طباعة

 توثيق النص

 

 

 

أطيب النشر في تفسير الوصايا العشر

للدكتور: مرزوق بن هياس الزهراني
 

 

الوصيـة السادسـة قوله تعالى:{وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ} (الأنعام: من الآية152).

 المناسـبة:

إن الله عز وجل رب العالمين، فهو سبحانه مربي كل مخلوق وراعيه، بكل ما تعنيه كلمة التربية والرعاية، وإذا كانت رعايته شاملة لجميع مخلوقاته، فإنها في حق بني آدم آكد وأشد، لأنه تعالى اصطفي آدم وذريته، وفضلهم على كثير من المخلوقات، لذلك جاءت عناية الرب عز وجل باليتيم الصغير الضعيف الذي لا إدراك له، ولا فهم ولا نضوج، تامة وافية بجميع مقاييس الحفظ والرعاية، نعم جاءت عناية الله في الوقت الذي فقد فيه هذا الصغير من يحوطه من البشر ويرعاه، ويدفع عنه نوائب الدهر وقسوة الحياة، فقررت قاعدة اجتماعية عظيمة، طالما حرمها اليتيم في المجتمعات الجاهلية، قاعدة التكافل الاجتماعي، التي ألقت بالمسئولية على كواهـل المسلمين الفرد والجـماعة في ذلك سواء. هذا من نظام الإسلام الذي تميز بحفظ الحقوق والواجبات لجميع أفراد الجنس البشري، فكم من يتيم ضاع في المجتمـع الجاهلي، لا يجد الساعد الذي يحميه، ولا البيت الذي يؤويه، تنهب أمواله، وتنتهك حرماته، لذلك قيل: "أضيع من الأيتام على مأدبة اللئام، لهذه الأسباب ولغيرها من المصالح العظيمة أوصى الله عز وجل بالأيتام، وجعل الأمة الإسلامية ذات مسئوليات محددة تقـوم بالحقـوق والـواجبات على مستوى الفرد والجـماعة، وأرسى قواعد التكافل الاجتماعي، ونوه بحماية اليتيم في غير ما آية من كتابه العزيز[1].

 

البحث اللغوي:

أ- المفردات:

قوله : "ولا تقربوا"

          من قربت الشيء أقربه إذا دنوت منه قال تعالى: {وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ}(البقرة: من الآية35) وقال

عزوجل: {وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى} (الاسراء: من الآية32) وتقدم قوله: {وَلا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ} (الأنعام: من الآية151) كل ما ذكر من هذا الباب. والمراد الـنهي عن الأسباب الموصلة إلى ما ذكر بغير حق[2].

اليتيم: أصله الانفراد؛ يقال درة يتيمة، إشارة إلى انقطاع مادتها التي خرجت منها، ويقال: بيت يتيم تشبيهاً بالدرة اليتيمة.

فاليتم في الناس فقدان الأب، والحيوان فقدان الأم. ويجمع على أيتام، كشريف وأشراف، وعلى يتامى، كأسارى. وبه نطق الكتاب الحكيم، وعلى يتمة، من قولهم: يتم فهو ياتم وهو غير مسموع من العرب[3].

(أشده) :

قال الفراء : "واحدها شَدة في القياس، ولم أسمع لها بواحد"، وقال أبو الهيثم: "واحدة الأنعم نعمة، وواحـدة الأشد شدة، والشدة؛ القوة والجلادة. وبلوغ الأشد، مبلغ الرجل الحنكة والمعرفة"، وقيل: "بلغ الرجل الأشد إذا اكتهل، وذكر أنه من نحو سبع عشرة إلى الأربعين، أو ما بـين الثلاثين والأربعـين"[4].

وقد تعددت آراء المفسرين في المراد بالأشد على أقوال[5]:

1- أنه بلوغ ثلاث وثلاثين سنة، رواه ابن جبير عن ابن عباس.

2- أنة السن ما بين ثماني عشرة إلى ثلاثين سنة، قاله أبو صالح عن ابن عباس.

3- أنه أربعون سنة، روي عن عائشة رضي الله عنها.

4- أنه ثـماني عشرة سنة، قاله سعيد بن جبير ومقاتل.

5- أنـه خمس وعشرون سنة، قاله عكرمة.

6- أنه أربع وثلاثون سنة، قاله سفيان الثوري.

7- أنه ثلاثون سنة، قاله السدي.

8- أنه بلوغ الحلم، قاله زيد بن أسلم والشعبي ويحيى بن يعمر وربيعة ومالك بن أنس.

