طباعة

 توثيق النص

 

 

 

الزَّلاَّقَــة مَعركَةٌ مِنْ مَعَارِكِ الإِسْلاَمِ الحَاسِمَةِ فِي الأندَلُس

للدكتور جميل عبد الله محمد المصري

أستاذ مشارك بالجامعة الإسلامية

 

 

الحمد لله الذي جعل أمة الإسلام خير أمة أخرجت للناس، أمة جهاد في سبيله، وأمة رحمة وهداية للعالمين، وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي، النموذج العملي لرسالة الإسلام وعقيدته، جعله اللّه سبحانه وتعالى شهيدًا على أمته، وجعل أمته شهداء على النَّاس، ورضي الله عن صحابته الطاهرين، ومن قام بهديه إلى يوم الدين وبعد:

فإن المعـارك العـالميـة التي سجلها التـاريخ كثيرة، تلك التي تمخضت عنها تغييرات شاملة، ذات نتائج خطيرة، وتبقى معارك الإسلام من أشهرها وأهمها، ذلك لأن المعركة في الإسلام ليست غاية في ذاتها، فهي محصلة لأمور كثيرة، إذا وصلت إلى حدّ معينّ لابد من معـركـة حربية، ومفهوم الجهاد واضح المعنى وواضح الهدف، هو قتال في سبيل اللّه، يهدف إلى تبليـغ الـدعوة، ومـدّهـا، أو تثبيتها والـدفاع عنها، فإذا وصلت الأمور حاجزاً لا مجال لاختراقه بوسيلة أخرى كانت المعركة، ولابد مِن الصبرِ عليها، ومن هنا فإن معارك الإسلام تخدم الدعوة في الدرجة الأولى امتدادا أو دفاعًا أو تثبيتًا.

ومنذ معـركـة بدر الفاصلة –الفرقان- التي قادها سيد الخلق محمد صلى الله عليه وسلم، والمسلمون يحاولـون الـوصول في معـاركهم إلى مستواها في أهدافهِا ومعانيها، وتنظيمها، ونتائجها. فكانت معركة خيبر في عهده صلى الله عليه وسلم، التي وضعت حداً نهائياَ لتسلط اليهود في بلاد العرب، ثم كانت الـيرمـوك التي قررت مصير بلاد الشام ومصير الإمبراطورية الرومانية كله، والقادسية التي قررت مصير العراق وبلاد فارس وإمبراطورية الفرس.

 وهكـذا تتابعت معـارك الإسلام وتتالت، إلى أن كانت في النصف الثاني من القرن الخـامس الهجـري معـركتان: ملاذكرد (منزكرت) في آسيا الصغرى التي قررت مصير آسيا الصغرى عام 463 هـ، والزلاقة على أرض الأندلس الشهيدة التي أوقفت الزحف الصليبي النامي إلى حـين، عام 479 هـ.

فقد ساءت حالة العالم الإسلامي في بداية القرن الخامس الهجري شرقاً وغرْباً، فعم الـرفض، وفشا التفرق في المغرَب بسقوط الخلافة الأموية وتمزق الدولة العامرية، ولكن اللّه سبحـانـه وتعـالى هيأ للمسلمين: السلاجقة في المشرق، حيث بلغت دولتهم ذروة القوة في منتصف القرن الخـامس الهجـري. والمرابطين في المغرب، وبلغت ذروتها في الوقت ذاته. وكلتا القـوتين اتخـذ الجهـاد سبيـلاً لإعزاز الإسـلام والمسلمين ونصرة الدين. وكلتاهما مدّ الإسلام إلى آفاق واسعة. فقد مدّ السلاجقة الإسلام في آسيا الصغرى وأصبحت من ديار الإسلام، ومـدّ المرابطون الإسلام إلى أفريقية الغربية وعبر الصحراء إلى السودان، وقاموا بواجبهم في نصرة إخوانهم في الأندلس، وحماية الإسلام.

 

حالة المغرب و الأندلس في النصف الأول من القرن الخامس الهجري التي هيأت لمعركة الزلاقة:

أولاً: شمال أفريقيا ودولة المرابطين في المغرب:

انتثر ملك الخلافة بالمغرب[1] ، وانقسم إلى إمارات صغيرة متفرقة، فقد أقام المعزّ بن باديس سنـة 440 هـ الـدعوة للقائم باللّه الخليفة العباسي وخلع طاعة المستنصر العبيدي، (وكان قبل ذلك يسب بني عبيد سرّاً)، فبعث المستنصر القبائل العربية من بني هلال ورياح وزغبة لمحاربته، فكانت الحروب الهائلة بين ابن باديس والعرب الذين دخلوا القيروان[2]. وكثر المتغلّبون على الشـمال الأفـريقي بأجمعـه، فاستـولى بنو هلال على المناطق الممتدة في الداخل من قابس إلى المغرب، وظل بنو زيري يحتفظون بالمهدية وما يليها، واستقر أمر بني حماد في بجـايـة، واستقـل حمو بن ومليـل البرغواطي في صفاقس بعد أن حالف العرب، واستقـل ابن خراسـان بتـونس سنة 458 هـ، واستقل موسى بن يحيى بفاس، وحاكم قفصة الزيري بعد أن استعان بالعرب مقابل جزية سنوية [3].

كـما تعـرض الشـمال الأفريقي لغارات النورمان يدفعهم الحقد الصليبي، فقد تملكوا صقلية من المسلمين بقيادة رجار سنة 464 هـ [4]، ماعدا مدينتي قصريانه وجرجنت، اللتين حاصروها حصاراً شديداً، واستسلمت جرجنت سنة 481 هـ، وتبعتها قصريانه سنة 484 هـ [5]. وشجـع البـابـا فكتور الثالث على تكوين طائفة من رجال البحر من بيزه وجنوة للإغارة على السـواحـل الإسـلامية الأفريقية، فهاجموا مدينة المهدية وزويلة، وعادوا بعدد عظَيم من أسارى المسلمين رَجالاً ونساء [6] وبمبلغ عظيم من الذهب والفضة مقابل رحيلهم وذلك سنة 480 هـ

وفي هذه الظـروف الحـالكـة انبعثت من قلب الصحـراء الكـبرى الأفريقية، قوة إسلامية، تدعو إلى التمسك بالِإسلام، مصدر قوة المسلمين، وتجدد جريان الحياة في تياره، باتخاذه دستوراَ يحكم حياة الإنسان في جميع نواحي الحياة.

