طباعة

 توثيق النص

 

 

 

رسائل لم يحملها البريد

للشيخ عبد الرءوف اللبدي

أستاذ مساعد بكلية الشريعة

أختي العزيزة: (هل):

سوف أحـدثـك في هذه الرسـالـة السـادسة عشرة عن همزة الاستفهام الداخلة على الفعل الماضي (رأى):

لقـد وردت في القـرآن الكـريم على أربعـة أسـاليب: أسلوب {أَرَأَيْتَ}وأسلوب {أَرَأَيْتَكَ}، وأسلوب {أَرَأَيْتُمْ}، وأسلوب {أَرَأَيْتَكُمْ}.

وقد ذهب سيبويه[1] وجماعة من النحاة إلى أن أ رأيت في أساليبها المختلفة إذا جاءت بمعنى أخبرني كانت علميـة تنصب مفعولين: المفعول الأول ملتزم فيه النصب، ولا يجوز فيه الرفع على اعتبار تعليق  أرأيت، لأن أرأيت بمعنى أخبرني، وأخبرني لا تعلّق، فكذلك ما كان بمعناها، أما المفعول الثاني فجملة استفهامية.

وتفسير (أرأيت) بمعنى أخبرني تفسير معنى لا تفسير إعراب، لأن أخبرني تتعدى بعن فتقول أخبرني عن زيد، أما أرأيت فتتعدى بنفسها إلى مفعوله به صريح، وإلى جملة استفهامية هي في موضع المفعول الثاني.

وقد اعترض على سيبويه كثير من النحاة وخالفوه وقالوا كثيرا ما تعلق (أرأيت)، وفي القرآن الكريم كثير منه، كقوله تعالى: {قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} (الآية40) الأنعام.

وذهب أبو الحسن الأخفش[2] إلى أن {أَرَأَيْتَ} قد تخرج عن معنى أخبرني في بعض أساليبها، فتكـون بمعنى أَمّـا، أو تنبّه، ولا تنصب مفعولا به ولا مفعولـين، ومن ذلك قوله تعالى: {قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوت} (الآية63) الكهف. فأرأيت هنا (على رأي أبي الحسن) بمعنى أمّا أو تنبِّه.

وسـوف ألتزم في حديثي عن (أرأيت) في أسـاليبها المختلفة مذهب سيبويه، فأفسرها بمعنى أخبرني وأعربها على أنها علمية تنصب مفعولين: الأول منصوب، والثاني جملة استفهامية، وإذا لم يذكر أحدهما في الكلام أو لم يذكرا معا قدّرت ما لم يذكر.

والآن أبدأ، وأنا أسأل اللّه تعالى العون والتوفيق- بالحديث عن أسلوب (أرأيتم) لأنه أكثر ورودا، فقد ورد في إحدى وعشرين آية من آيات القرآن الكريم:

الآية الأولى: قولـه تعـالى: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُمْ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآياتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُون} (الآية 46) من سورة الأنعام.

في هذه الآية الكريمة يأمر اللّه سبحانه وتعالى رسوله محمدا  صلى الله عليه وسلم أن يقول للمشركين ما يتضمن:

أخبروني أيهـا المشـركـون إن ذهب اللّه بسمعكم فأصمّكم، وذهب بأبصـاركم فأعـماكم، وختم على قلوبكم فأماتها,  فصرتم لا تفقهون حجة، ولا تفهمون حديثا، أيّ إله غير اللّه يستطيع أن يردّ إليكم ما أخذه اللّه منكـم.

ما أعجب أمرهم يا محمـد!! نتابـع عليهم الحجـج الكثـيرة، ونضرب لهم الأمثال والعبر المختلفة، ولكنهم مع هذا كله يعرضون عن الاعتبار والادّكار والإِنابة إلى اللّه.

هذا، و {أَرَأَيْتُمْ} هنـا بمعنى أخـبروني، والمستخـبر عنـه هو السمـع والأبصار والقلوب، ومتعلق الاستخبار ومناطه الجملة الاستفهامية:{مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ}.

 وتقدير الكلام: أخبروني أيها المشركون عن سمعكم وأبصاركـم وقلوبكم مَن إله غير اللّه يأتيكم بها إن أخذها اللّه منكـم.