   وذكر الشيخ محمد الأمين رحمه الله: "أن الأشد يتناول البلوغ ويتناول ما ذكر آنفاً وغيره ومن إطلاقه على الخمسين قول الشاعر:

أخـو خمسـين مجتمـع أشـدي

ونـجـذنى[6] مداورة[7] الشئـون

وقال الألوسي رحمه الله: "وأياً ما كان فهو من الشدة أي القوة أو الارتفاع من شد النهار إذا ارتفع، ومنه قول عنترة:

عهـدي به شد الـنهاركـأنـما

خضب الليان ورأسه بالعظلم[8]

وقول الآخر:

تطيف به شد الـنهار ضعينـة[9]

طويلة أنقـاء اليدين سحـوق[10]

والذي يظهر لي والله أعلم أن المراد بالأشد في شأن اليتيم بلوغ الحلم مع حسن التصرف وهو المبين في قوله تعالى: {وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ}[11].وبلوغ الحلم هو بلوغ النكاح، لكنه مشروط بإيناس الرشد. فكم من كبير غير رشيد ولا يحسن التصـرف وهذا ما رجحه الشوكاني رحمه الله قال: "والأولى في تحقيق بلوغ الأشد، أنه البلوغ إلى سن التكليف مع إيناس الرشد، وهو أن يكون في تصرفاته بماله سالكاً مسلك العقلاء، لا مسلك أهل السفه والتبذير"[12].واستدل رحمه الله بالآية السابقة.

 

الإيضـاح

يقول تعالى في هذه الوصية: {وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ}(الأنعام: من الآية152) إن مما حرم الله عزوجل على عباده مقاربة مال اليتيم، والدنو منه باتخاذ الأسباب الموصولة إليه بمعنى أنه لا يجوز لمسلم أن يدنو من سبب يؤدي به التصرف في مال اليتيم ومقارفته والمنع موجه لكل من ولي أمر يتيم مباشرة، أو بواسطة وليه أو وصيه القائم على شئونه. وهذا نهي عن جميع التصرفات التي لا تعود بنفع ولا تدفع ضررا.

{إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَن}(الأنعام: من الآية152):

إلا بالصفـة الحسنة وهي العمل الـذي يقوم به صلاح ماله وتنميته وحفظه من الضياع، فإن الله عز وجل أباح لكل من يقوم على أمر يتيم أن يتصرف بهذا الشرط في أمواله فيصرفه فيما يعود عليه بالنفع يجتهد في رجحان مصلحته من استثماره، والإنفاق منه على تربيته وتعليمـه، ومـا يصلح به معـاشـه ومعاده، وهذا باب عظيم من أَبواب الشريعة الإسلامية. ألا ترى أن الرب عز وجل من بالغ حكمته ولطفه بعباده الكافل والمكفول. نهى عن قرب مال اليتيم، لأن النهي عن قرب الشيء أبلغ من النهي عنه؛ لأنه يتضمن النهي عن الأسباب والوسائل المؤدية إليه، والتصرفات التي توقع فيه، والنهي عن قرب الشيء يتضمن أيضاً النهي عن الشبهات التي تحتمل التأويل فيه، فيجد المسلم المتقي إذ يعدها هضماً لحق اليتيم، ولا يقع فيها إلا طامع يرى أنها بالتأويل مما يحل، وهذا باب من الشر يغلق بفهم النهي عن قرب الشيء. فليحذر المسلم مواطن الانزلاق فإن فيها مكامن خطر لا ينجو منها إلا من حفظه الله. والأخذ بالأحوط من أسباب الحفظ والسلامة.

{حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ}(الأنعام: من الآية152):

هذا القيد غاية لإباحة التصرف في مال اليتيم بـما يصلحه، ومن إصلاحه منع اليتيم نفسه منه حتى يكون راشداً في تصريف ماله كغيره من العقلاء. فإن الولي أو الوصي ممكّن شرعاً من منع اليتيم من تبديد ماله وإضاعته، أو الإسراف فيه. فالقيد المذكور غاية لما يفهم من الاستثناء، لا للنهي كأنه قيل: "احفظوا مال اليتيم حتى يبلغ، فإذا بلغ فادفعوا إليه ماله"، كـما في قوله عز وجل:{فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ}(النساء: من الآية6) وإن مما يجدر التنبيه إليه أن النهي عن قرب مال اليتيم عام فلا يجوز التصرف في ماله بما يفسده من قبل أي أحد ومن وقع في شيء من ذلك فإنه مؤاخذ مهما بعد وإذا كان النهي يتناول الولي والوصي بالدرجة الأولى فهو لغيرهما من باب الأولى، ثم إن على المسلم أن يحذر هذا الأمر أشد الحذر وأن يتعامل مع المسلمين وفق ما شرع الله لاسيما في هذا الزمان الذي عبدت فيه المادة وكثر أتباع الدرهم والدينار ومن تأمل هذه الوصية وما جاء في أمر اليتيم من الآيات يعلم علم اليقين ما في نظام الإسلام من سعادة وحماية لكل فرد؛ إن حماية الأموال تقوم على أساسين هامين في حياة كل فرد:

1- القوة المادية؛ قوة اليد.

2- القوة الفكرية؛ قوة الرشد والعقل، وتدبير الأمور.

