تقسيمه توجد ذريعة ليست حيلة وحيلة ليست ذريعة، وذريعة هي
حيلة، قال رحمه الله فصارت الأقسام ثلاثة: |
|
1- ما هو ذريعة وهو مما يحتال به
كالجمع بين البيع والسلف، وكشراء البائع السلعة من مشتريها بأقل ثمن تارة وبأكثر
أخرى، وكالاعتياض في ثمن الربوي بربوي لا يباع بالأول نسأ، وكقرض بني آدم. |
|
2- ما هو
ذريعة لا يحتال بها كسب الأوثان فإنه ذريعة إلى سب الله تعالى وكذلك سب الرجل
والد غيره فإنه ذريعة إلى أن يسب والده وأن هذا لا يقصدهما مؤمن. |
|
3- ما يحتال به من المباحات في الأصل كبيع النصاب في أثناء الحول فراراً من الزكاة وكإغلاء الثمن لإسقاط الشفعة[23]. |
|
وابن القيم والشاطبي تحدثا عن المقاصد ثم عرضا لسد الذرائع ومنها إلى الحيل لأن الأمور بمقاصدها والذريعة والحيلة يرتبطان بالقصد[24]. |
|
أما شواهد قاعدة سد الذرائع
فأكثر من أن تحصى ومنها: |
|
1- قوله تعالى: {وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ الله فَيَسُبُّوا الله عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ}[25]. |
|
دلت هذه الآية على عدم سب
آلهة المشركين مع أن سبها قربة لكن لما كانت وسيلة إلى سب الله منعوا من ذلك. |
|
2- قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا رَاعِنَا
وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ}[26]ووجه
الدلالة أن الله نهى المؤمنين أن يقولوا راعنا قصدهم الخير، لكن لما كان اليهود
يقصدون فاعلاً من الرعونة سد باب هذه الكلمة إلى غيرها مما لا يحتمل غير المراد. |
|
هذه شواهد من الكتاب، وأما السنة
فمنها: |
|
1) ما رواه البخاري عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن من أكبر الكبائر أن يلعن الرجل والديه؛ فقيل: يا رسول الله وكيف يلعن الرجل والديه؟ قال: يسب الرجل أبا الرجل فيسب أباه ويسب أمه فيسب أمه[27]. |
|
2) ما ورد عن
النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يكف عن قتل المنافقين خشية أن يقول الناس إن محمداً
يقتل أصحابه[28]. |
|
3) أن النبي صلى الله
عليه وسلم نهى عن بناء المساجد على القبور، ولعن من فعل ذلك، وأمر بتسويتها ونهى
عن الصلاة إليها أو عندها، وعن إيقاد المصابيح عليها وما ذلك إلا لئلا تكون ذريعة
إلى الشرك فيعبد أصحابها من دون الله[29]. |
|
والشواهد كثيرة على قاعدة سد
الذرائع وإنما القصد البيان والاختصار، وقد ضرب شيخ الإسلام ابن تيميه ثلاثين
مثالاً، واستشهد لها ابن القيم بتسعة وتسعين دليلاً[30].
