طباعة

 توثيق النص

 

 

 

في ظلال سورة الأنفال

للشيخ أبي بكر الجزائري

المدرس بكلية الشريعة والواعظ بالمسجد النبوي الشريف

 

 

{يَسْأَلونَكَ عَنِ الأَنْفَالِ قُلِ الأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ}.

هذه السورة أيها الإخوة الصالحون تسمى سورة الأنفال، لذكر لفظ الأنفال فيها، وسماها بعض السلف بسورة بدر لاشتمالها على ذكر جوانب عديدة من غزوة بدر.

وهي السورة الثامنة من الكتاب، وسابعة الطّوال إذا أخذنا برأي من يقول: إنها مع التوبة تكمل السبع الطوال، وذلك لاتحاد موضوعهما تقريبًا، ولعدم الفصل بينهما بالكلمة الشريفة، ولأن سورة يونس إلى المئين أقرب منها إلى الطول، وإن عدها بعضهم أو جمهورهم رحمهم الله من السبع الطوال.

والمواضيع التي تعالجها هذه السورة الكريمة هي إجمالا: العقيدة بتركيزها وتعميقها في النفوس المؤمنة. والسلوك بتهذيبه، وإصلاحه حتى يتلاءم مع العقيدة الإسلامية، ويكون دليلها، وبرهانا عليها. الجهاد بذكر قوانينه وطرف من آدابه. الغنائم وحكم قسمتها وطريق توزيعها بين المجاهدين الأبرار. المعاهدات الحربية والسلمية وكيفية إبرامها وحلها.

هذه السورة، أيها الإخوة الصالحون مفتتحة بكلمة: يسألونك عن الأنفال، وهي  جملة متضمنة لسؤال وجه إلى الرسول صلى الله عليه وسلم بخصوص ملكية غنائم بدر، واستحقاقها: أهي للشبيبة أم للشيوخ؟ للأنصار هي أم للمهاجرين؟ حيث وقع النزاع، ذلك كما سيذكر بعد. وهذا السؤال الذي تضمنته هذه الجملة في قائمة هذه السورة ليس هو الأول ولا الأخير، مما كان يوجه إلى الرسول صلى الله عليه وسلم من أسئلة مختلفة يحكيها الله سبحانه وتعالى بلفظ يسألونك عن كذا .... ويلقن رسوله صلى الله عليه وسلم الإجابة عنها. وأعظم هذه الأسئلة كان يوجه من المؤمنين طلباً لشرح حكم، أو تفسيراً لإجمال، أو كشفاً لشبهة وذلك كسؤالهم عن القتال في الشهر الحرام، وعما ينفقون من أموالهم، وعلى من ينفقون، وعن حكم الخمر والميسر، وحكم خلط أموالهم بأموال يتاماهم، وعن مخالطة الحائض أيام حيضها إلى غير ذلك من التساؤلات والاستفسارات التي كان يتطلبها واقع المسلمين وهم في كل يوم يتلقون الجديد والمزيد من الأحكام والتشريع تكميلاً لهم وإعداداً للخلافة في الأرض والوصاية على البشر وقيادتهم.

كما كانت بعض الأسئلة توجه من المشركين تكذيباً لمضمونها، أو استبعاداً لوقوعه كسؤالهم عن الساعة، وعن موعد العذاب الموعدين به. كما كان البعض الآخر يوجه من اليهود تحدياً للرسول وتعجيزاً له، أو كشفاً عن حقيقة دعواه النبوة، ومدى صدقه فيها وذلك كسؤالهم إياه - فداه أبي وأمي - عن الروح، وأصحاب الكهف، وذي القرنين، وعن قرى أهل الجنة: أول طعام يقدم لهم عند دخولهم الجنة. وعما يكسب الولد شبهاً بأمه، أو أبية، إلى غير ذلك من الأسئلة المعروفة في الكتاب الكريم، والمعلومة في السنة الشريفة.

وكون الحق تبارك وتعالى يتولى الإجابة عن رسوله صلى الله عليه وسلم في هذه الأسئلة وفي غيرها تبياناً للأحكام، وإنارة الطريق، وإدحضا للباطل، ودفعاً للشبهات هو تحقيق ولايته تعالى لأوليائه. ومصداق قوله: {اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّور}.