ومن ألقى نظرة على ما كان عليه المجتمع الجاهلي يجد أن أصحاب الأفكار المادية لا يحترمون إلا القوة ولا يخضعون إلا للأقوياء. ومن هنا نعلم الشرع حينما بالغ في الوصية باليتيم إنما يعطيه الحصانة والحفظ من أي اعتداء. وإذا كانت معاناة اليتيم في ذلك المجتمع بالغة الصعوبة فإنه في هذا العصر عصر الماديات، والأساليب الماكرة الخادعة أحوج ما يكون إلى أن يعيش في ظل الإسلام الـذي وفر له الحـماية الكافية. لأن اليتيم في غير المجتمع الإسلامي لا يقدر على حماية نفسه وماله إلا إذا بلغ قوة الساعد وحصافة العقل، وكان رشيدا في عقله وأخلاقه وتجاربه ولن يحصل مع هذا على الحماية الكافية لكثرة الغش وأساليب الحيل الماكرة. أما الإسلام فإنه يوفر له الحماية الكاملة من خلال نظامه العام. طالما هو في حاجة إليها، ولا غنى لأحد عنها لكنه عند إيناس الرشد، وبلوغ الحلم، جاز له أن يستقل بنفسه والنظر لها، لمعرفته بما يصلح شأنه، وبصره بوجوه الأخذ والعطاء، لأنه في هذه الحال يزول عنه اسم اليتم ومعناه، من الحجر وغيره، أما إذا بلغ الحلم وهو مستمر في غرارته وسفهه، متماد في جهالته فإنه في هذه الحال يزول عنه اسم اليتم حقيقة، ويبقى عليه حكم الحجر، لقصور فكره عن إدارة شئونه. وعلى أي حال فكم للإسلام من ميزة في هذا الباب وغيره، إن الجاهليين كانوا لا يتحرجون من التصرف في أموال اليتامى، بحق وباطل، فيأخذون أموال اليتامى، ويبدلونها بأموالهم، فيقول الرجل منهم: مائة بمائة، فنهى الله عباده عن ذلك فقال: {وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ}[13]. وكانوا يتسلطون على أموال اليتامى؛ بالأكل والانتفاع فنهى الله عباده عن ذلك فقال: {وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ}[14]أي لا تضموا أموالهم إلى أموالكم لتنتفعوا بها في الأكل وغيره. وقد توعد الله عز وجل أكلة أموال اليتامى، قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً}[15] وقـد خرج النهي عن الأكـل مخرج الغالب؛ وإلا فالإحراق والإغراق وكل إتلاف له محرم شرعاً ولا يدخل في هذا ما أباح الله للولي الفقير أن يأكل بالمعروف[16]؛ لأن الإباحة مشروطة بأن يكون فقيراً، وأن يأكل بالمعروف.

وقد نوهت السنة النبوية بشأن كافل اليتيم على النهج الذي رسمه الشارع الحكيم فقد جاء في أصح الكتب بعد كتاب الله عز وجل من حديث سهل بن سعد رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا " وقال بأصيعيه السبابة والوسطى[17]. فأي تكـريم أعظم من هذا، وأي ثواب أجزل، وحق لكافل اليتيم أن يبالغ في الحفظ والرعاية، فإنه يحوط من لا يعقل أمر دينه ولا دنياه، فيرشده إلى الخير، ويعلمه أسباب الصلاح والنجاح، ويحسن معاملته وتربيته ويرعى مصالحه، ويدير شئونه بمنتهى الأمانة والإخلاص، فظهرت مناسبة عقد ذلك القرب من رسول الله صلى الله عليه وسلم.

 

ا لأحـكام

1- تحريم الاعتداء على مال اليتيم، وجاء التعبير بالنهي عن القرب مبالغة في الزجر ليشمل كل سبب يجر إلى اعتداء عليه، أو إتلاف له.

2- يستظهر من الوصية أن النهي عام يشمل الأولياء والأوصياء وكافة الناس، وإلا لما تحققت الحماية التي هي مقصود الشارع.

3- إباحة التصرف في مال اليتيم بـما يصلحه وينميه، مع الأخذ بالأحوط وعدم المجازفة.

4- وجوب دفع مال اليتيم كاملاً غير منقوص عند بلوغه الحلم وإيناس الرشد منه، وتمكنه من حفظه والتصرف فيه تصرفاً معقولا.

 

الوصيـة السـابعة

قوله تعالى: {وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا} (الأنعام: من الآية152)

 

المناسـبة:

جاءت الـوصـايا السابقة مؤكدة أن المجتمع السليم لا يقوم إلا على تلك الأسس العظيمة؛ بناء العقيدة النقية، صيانة المجتمع في النفس، والعرض والمال، وهنا تتحدث الوصية عن أمر لا يقل أهمية عما سبق إذ أن أفراد أي مجتمع لابد لهم من تبادل المنافع والسلع

ولا ريب أن إشاعة الثقة بين أفراد المجتمع ونشر بنود العدل على ربوعه لا تتجلى في أسمى معـانيها إلا إذا نبعت من عقيدة صحيحة وتجسدت في تعامل نظيف بين أفراده، لذلك جاءت هذه الوصية تؤكد هذا الجانب الهام من جوانب بناء المجتمع السليم، ولقوة الصلة بين العقيدة والمعاملات، اعتنت هذه الوصايا بقضية العقيدة والعبادة وربط المعاملات بها، نقضاً لما كان عليه المجتمـع الجاهلي من الفصل بين العقيدة والعبادات، وبين الشرائع والمعاملات، وهذا المبدأ الذي رفضه الإسلام وأماته، يسعى اليوم دعاة الشر والجاهلية إلى إعادته وإحيائه، وهو ما يسمونه بفصل الدين عن الدولة، وذلك مبدأ هدام، وفكرة خطيرة، ونجاحها في المجتمع الإسلامي كفيل بتقويضه وإحياء الجاهلية الأولى على أنقاضه، وليس عندي أدنى شك في أن محاربة تلك الأفكار وبيان فسادها من الجهاد في سبيل الله.