|
|
وبالجملة فقاعدة سد الذرائع ربع
الشريعة كما قال غير واحد من الأئمة؛ وذلك لأن المحرمات قسمان: مفاسد وذرائع
موصلة إليها، وكذلك القربات نوعان: مصالح وذرائع موصلة إليها فصار سد الذرائع
المفضية إلى الحرام ربع الدين. |
|
|
|
الفصل
الأول:
|
|
قال ابن منظور: " الحول: الحيلة والقوة، قال ابن سيده: الحوْلُ والحيْلُ والحَوِلُ والحِيَلَةُ والحَويلُ والمحَالةُ والاحْتِيال والتَّحوُّل والتحيُّل كل ذلك: الحِذقُ وجودة النظر، والقدرة على دقة التصَرف، والحِيَل والحِوَل جمع حيلة، ورجل حُوَل وحُوَلَة مثل هُمَزَة، وحُولة وحُوَّل وحَوَاليّ وحُواليّ وحَوَلْوَل: مُحْتال شديد الاحتيال "[31]. |
|
وقال الجرجاني: "الحيلة اسم من الاحتيال وهي التي تحَوِّل المرء عما يكرهه إلى ما يحبه"[32]. |
|
وقال الجوهري: "الحيلة بالكسر
والاسم الاحتيال
وهو من الواو وكذلك الحَيْلُ والحَولُ يقال: لا حيل ولا قوة لغة فى حول"، قال
الفراء: "هو أحْيلُ منك أي أكثر حيلة- وما أحْيلَهُ لغة في ما أحْوَلَهُ"، قال
أبو زيد: "يقال ماله حِيلَةٌ ولا مَحَالَةٌ ولا احْتِيالٌ ولا مِحالٌ بمعنى
واحد-". |
|
وقال أبو البقاء: "الحيلة من التحول لأن بها يتحول فاعلها من حال إلى حال بنوع تدبير ولطف يحيل به الشيء عن ظاهره"[33]. |
|
وقال الراغب الأصفهاني في غريب
القرآن: "والحيلة ما يتوصل بها إلى حالة ما في خفية وكذا الحويلة وأكثر استعماها
فيما في تعاطيه خبث وقد تستعمل فيما فيه حكمة، وهذا قيل في وصف الله عز وجل:
{وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ}(الرعد: من الآية13) أي الوصول في خفية
إلى الناس إلى ما فيه حكمه وعلى هذا النحو وصف بالمكر والكيد لا على وجه المذموم
تعالى الله عن القبيح". |
|
ومما تقدم علم أن الحيلة قد
تكون مصدر بمعنى الاحتيال. |
|
وقد تكون اسماً لما به الاحتيال. |
|
|
|
الفصل
الثاني |
|
تطلق الحيلة على عدة معان نوجزها فيما يأتي: |
|
1) تطلق الحيلة ويراد بها الحذق
وجودة النظر والقدرة على التصرف، لأن فاعلها يتحول بها من حال إلى، وكل من حاول
الوصول إلى أمر أو الخلاص منه فيما يحاول به حيلة يتوصل بها إليه، وهي بهذا
المعنى لا تشعر بمدح ولا ذم ولا تتقيد بخفاء أو ظهور في وسيلتها أو غايتها. |
|
قال ابن القيم في إعلام الموقعين: "
إن مباشرة
الأسباب حيلة على حصول مسبباتها فالأكل والشرب واللبس والسفر حيلة
على المقصود منه، والعقود الشرعية واجبها ومستحبها ومباحها كلها حيل على حصول
المقصود عليه، والأسباب المحرمة كلها حيل على حصول مقاصدها منها "[34]. |
|
2) ثم غلب
إطلاقها في العرف اللغوي على ما يكون من الطرق الخفية التي يتوصل |
|
بها إلى بلوغ المراد بحيث لا يفطن
لها إلا بنوع من الذكاء، وإلى هذا المعنى أشار الراغب الأصفهاني: "والحيلة ما
يتوصل به إلى حالة ما في
خفية". |
|
وهذا الاستعمال أخص من وصفها في أصل
اللغة فقد اشترط فيها الخفاء هنا في حين لم يشترط في الإطلاق الأول خفاءً أو
ظهوراً. |
|
3) وتطلق الحيلة على الطرق الخفية التي يتوصل بها إلى الغرض المذموم
شرعاً أو عقلاً أو عادة، وإلى هذا المعنى أشار الراغب الأصفهاني فقال:
وأكثر استعمالها فيما في تعاطيه خبث. |
|
وهذا الإطلاق هو الغالب عليها في عرف
الناس أيضاً فإنهم يقولون فلان من أرباب الحيل،
ولا تعاملوه فإنه محتال، وفلان يعلم الناس الحيل، ولا يريدون بها إلا
المعنى المذموم. |
|
4) تطلق الحيلة في عرف الفقهاء