إنه ما عرضت شبهة لولي من الأولياء، ولا لنبي من الأنبياء إلا وأزالها الله ولي المؤمنين من قلوب أوليائه، وأحل محلها نور المعرفة واليقين. ولا عورضت دعوة الحق بحجة باطلة، أو طريقة ماكرة إلا ودحض الله حجة المبطلين، وأحبط كيد الماكرين. يشهد لهذا ما ذكر برهاناً على كونه تعالى يخرج أولياءه من الظلمات إلى النور وذلك في مواقف ثلاثة:

أولها: موقف إبراهيم ولي الرحمن، مع النمرود ولي الشيطان حيث حاج الثاني بباطله إبراهيم في حقه، فدحض الله الباطل بالحق فزهق، وبهت الذي كفر. وأخرج إبراهيم من ظلمة الباطل إلى نور الحق، وهو ظافر منتصر. وثانيها موقف النبي أو الولي الذي مر بقرية وهي خاوية على عروشها؛ متهدمة البنيان خالية من السكان، فغين على قلبه ما قال معه: {أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا}؟ فأخرجه الله من تلك الظلمة التي عرضت لقلبه بأن أماته ثم أحياه، وأراه من آيات قدرته ما أشبعه يقيناً ورواه، وهكذا جميل الله تعالى الولي مع من يتولاه.

وثالثها موقف الخليل مع ربه: {رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى}، وكان الخليل لم يكتف في إيمانه بعلم اليقين فأراد الوصول به إلى عين اليقين. فكان كمن عرضت له شبهة في ظاهرة الحياة كيف تكون، وما كان أبداً من أهل الظنون أو الفتون بل سؤاله دال صراحة على صدق إيمانه بقدرة ربه إذا قال: {أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى}، ولم يقل كيف تقدر على إحياء الموتى. وأجابه الله وليه ومولاه. وأراه من مظاهر قدرته ما طمأن قلبه، ودفعه إلى مقام عين اليقين. وسلام على إبراهيم في المرسلين، وكذلك يجزي الله المحسنين.

 ووجه العبرة من هذا أيها الإخوة المسلمون أن العبد متى حقق ولايته لله بإيمانه الصادق، وتقواه لله، وتجرد لدعوة الخلق إلى الخالق ليعبدوا ربهم ويوحدوه ويسلموا له قلوبهم ووجوههم ويطيعوه. متى كان العبد هكذا لن يعدم من الله تعالى نصره ولا تأييده، ولا إرشاده، ولا توفيقه، إن تصدى له مبطل نصره عليه وهزمه بين يديه، وإن عرضت له شبهة كشفها له وأعقبه نوراً في قلبه، إن واجهته مشكلة ومهما كانت صعبة أو عويصة وفقه لحلها، وأخرجه منها معافى سليماً، وعزيزاً كريماً. والحمد لله ولي المؤمنين، ومنزل الكتاب ومتولي الصالحين هذا وأما الأنفال التي كانت مثار النزاع، والتي اقتضت مصلحة الجماعة المؤمنة في حكم الله وليهم ومتوليهم أن يرد شأنها إلى الله ورسوله، فيحكم الله فيها بما يريد. ولن يريد إلا الحق والخير ويقسمها الرسول حسب أمر ربه ووحيه إليه. فإن قول المفسرين فيها مختلف غير أن المعنى لا يخطئ.

إن الرسول صلى الله عليه وسلم في بداية المعركة شجع المجاهدين بقوله من قتل كذا فله كذا... ومن أسر كذا فله كذا... ولما انتهت المعركة بنصر حاسم للمسلمين حاول بعض الغانمين الاستئثار بما غنموه دون غيرهم من إخوانهم المجاهدين مما أثار بعض الخصومة. والنزاع الأمر الذي لا يمكن أن تقر عليه جماعة الإيمان بحال من الأحوال من أجل ما قد يؤدي إليه من الفوضى والخلاف، وذلك مما لا يليق بهم، ولا يتفق وحقيقة جماعة تؤمن بالله، وتقاتل طول الحياة لحماية دين الله، وأولياء الله، ولتأمين دعوة الحق بين الخلق.