فقـد توجـه يحي بن إبراهيم الجـدالي- أمير جدالـة- في جماعـة إلى الحج [7] عام 440 هـ، وعرجـوا في عودتهم على القيروان، واستمعوا إلى علمائها، وكانت في هذه الفترة قد نبذت المذهب الشيعي، وعادت إلى أهل السنة والجـماعة، فاسترجعت مكانتها كقاعدة للمذهب المالكي في المغرب، فاتصلوا بأبي عمران موسى الفاسي شيخ المذهب المالكي [8]، وطلبوا منه أن يرسل معهم عالماً يعلمهم الدين، فأرسل معهم الشيخ عبد اللّه بن يِاسين الجزولي [9] وكان من حذاق الطلبة ومن أهل العلم والصلاح، واعتبر عمل هذا جهاداً لنشر تعـاليم الإسلام الصحيحـة بين الـذين حرموا من نعمة المعرفة والعلم. فقام بدوره، فأخذ يفقه الناس ويعلمهم الشريعة، وأقام رباطاًَ يرجح إن مكانه في السنغال[10] أو النيجر، والتف حوله جماعة من لمتونة إحدى بطون صنهاجه كـجدالة من البرانس البربر؛ بلغ عددهم حوالي الألف رجل، أطلق عليهم اسم (المرابطون) نسبة إلى رباط عبد اللّه بن ياسين، حيث تلقوا فيـه تكوينهم الديني والجهادي، وحوّلهم من رعاة إبل إلى جماعة من المجاهدين، يحملون عبء تبليغ الدعوة الإسلامية، وتصحيح مفاهيم العقيدة. وسمّوا بالملثمين أو الملثمة لاتخاذهم لثاماً داكن اللون يغطي الجزء الأدنى من وجّهوهم [11] وكان على رأسهم المجاهد يحي بن عمر بن إبراهيم اللمتوني الذي توفي سنة 446 هـ أو447 هـ [12]، فخلفه أخوه: أبو بكر بن عمر اللمتوني، وكـان كأخيـه مثال الإخلاص والتضحية والقيادة الناجحة، فمدّ الإسلام في إفـريقية وبلاد السودان، وأمضى حَياته في الجهاد، وتنازل لابن عمه يوسف بن تاشفـين الـذي أثبت مقدرة ومهارة أكسبته مكانة عالية بجانب شهرته العسكرية [13]، واستمر أبو بكر في جهاده إلى أن استشهد في الصحراء عام 480 هـ [14] .

اتخـذت الـدولـة المرابطية أغمات عاصمة وهي على بعد 35 كـم جنوب شرقي مدينة مراكش، ثم اختـط يوسف مدينـة مراكش عام 454 هـ/1062 م أو بعـدهـا بقليل، وأسس قصبة ومسجداً، وكان يشارك العمال بنفسه في بناء المسجد تواضعاً للّه وتورعاً [15].

تمكن المرابطـون بقيادة يوسف من توحيد المغرب وإنقاذه من الفرقة وأزالوا المنكرات، ورفعـوا المكـوس الجـائـرة، وفرقوا الأخماس على المرابطين والفقهاء، وطبقوا أحكام الدين، وقضـوا على الـروافض، ورجـع من بقي منهم إلى أهل السنة والجـماعة، كـما قضوا على مذهب صالـح ابن طريف الإبـاحي، وكان يهودي الأصل نشر مذهبه بين قبيلة برغواطه [16] وأصبحت دولتهم تستعد للامتداد إلى الأندلس، وهمّ يوسف بذلك وأخذ في إنشاء المراكب والسفن ليعبر فيها [17]

ثانيًا: الأندلس بعد سقوط الدولة العامرية:

نعمت الأنـدلس الإسلاميـة بالأمن والرفاهية في ظلّ الدولة الأموية وفي عهد الدولة العـامريـة، ومدّت نفـوذَهـا على جميـع شبه الجزيرة الأندلسية والمغرب، وركدت حركات النصارى، وامتلأت قلوبهم رعباً، فقلّ عبثهم، وخطب ملوكهم ودّ الدولة الإسلامية في أكثر عهودها.

ولما انقطعت تلك الـدولـة قام الطوائف بعد الخلائف، وانتزى الأمراء والرؤساء من الـبربر والعرب والموالي بالجهات، واقتسموا خططها، وتغلّب بعض على بعض [18]، وكثرت الفتن وانبسط عدو الدين في الجزيرة وبلغ منهم كلّ مبلغ ما بين قتل وأسر، وهم (أي ملوك الطوائف) في تحاسد واختلاف الكلمة وانتحال الأوصاف، واقتسام ألقاب الخلافة، فتلقّبوا بالناصر، والمنصـور، والمعتمـد، والمظفر، والمتوكل، والقادر، والمؤتمن، وغير ذلك، فمال شاعر الأندلس أبو بكر محمد بن عـمار أو غيره [19]:

أسـماء   معتـمـد   فيـهـا  و   معتضـد

مما   يزهـدني   في  أرض    أنـدلس

كالهر   يحكي  انتفاخـاً  صولـة     الأسـد

ألـقـاب  مملكـة  في  غير  موضـعـهـا

واستعان بعضهم على بعض بأعدائهم من نصارى الشمال، فوجد النصارى الفرصة للقضاء علىِ المسلمين جميعـاً في شبـه الجـزيرة، فأخذوا يضـربـونهم، بعضهم ببعض، ويدفعون كلا منهم للصراع، ويغرونهم بشتّى الإعانات، والخداع، والمكر، والكيد، حتى يتمكّنـوا من أخـذ البلاد والاستيلاء على الطّارف والتّلاد [20] كـما نشروا الجواسيس لإيجاد الصدع في صفوف المسلمين [21]، وتنازع الإخوة من ملوك الطوائف على الملك [22]، واستعان كلّ منهم بالعـدوّ الصّليبي على أخيـه، ولبَّى النّصـارى الاستغـاثـات لأنهم وجـدوها فرصة لتصفية الحساب مع المسلمين، فكانوا يقدمون الضّمانات الزّائفة، والوعود الكاذبة للجانب الـذي ظهر رجحـان كفتـه، حتى إذا أوشك على النّصر قلبـوا له ظهر المجنّ وعملوا على ترجيح كفّـة منافسـه [23] كـما أخذت الكنيسـة في رومـا تتحرّك بقوّة بما لاحظته من ضعف المسلمين، فعملت على تكتّل نصـارى أسبانيا، وعلى تكتّل النّصارى في أوربا لتوحيد العمل ضد الإسلام والمسلمين. والحقّ أن الأفرنج ما طمعت في الأندلس إلاّ عندما تفرقت البلاد، وصار كلّ بلد بيد ملك، فحينئذ طمع الفرنج فيهم، وأخذوا كثيراً من ثغورهم [24]، وأنهكوا قوى المسلمين واستنزفوها. فاتخذت الحرب في الأندلس وجهة الحرب الصليبية قبل أن تعلن بصفـة رسميـة في الشرق. إذ قرّر البابا الأسكندر الثاني عام 456هـ/1063م منح مغفرة خاصـة لكـل من يشـدّ الرّحال لقتال المسلمين في أسبانيا، فهب عدد كبير من فرسان فرنسـا وأوربـا لمسـاعـدة إخـوانهم في ما وراء الجبال [25] فقـويت الممالك النصرانية في شمال الأندلس، وتوالت غاراتها على المسلمين، وطمع فردلند (فرناندو الأول) ملك قشتالة وليون فاستـولى على بعض المنـاطق القاصية من الشمّال الغربي سنة 449هـ/1057م وحاصر مدينة باز وجنوب دويرة، واقتحمها بعد دفاع مجيد من المسلمين وعاث فيها قتلاً وأسراً، كـما هاجم واحتل منـاطق من مملكـة بطليـوس الخـاضعة لبني الأفطس، وعاث عام 454 هـ في الأنحاء الشمالية لمنطقة طليطلة وحكامها بنو ذي النّون، وفي بعض مناطق اشبيلية حيث بنو عباد، وسقطت بيده مدينـة قلمرية (قلنبيره) عام 456/1064م [26]. وهاجم النورمان مدينـة بربشـتر وتقـع على بعـد 60 كم شمال شرق سرقسطـة وإحـدى القـواعد الأندلسية المنيعـة، وتغلّبـوا عليها بعـد حصار أربعين يوماً سنة 456 هـ وارتكب النصارى فيها جرائم مذهلة مثيرة بقيـادة جيـوم دي مونـري من أكـابر فرسـان عصـره. وكان في خدمة الجيوش الرومانية والبابوية [27]، فقد استباحوا المدينة بعد أن أمّنوا سكانها بكلّ ما فيها ومن فيها، وقدّر عدد القتلى والأسرى بين أربعين ألف ومائة ألف، ثم أعطى قائد الحملة الأمان لكنه- حين رأى كثـرة أهـل المـدينـة- أمر جنده أن تقلّل أعدادهم حصاداً بالسّيف، فأطيح أرضاً بستة آلاف من الرؤوس، ثم انتهبـوا المدينة، واحتلّوا دورها لأنفسهم وارتكبوا أبشع الجرائم قتلاً وهتكاً للأعراض. وكان (الخطب أعظم من أن يوصف أو يُستقصى) كـما يقول ابن حيّان [28] فأثـر الخطب في المسلمين وتـداعـوا إلى الجهاد، فتمكّنوا من استرجاعها عام 457 هـ ومُزّق المعتدون بعد أن دام احتلالها تسعة شهور [29].

وتوفي فردلند (فرناندو الأول) ملك قشتالة وليونِ عام 458هـ/1065م بعد أن قسّم دولتـه بين أولاده الثـلاثـة، حيث تحارب الأخـوة حربا لم يستغلها المسلمون لتفرقهم ولتمكنّ الـروح الانهزامية في نفـوسهم، وانتصر في هذه الحـروب شانجـه وهـرب أخوه الفـونسـو (الاذفـونش) ولجأ إلى طليطلة عند ملكها يحي بن إسماعيل بن ذي النون الملقب بالمأمون، فقابله بالترّحـاب وبـالغ في إكرامه، وأنزله داراً مجاورة لقصره، وجعل له داراً أخرى خارت المـدينـة ذات حدائق تكـون متنزّهـاً له ولمرافقيه، حيث قضى تسعة شهور درس فيها أحوال المدينة تمهيداً للاستيلاء عليها. وكان الأخ الثالث غرسيه قد لجأ إلى اشبيلية عند بني عباد. واغتيل شانجه عام 465هـ/1072م فاستدعي الفونسو لتولّي الحكم، بعد أن قطع الـوعود للمأمـون، وأصبح ملكاً لقشتالة وليون وجيليقية باسم الفونسو السادس (الاذفونش عنـد المسلمـين) فتـوحـدّت أسبانيا النصرانية حيث قضى غرسيه الأخ الثالث بقيّة عمره في السجن لمدة سبعة عشر عاماً [30]

من هذا العرض لأوضاع المغرب والأندلس نرى أن المغرب الإسلامي كان يمر في حركة تغيير شاملة على أسس إسلامية، وعلى يد المرابطين، وتنبعث فيه حياة جديدة، وقوة وثّابة، كالحركة التي شهدها المشرق الإسلامي على يد السلاجقة. في حين كانت الأندلس الِإسلامية تشهد حركة عكسية، حركَة يتوالى فيها تمزّق المسلمين، وتتوالى الانتكاسات، وتسرّبت إلى زعـمائهم الروح الانهزامية أمام القوى النّصرانية الصّاعدة الحاقدة على الإسلام وأهله، والتي تجنّدها البابويّة من نصارى أسبانيا وأوربا.

وأمام فقدان المسلمـين في الأندلس قوتهم الذاتية تلمّسوا حولهم، فوجدوا القوى الإسلامية في العدوة الأخرى، فاندفعوا للعمل للاتصال بالأخوة، وخاصة بعد قمة الفاجعة الأندلسية- سقوط طليطلة بيد النصارى.

ثالثاًَ: سقوط طليطلة- زلزلة الأندلس الإِسلامية-:

كانت طليطلة من أجلّ المدن الإسلامية وأعظمها خطراً [31]، ومن- أكبر بلاد الأندلس وأحصنها[32]، حكمها من الطوائف بنو ذي النون الهواري، وأوّلهم الأمير إسماعيل عام 420هـ، ثم تملّك المأمون بعد أبيه عام 435هـ [33]، فعكف على اللذات والخلاعة، وصادر الرعيّة، وهادن العدوّ، فطمعت فيه الفرنجة بل في الأندلس، وأخذت عدّة حصون، وكان قد استعـان بهم على تملّك مدائن الأنـدلس، وغدر به ملكهم، وأخذه رهينة حتّى أعطاه ما طلب من الحصون، وقرّر عليه مالاً كلّ سنة، وعاد ذليلاً مخذولاً وذلك بما قدّمت يداه، إلى أن توفي عام 460هـ [34] مقتولاً بيد القاضي ابن جحّاف، فخلفه القادر بن يحي في الحكم [35] الـذي لجأ إلى بلاطـه الفونسـو السـادس، وأقـام فيه تسعة شهور، ولاقي الإكرام الزائد، والمجامـلات الكثـيرة إلى أن غادرها حاكـماً للنّصارى، بعد أن ارتبط ببني ذي النون بروابط الصداقة وأعطى العهود والمواثيق.