والمحدثين غالباً على الحيل المذمومة شرعاً وهى الطرق والوسائل الخفية التي
تستحل بها المحارم وتسقط بها الواجبات ظاهراً، وكل حيلة تتضمن إسقاط حق لله
تعالى أو أو لآدمي فهي من هذا القبيل، كحيل اليهود التي من أجلها لعنهم
الله تعالى. |
|
5) وربما أطلقها بعض الفقهاء على المخارج من المضايق بوجه شرعي ويوجد هذا عند فقهاء الحنفية بكثرة قال الحموي في الأشباه والنظائر: " الحيل جمع حيلة، وهي الحذق وجودة النظر والمراد بها هنا ما يكون مخلصاً شرعياً لمن ابتلى بحادثة دينية ولكون المخلص من ذلك لا يدرك إلا بالحذق وجودة النظر أطلق عليه لفظ الحيلة "[35]. |
|
قلت: وهذا الاستعمال قليل وإن جاز
شرعاً وساغ في اللغة ولهذا قال الراغب الأصفهاني: " وقد تستعمل فيما فيه حكمة ". |
|
|
|
الموازنة بين الإطلاقات المتقدمة: |
|
الإطلاق الأول هو أعم الإطلاقات
الخمسة حيث لم تقيد فيه الحيلة بخفاء أو ظهور، ولا بمدح أو ذم إذ هي كما مرَّ بك:
التصرف الذي يتحول به فاعله من حال إلى حال. |
|
ويليه في العموم الإطلاق الثاني وهو
ما يتوصل به إلى المقصود بالطرق الخفية. |
|
ويليه في العموم الإطلاق الثالث وهو
ما يتوصل به إلى المقاصد المذمومة بالطرق الخفية. |
|
وأخص مما تقدم الإطلاق
الرابع وهو إطلاقها على الحيل المذمومة شرعاً كما هو عرف الفقهاء والمحدثين في
الغالب حيث عرفوها بأنها ما يتوصل بها إلى استحلال المحرمات وإسقاط الواجبات
وتعطيل مقاصد الشرع من الوسائل التي ظاهرها الحل شرعاً وباطنها إسقاط الحكم. |
|
وأخص من الإطلاق الرابع الإطلاق
الخامس وهو إطلاقها على مالم يذم شرعاً. |
|
وقد صنف بعض الفقهاء وخاصة
فقهاء الحنفية في هذا النوع من الحيل وعرفوها بأنها المخارج من المآزق بما لا
يتعارض ومقاصد الشريعة. |
|
إذا علم هذا فإن الحيل تدخل
الحكم الشرعي عموماً، تكليفاً أو وضعاً وما يندرج تحتها من أقسام كالواجب والمحرم
والسبب والرخصة وغيرها. |
|
وبيان ذلك أن الحيلة جنس يدخل
تحته التوصل إلى فعل الواجب وترك المحرم وفعل المندوب وترك المكروه، وتخليص الحق،
ونصرة المظلوم وقمع الظالم. |
|
قال ابن القيم في إعلام الموقعين:
"وإذا قسمت الحيلة باعتبارها لغة انقسمت إلى الأحكام الخمسة فإن مباشرة الأسباب
الواجبة حيلة على حصول مسبباتها،
فالأكل وما شابهه والسفر الواجب حيلة على المقصود منه، والعقود الشرعية
واجبها ومستحبها ومباحها كلها حيلة على حصول المقصود عليه، والأسباب المحرمة كلها
حيلة على حصول مقاصدها منها وليس كلامنا في الحيلة بهذا الاعتبار العام الذي هو
مورد التقسيم إلى مباح ومحظور، فالحيلة جنس تحته التوصل إلى فعل الواجب وترك
المحرم وتخليص الحق ونصر المظلوم وقهر الظالم وعقوبة المعتدي، وتحته التوصل إلى
استحلال المحرم وإبطال الحقوق، وإسقاط الواجبات وَلمَّا قال النبي صلى الله
عليه وسلم : " لا ترتكبوا ما ارتكبت اليهود فتستحلوا
محارم الله بأدنى الحيل " غلب استعمال الحيل في عرف الفقهاء على النوع
المذموم، وكما يذم الناس أرباب الحيل فإنهم يذمون أيضا العاجز الذي لا حيلة له
لعجزه وجهله بطرق تحصيل مصالحه، فالأول ماكر مخادع، والثاني عاجز مفرط، والممدوح
غيرهما وهو من له خبرة بطرق الخير والشر خفيها وظاهرها فيحسن التوصل إلى مقاصده
المحمودة التي يحبها الله ورسوله بأنواع الحيل ويعرف طرق الشر الظاهرة والخفية
التي يتوصل بها إلى خداعه والمكر به فيحترز منها ولا يفعلها ولا يدل عليها، وهذه
كانت حال سادات الصحابة رضي الله عنهم فإنهم كانوا أَبرَّ الناس قلوباً، وأعلم