أمـا إعراب {أَرَأَيْتُمْ} شهي علمية تنصب مفعولين: الأولى محذوف، وتقديره: أرأيتم سمعكـم وأبصـاركم وقلوبكم، وقـد تنازعه {أَرَأَيْتُمْ} و{أَخَذَ} تنازعـا سمعكم وأبصاركم وقلوبكم، فأعمل الثاني وحذف في الأول. أما المفعول الثاني فالجملة الاستفهامية: {مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ}، وأمـا جواب الشرط (إن أخـذ) فمحـذوف لدلالـة ما قبله عليـه، والتقـديـر: إن أخـذ اللّه سمعكم وأبصاركم وقلوبكم فأخبروني من يأتيكـم بها. أما إعراب{مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ} فـ{مَنْ} اسم استفهام في محل رفـع مبتدأ، و {إِلَهٌ} خبره، و{غَيْرُ اللَّهِ} صفة للخـبر، وجملة {يَأْتِيكُمْ بِهِ} في محل رفـع صفة ثانية للخبر، والضمير {بِهِ}  يعود على ما ذكر سابقا، وقد أُفرد وذُكِّر لأنه أجرى مجرى اسم الإشارة المفرد: (ذاك).

وقد جاء استفهام {أَرَأَيْتُمْ} هنا مفيدا التقريع والتوبيخ والتهديد، والتنبيه:

تقريـع المشـركـين وتـوبيخهم على عبادتهم الأصنام وعلى إعراضهم عن عبادة اللّه المنعم عليهم بالسمع والأبصار والأفئدة.

وتهديدهم بأن يأخذ اللّه منهم هذه النعم التي أنعم بها عليهم، أن يأخذها منهم جزاء كفرهم، ولن تستطيع أصنامهم أن تردّ عليهم هذه النعم، فالأخذ والعطاء بيد اللّه وحده.

وتنبيههم على أنه ليس هناك إله غير اللّه يقدر على أن ينعم عليهم بهذه النعم، وأن يأخذها منهم حـين يشاء، فالتعلق بغيره لا ينفع ولا يشفع.

الآية الثانية: قوله تعالى: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ بَيَاتاً أَوْ نَهَاراً مَاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ} (الآية 50) من سورة يونس.

في هذه الآية الكريمة يأمر الله سبحانه وتعالى رسوله محـمدا صلى الله عليه وسلم أن يقول للمشركين ما يتضمن:

أخـبروني أيهـا المشركـون الذين تستعجلون العذاب، أخبروني عن عذاب اللّه إن آتاكم ليـلا وأنتم نائمـون غافلون، أو نهارا وأنتم في طلب المعـاش مشغـولـون، أي شيء تستعجلون منـه أيها المجرمون وليس شيء من العذاب يستعجله عاقل؟! فالعذاب كله مرّ المـذاق مفـزع تنفر منـه الطبـاع، والمجـرمون أحق بأن يخافوا التعذيب على إجرامهم، وأن يهلكوا فزعا من ذكره ومن مجيئه وإن أبطأ عليهم، فكيف يستعجلونه؟!

و {أَرَأَيْتُمْ} هنـا بمعنى أخـبروني، والمستخـبر عنه عذاب اللّه، ومتعلق الاستخبـار ومناطه الجملة الاستفهامية: {مَاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ}.

أمـا الإِعراب فـ {أَرَأَيْتُمْ} علميـة تنصب مفعولين: الأول محذوف تقديره عذاب اللّه وقـد تنـازعـه {أَرَأَيْتُمْ} و(أتاكم): أرأيتم يطلبـه على أنه مفعول به، وأتاكم يطلبه على أنه فاعـل، فأعمل الثاني وحذف في الأول، والمفعول الثاني لأرأيتم هو الجملة الاستفهامية: {مَاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ} والرابط الذي ربطها بالمفعول الأول هو ضمير (منه)، و(بياتا) و(نهارا) منصوبان على الظرفية الزمانية متعلقان بأتاكم، وإعراب {مَاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ}: (ما) استفهامية في محل رفع مبتدأ، و(ذا) بمعنى الذي خبره، وجملة (يستعجل منه المجـرمـون) صلتـه، وقـد حذف الضمير العـائـد على الموصول؟ والتقدير: ما الذي يستعجله من العذاب المجرمون. ويجوز أن تكون (ماذا) كلمة واحدة وتكون في محل نصب مفعولا مقدما، ويكون التقدير: أيّ شيء من العذاب يستعجل المجرمون. وجواب الشرط {إِنْ أَتَاكُمْ} محذوف دلّ عليـه ما قبله وهو ْ {أَرَأَيْتُمْ} ومعمولها، والتقـديـر: إن أتـاكم عذابـه فأخبروني ماذا تستعجلون منه أيها المجرمون.