أصبـح شغـل الفونسو الشاّغل الاستيلاء على هذا البلد الذي آواه وأكرمه، وكان قد درس وسائل احتلالها أثناء لجوئه، بل وتذكر بعض الروايات أنه استمع ذات يوم وهو متظاهر بالنوم إلى حديث المأمون مع وزرائه في كيفية الدفاع عن طليطلة إذا هاجمها النصارى، وقد أجـاب بعضهم: أن النّصارى لا يستطيعـون الاستيلاء عليها وهي المدينة الحصينة إلا إذا أنفقـوا سبعـة أعـوام على الأقـلّ في تخريب أحـوازهـا وإنتساف قوتها [36]، وتمكن الفونسو من الإطلاع على عوراتها [37]. فأخذ بالإغارة على أراضيها وعاث فيها سفكاً وتخريباً، وانتسف مزارعها، بالاتفاق (يـاللأسف) مع ابن عباد أمير اشبيلية، وأعظم ملوك الطوائف، الذي تحالف معه وتعهّد بمعاونته بالجند والمرتزقة ضد جميع المسلمين مقابل ألاّ يتعرض لمشروعه في مهاجمة طليطلة، فضحّى المعتمـد بمعقـل الأنـدلس المسلمـة مقابل وعود خدّاعة، ودفع للادفونش الجزية [38]

استمـرّ الفونسو في غاراتـه على أراضي طليطلة دون أن يجد من يردعـه، وبعـد أن أنهكها تقدّم لحصارها، واستمرّ في حصارها سبع سنوات [39] وارتكب بها وبأهلها الأفاعيل وأُنـزلت الآثـامٍ،  وتمثّلت النزّعـة الصّليبيّـة واضحـة في هذا الحصار، فقـد ضمّت القوات النّصرانيّة جنوداً من جميع أسبانيا النّصرانية من قشتاله وليون وارغون، ومتطوعين نصارى من المغـامرين من فرنسـا وألمانيا وإنكلترا وغيرها من أوربا النصرانية [40]، تباركهم الكنيسة. في حين بقيت طليطلة المسلمـة وحيـدة تصـارع هذه القـوى، وأمراء الطـوائف جامـدون لا يتحـرّكـون، وكأن الأمـر لا يخصهم، بل ارتمى بعضهم كزعيمهم ابن عباد على اعتـاب الفونسو، وتغـافلوا عن الحقيقة: (إن النصارى لا يفرّقون بين طليطلة وغيرها من القواعد الإسـلامية) ولم يقم بواجب نجـدتها إلا المتوكّـل على اللّه عمر بن محمد بن الافطس أمير بطليوس الذي وقف مجاهداً عن الإسلام وأهله كوالده الذي كان قد دعا إلى وحدة الأندلس للوقـوف في وجـه النصـارى، وأنحى باللائمة على ابن عباد الذي مالأ الاذفونش، وبينّ أن سبب تكالب الأفرنج على بلاد المسلمين يكمن في ذنوبهم وتفرّقهمِ [41]، واستمرّ في جهاده إلى وفـاتـه سنـة 470هـ. فكـان ابنـه المتـوكل هذا لا يقلّ عنه جهاداً، وقد ثار أهل طليطلة عام 472 هـ ضد القادر وخلعوه لتعاونه معِ الاذفونش وخياناته، واستدعوا المتوكّل ليتولىّ أمرها، فقبـل مكـرهـاً، وأقـام عنـدهم نحواً من عشرة أشهر ليعود إلى بطليوس حين علم باستعانة القادر بالاذفونش وتقدّمهما نحو طليطلة [42].

يئس أهـل طليطلة من نجـدات المسلمـين، ففـاوضوا الاذفونش من أجل التّسليم، وكـالعـادة أعطى لأهلهـا الأمان لضمان حرّيّاتهم، واحترام شعائر دينهم، وحقوقهم، وحرمة مساجدهم، وكعادته أيضاً نقـض هذه العهود بعد شهرين فقط، وحوّل مسجدها الجامع إلى كنيسـة، وحطّم المحـراب ليقـام الهيكـل مكـانـه [43] ،وارتكب بأهلها الأفـاعيـل وأنزل بها الآثام [44] ،تباركه الكنيسة في ذلك، واتّخذها عاصمة لأسبانيا النّصرانيّة. وكان سقوطها في منتصف المحرم سنة 478هـ[45].

 

وأسفر سقوط طليطلة عن نتائج هامة:

فقد اشتدّ طمع النّصارى في بلاد الأندلس الإسلامية، فشنّ الأذفونش الغارات على جميـع الأنـدلس المسلمـة، وفـاز باستخـلاص جميع أقطار ابن ذي النون واستئصالها، وذلك ثمانـون منبراً، سوى البُنيّات والقرى المعمورات، وحـاز من وادي الحجارة إلى طلبيرة، وفحص اللجّ، وأعـمال شنـزيـة كلّها، وتسمّى (بالإمبراطور) أو (الإمبراطور ذي الملتين الإسلاميـة والنّصـرانية). وطمع في ملوك الطوائف، وعاملهم معاملة الأتباع الأذلاّء [46]، وتصوّر أنهم غدوا كافّة رهن إشارته، وطوع بنانه، وانّه سيقضي عليهم الواحد بعد الآخر، ورفض جزيتهم وردّها كـما فعل مع ابن عباد، ووصفهم بالحمقى الذين تلقبوا بأسماء الخليفة وهم لا يملكون لأنفسهم ضرّاَ ولا نفعاً [47]

وتسلل اليأس إلى نفـوس المسلمين من ملوك الطوائف، وغـدت الأصوات اليائسة ترتفع، وفي ذلك يقول عبد اللّه بن فرج اليحصبي المشهور بابن العسّال أو غيره [48]:

فـما   المـقـام   بها إلا  من  الـغـلط

يا  أهـل  أنـدلس  حثّـوا  مطـيّكـم

ثوب  الجـزيرة  منسـولاً   من  الوسـط

الثّـوب ينسـل من أطـرافـه وأرى

كيف   الحيـاة  مع  الحيّـات  في سفـط

ونـحـن بين عدوّ لا يفـارقـنـا

هذا وقد نُظّمت قصائد كثيرة في سقوط طليطلة وغيرها من المدن والحصون يظهر فيها الأسى والحزن.