الناس بطرق الشر ووجوه الخداع، وأتقى لله من أن يرتكبوا منها شيئاً، أو يدخلوه في
الدين كما قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: " لست بخب ولا يخدعني الخبُّ "، وكان
حذيفة أعلم الناس بالشر والفتن، وكان الناس يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم
عن الخير وكان هو يسأله عن الشر، والقلب السليم ليس هو الجاهل بالشر الذي لا
يعرفه بل الذي يعرفه ولا يريده بل يريد الخير والبر "[36]. |
|
|
|
ألفاظ بمعنى الحيلة: |
|
هناك ألفاظ بمعنى الحيلة تستعمل لغة
وعرفاً ومنها المكر والخديعة والكيد، فهي ألفاظ متقاربة أو مترادفة تطلق في أصل
اللغة على كل فعل يقصد منه فاعله خلاف ما يقتضيه الظاهر وعلى كل فعل يوصل إلى
المقصود وليس له ظاهر وباطن ولكن الذهن لا يلتفت عادة إلى أنه يوصل. |
|
ومثال ذلك ما رواه الإمام الشافعي في مسنده عن عروة بن الزبير قال: "ابتاع عبد الله بن جعفر بيعاً فقال علي رضي الله عنه: لآتين عثمان فلأحجرن عليك فأعلم ذلك عبد الله بن جعفر الزبير فقال: أنا شريكك في بيعتك فأتى علي عثمان وقال: تعال احجر علي هذا؛ فقال الزبير: أنا شريكه فقال عثمان: أحجر على رجل شريكه الزبير"[37]. |
|
فمشاركة الزبير لعبد الله بن جعفر
في الصفقة منعت عثمان من الحجر عليه. |
|
لأن الزبير معروف بحسن التصرف
وإدارة المال فكان أن اتخذ هذه الحيلة لمنع الحجر وليس لها ظاهر وباطن، ولكن
الذهن لا يلتفت عادة إلى هذه الحيلة. |
|
وأكثر ما تستعمل هذه الألفاظ (المكر
والخديعة والكيد) في الفعل المذموم وهو الأشهر عند الناس وذلك بأن يقصد فاعله
إنزال مكروه بمن لا يستحقه ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم " الخديعة في النار "[38] أي تؤدي
بفاعلها إلى النار. |
|
وقد تستعمل تلك الألفاظ في الفعل المحمود وذلك بأن يقصد فاعله إلى
استدراج غيره لما فيه مصلحته كما يفعل بالصبي أو المريض إذا امتنع من فعل ما فيه
مصلحته كشرب الدواء ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: " الحرب خدعة "[39] فهذا
أمر بالخداع عند لقاء الأعداء لأنه يقصر أمد الحرب ويوفر المال والجهد، ولكون
المكر والخديعة والكيد ضربين: حسناً وسيئاً قال الله تعالى:{وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ
شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ}[40]، وقوله:
{فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ مَا زَادَهُمْ إِلا نُفُوراً اسْتِكْبَاراً فِي
الأرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلا بِأَهْلِهِ}[41]
{أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ
يَخْسِفَ الله بِهِمُ الأرْضَ}[42] فخصَّ
في الآيات السيء من المكر تنبيهاً على جواز المكر الحسن ووصف نفسه تعالى بالمكر
الحسن فقال: {وَمَكَرُوا وَمَكَرَ الله وَالله
خَيْرُ الْمَاكِرِينَ}[43]. |
|
ووصف نفسه بالخداع الحسن فقال: {إِنَّ
الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ الله وَهُوَ خَادِعُهُمْ}[44] وبالكيد
الحسن فقال: {كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا
كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلا أَنْ يَشَاءَ الله}[45]. |
|
وعلى ذلك الاستدراج والإملاء والاستهزاء منه تعالى كما في قوله: {سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ وَأُمْلِي
لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ}[46] والمعنى