هذا، وقـال الزمخشري في تفسيره الكشاف[3]: "وجواب الشرط {إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ} محذوف، وهو تندموا على الاستعجال أو تعرفوا الخطأ فيه " اهـ. وقد ردّ أبو حيان في تفسيره البحـر المحيـط[4] قول الزمخشري هذا وقال:"وما قدّره الزمخشري غير سائغ، لأنه لا يُقدَّر الجواب إلا مما تقدمه لفظا أو تقديرا، تقول أنت ظالم إن فعلت، فالتقدير إن فعلت فأنت ظالم وكذلـك (أيَ مما تقـدمه تقديرا) {وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ} التقدير: إن شاء اللّه نهتد" اهـ. وقـال الزمخشـري أيضـا عند تفسـيره هذه الآية: "ويجوز أن يكـون {مَاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ} جوابـا للشـرط كقولك إن أتيتك ماذا تطعمني" اهـ. وقد ردّ أبو حيان هذا الراقي أيضا بقوله: "وأما تجويزه أن يكون ماذا جوابا للشرط فلا يصحّ، لأن جواب الشرط إذا كان استفهاما فلابد فيه من الفاء، والمثال الذي ذكره وهو إن أتيتك ماذا تطعمني، هو من تمثيله لا من والأم العرب"اهـ.

وقـد أفـاد استفهام {أَرَأَيْتُمْ} هنا تقريع المشركـين وتوبيخهم على استعجالهم العذاب مع أنهم قوم مجرمون، فهم أحقاء أن يخشوه وأن يفزعوا من ذكره، فكيف يستعجلونه. وأفاد أيضا تهديد المشركـين بأن اللّه تعالى قادر على أن ينزل بهم العذاب في أي وقت يشاء.

الآية الثالثة: قوله تعالى:{قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَاماً وَحَلالاً قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُون} (الآية 59) من سورة يونس.

في هذه الآية الكريمة يأمر اللّه سبحانه وتعالى رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم أن يقول للمشركـين ما يتضمن:

أخبروني أيهـا المشـركـون عـما خلق اللّه لكم من رزق فحـرّمتم بعضه على أنفسكم وحللتم بعضـه لها، آللّه أذن لكم أن تحرّمـوا ما حرّمتم من هذا الرزق، وأن تحلّلوا ما حلّلتم منه، أم لم يأذن اللّه لكـم فأنتم تكذبون على اللّه وتفترون.

و{أَرَأَيْتُمْ} هنـا بمعنى أخبروني، والمستخبر عنـه ما أنزل اللّه لكم من رزق فجعلتم بعضه حراما وبعضه حلالا، ومتعلق الاستخبار ومناطه الجملة الاستفهامية: {آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُون}.

أما إعراب {أَرَأَيْتُمْ} فهي علمية تنصب مفعولين: الأول اسم الموصول (ما) والجملة بعد (مـا) صلتها، والعائـد محذوف، والتقديـر: ما أنزلـه، والمفعـول الثاني الجملة الاستفهاميـة: {آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُون}، والرابط الذي ربط جملة المفعول الثاني بالأول محذوف، والتقدير: آلله أذن لكم فيه.

وجوّز الزمخشري في تفسيره الكشاف[5]، جوّز في (ما) الموصولة هذه وجها ثانيا وهو أن تكون استفهامية منصوبة المحل على أنها مفعول مقدم لأنزل، وهي حينئذ معلّقة لأرأيتم، والجملة في محل نصب سدّت مسدّ مفعولها.

وقال أبو حيان في تفسيره البحر المحيط[6] "والوجه الأول وهو أن تكونا (ما) موصولة أولى، لأن فيه إبقاء {أَرَأَيْتَ} على بابها من كونهـا تتعـدى إلى الأول فتؤثر فيه، بخلاف جعلها استفهامية، فإن   أرأيت إذ ذاك تكون معلّقة، وتكون (ما) قد سدّت مسدّ المفعولين" اهـ.