فلذا لما اختلفوا وتساءلوا أجيبوا برد القضية لله ورسول الله: {يَسْأَلونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ}. وأمروا بتقوى الله عز وجل، وإصلاح ذات بينهم، وطاعة ربهم ونبيهم وهذه من مقتضيات إيمانهم وهم مؤمنون. وأما الغنائم وقسمتها وقد ردت إلى الله فسيحكم الله فيها بما هو الحق والعدل. وبما يحقق الخير للجميع.

قال تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ}.

قد اشتملت هذا القدر من الآية على الأمر بثلاثة أشياء هي في غاية الأهمية بالنسبة إلى حياة الجماعة المسلمة وسعادتها في الدنيا والآخرة، تلك هي الأمر بتقوى الله عز وجل، وإصلاح ذات بين الجماعة عند وجود فساد فيها بالفرقة والخلاف بين أصحابها، وطاعة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم بعد الإيمان بالله واليوم الآخر المهيأ لذلك والمعد له، والمساعد عليه.

أما التقوى فإن عليها مدار كل إصلاح يراد للفرد أو للجماعة، وبدونها لا يتحقق أي خير أو إصلاح أبداً، ومن هنا قدم الأمر بها على غيرها، وكانت هذه الآية وصيه الله الثابتة لهذه الأمة المسلمة، ولمن سبقها من أهل الكتاب قال تعالى في سورة النساء: {وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ}.

ومعنى التقوى العام: خشية الله تعالى المالئة للقلب، المسخرة لجوارح العبد في طاعة الرب تبارك وتعالى فعلاً وتركاً. وقد تطلق ويراد بها معنىً خاص، فتكون في كل مقام بحسبه، ومن ذلك أنها هنا بمعنى توقي سنة الله تعالى في الإقبال على الدنيا، والتنافس فيها، والجري وراء حطامها الفاني، وما يجر ذلك من تحاسد وتقاطع، وخلاف يفضي بالجماعة إلى الهلاك والدمار.

وأما إصلاح ذات البين وبعد إصابتها بما أفسدها من الخلاف والنفرة، فإن الأمر به من أوجب الواجبات وألزم اللازمات، إذ لو يسمح لمرض الخلاف أن ينتشر في صفوف الجماعة، ولداء الحسد والبغضاء أن يستشري في جسمها. لأودى قطعاً بحياتها، وأفضى بها إلى هلاك محتم، وخسران مبين ومن هنا أمر الله تعالى الجماعة المسلمة على الفور ولأول خلاف بدر منها أمرها بإصلاح ذات بينها، وإحلال الوئام بين أفرادها محل الخلاف، والود والصفاء محل العداوة والبغضاء.

وأما طاعة الله والرسول صلى الله عليه وسلم فإنها شعار الجماعة المؤمنة التي لا يمكن أن تتخلى عنه، أو تعيش بدونه، إذ منه تستمد نظامها وقوتها، وكامل مقوماتها في الحياة. إن الجماعة المؤمنة بدون الطاعة الكاملة لله ورسوله لا يمكن أن تكون شيئاً في الوجود، أو تحقق لها خيراً ما في الحياة. ولعل هذا هو السر في الأمر بها في هذا المقام بعد الأمر بالتقوى، والطاعة لله والرسول بعد الأمر بالتقوى مشعراً بأهمية الطاعة للجماعة المؤمنة، ومهيجاً لها على الاستعداد وتوطين النفس عليها لتؤديها كاملة في المنشط والمكره، والعسر واليسر.

وأخيراً قوله: {إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} فإن هذه الجملة الشرطية ذات مدلول خاص في هذا السياق من الكلام، فإنه يؤتى بها بعد الأمر أو النهي للتهييج على الطاعة والحمل المؤكد على الامتثال، لأن الإيمان هو الطاقة المحركة للمؤمن، والإرادة الموجهة له، فبدون الإيمان لا يتأتى للعبد أن يطيع ويخلص، أو يعمل ويصدق بحال من الأحوال، حتى صار في عرف قانون الإيمان لا يعرف إيمان حقيقي بلا عمل صالح، ولا عمل صالح بلا إيمان.