في ذلك كله إمهال الله للعبد الجاحد وتمكينه من أعراض الدنيا حتى يغتر
ويؤخذ بذنبه، لذلك قيل " من وسع عليه في دنياه من أهل الفسق ولم يعلم أنه
قد مكر به فهو مخدوع عن عقله "، قال الإمام الراغب في كتابه "الذريعة إلى
مكارم الشريعة": " وهذه ألفاظ لولا أن الباري تعالى أطلقها في مواضع مخصوصة
قاصداً بها معاني صحيحة لما تجاسر بشر عرف الله تعالى أن يخطر ذلك بباله
فضلا عن أن يجريه في مقاله وإن قصد بها المعنى الصحيح تنزيها له وتعظيماً
فيجب أن تتلى في القرآن حيثما وردت ولا يتعدى بها "[47]. |
|
|
|
الفصل
الثالث : |
|
قبل أن نتطرق إلى هذا الضابط، ننظر
في أصل معنى الحيلة لغة فإنها سلوك طريق يفضي إلى المقصود على وجه فيه حذق ومهارة
وجودة نظر، ولا نستطيع أن نحرمها بإطلاق حينئذ ولا أن نحلها بإطلاق ولا أن نحمدها
بإطلاق ولا أن نذمها بإطلاق، لذا وجب النظر في ضابط عام يميز بين ما يجوز من
الحيل في نظر الشارع وما لا يجوز فنقول: |
|
ضابط الحيل الجائزة: كل طريق
مشروع يترتب على سلوكه تحقيق مقاصد الشارع من فعل ما أمر الله به واجتناب ما نهى
الله عنه وإقامة الحق وقمع الباطل فهذا جائز مشروع. |
|
وضابط الحيل غير الجائزة: كل
طريق يترتب عليه إبطال مقاصد الشارع أو العبث بها من إسقاط للواجبات وارتكاب
للمحرمات وقلب الحق باطلا والباطل حقا فهذا محظور يذم فاعله ومعلمه. |
|
وبين النوعين الجائز وغير
الجائز من الفرق ما بين النور والظلام والحق والباطل والعدل والظلم والبر والإثم. |
|
وقد أجمل الشاطبي في كتابه الفريد في بابه ما ذكرناه فقال: " لا يمكن إقامة دليل في الشريعة على إبطال كل حيلة كما أنه لا يقوم دليل على تصحيح كل حيلة، وإنما يبطل منها ما كان مضاداً لقصد الشارع خاصة وهو الذي يتفق عليه جميع أهل الإسلام، ويقع الاختلاف في المسائل التي تتعارض فيها الأدلة "[48]. |
|
|
|
الفصل الرابع |
|
سبق وأن قدمنا أن الحيل الجائزة هي
التي لا تناقض مقاصد الشارع والحيل المحظورة هي التي تناقض مقاصد الشارع، وحينئذ
لابد من إعطاء الفهم الصحيح والبيان الكافي لبيان الطرق التي يتوصل بها إلى معرفة
هذه المقاصد حتى نستطيع أن نعطي كل حيلة ما يناسبها من الحكم. |
|
وإليك ملخص ما قاله الشاطبى في
كتابه الموافقات في هذا الصدد قال: " الراسخون من أهل العلم على أن مقاصد الشارع
تعرف من ألفاظ النصوص ومعانيها النظرية جميعاً فينبغي أن ينظر إلى الألفاظ على
وجه لا يخل بالمعنى وإلى المعاني على وجه لا يخل بالألفاظ لتجري الشريعة على نظام
واحد لا اختلاف فيه ولا تناقض ". |
|
ومن زعم أن مقاصد الشارع لا
تؤخذ إلا من ألفاظ النصوص وظواهرها كالظاهرية أو لا تؤخذ إلا من المعاني النظرية.
وإن عادت على الظواهر والنصوص بالتعطيل والإلغاء كما هو رأي المتعمقين في
القياس المقدمين له على النصوص، من زعم هذا أو ذاك فقد غلا في جانب الإفراط
والتفريط ونظر إلى جانب من الشريعة دون جانب، وذلك بُعْدٌ عن الصراط المستقيم. |
|
فالصواب الذي عليه أكثر العلماء
اعتبار الأمرين جميعاً على وجه لا يخل فيه المعنى النظري بالنص، ولا النص بالمعنى
النظري وعلى هذا المذهب وحده الاعتماد في تقرير الجهات التي يعرف بها مقاصد
الشارع فنقول وبالله التوفيق. |
|
إن مقاصد الشارع تعرف من جهات: |
|
أحدها: الأمر والنهي الواردان عن
الشارع فالأمر يقتضي حصول المأمور به من المكلف، فوقوعه عند وجود الأمر به مقصود
للشارع، وعدم إيقاعه مخالف لمقصوده وكذلك النهي يقتضي الكف عن الفعل المنهي عنه.