و {قُلْ} الثـانية توكيد لفظي للأولى، و(أم) الظاهر فيها أنها متصلة عطفت ما بعدها على ما قبلها، والتقدير: آلله أذن لكم فيه أم لم يأذن.

وجوّز الزمخشـري أن تكون منقطعة بمعنى بل أتفترون على اللّه، أي أنتم تفترون على اللّه.

وجملة{فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَاماً وَحَلالاً} معطوفة على جملة {أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْق} و{حَلالاً}مفعول ثان لجعلتم، والمفعول الأول هو {مِنْهُ} باعتبار معناه أي بعضه، والتقدير: فجعلتم بعضه حراما وجعلتم بعضه حلالا.

وقد جاء استفهام {أَرَأَيْتُمْ} هنا مفيدا تقريع المشركين وتوبيخهم على تحريمهم بعض ما رزقهم اللّه، وتحليلهم بعضا آخر، يفعلون ذلـك من عند أنفسهم، ثم ينسبون إلى اللّه كذبا وافتراء.

وقد أفاد الإنكار أيضا بمعنى لا ينبغي لكم أن تحرموا ما تحرمون وأن تحلّلوا ما تحلّلون كـذبا وافتراء على اللّه تعالى.

الآية الرابعة: في قولـه تعـالى:{وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ أَنْ لا تَعْبُدُوا إِلاَّ اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ فَقَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلاَّ بَشَراً مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلاَّ الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ  قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ}  الآيات (25- 28) من سورة هود.

تتضمن هذه الآيات الكريمة أن اللّه سبحانه وتعالى قد أرسل نوحا إلى قومه فقال لهم إني رسول اللّه إليكم أخوفكم من عذاب اللّه وعقابه، وأبيّن لكم أن لا تعبدوا إلا اللّه، وأن لا تشركوا به شيئا، وإني لأخشى عليكم أن يعذبكم اللّه عذابا أليما يوم القيامة إن لم تؤمنوا به وحده وتخلصوا له العبادة.

فقال الكـبراء والأشـراف الذين كفروا باللّه من قوم نوح وجحدوا أنه نبي مرسل: ما نراك يا نوح إلا بشرا آدميا مثلنا، فكيف أُوحي إليك من دوننا؟! وما نراك اتبعك إلا أراذلنا، ومـا كان اتبـاعهم لك عن تروٍّ وتدبر وإنعام نظـر، وإنـما كان رأيـا عارضا ابتدرهم أولا ما دعـوتهم، ثم ما نرى لكم بعـد أن تركتم عبادة الأوثـان وصرتم إلى عبادة اللّه، ما نرى لكـم فضالا علينـا يغرينا باتباعكم ويحبّب إلينا دينكم الجديد، وما نظنكـم إلا كاذبين فيما تدّعونه لأنفسكم من البر والصلاح والعبادة والسعادة في الآخرة التي تتحدثون عنها وتصفون.

وقـد ردّ نوح على قومـه ردّاً رفيقا ليّنا بعيدا عن الفظاظة والغلظة، فذلك أبعث على تخفيف ما في قلوبهم من حقـد وغـلّ وعداوة، وأدعى إلى ترقيق قلوبهم وحسن إصغـائهم وتخلّيهم عن التمادي في العناد والمكـابرة، قال: يا قوم أرأيتم إن كنت على بيّنـة من ربي وآتاني النبوة من عنده رحمة منه تعالى بي وبكم، أنلزمكم قبولها وأنتم لها كارهون؟! لا، لا نفعل ذلك، بل نكل أمركم إلى اللّه عز وجل يقضى فيكم بـما يشاء، إنه الهادي إلى سواء السبيل.

هـذا، و{أَرَأَيْتُمْ} هنا بمعنى أخبروني والمستخبر عنه هو البيّنة، ومتعلق الاستخبار ومناطه الجملة الاستفهامية، والتقدير: أخبروني عن البينة من ربي إن كنت عليها أنلزمكم قبولها وأنتم لها كارهون.

أمـا إعراب{أَرَأَيْتُمْ} فهي علميـة تنصب مفعـولين: وقد تنازع {أَرَأَيْتُمْ} وفعل الشرط {كُنْتُ}، تنازعـا {بَيِّنَةٍ} فأرأيتم يطلبهـا منصـوبة على أنها مفعول به، وفعل الشرط يطلبها مجرورة بعلى، فأعمل الثاني وحذف في الأول، والجملة الاستفهامية:{أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ} هي المفعول الثاني لأرأيتم، وجواب (إِنْ) الشرطية محذوف دلّ عليه وأغنى عنه أرأيتم ومفعولها، والتقـدير: إن كنت على بيّنة من ربي وآتاني رحمة من عنده فأخبر وني عنها أنلزمكموها وأنتم لها كارهون.