ومن هنا حسن أن تذكر هذه الجملة بعد الأمر بالتقوى، وإصلاح ذات البين، وطاعة الله والرسول، تذكيراً بالإيمان، وتهييجاً للنفوس على العمل، وتهديداً لها بسلب الإيمان الذي هو خاصيتها وأغلى ما تملك، إذا هو لم يوجد له أثره في الطاعة والسلوك.

ولذا يقدر جواب هذا الشرط محذوفاً استغني عن ذكره بذكر ما سيقت لتأكيده من امتثال الأمر، والتسليم بالطاعة. والتقدير: إن كنتم مؤمنين فاتقوا الله، وأصلحوا ذات بينكم وأطيعوا الله ورسوله.

هذا.. وموجز القول في هذه الآية الكريمة: أن المجاهدين من أهل بدر لما انتهت المعركة بنصرهم على أعداء لا إله إلا الله وأعدائهم اختلفوا في شأن قسمة الغنائم المعبر عنها في الآية بالأنفال حيث أراد الشبان الاستئثار بها دون الشيوخ بدعوى أن أثرهم في المعركة كان أكبر. ولم يرض لهم الشيوخ بذلك فرفع النزاع إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ونزلت الآية: {يَسْأَلونَكَ عَنِ الأَنْفَالِ} الخ... فرد الله ملكيتها إليه وإلى رسوله حسماً للخلاف وقطعاً لشجرته، وأمر المتنازعين فيها بتقواه عز وجل، وإصلاح ذات بينهم، وبطاعته وطاعة رسوله مذكراً إياهم بالإيمان الذي هو أصل كل خير ومفتاح كل سعادة. وبعد تسع وثلاثين من هذه الآية نزلت آية أربعين تبين قسمة ما اختلفوا فيه من الأنفال {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى} الآية. فجعلت الغنيمة خمسة أقسام، قسماً لله ورسوله.. وأربعة أقسام للمجاهدين عموماً من كان له أثر في المعركة كبير أو لم يكون له سوى وجوده فيها بنية الجهاد.

 

ما في الآية من الهداية القرآنية:

نختم درس هذه الآية الشريفة ببيان بعض ما اشتملت عليه من الهداية القرآنية وذلك:

1- الجماعة المؤمنة إذا اختلفت في شيء ترد أمره إلى الله ورسوله للحكم فيه بما هو الحق والخير قال تعالى في توجيه هذه الجماعة المؤمنة: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً}، ولهذا ردوا أمر خلافهم إلى الرسول وحكم الله فيه بما هو الحق والخير لهم.

2- الميل إلى الدنيا والرغبة فيها طبع هذا الإنسان، وعليه فإنه إذا لم يجد من التربية الإلهية والتوجيه النبوي ما يقوِّم به طبعه، ويخفف من حدته، ويقلل من تأثيره على سلوكه، أودى به طبعه وأهلكه، والعياذ بالله تعالى. فلولا عناية الله بأهل بدر، وما أولاهم من تربية وتوجيه لهلكوا بخلافهم أو لأفضى بهم إلى مشارف الهلاك على الأقل.

3- الجماعة المسلمة المهيأة لقيادة البشر لا ينبغي لها أن تتورط في حب المال وجمعه، ولا الانغماس في الترف والشهوات، فإن ذلك يقعد بها قطعاً عن بلوغها أهدافها وغاياتها في إصلاح الخلق.

4- تقوى الله عز وجل خير ما يوصف من دواء لعلاج النفوس وتطهير القلوب ولذا لما بدا من أهل بدر ما قد يرى أنه ناجم عن مرض الشهوة في حب المال والرغبة فيه، أمرهم الله بالتقوى، وحثَّهم على الطاعة لله والرسول صلى الله عليه وسلم.

5- الجماعة المسلمة لا بد لها من قيادة عليا تجمعها إليها عند كل خلاف، أو تصادم في أي أمر من الأمور الدنيوية والدينية على حد سواء.

6- المبادرة إلى القضاء على كل سبب للفرقة أو الخلاف بين الجماعة المؤمنة إبعاداً لها من ورطة العداوات والبغضاء.

7- إعداد أفراد الجماعة المؤمنة بطاعة الله والرسول لأن يكونوا أسرع إجابة لنداء الواجب، وأكثر تلبية لصوت الحق كلما قال هلم لجهاد ونصرة.