فعدم وقوع الفعل المنهي عنه مقصود للشارع وإيقاعه مخالف لمقصوده. |
|
فهذا وجه ظاهر عام لمن اعتبر مجرد
الأمر والنهي من غير نظر إلى علة ولمن اعتبر العلل والمصالح. |
|
الجهة الثانية: اعتبار علل
الأمر والنهي ولماذا أمر الشارع بهذا الفعل، ولماذا نهى عن الفعل الآخر؟ ثم العلة
إما أن تكون معلومة أو لا؛ فإن كانت غير معلومة فلابد من التوقف عن القطع على
الشارع أنه قصد كذا وكذا حتى يدل دليل على ذلك القصد، وإن كانت العلة معلومة
اتبعت، فحيث وجدت وجد مقتضى الأمر والنهي من قصد الشارع إلى إيقاع الفعل في
الأمر، وعدم إيقاعه في النهي كالنكاح لمصلحة التناسل والبيع لمصلحة الانتفاع
بالمعقود عليه والحدود لمصلحة الازدجار، وتعرف العلة هنا بمسالكها المقررة في
أصول الفقه، فإذا تعينت علم أن مقصود الشارع ما اقتضته تلك العلل من الفعل أو
عدمه. |
|
ويغلب على باب العبادات جهة التعبد،
وعلى باب العادات جهة الالتفات إلى المعاني، والعكس في البابين قليل، ومن أجل هذا
لم يلتفت مالك رحمه الله في إزالة الأنجاس ورفع الأحداث إلى مجرد النظافة حتى
اشترط الماء المطلق فيهما، واشترط لرفع الأَحداث النية وإن حصلت النظافة بدونها،
ومنع من إقامة غير التكبير والتسليم في الصلاة مقامهما، ومنع من إخراج القيم في
الزكاة، واقتصد على مجرد العدد في الكفارات، إلى غير ذلك من المسائل التي تقتضي
الإقتصار على عين المنصوص عليه أو ما ماثله، وغلَّب في باب العادات المعنى فقال
فيها بقاعدة المصالح المرسلة، والاستحسان الذي قال فيه إنه تسعة أعشار العلم إلى
ما يتبع ذلك. |
|
الجهة الثالثة: إن للشارع في شرع
العبادات والعادات مقاصد أصلية ومقاصد تابعة وقد دلنا تتبع النصوص وظواهرها
وإشاراتها واستقراء معانيها النظرية أن الشارع لم يشرع من الأسباب العادية
والعبادية الموصلة إلى المقاصد التابعة إلا ما عاد من تلك المقاصد على المقاصد
الأصلية بالتوثيق والإحكام والتقوية والربط، فاستدللنا بذلك على أن ما كان من تلك
الأسباب كذلك مما لم ينص عليه فهو موافق لمقاصد الشارع، وما كان منها مؤديا إلى
إبطال المقاصد الأصلية منها وإزالتها فهو مناقض لمقاصد الشارع. |
|
فالتسبب إلى تلك المقاصد التابعة
مشروع في الأول وغير مشروع في الثاني. |
|
ومثال ذلك: النكاح فإنه مشروع
للتناسل بالقصد الأول ويليه طلب السكن والازدواج والتعاون على المصالح الدنيوية
والأخروية من الاستمتاع بالحلال والنظر إلى ما خلق الله من المحاسن في النساء
والتجمل بمال المرأة أو قيامها عليه وعلى أولاده منها أو من غيرها أو إخوته
والتحفظ من الوقوع في المحظور من شهوة الفرج ونظر العين والازدياد من الشكر بمزيد
النعم من الله على العبد وما أشبه ذلك فجميع هذا مقصود الشارع من شرع النكاح
بالقصد الثاني، فمنه منصوص عليه أو مشار إليه، ومنه ما علم بدليل آخر، ومسلك
استقرىء من ذلك المنصوص… فحاصل الجهة الثالثة التي يعرف بها مقاصد الشارع أن
المقاصد التابعة للمقاصد الأصلية على ثلاثة أقسام: |
|
1- ما
يقتضي تأكيد المقاصد الأصلية وتوثيقها وتقوية الرغبة فيها فلا شك أنه مقصود
للشارع، فالقصد إلى التسبب إليه بالسبب المشروع موافق لقصد الشارع فيضخ. |
|
2- ما