وإعراب {أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ}: الهمزة حرف استفهام، ونُلزم مضارع ألزم وهو متعد إلى مفعولين: الأول ضمير المخاطبين (كمو)، والثاني الضمير (ها) العائد على البيّنـة، وجملة {وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ} في محل نصب على الحـال من ضمير المخـاطبين (كمو)، والجملة الاستفهامية كلها سبق القول إنها المفعول الثاني لأرأيتم.

وقد جاء استفهام {أَرَأَيْتُمْ} هنا مفيدا التنبيه: تنبيه نوح قومه على أن النبوة التي آتاه اللّه تعالى إياها رحمـة به وبهم لا يُلزمهم قبـولها ولا يُكرههم على الإيمان بها، وإنـما عليه أن يبلغها إليهم، واللّه تعالى وحده هو الذي يتولى حسابهم وهو الهادي إلى سبيل الرشاد.

الآية لخامسة: في قوله تعالى: {وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحاً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ قَالُوا يَا صَالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوّاً قَبْلَ هَذَا أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ  قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِير} الآيات: (61-63) من سورة هود.

تتضمن هذه الآيات الكـريمـة أن اللّه سبحـانه وتعالى أرسل النبيّ صالحا إلى قومه ثمـود فقال لهم: يا قوم اعبدوا اللّه وحده لا شريك له، وليس هناك من إله يستحق العبادة غيره، فهـو الذي خلقكم من الأرض وجعلكم قادرين على عمارتها، فاطلبوا منه تعالى أن يغفـر لكم ذنوبكم بالإِيـمان به وإخلاص العبادة له، واتباع ما أرسلت به إليكم، ثم اطلبوا منـه أن يتـوب عليكم بترك ما يكـرهـه من الأعـمال إلى ما يرضـاه ويحبـه، إن اللّه قريب ممن أخلص له العبادة ورغب إليه في التوبة، مجيب له إذا دعاه.

فقالت ثمود لصالح: يا صالح لقد كنا نرجو أن تكون فينا مقدَّماً مسوَّداً قبل أن تقول لنا: ما لكم من إله غيره، أما بعد هذا فلا، أتنهانا أن نعبد الآلهة التي كان آباؤنا يعبدونها من قبل؟!

ولكن صالحا ردَّ على قومه ردًّا ليّنا بعيدا عن الفظاظة والغلظة، دون أن يستفزّه ما في جوابهم من جفوة وتكذيب:

قال يا قوم أرأيتم إن كنت على بيّنـة من ربي وآتاني منـه النبـوة، فمن ذا الذي يدفع عنى عقابـه إن أنـا عصيته فلم أبلغكموها واتبعتكم فيما تدعونني إليه من الكفر، إنكم لا تزيدونني حين أتباعكم إلا خسرانا وضياعا لما أنعم اللّه عليّ من رحمته.

والتعبـير بحرف الشك (إِنْ) في قول صالح لقومه: {أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي} وفي قول نوح لقومه في الآية السابقة: {أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي} وفي قول شعيب لقومه في الآيـة التاليـة: {أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي}، تعبير هؤلاء الأنبياء بهذا الحرف (إِنْ) الذي كثيرا ما يستعمل في شك المتكلم في الفعـل الـواقع بعده، تعبير هؤلاء الأنبياء بهذا الحـرف في مخاطبتهم لأقـوامهم مع أنهم كانـوا على يقين من أنهم على بينة من ربهم، لأنهم كانوا يخاطبون قوما جاحـدين، ففيه رعاية لحسن المحاورة، واستنزال عن العناد والمكابرة، واستدراج لطيف لهؤلاء المشركـين لعلهم يذّكرون.

و{أَرَأَيْتُمْ} هنا بمعنى أخبروني، والمستخبر عنه هو البينة، ومتعلق الاستخبار ومناطه الجملة الاستفهامية: {فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ}، والتقدير: أخبروني عن البينة من ربي إن كنت عليها فمن ينصرني من اللّه إن عصيته فلم أبلغكموها وكتمتها عنكم.