 

البحث اللغوي:

المفردات:

(أوفوا): أي أتموا ولا تنقصوه. والوافي الذي بلغ التمام ولم يعتريه نقص[18].

(الكيل): المراد: المكيل أي الشيء الذي يكال، وهذا من إطلاق الصفة على الموصوف، والمكيال: أداة الكيل، كالمد والصاع[19].

(الميزان): المراد: الموزون من إطلاق اسم المحل على الحال. فالميزان آلة الوزن مثل (الكيلو) و(الجرام) وبهذه المناسبة يحسن أن نذكر حديثاً أخرجه أبو داود رحمه الله قال: "حدثنا عثمان بن أبي شيبة[20]، حدثنا ابن دكين[21]، حدثنا سفيان[22]، عن حنظلة[23]، عن طاووس[24]، عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الوزن وزن أهل مكة، والمكيال مكيال أهل المدينة" ثم[25] هذا الحديث تنوعت أقوال العلماء فيه فذهب بعض العلماء في فكره مذهباً بعيدا إذ فسر هذا الحديث بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أراد بهذا القول أن يضع قاعدة عامة يضبط الناس بها معاملاتهم وزناً وكيلا، فجعل ميزان أهل مكة ومكيال أهل المدينة أساساً لمقادير الأوزان العالمية المتنوعة في البلدان بحسب تنوع الأعراف فيها، ولاريب أن تنوع الأعراف غالباً ما يكون سبباً في الاختلاف لاسيما في المعاملات، ففهم صاحب هذا الرأي أن الحديث الشريف جاء حاسماً لأي اختلاف قد يطرأ مرشداً إلى ما يحدد المقدار مما يكال ويوزن وذلـك بالرجـوع إلى ميزان أهل مكة، ومكيال أهل المدينة فتخضع جميع مقادير الموازين العالمية عند الاختلاف لمقدار ميزان أهل مكة، فتخضع جميع مقادير المكاييل العالمية لمقدار مكيال المدينة. والحق أن من ذهب إلى هذا الفهم وأول الحديث الشريف عليه قد أبعد النجعة ولم يحالفه الصواب. إذ أن ما عليه أكثر الفقهاء وعلماء الأمصار خلاف هذا الفهم، ولأن الشريعة الإسلامية لم تغفل العرف وجعلت له دوراً في حل كثير من القضايا وبيان ذلك لو أن رجلاً أقَر لرجل بموزون أو مكيل لكن وقع بينهما خلاف في المقدار، فإن الشرع في هذه الحال يعطي العرف دوره في حل هذا الاختلاف وذلك بأن يحكم في تحديد المقدار بما تعارف عليه أهل البلد الذي تم فيه التعامل وهو حكم لا غبار عليه. والأمر الهام الذي جاء الحديث الشريف ليعطي فيه قاعدة شرعية هو نوع واحد من الموزون ذلك النوع هو الذهب والفضة لأن هذا النوع يتعلق به حكم شرعي، هو وجوب الزكاة، أو عدمه. بخلاف غيره مما يتعلق بمعاش الناس، وما يتعاملون به في البيع والشراء، ولما كان المضروب من الذهب والفضة. يختلف باختلاف الأمصار[26] ويتعلق به الحكم الشرعي تدخلت السنة المطهرة لتضع قاعدة تحدد مقداراً ترجع إليه الأمة في تحديد ما يجب شرعا، فجعلت ميزان أهل مكة مرجعاً يحسم اختلاف الناس في الذهب والفضة خاصة، وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم: "والمكيال مكيال أهل المدينة" أراد به نوعاً خاصاً وهو الصاع الذي يتعلق به حكم شرعي فبه تقدر زكاة الحبوب، وصدقة الفطر، وتقدر النفقات، وحكم الأمة في هذه الأمور واحد وإن تعددت البلدان ونأت بهم الديار، وتنوع المكاييل بحسب تنوع الأعراف، فلكل بلد

 عرفه في ما يكال[27] ويوزن، لكنه مقيد بنوع خاص يرجع فيه إلى ميزان مكة وهو الذهب والفضة. وإلى مكيال المدينة وهو الصاع للوفاء بالحكم الشرعي[28].

القسط: المراد به هنا العدل؛ وهو بكسر القاف تقول: أقسط الرجل فهو مقسط؛ ومنه قوله تعالى: {لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ}[29]. وقوله عز وجل: {وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْط}[30]، وقوله: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ}[31].

ومن معانيه المكيال، وقدره نصف صاع. والحصة والنصيب تقول: تقسطنا الشيء بيننا.

والقسط بفتح القاف؛ المراد به الجور والعدول عن الحق، وإذا أخذ حق غيره وظلم وجار، سمي قاسطا؛ من قسط يقسط بكسر السيـن قسـوطـاً قال الله تعالى: {وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَباً}[32].