وأدرك ملوك الطوائف عزلتهم عن أمّتهم، وأنّ النّصارى لا يفرّقون بينهم في المعاملة، وينظـرون إليهم نظرتهم الحاقدة إلى المسلمين تحثّهم على ذلك الكنيسة بروحها الصّليبية، فتنادوا للّقاء، وتداعوا للوحدة استجابة أو مسايرة للرأي العام المسلم.

رابعاً: دور العلماء في الدّعوة إلى الوحدة في الأندلس:

للعلماء المسلمين دور كبير في جميع عهود التاريخ الإسلامي، في الدّعوة إلى لمّ الشمل والـوحـدة، وإلى الجهاد. فمنـذ سقوط الدولة العامرية في الأندلس وتفرّقها إلى طوائف، ارتفعت أصوات العلماء بالدّعوة إلى الوحدة، إدراكاً منهم للخطر الذي يتهدّد المسلمين من النّصارى، ومن العلماء الذين قاموا بجهود في هذا المجال:

ابن عبد البر: (أبو عمر يوسف بن عبد اللّه النّمري) علامة الأندلس والمغرب الكبير (ت عام 463 هـ) عن عمر ناهـز الخـامسـة والتسعين، فقد جلا عن وطنه قرطبة وتجوّل في أنحاء الأندلس فسكن دانية، وبلنسية، وشاطبة وبها توفي. وولي قضاء الأشبونة، وشنترين في مدّة المظفّر بن الأفطس، وكان خلال تنقّله وتدريسه يدعو إلى نبذ التفرّق ولمّ الشّمل [49].

 

وابن حيـان: (أبو مروان حيان بن خلف الأموي مولاهم) [50]، الـذي علّق على أحـداث الأندلس، وبشكل خاص نكبة بربشتر عام 456هـ، وعلّل أسبابها، وأنحى باللائمة على النّاس والحكّام بما ارتكبوا في جنب اللّه من ذنوب إهمالهم، بتقصيرهم في الأخذ بالشريعة، وتهاونهم في تنفيذ أوامرها، مما جرّهم إلى حالة الفرقة وأذهبت قوّتهم فقد "أركستهم الذنوب، ووصمتهم العيوب، فليسوا في سبيل الرشد بأتقياء، ولا على معاني الغيّ بأقوياء، نشء من النّاس هامل، يعلّلون نفوسهم، من أوّل الدّلائل على فرط جهلهم بشأنهم وإغزارهم بزمانهم، وبعادهم عن طاعة خالقهم، ورفضهم وصيّة رسوله نبيّهم عليه الصلاة والسلام، وهووهم عن النّظر في عاقبة أمرهم، وغفلتهم عن سدّ ثغرهم، حتى لظلّ عدوّهم السّاعي لإطفاء نورهم، يتبجّح عراض ديارهم، ويستقري بسائط بقاعهم، يقطع كل يوم طرفاً منهم وسرامة، ومن لدينا وحوالينا من أهل كلمتنا صموت عن ذكرهم، لهات عن لبهمّ، ما أن يسمع عندنا في مسجد من مساجدنا، ومحفل من محافلنا، مذكّر بهم أو داع لهم، فضلاً عن نافـر إليهم أو مواس لهم، حتى كأن ليسوا منّا، وكأن فتقهم ليس بمفض إلينا، قد بخلنا عليهم بالـدّعـاء بخلنا بالفنـاء، عجـائب مغربة فاتت التّقدير، وعرضت للتّغيير، وللّه عاقبة الأمور واليه المصير".

وقـد أوقـع ابن حيّان نصيبـاً كبيراً لهذه الأحوال على أمراء السوء في دول الطّوائف، الذين انحرفوا عن نهج الإسلام، ملوّماً الناس لركونهم إلى أمثال هؤلاء الأمراء.

وأبو الوليد الباجي: (سليمان بن خلف التجيبي القرطبي (403-474 هـ) الذي جاب أقطار المشـرق الإسلامي، فجـاور بمكـة ثلاثـة أعـوام، ورحـل إلى بغداد ودمشق والموصـل، واستغـرقت رحلته ثلاثـة عشر عاماً، عاد بعدها إلى وطنه فولي المضاء لأماكن متعدّدة، وصنّف التّصانيف الكثيرة [51]، ودعا إلى الوحدة من تلقاء نفسه أوّلاً، ثم نشط أكثر بعد حادثة بربشتر عام 456 هـ تلك التي نبهت غيارى المسلمين إلى الخطر الكامن وراء هذه الأحـداث المؤلمة، ثم عمـه المتوكّل بن الأفطس، وشدّ من عضده، بل كلّفه أو وجّهه إلى الجهاد، فأخذت دعوته طريقها الرسمي بذلك.

وابن حزم: (أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد) الوزير الظاهري[52]، الذي تجوّل في الأنـدلس، داعيـاً إلى الـوحـدة، ووجّـه النّقد اللاّذع لملوك الطوائف وبين استهتارهم، وما أورثوا الأمة من الوهن والانحدار، ودعا إلى الجهاد، ومن جيد شعره في ذلك:

وأنـشـرهـا   في   كلّ   بادٍ   وحـاضـر

مناي   من  الـدنـيـا    علوم     أبـثّهـا

تنـاسى   رجال    ذكـرهـا  في  المحـاضـر

دعـاء   إلـى  الـقـرآن  والسّـنـن  التي

إذا     هَيْـعـة    ثارت     فأوّل        نافـر

والـزم   أطـراف   الـثّـغـور   مجاهـداًَ

بسمـر   العـوالي   والـرّقـاق   البـواتـر

لألـقى  حمامـي   مقبـلاً    غير     مدبـر

وأكـرم   موت  للفـتـى  قتـل    كافـر

كفـاحـا ًَ  مع   الكفّار  في حومـة  الـوغى

ولا تجعـلنيّ   من    قطـين      المـقـابـر

فيـا   ربّ   لا   تجعـل  حمامي  بغـيرهـا

وهناك كثير من العلماء قاموا بدورهم في هذا المجال مثل: حاتم بن محمد الطرابلسي القرطبي المحـدّث (ت عام 469 هـ)[53]. وأبو العباس المعذري أحمد بن عمر بن أنس بن دلهات الأنـدلسي المـدلائي [54]. وأبـو عبد اللّه الحميدي محمد بن أبي نصر الميورقي [55]. وأبو المعالي إدريس بن يحي الأشبيلي [56]. والفقيه أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد قاضى الجماعة بقرطبة [57]، وعبد اللّه بن غالب المالكي مفتى أهل سبتة [58]. وأبو القاسم المهلب بن أحمد الأسـدي الأنـدلسي قاضي المريـة [59]. ومكي بن أبي طالب القيسي [60]. ومحمد بن عبد اللّه المعـافـري محدّث قرطبـة [61]. وعثـمان بن سعيـد القرطبي الصيرفي [62]. وعبد اللّه بن الوليد الأنصاري الأنـدلسي [63]. وابن العـربي أبـو محمـد عبـد اللّه الأشبيـلي والـد القاضي أبي بكر [64].

والطلاعي أبو عبد الأحد بن الفرج القرطبي المالكي مفتي الأندلسي ومحدّثها [65]. وحكم بن محمـد أبو العاص الجـذامي القرطبي مسند الأندلس [66]. والقاسم بن محمد بن هشـام الرعيني السبتي المالكي [67]. وأحمد بن سليمان الباجي [68]. وأبو بكر محمد بن أحمد من أهلَ قرطبة الذي تطوّع محاولاً إزالة الخلافات بين ملوك الطّوائف، وسعى بجمع كلمتهم، وكان من بيت وزارة وجلالة [69]. كما اشترك في ذلك أبو الفتح نصر بن الحسنِ الترني الشاشي التنكتي من علماء المشرق (وتنكت من أعمال الشاش) وقد جاب البلاد محدّثاًَ وتاجراً، وسمع في مصر والشام والأندلس وتوفي سنة 486 هـ [70].

وقد أسفرت جهود العلماء عن تكوين رأي عام لدى المسلمين في الأندلس، يطلب الوحدة، ويلحّ عليها، فاستجاب ملوك وأمراء الطوائف لهذا الِإلحاح وعلى رأسهم المعتمد ابن عبـاد الـذي كان يملك أكثر البلاد الإسلامية الأندلسية، والذي كان يؤدي الضريبة لألفونسو السادس، وكان قد أرسلها كعادته، فردّها عليه الفونسو وأرسل إليه يتهدده ويتوعّده السير إلى مدينة قرطبة وامتلاكها إلا أن يسلّم إليه جميع الحصون التي في الجبل ويبقى السهل للمسلمين [71]. فأسقط في يد المعتمـد كما أسقـط بيد أمراء الطوائف، فاجتمعوا وتشاوروا، ولكنّهم أدركـوا أن الأنـدلس الإسـلامية بأوضاعها المنحلّة، وإغراق أهلها في النّعيم، ليست لديها القدرة على التصدّي للهجَمة الصّليبية القويّة، فبرزت فكرة الاستغاثة بالمرابطين لدى المعتمد الذي قال لابنه: "إن إخواننا وجيراننا ملوك الأندلس، ليس فيهم نفع، ولا يرجى منهم نصرة، ولا حيلة، إن نزل بنا مصاب أو نالنا عدوّ ثقيل، وهو اللّعين الأذفونش، وها هو قد رفع رأسه إلينا، وان نزل علينا بطليطلة ما يرفع عنّا حتى يأخذ اشبيلية" [72].

 

استنجاد الأندلس الإسلامية بالمرابطين:

كانت الظّـروف الأنـدلسيـة التي بيّنـاهـا الحـافز لطلب النجدة من مسلمي المغرب. فالفكـرة كانت عامـة على النّطـاق الشّعبي، قبل أن يتبنّاها أمراء الطوائف رسميّا، فقد كان يوسف ابن تاشفـن قد أتمّ وحدة المغرب عام 474 هـ تقريباً، ووفد صريخ أهل الأندلس على بلاط مراكش في العـام نفسـه، ووفـد إليـه جماعة، وشكـوا إليه ما حلّ بهم من عدوان النصارى، وطلبوا إليه النّجدة، والعون، فوعدهم بتحقيق أمنيتهم [73]، كما كانت سفارة أبي الـوليد الباجي إليه قبل هذا التاريخ لأن الباجي توفي عام 474 هـ كـما ذكرنا. وكاتبه المتوكل على اللّه بن الأفطس حاكم بطليـوس [74] وأمـام استمرار الصريح استعـدّ بقـواتـه ليجـوز الأندلس، فافتتح سبتة عام 477 هـ، وأخذ يعدّ العدّة وينشيء المراكب والسفن ليعبر فيها [75]. وينتظر الفرصة السّانحة.

وفي سبتة توالت الرسـل إليـه أكثر من ذي قبل، وازدادت أكثر بعد سقوط طليطلة، فكثرت رسـل الأنـدلس، مجهشين بالبكـاء، ناشـدين اللّه والإسلام، مستنجدين بفقهاء حضـرتـه ووزراء دولته، للحثّ على إنقاذهم مما هم فيه، وما يقتضيه واجبه الإسلامي نحو إخوانه. فكان يصغي لقولهم ويستمع إليهم، وترقّ نفسه لهم [76].