أما إعراب {أَرَأَيْتُمْ} فهي علمية تنصب مفعولين: الأول هو البينة، على نحو ما مرّ في قول نوح لقومه: {أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي} في الآية الثامنة والعشرين من سورة هود. وأمـا المفعـول الثاني فهـو الجملة الاستفهامية: {أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي}والرابط الذي ربط المفعول الثاني بالأول مقدر، والتقدير: فمن ينصرني من اللّه إن عصيته بكتمانها.

وكـون الجملة الاستفهاميـة هذه هي المفعـول الثاني لـ {أَرَأَيْتُمْ} رأي نقله صاحب الفتوحات الإلهية[7]، وعلى هذا الرأي تكون الفاء الداخلة على الجملة الاستفهامية زائدة للتوكيـد، وَعلى هذا الرأي أيضا يكون جواب الشرط {إِنْ كُنْتُ}  محذوفاً دل عليه ما قبله، والتقدير: إن كنت على بينة من ربي وآتاني منه رحمة فأخبروني عنها من ينصرني من اللّه إن عصيته بكتمانها.

وقد ذهب أبو حيان في تفسيره البحر المحيط[8]إلى أن الجملة الاستفهامية: {فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ} واقعة في جواب الشرط، وليست هي المفعول الثاني لأرأيتم، وفى رأيه أن المفعول الثاني محذوف دل عليه هذه الجملة الاستفهامية وقدّره: أ أعصيه في ترك ما أنا عليه من البينة.

أما الـرأي القائل: إن الشرط والجملة الاستفهامية الواقعة في جوابه، يسدّان مسدَّ مفعولي {أَرَأَيْتُمْ}.

فقد ردّه أبو حيان، وقال: إن الشرط وجوابه لا يقعان ولا يسدّان مسدّ مفعولي {أَرَأَيْتُمْ}.

وذهب أبو الحسن الأخفش إلى أن {أَرَأَيْتَ} إذا جاء بعدها الشرط، وجاء بعد الشرط جملة استفهامية مقـترنـة بالفاء كـما في هذه الآيـة- تكـون حينئـذ بمعنى أمّا ولا يكون لها مفعولان ولا مفعول واحد.

وقد ردّ أبو حيان في تفسيره البحر المحيط هذا الرأي بأنه إخراج أرأيت عن مدلولها بالكلية.

الآية السادسة: في قوله تعالى:{وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ وَلا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلا تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ  قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ  قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقاً حَسَناً وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ}  الآيات: (84-88) من سورة هود.

تتضمن هذه الآيات الكريمة أن اللّه سبحانه وتعالى قد أرسل إلى قوم مدين أخاهم شعيبا فقال: يا قوم اعبدوا اللّه وحده لا شريك له وانبذوا عبادة الأصنام، فليس لكم من إله يستحق العبادة سوى اللّه. ولا تنقصوا الناس حقوقهم إذا كلتم لهم أو وزنتم، إني أراكـم في سعة من العيش وكثرة من المالي تغنيكم عن هذا التطفيف في المكيال والميزان.

وإني أخـاف عليكم من جراء عبادتكم الأصنـام وهـذا التطفيف أن ينـزل اللّه بكم عذاب يوم يحيط بكم من كل جانب فلا ينجو منه أحد.

ويا قوم أوفوا الكيل والميزان حقهما بالعدل والقسط، سواء أكان الكيل والوزن لكم أم عليكم، ولا تبخسوا الناس أشياءهم سواء أكانت هذه الأشياء مما يكال أو يوزن أو يذرع أو يعدّ أم كانت غير ذلك. ويا قوم لا تسعوا في الأرض مفسدين مصالح الآخرين. هذه البقية التي تبقى لكم من الكسب الحـلال- وإن قلّت- خير لكم من كثـير تبقـونـه لأنفسكم بالتطفيف، خير لكم عند اللّه ثوابا، وأحسن عقبى إن كنتم مؤمنين. ويا قوم ما أنا عليكم بحفيظ أحفظ عليكم أعمالكم وأجازيكم عليها، وإنما عليّ أن أبلغكم رسالة ربي وأن أنصح لكم بما يرضى اللّه، وقد فعلت وأعذرت حـين أنذرت.