الوسـع: المراد به هنا القدرة والطاقة في تحري العدل والوفاء[33].

 

الإيضـاح

هذا المبدأ الاجتماعي الهام قرره رب العزة والجلال في أكثر من موضع في كتابه العزيز ومنها ما نحن بصدد بيانه قال تعالى: {وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ}[34]. فكأن نبي الهدى والرحمة المبلغ عن الله عز وجل يقول: "ومما أتلوا عليكم أيها المسلمون من وصايا ربكم أن أوفوا الكيل إذا كلتم للناس، أو اكتلتم عليهم لأنفسكم وأوفوا الميزان إذا وزنتم لأنفسكم فيما تبتاعون، أو لغيركم فيما تبيعون، فليكن كل ذلك وافياً تاماً بالعدل لكم أو عليكم، ولا تكونوا من المطففين الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون. ينقصون الكيل ويبخسون الوزن وهم الذين توعدهم الله عز وجل بالويل والهلاك"[35]. وهذا النهي مفهوم من الأمر بالإيفاء فهو مقابل له ولازم له لأن الإيفاء يستلزم عدم النقص بأي حال من الأحوال والنقص يستلزم عدم الإيفاء. وقد تقدمت الإشارة إلى ما قرره رب العزة والجلال من النهي عن التطفيف في سورة المطففين.

وقوله عز وجل: {بِالْقِسْطِ} (الرحمن: من الآية9) فيه لفتة هامة إلى أن الإيفاء لا يكفي أن يكون من طرف واحد بل لابد أن يكون من الجانبين في حالة الأخذ والإعطاء. أي أوفوا مقسطين أو ملابسين للقسط متحرين له، فدل على أنه يجب على الإنسان أن يرضى لغيره ما يرضى لنفسه وهذا ما قررته السنة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة وأتم التسليم إذ ثبت عنه أنه قال: "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه"[36]. وقد تواتر الأمر بإيفاء الكيل والميزان وكل كلام الله عز وجل متواتر فقال: {وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً}[37] وقال تعالى: {وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ}[38]. ومن يتأمل كتاب الله عز وجل يجد أن الله عز وجل قد قص على هذه الأمة فيما قص من أنباء الأمم لتحصل لنا العبرة ويكمل الوعظ بما حدث لتلك الأمم ومن ذلك أنه عز وجل أهلك قوم شعيب ودمر مساكنهم وأبادهم بما كان من ظلمهم وفسادهم، وكان أمره عز وجل جزاء وفاقا لتكبرهم وعنادهم، طففوا الكيل وعموا وصموا عن سماع الحق فكان عاقبة ذلك الخسران المبين ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون ليوم عظيم، بلى إنهم موقوفون وعلى أعمالهم محاسبون ومجزيون الجزاء الأوفى. وحينما يتأمل الناظر في هذه الآيات قد يظهر له أن إيفاء الكيل والميزان هو القسط عينه فيتساءل عن فائدة هذا التكرار. والجواب عن ذلك أن في هذا التعبير لفتة ظريفة وهي أن يعلم المعطي أن الواجب عليه أن يؤدي الحق لصاحبه كاملاً غير منقوص، فلا يطمع في استبقاء شيء منه وإن قل، وليعلم الآخذ أن له أن يأخذ حقه كاملاً من غير طمع في الزيادة وإن قلت وهذا عين القسط وتمام الإيفاء[39].

قوله تعالى: {لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا}[40].

هذه الجملة الكريمة مستأنفه كشف الله بها غمة عظيمة، وهون ما قد يجيش في نفس المسلم الـورع فقد يتـوهم أن الإيفاء واجب على التحقيق لاسيما وقد أردف بقـوله: {بِالْقِسْط} (الرحمن: من الآية9) فيظن أن المراد كـمال الإيفاء المطلق بحيث لا يزيد على ما يستحقه صاحب الحق أدنى زيادة، ولا ينقص منه أقل القليل، ولا ريب أن تحقيق هذا صعب جداً ولا يمكن الوفـاء على هذا النحو، لتحقيق الوفاء بالقسط أمر دقيق جداً ولا يتحقق في كل مكيل وموزون إلا بآلات بالغة في الحساسية ودقة الوزن والكيل إلا أن يكون ذلك بموازين الذهب التي تضبط الوزن بأقل ما يمكن وزنه أو بأجهزة (الكمبيوتر) البالغة الدقة وهذا فيه عنت وحرج على الأمة الإسلامية ولا يمكن أن تتوفر هذه  الموازين لكل فرد من المسلمين وإن وجدت في عصر ما خلت منها عصور، فكانت رحمة العليم الخبير بشئون عباده تجلّل عباده توسعة عليهم ورفعاً للحرج، وليزيل ما قد يرد على صدور الأتقياء منهم من هواجس فقال تعالى: {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا}[41] وهنا يفهم المسلم أن الله عز وجل لا يكلف عبدا إلا ما يسعه فعله، بأن يؤدي ما كلف من غير عسر ولا حرج، فهولا يكلف من يشتري أو يبيع أنواع الحبوب والفواكه وغيرها من الأقوات أن يكون كيله ووزنه على ما تقدم من الوصف في الدقة والكمال بحيث لا يزيد حبة ولا ينقص مثقالا، بل هو مكلف أن يكون كيله ووزنه منضبطا في بيعه وشرائه على حد سواء وعلى القدر الذي تعارف الناس ويكون معتقداً أنه أوفى الناس حقوقهم ولم يتطرق الظلم إلى معاملاته بزيادة أو نقص يعتد به عرفا، ويبرز هذا المنهج جليا للناظر، أنه قاعدة في اليسر عظيمة، وأساس في رفع الحرج عن هذه الأمة، فحصر التكليف بما في وسع المكلف غاية في التيسير، والبعد عن المؤاخذة فيما يقابل ذلك، وهذا من أعظم مقاصد الدين الإسلامي الذي جاء به محمدصلى الله عليه وسلم رحمة للعالمين، فهلا نبذ المسلمون حاكمون ومحكومون القوانين الوضعية، واستناروا بسرج الحق والهداية لتستقيم أمور معاملاتهم، وتسود الثقة والأمانة فيما بينهم، وليكونوا قدوة لغيرهم من الأمم في الخير، وحجة على المطففين والمفسدين، وما فسدت أمور المسلمين في عصر من العصور، وقلت ثقتهم بأنفسهم، واحتلت ثقتهم بالأجانب مكاناً رفيعاً من أنفسهم إلا بسبب البعد عن منهج الله، والخضوع للقوانين المستوردة فأعرضوا عما أوصاهم به العليم الخبير وحثهم على التمسك به البشير النذير.