يقتضي زوال المقاصد الأصلية عيناً فلا (شك) أيضاً من أن القصد لها مخالف لمقصد
الشارع عيناً فلا يصح التسبب بإطلاق، ولا فرق في القسمين بين العبادات والعادات. |
|
3- ما لا يقتضي تأكيداً ولا توثيقاً
ولكنه مع ذلك لا يقتضي رفع المقاصد الأصلية ولا إزالتها عيناً فهذا لا يصح في
العبادات، وأما صحته في العادات فللنظر فيه مجال؛ فمن قال بالصحة نظر إلى أنه
يجوز حصول الربط والتوثيق بعد التسبب، ومن قال بعدم الصحة نظر إلى أنه لا يقتضي
تأكيد المقاصد الأصلية، وقصد الشارع التأكيد فلا يكون ذلك التسبب موافقاً لقصد
الشارع فلا يصح. |
|
الجهة الرابعة: مما يعرف به مقاصد
الشارع السكوت عن شرع الحكم مع قيام المعنى المقتضي له، فإن ذلك يدل على قصد
الشارع إلى عدم الزيادة على ما كان موجودا قبل فإذا زاد زائد ظهر أنه مخالف لقصد
الشارع فيرد عليه ما أحدث، أي يعتبر من قبيل " من أحدث
في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد " وبيان ذلك أن سكوت الشارع عن الحكم على
ضربين: |
|
أحدهما: أن يسكت عنه لأنه لا داعية
له تقتضيه ولا موجب يقرر لأجله كالنوازل التي حدثت بعد رسول الله صلى الله
عليه وسلم فإنها لم تكن موجودة ثم سكت عنها مع وجودها وإنما حدثت بعد ذلك فاحتاج
أهل الشريعة إلى النظر فيها وإجرائها على ما تقرر في كلياتها. |
|
وما أحدثه السلف الصالح راجع إلى
هذا القسم كجمع المصحف وتدوين العلم، وما شابه ذلك مما لم يجر له ذكر في زمن النبي صلى الله
عليه وسلم من نوازل زمانه. ولا عرض للعمل بها موجب
يقتضيها فهذا القسم جارية فروعه على أصوله المقررة شرعاً بلا إشكال فالقصد الشرعي
فيها معروف من الجهات المذكورة قبل. |
|
ثانيهما: أن يسكت عنه الشارع وموجبه
المقتضي له قائم فلم يقرر فيه حكم عند نزول النازلة زائد على ما كان في ذلك
الزمان فالسكوت في هذا الضرب كالنص على أن قصد الشارع أن لا يزاد ولا ينقص لأنه
لما كان هذا المعنى الموجب لشرع الحكم العملي موجوداً ثم لم يشرع له الحكم كان
ذلك صريحاً في أن الزائد على ما كان هنالك بدعة زائدة، ومخالفة لما قصده الشارع
إِذْ فُهِمَ من قصده الوقوف عند ما حد هنالك لا الزيادة عليه ولا النقصان منه. |
|
ومن أمثلة هذا الضرب: سجود الشكر في
مذهب مالك فقد سئل مالك - رحمه الله - عن الرجل يأتيه الأمر يحبه فيسجد لله عز
وجل شكراً، فقال: " لا يفعل، ليس هذا مما مضى من أمر الناس " قيل له إن أبا بكر
الصديق فيما يذكرون سجد يوم اليمامة شكراً لله أفسمعت
ذلك؟ قال: " ما سمعت ذلك، فأنا أرى أن قد كذبوا على أبي بكر وهذا من الضلال أن
يسمع المرء الشيء فيقول هذا شيء لم أسمع له خلافاً "، فقيل له: إنما نسألك لنعلم
رأيك فنرد ذلك به، فقال: "نأتيك بشيء آخر أيضا لم تسمعه مني قد فتح على رسول الله
صلى الله عليه وسلم وعلى المسلمين بعده، أفسمعت أن أحدا منهم فعل مثل هذا؟ إذا
جاءك مثل هذا مما قد كان للناس وجرى على أيديهم لا يسمع عنهم فيه شيء فعليك بذلك،
لأنه لو كان لذكر، لأنه من أمر الناس الذي قد كان فيهم، فهل سمعت أن أحداً منهم
سجد، فهذا إجماع إذا جاءك أمر لا تعرفه فدعه"؛ هذا تمام الرواية ذكرها في العتبية