ثم تحوّل الأمر بعـد استئسـاد النّصـارى على المسلمين وزلزلة طليطلة، فأصبحت الـدّعوة للعبـور رسميّـة، فاتّفقت الأندلس كلّها على ذلك أمراؤها وفقهاؤها وعامّتها [77]. وكـان ملوك الطوائف يكـرهون إلمام يوسف بجزيرتهم [78]ولكنّهم أمام ضغط النّصارى وتنكّر الفونسـو لهم، وخضـوعاً للرّأي العامّ الإسلاميّ، استغاثوا بأمير المسلمين، فَعُقِد اجتماع في قرطبة حضره الزعماء والفقهاء وكثير من اَلنّاس، وعلى رأسهم المعتمد بن عباد، اتّخذ فيه قرار المـوافقـة على استـدعاء المرابطين للنّصرة، ثم دعا المعتمد غيره من ملوك الطوائف إلى هذا الأمر، واجتمعـوا بالفعـل لاتّخاذ ترتيبات عبور وفد إلى العدوة ودعوة الأمير يوسف، وكتبت رسالـة بهذا الشأن وقّعها أمراء الأندلس، وأُرسلت من الأنـدلس مع سفارة خاصّة وتحت إشراف ابن عبّاد، وحملت السفارة التّحف الثّمينة والوعود المغرية للاستغاثة [79] مع الرّسالة. وقد ضمّ الوفد: عبيد اللّه بن أدهم قاضي قرطبة، وكان أعقل أهل زمانه، ووزير المعتمد أبا بكـر بن زيـدون، وقاضي المتوكل على اللّه عمر بن الأفطس أمير بطليوس، وقاضي عبد الله ابن حبـوس بن ماكسن الصنهاجي صاحب غرنـاطة [80]. والتقى الوفـد بأمير المسلمين في سبتة، فلبىّ النّداء وقال: "أنا أوّل منتدب لنصرة هذا الدين، ولا يتولى هذا الأمر أحد إلا بنفسي" [81].

وكانت هناك دعوة للاستنجاد بعرب إفريقيا (بني هلال) [82]، واستُبْعِد هذا الرّأي، كـما ارتفعت بعض الأصـوات تعـارض الرّأي العـامّ في الاستنجاد بالمرابطين تزعّمها عبد اللّه ابن سكـوت والي مالقـة، الـذي حذّر أمراء الأندلس من المغاربة خوفاً من استئثارهم بالأندلس أرض الخـيرات، وقـد اشتهر ابن سكوت بمواقفه المشبوهة، ولعلّه هو المدبّر للحركة المضادّة لدخـول المرابطين، التّي اتخذت اتِّجاهاًَ خطيراً فيما بعد، وجعلت أمير المسلمين يتشكّك في نوايا أمراء الأندلس[83]. وحذّر أبو الحسن عبيد اللّه (ولي عهد المعتمد) والده مغبّة الاستنجاد بالمرابطين، وقال له: "يا أبت تُدخِل علينا في أندلسنا من يسلبنا ملكنا، ويبدّد شملنا" [84]. ولكن المعتمد المدرك أبعـاد القضية أجـابـه: "أي بني واللّه لا يسمـع عني أبداً أني أعدت الأنـدلس دار كفر، ولا تركتها للنّصـارى، فتقوم عليّ اللعنة في منابر الإسلام مثل ما قامت على غيري". وقـال قولتـه التي سارت مثـلاً: "رعي الجـمال خـير من رعَي الخنازير" أي أن كونـه مأكـولاً لابن تاشفـين أسيراً يرعى جماله في الصّحراء، خـير من كونه ممزّقاً لابن فردلند أسيراً يرعى خنازيره في قشتاله [85].

ولما فشا في الأندلس عزيمة الاستنجاد بيوسف والاستظهار به، استبشر النّاس وفرحوا بذلك وفتحت لهم أبواب الأمل [86]، وعمّ المسلمين الفرح.

 

ا لشورى:

جمع يوسف بن تاشفـن مجلس شوراه من الفقهاء والأعيان والقادة، واستشارهم في نجدة الأندلس، فأشار عليه كاتبه عبد الرحمن بن أسبط من أهل المريّة، وأوضح له أن معظم أراضي الجـزيـرة في يد النّصارى، والجزيرة ذاتها وعرة البسـائط، تعترضها جبال صعبة المسالك، وهي شبيهة بسجن، يندر على الداخلين إليه الخروج منه.. وقال: "فإذا انتصر عليك الأعداء، فقد يقطع عليك طريق العودة بأيسر أمر". وأضاف: "فنصيحتي أن تُخْطِرَ أمير اشبيليـة بأنك لا تستطيع العبور قبل إخلاء حصن الجزيرة، وبذلك تملك موقعاً أمينْاً، تشغله حامية مخلصـة، وتبقى في كلِّ وقت على اتّصال دائم بإفريقية" [87]. وهذا دليل على الشـكّ في نيّـة أمراء الطّوائف، فقد عرف عنهم الغدر وعدم التقيّد بالعهود، فاشترط الأمير يوسف تسليم ثغـر الجـزيـرة لضمان سلامة طريقه في الذّهاب وحماية ظهره في الإياب، فوافق المعتمد على ذلك.

 

الإِعـداد للجهاد:

كان ابن تاشفين على استعـداد للعبـور إلى الأندلس قبل استنجاد ملوك الطّوائف، فجـاء الفرصة السّانحة، فاستنفر قواته للجهاد، فاجتمع له نحو من سبعة آلاف فارس، في عدد كثير من الرّجل[88]، وأقبل من بقي من جنده في مدينة مراكش حتى تكامل العدد، وكان قد أعدّ أسطولاً يتألف من مائة سفينة وعدداً من المراكب ليعبر فيها [89].

وبلغ الأذفـونش (الفـونسـو السـادس) استعـدادات ابن تاشفـن واعتزامه المجـاز للأندلس، فأراد أن يجسّ النّبض، فكتب إليه يستحثّه على سرعة القدوم، وأغار علىِ البلاد في تظاهرة عسكرية جرّارة حتى وصل ساحل البحر عند الجزيرة، وكتب من هناك كتاباًَ، كتبه له بعض غواة أدبـاء المسلمين يغلظ له في القـول، ويصف ما معـه من القـوة والعَدَد والعُدَد وبالغِ في ذلك. فلما وصل الكتاب وقرأه يوسف أمر كاتبه أبا بكر بن القصيرة أن يجيبه، وكان كاتبا مفلقاً، فكتب وأجاد، فلما قرأه على أمـير المسلمين. قال: "هذا كتاب طويل، احضر كتاب الأذفـونش واكتب في ظهره: "الـذي سيكـون ستراه" [90]، والسلام على من اتبـع هدى، وأردف الكاتب بيت أبي الطيب (المتنبي):

ولا         رسل      إلا    الخميس    العرمرم

ولا كتـب إلا المـشـرفـيـة والقـنـا

فلما وقف الأذفونش على الكتاب، ارتاع له و أنه بلي برجل لا طاقة له به [91].

 

عبـور المجاهدين:

عبرت الجيوش الإسلامية المجاز (مضيق جبل طارق) بقصد الجهاد سنة 479 هـ[92]، من سبتة إلى الجزيرة الخضراء تباعاًَ: فكان أوّلها قوةّ من الفرسان بقيادة داود بن عائشة، وآخـرها موكب أمـير المسلمـين يوسف بن تاشفـين، يوم الخميس منتصف ربيع الأول عام 479 هـ/30 حزيران 1086 م [93].