 

الأحـكام

1- وجوب بذل الجهد في إيفاء الحقوق على أتم ما يمكن.

2- يفهم من الأمر بالإيفاء تحريم النقص ويتأيد هذا الفهم بقـولـه تعالى: {... فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ}[42].

3- أن من تحرى الحق واجتهد في الوصول إليه ولم يصبه فلا لوم عليه ولا عقاب ويتأيد هذا الفهم بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر"[43].

4- جواز الاجتهاد في الأحكام والآية الكريمة أصل في ذلك وحديث معاذ رضي الله عنه يؤيد هذا الفهم[44].

 

الوصيــة الثامنــة

قوله تعالى: {وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى} (الأنعام: من الآية152).

 

المناسـبة:

إن المتأمل في الوصية السابقة وهي الأمر بالإيفاء وتحري الكمال في أداء الحقوق وأخذها، قد يرى مناسبة للربط بين الوصيتين؛ وهي أن إيفاء الحقوق لا يقوم إلا على ركيزة أساسية في المجتمـع المسلم، وهي مبدأ العدالة في الحقوق والواجبات، المتعلقة بسائر المعاملات التجارية وغيرها، لكنه خص المعاملات التجارية في الوصية السابقة، ثم أردف بالأمر بالعدل والتزام الإنصاف في المعاملات القولية، الشاملة للشهادات والأمور القضائية، وغيرها مما يتعلق بإظهار الحق وإشهاره بين أفراد المجتمع المسلم، مع قطع النظر عن أي مؤثر آخر يخرج عن التزام المنهج السوي في الجهر بالحق وإيصاله إلى ذويه، حتى ولو كان من المؤثرات رابطة النسب أو وشائج القربى فليس لها وزن في مقابل الإنصاف والتخلق بهذه الخلة العالية الرفيعة. وفي نظري أن الوصيتين هنا من باب عطف العام على الخاص.

 

البحث اللغوي:

العدل: ما قام في النفس أنه مستقيم. وهو ضد الجور. وفي أسماء الله عز وجل العدل؛ وهو الذي لا يميل به الهوى فيجور في الحكم، وهو في الأصل مصدر سمي به، فوضـع موضع العادل، وهو أبلغ منه، لأنه جعل المسمى نفسه عدلا. والعدل: الحكم بالحق، يقال: هو يقضي بالحق ويعدل، وهو حكم عادل، ذو معدلة في حكمه[45].

القربى: القرابة والقربى: الدنو في النسب، والقربى في الرحم، وفي التنزيل العزيز: {وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى}[46] وأقارب الرجل، وأقربوه؛ عشيرته الأدنون. وفي التنزيل العزيز: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ}[47] وجاء في التفسير أنه لما نزلت[48] هذه الآية صعد الصفا، ونادى الأقرب فالأقرب، فخذاً فخذاً[49].

 