من سماع أشهب وابن نافع قال ابن رشد: "واستدلاله على أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يفعل ذلك
ولا المسلمون بعده بأن ذلك لو كان لنقل صحيح، إذ لا يصح أن تتوفر دواعي المسلمين
على عدم نقل شريعة من شرائع الدين وقد أمروا بالتبليغ قال: وهذا أصل من الأصول
وعليه يأتي إسقاط الزكاة عن الخضر والبقول مع وجوبها فيها بعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم : " فيما سقت السماء والعيون والبعل العشر وفيما سقى بالنضح نصف
العشر " أخرجه النسائي وأبو داود وابن ماجه. |
|
لأنا نَزَّلْنَا تَرْكَ نَقْل أخذ النبي صلى الله
عليه وسلم الزكاة منها كالسنة القائمة في أن لا زكاة فيها، فكذلك ننزل ترك نقل
السجود عن النبي صلى الله عليه وسلم
في الشكر كالسنة القائمة في أن لا سجود فيه. والمقصود من المسألة توجيه مالك لها
من حيث أنها بدعة لا توجيه أنها بدعة على الإِطلاق، وإلا فقد وردت أحاديث في سجوده صلى الله
عليه وسلم شكراً، ذكرها صاحب منتقى الأخبار وترجم عليها باب سجدة الشكر ولعلها لم
تبلغ مالكاً أو بلغته ولم تصح عنده، وعلى هذا النحو جرى بعضهم في تحريم نكاح
المحلل وأنه بدعة منكرة من حيث إنه وجد في زمانه عليه الصلاة والسلام المعنى
المقتضي للتخفيف والترخيص للزوجين بإجازة التحليل ليتراجعا كما كان أول مرة، وأنه
كما لم يشرع ذلك مع حرص امرأة رفاعة على رجوعها إليه، دل على أن التحليل ليس
بمشروع لها ولا لغيرها وهو أصل صحيح، إذا اعتبر وضح به الفرق بين ما هو من البدع
وما ليس منها؛ والله أعلم[49]. |
|
|
|
الفصل الخامس |
|
تنقسم الحيل إلى قسمين: |
|
القسم الأول:
الحيل الجائزة: وهي ما كان المقصود منها جائزاً شرعاً من إثبات حق أو رفع
باطل وهذا القسم يتنوع باعتبار الطرق المفضية إليه إلى نوعين: |
|
النوع الأول: أن تكون الحيلة
جائزة موضوعة لذلك المقصود شرعاً، ومن أمثلة ذلك: |
|
ما إذا خافت المرأة أن يغيرها زوجها
بالزواج عليها- فالحيلة في منع هذا الأذى أن تشترط هي أو وليُّها في العقد أنه
متى تزوج عليها فأمرها بيدها- إن شاءت أقامت معه وإن شاءت فارقته. |
|
ومن أمثلته أيضاً المعاريض التي
يقصد بها جلب مصلحة أو دفع مفسدة فإن فيها مندوحة عن الكذب وقد لقي النبي صلى الله
عليه وسلم طائفة من المشركين وهو في نفر من أصحابه، فقال المشركون: ممن أنتم؟
فقال النبي صلى الله
عليه وسلم : نحن من ماء فنظر بعضهم إلى بعض فقالوا: أحياء اليمن كثير فلعلهم منهم
وانصرفوا[50]، وجاء
رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم
فقال: احملني فقال: ما عندي إلا ولد الناقة فقال: ما
أصنع بولد الناقة؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: وهل يلد
الإبلَ إلا النوقُ[51]؟ وكقول
الخليل: " هذه أختي "[52]،
وقول الصديق: " هادٍ يهديني السبيل "[53]، وقد
رأت امرأة عبد الله بن رواحة عبد الله على جارية له، فذهبت وجاءت بسكين فصادفته
وقد قضى حاجته، فقالت: لو وجدتك على الحال التي كنت عليها لوجأتك فأنكر، فقالت:
فاقرأ إن كنت صادقاً فقال: |
|
شهدت بأن وعد الله حق |
|
وأن النار مثوى الكافرينا |
|
وأن العرش فوق الماء طاف |
|
وفوق العرش رب العالمينا |
|
وتحمله ملائكة كرام |