وُيـذكـر أنّه خلال العبور هبّت ريح عاصف أثارت أمواجاً عالية، فرفع الأمير يوسف يديه إلى السّماء يدعو اللّه عز ّوجل:

"اللهم إن كنت تعلم أنّ في جوازنـا هذا خيراً وصلاحـاً للمسلمين فسهّل علينا جواز هذا البحـر، وإن كان غير ذلـك فصعّبـه حتى لا أجوزه". واستجاب اللّه دعاءه، "فسهّل له المركب، وقرّب المطلب" [94]. وما كاد يطأ بقدميه أرض الأندلس حتى سجد للّه شكراً. وتلقّاه المعتمـد بن عبّاد في وجـوه من دولته، وقدّم إليه الهدايا والتّحف، وتسلّم الأمير قلعة الجزيرة الخضراء باحتفال حضره القضاة والفرسان والمعتمد، كـما تسلّم عدّة قلاع وحصون أخرى، قام بإصلاحهـا، وأعـاد تحصينها، أتمّ تحصين، ونظمها حسب رأيه وإستراتيجيته الخاصة، ورتب لها حاميـة مختارة من جنـده لتسهر ِعليهـا، وشحنها بمقـاديـر عظيمة من الأقوات، والذخائر، والمؤن، لكي تغدو ملاذاً أميناَ، يلتجيء إليه، إذا منيت الحملة بالفشل [95].

 وفشا خبر عبور الأندلس فقوبل بالترحيب وانتعاش الآمال من قِبَل جميع المسلمين في الأنـدلس، وتحـرّكـت في نفـوسهم روح الجهاد فتوافد إليه المتطوّعة من كلّ مكان، كـما جاءته الوفود مرحّبة.

 

خط سير القوات الإِسلامية إلى الزلاقة:

تحرّك يوسف بالجيش الِإسلامي من الجـزيـرة الخضـراء باتّجـاه الشّـمال الشّـرقي إلى اشبيلية، ولما وصلها نزل بظاهرها، وطلب إليه المعتمد أن يدخل حاضرة ملكه ليستريح فيها أياماً من وعثاء السفر، ومشقّة الطريق، قبل أن يلتقي بعدوه. فأبى يوسف الدّخول وقال:

"إنّما جئت ناوياً جهاد العدو، فحيثما كان العدوّ توجّهت، هلّم (إلى ما جئنا له من الجهاد)"[96].

وأقام بظاهر أشبيلية ثمانية أيام، نظم فيها أموره، فتمّ التخلّص من كلّ ما لا حاجة إليه في ساحـة المعـركة، وتمّت دراسة الجوّ، والأوضاع والنفوس، وتمّ التئام جيوش المسلمين وأمـراء الأنـدلس التي تقرّر أن تشارك في المعركـة المنتَظَـرة، وكـانت قد سَرَت في مسلمي الأنـدلس قبل ذلك وخـلالـه روح جديـدة، ذكرّتهم بأيام النّصر التّي سمعوا عنها الكثير، فشارك أمراء الطّوائف بقواتهم، وأعدّوا ما يمكن للمشاركة في البذل والتّضحية. (ولم يبقَ من ملوك الطوائف إلا من بادر أو أعان أو خرج، أو أخرج) [97]. فانضمّ المعتمد بقواته، وبعض قوات بعثها ابن صمادح صاحب المريّـة الـذي اعتذر عن عدم استطاعته الشّخوص بنفسه بسبب العـدوّ الملاصق له بحصن لييط، من عمل لورقه، واعتذر بكبر السن مع الضعف. وساهم عبـد اللّه بن بلكـين صاحب غرنـاطة وأخـوه تميم صاحب مالقة، وابن ذي النون، وانضمّ المتـوكـل بن الأفطس وكـان أشـدّهم حماساً، وقصـدتـه المتطوّعـة من سائـر بلاد الأنـدلس [98]. وكـان يوسف خلال هذه الأيام صائم النّهار، وقائم اللّيل، في تهجّد، وتلاوة لآيات كتاب اللّه الكـريم، وقـد أكثر من الصّدقـات، وأعـمال البر، فتملّك نفوس أهل الأنـدلس، وكسب قلوب جنده بالنّصفة، وإيثار الحقّ، وإنشاء العدل. ووصله أثناء ذلك خبر موت ابنه أبي بكـر، (فحـيرّه حتى لهمّ بالانصراف عن وجهه. ثم آثر الجهاد، وانفذ مزدَلي (أحد قادته المشاهير) إلى مرّاكش) [99] للقيام بتنظيم الأمور هناك.

وقـام يوسف بتنظيم الجيش للتّحـرّك من ظاهر أشبيليـة، فجعـل القـوات الأندلسية لوحـدها في المقدمة بقيادة المعتمد بن عباد، لمعرفتها التّامّة بأرض الأندلس، في حين جعل الجيوش المرابطيّة في المؤخرّة، ثمّ أمر بالتّحرّك إلى بطليوس، فتلقّاهم المتوكلّ عمر بن محمد الأفطس بـما يجب من الضّيافـات والأقوات وبذل المجهود [100]. فأقام الجيش هناك ثلاثة أيام للرِاحة في طرطوشة بالقرب من بطليوس [101].

p(187)

علم أمـير المسلمين بتقدّم الجيوش الصّليبية، فأمر الجيش الإسلامي بالتّحرّك، إلى مكان مناسب، اختاره مع القادة ليكون موقع المعركة الفاصلة، وهذا المكان موضع سهليّ من عمل بطليـوس وأحـوازها على مسـافـة 12 كـم شمالها الشرقي، في العدوة الشمالية للوادي اليانـع، وبينـه وبين نهر تاجـه، تتخلله الأحراش، ويقع على حدود البرتغال الحاليّة [102]، ويسميه المسلمون (الزلاقة)[103]، ويسميه الأوروبيون (ساكر الياس) [104].

وفي هذا المكـان وضـع أمـير المسلمين ترتيباً جديـداً للجيش الإسلامي استعـداداً للمعركة الفاصلة، فجعل الفرسان المرابطين وعددهم عشرة آلاف في طَليعة الجيش، بقيادة أبي سليمان داود بن عائشة أشهر قادته الكبار، وذلك ليتلقّوا الصدمة الصليبية الأولى.