الإيضــاح

لما قرر عز وجل أهمية الإيفاء وخصه بوصية تنويهاً بشأنه العظيم في إصلاح المجتمع فهذا النوع من التعامل الاجتماعي من أبرز ما يحصل به الاحتكاك بين أفراد المجتمع في حياتهم اليومية نوه سبحانه بالأساس الذي يقوم عليه أمر إيفاء الحقوق وهو العدل في كل شأن من شئون الحياة، ولعل ذكر القول هنا دون غيره إشارة إلى أن القول والتخاطب هو العامل الرئيسي في المعاملات، فأراد رب العزة والجلال أن يقرر أن وسيلة التعامل هذه يجب أن تكون مبنية على الأساس الذي يحفظ الحقوق وهو العدل فكما أن العدل واجب في الأفعال كالأوزان والمكـاييل، فهو كذلك واجب في الأقوال التي تبنى عليها المعاملات بين أفراد المجتمـع، لأن العـدل أساس عظيم تصلح به شئون البشرية جمعاء، فالعدل أساس المدنيات، وركن تقوم عليه حضارة الأمة، وبه يشمخ البناء، وتعلو صروح الفضيلة في المجتمع، وهو أساس دوام الملك، والمحور الذي يرتكز عليه النظام الإنساني في كل ما يتعلق بحياة هذا المخلوق، فيقرر الرب سبحانه وتعالى أنه لا يجوز لمؤمن أَن ينتهك حمى العدل محاباة لقرابة، فضلاً عن المصالح الدنيوية التي تعادي منهج العدل وتنابذه، ونجد نبي الهدى صلى الله عليه وسلم يؤكد أن من الصفات المنجية تحقق العدل لدى المسلم على كل حال فيقول صلى الله عليه وسلم: "ثلاث منجيات؛ خشية الله تعالى في السر والعلانية، والعدل في الرضا والغضب، والقصد في الفقر والغنى …" الحديث[50]. وقد فصل الله عز وجل هذا الأمر الموجز في آيتين مدنيتين فقال وهو أصدق القائلين: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ}[51] والثانية قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ}[52]. وهذه الآية الكريمة نصت على معنى الحديث الآنف الذكر ولو رغبنا في التعرض لنفحات الخير والحصول على الأدب الرفيع الذي أمر به الرب الكريم في هاتين الآيتين لطالت بنا الوقفة غير أني أذكر تحليلاً لطيفا للشيخ محمد رشيد رضا رحمه الله قال: القوام هو المبالغ في القيام بالشيء، وهو الإتيان به مقوما تاماً لا نقص فيه ولا عوج، وقد حذف هنا ما أمرنا بالمبالغة في القيام به فكان عاماً شاملا لجميع ما أخذ علينا الميثاق به من التكاليف حتى المباحات، أي كونوا من أصحاب الهمم العالية، وأهل الإتقان، والإخلاص لله تعالى في كل عمل تعملونه، من أمر دينكم أو أمر دنياكم.

ومعنى الإخلاص لله في أعمال الدنيا: أن تكون بنية صالحة، بأن يريد العامل بعمله خيرا، والتزام الحق من غير شائبة اعتداء على حق أحد، أو إيقاع ضرر به. ومنطلق هذا القول قوله صلى الله عليه وسلم: "الأعمال بالنية"[53]. والشهادة بالقسط معروفة، وهي أن تكون بالعدل بدون محاباة مشهود له، ولا مشهود عليه، لا لقرابته وولائه، ولا لماله وجاهه، ولا لفقره ومسكنته، فالشهادة هنا عبارة عن إظهار الحق للحاكم ليحكم به، أو إظهاره بالحكم به، أو الإقرار لصاحبه.- وهذا عين العدل في القول -.

والقسط: هو ميزان الحقوق، متى وقعت فيه المحاباة والجور- لأي سبب أو علة من العلل- زالت الثقة من الناس، وانتشرت المفاسد وضروب العدوان بينهم، وتقطعت الروابط الإجتماعية، وصار بأسهم بينهم شديد[54]. والشيخ رشيد رضا رحمه الله سبقه الإمام الرازي رحمه الله إلى الحديث عن هذه الشمولية فقال: "واعلم أنه يدخل تحت قوله: {وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا} (الأنعام: من الآية152) وكل ما يتصل بالقول، فيدخل فيه ما يقول المرء في الدعوة إلى الدين، وتقرير الدلائل عليه، بأن يذكر الدليل ملخصاً عن الحشو والزيادة، بألفاظ مفهومة معتادة، قريبة من الأفهام، ويدخل فيه أن يكون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واقعاً على وجه العدل، من غير زيادة في الإيذاء والإيحاش، ومن غير نقصان عن القدر الواجب، ويدخل في الحكايات التي يذكرها الرجل حتى لا يزيد فيها ولا ينقص منها، ومن جملتها تبليغ الرسالات عن الناس، فإنه يجب أن يؤديها من غير زيادة ولا نقصان[55] فـما أجملها من شمولية في القول، وما أوضحها من شمولية في الفهم، وما أسعد من تخلق بها.

 

ا لأحـكام

1- وجوب تحري العدل وصدق القول في كل شأن ومن ذلك القول في المعاملات، والشهادات، والأحكام، والأخبار، وغير ذلك ففي الحديث: "إن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، وإن الرجل ليصدق حتى يكون صديقا، وإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، وإن الرجل ليكذب حتى يكتب عند الله كذابا"[56].

2- تحريم المحاباة وأنها من الأعمال الرخيصة والمنافية لما أمر الله به. وتقدم بيان ذلك في الوصية وما في معناها من الكتاب والسنة.

 

الوصيــة التاســعة

قوله تعالى: {وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ}(الأنعام: من الآية152).

 

المناسـبة:

من خلال التدبر لما تقدم من الوصايا نجدها فصلت ما يجب للمسلم من الحقوق، وما عليه من الواجبات، فأرست بذلك قواعد ثابتة لبناء الأمة بناء يناسب ما أوجدها الله عز وجل من أجله؛ وهو إقامة العدل في الأرض، يإشاعة المساواة بين بني الإنسان، وقد جاءت هذه الـوصية بعد ذلك البيان واضعة خاتم العقد بين العبد وربه عز وجل على ما تقدم

تقريره، فيكون ذلك ميثاقاً موثقاً بعهد الله سبحانه وتعالى، الذي عهد إلى عباده العمل بتلك الوصايا، وأخذ عليهم الميثاق الذي يسألون عنه في يوم يندم فيه من فرط، وجاءت هذه الوصية خاصة بالأمر بالوفاء بالعهد، لأن عهد الله شامل لكل ما تقدم وهو بمثابة الخاتم الذي توثق به العقود.

 

البحث اللغوي:

العهد: كل ما عوهد الله عليه، وكل ما بين العباد من المواثيق فهو عهد.- والمراد به هنا - كل ما أمر الله به في هذه الآيات ونهى عنه- فقد عهد إلى عباده فعل المأمور وترك المحذور-.

أوفوا: وفي بعهده، يفي وفاء، وأوفى، إذا أتم ولم ينقص. وهو ضد الغدر[57]. ووفي وأوفى بمعنى وقد جمعها طفيل الغنوي في بيت واحد في قوله:

أمـا ابن طوق فقـد أوفى بذمتـه

كـما وفى بقلاص النجم حاديها[58]

وصى: من الوصية، وهي من الله عز وجل: ما عهد إلى العباد أن يعملوه، من فعل خير، أو ترك شر، فهي بمعنى فرض ( ذلكم وصاكم به) أي أمركم به وفرضه عليكم[59].

تذكرون: الذكر والذكرى والتذكر؛ خلاف النسيان. وفهمي لهذا أن قوله تعالى: {لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ}(الأنعام: من الآية152) أي أوصيتكم بذلك وفصلته لكم لتستمر ذكراه في أذهانكم، فلا تقعوا فيما يخالفه ويناقضه، ففي اللفظ تحذير من الغفلة التي كثيراً ما يقع فيها الإنسان.

والتذكر: تذكر ما أنسيته، وذكرت الشيء بعد النسيان، وذكرته بلساني، وبقلبي، وتذكرته، وأذكرته غيري، وذكرته بمعنى[60] وفيها معنى الاتعاظ والاعتبار فإذا حصل هذا للعبد فهو عين التذكر، والله أعلم.

 

القـراءات:

قال الرازي رحمه الله: قرأ حمزة، والكسائي، وحفص، عن عاصم (تذكرون) مخففة، من الذكر، والباقون: بتشديد الذال، في كل القرآن، وهما بمعنى واحد[61].

وقال الشيخ محمد رشيد رضا رحمه الله: "... وليس هما بمعنى واحد كـما قيل، فإن الصيغ من المادة الواحدة تعطى معاني خاصة، ويتجوز في بعضها ما لا يصح في بعض، فالذكر في الأصل يطلق على إخطار معنى الشيء، أو خطوره في الذهن، ويسمى ذكر القلب، وعلى النطق باللفظ الدال عليه، ويسمى ذكر اللسان، ويستعمل مجازا بمعنى الصيت والشرف، ويفسر به قوله تعالى: {وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِك}[62]. ويطلق بمعنى العلم وبه يسمى القرآن، دون غيره من الكتب الإلهية (ذكرا) ومنه قوله تعالى: {فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ}[63].

وأما التذكر: فمعناه تكلف ذكر الشيء في القلب، أو التدرج فيه بفعله المرة بعد المرة ويطلق على الاتعاظ، ومنه قوله تعالى: {وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلاَّ مَنْ يُنِيبُ}[64] وقوله: {سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى}[65] والشواهد عليه في الذكر كثيرة. ومثله الإدكار؛ قال تعالى: {فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ}[66] وهو افتعال من الذكر، الافتعال يقرب من التفعل…

وحكمة القراءتين؛ إفادة المعاني التي تدلان عليها، من باب الإيجاز البليغ[67].

 

الإيضـاح

مما تقدم بيانه يتضح لنا أن تلك الأوامر والنواهي، وتلك الأسس الاجتماعية، ما هي إلا أجزاء بنود عقد أقامه الرب سبحانه وتعالى بينه وبين عباده، ويتمثل ذلك العقد في القيام بتلك الأوامر والنواهي فعلا وتركا، والعهد شامل لكل ما عهده الله إلى الناس كافة على ألسنة الرسل، فطلب من هذه الأمة الوفاء بما عهد إليها فقال: {وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا} (الأنعام: من الآية152) فالوفاء بما تقدم وبكل عهد بين العبد وربه مطلوب شرعاً، وهذا معلوم لكل من استخدم ما آتاه الله من عقل، وفطرة سليمة، والوفاء بالعهد يشمل أيضاً ما يعاهد الناس عليه بعضهم بعضاً، مما ليس فيه مخالفة لشرع الله عز وجل، ومما يدل على شمولية العهد قوله تعالى: {وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ}[68] وقال: {أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ}[69] وقال: {وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُم}[70] وقال