فقال قوم شعيب: أصلاتـك يا شعيب تأمرك أن نترك ما يعبد آبـاؤنا من الأوثان والأصنام، وتأمرك أن لا نتصـرف في أمـوالنا كـما نشاء؟! إنك لأنت الحليم الذي لا يستفزه الغضب، وإنك لأنت الرشيد الذي لا يركبه الجهل والطيش!! وما كنّا لنتوقع أن تأمرنا بأن نخرج على دين آبائك وأجدادك، وتنهانا عما نهيت فلا نربح في تجاراتنا إلا القليل!!

فقال لهم شعيب: يا قوم أرأيتم إن كنت نبيًّا مرسلا من اللّه تعـالى إليكم لأدعوكم إلى عبادتـه تعالى وحـده وأنهاكم عن عبادة الأصنام، وأحذركم التطفيف وكسب أموال الناس بالباطل، ورزقني اللّه رزقا حلالا طيبا، أيحق لي بعد ذلك أن أكتم الرسالة وأن أترك تبليـغ ما أمرني ربي عز وجل أن أبلغكمـوه، وأن أضل ضلالكم فأعبد ما تعبدون وأكسب الحـرام كـما تكسبون، لا، لا يحق لي ذلـك، إني أخـاف اللّه رب العالمين، فما كنت لأنهاكـم عن أمر أركبـه وآتيـه، وما أريد فيما آمركم به وأنهاكم عنه إلا إصلاحكم وإصلاح أموركم ما استطعت إلى ذلـك سبيلا، وما توفيقي فيـما أحاول من هذا الِإصلاح إلا باللّه، فهو المعين على ذلك، وعلى اللّه أتوكل وإليه أنيب.

هـذا، و {أَرَأَيْتُمْ} بمعنى أخـبروني، والمستخـبر عنـه هو البينـة، ومتعلق الاستخبار ومناطه جملة استفهامية مقدرة، والتقدير: أخبروني عن البينة الواضحة والنبوة الصادقة التي آتانيها اللّه أيحق لي أن لا أبلغكموها وأن لا أعمل بمقتضاها؟!

أمـا إعراب {أَرَأَيْتُمْ} فهي علميـة تنصب مفعولين: المفعول الأول محذوف وهو البيّنة (وقد سبق بيان ذلك في الآية الثامنة والعشرين من سورة هود وهي الآية الرابعة من آيات هذه الرسالـة). والمفعـول الثـاني محذوف أيضـا وهو جملة استفهامية يدل عليها المعنى والسياق وتقديرها: أيحق لي أن أكتمها وأن لا أبلغكموها.

أما جواب الشرط {إِنْ كُنْتُ} فمحذوف، وقد دلّ عليه وأغنى عن ذكره ما تقدم عليه وهو أرأيتم ومعمولها والتقدير: إن كنت على بينة من ربي ورزقني منه رزقا حسنا فأخبروني أيحق لي أن أكتمها وأن لا أبلغكموها.

وقـد جاء استفهام {أَرَأَيْتُمْ} هنا مفيدا التنبيه: تنبيه شعيب قومه على أن النبوة التي آتاه اللّه إياها وأن الرسالة التي أمره اللّه بتبليغها بأن يدعوهم إلى عبادة اللّه وحده، وإلى ترك عبادة الأصنـام، وإلى الكف عن تطفيف الكيل والميزان، لا يحق له أن يكتمها وأن يترك تبليغها، وأن يضل ضلالهم الذي ليس وراءه ضلال.

الآية السابعة: في قولـه تعالى: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ  قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَاماً فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ  قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الأَقْدَمُونَ فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلاَّ رَبَّ الْعَالَمِينَ الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِين وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ} الآيات: (69-82) من سورة الشعراء.

أمر اللّه سبحانه وتعالى نبيّه محمدا صلى الله عليه وسلم أن يقـص على قومه المشركين نبأ إبراهيم الذي تضمنته هذه الآيات الكريمة، وقد تضمنت:

قال إبراهيم لأبيـه وقومـه: أي شيء تعبدون؟ فقالوا له: نعبد أصناما فنظل على عبادتها عاكفين، فقـال لهم إبراهيم: أتسمـع هذه الأصنام التي تعبدونها دعاءكم إذ تدعون؟ وهـل تستطيـع هذه الأصنام أن تنفعكم أو تضركم إن أرادت لكم النفع أو أرادت بكم الضر؟ فأجـابوا: هم لا يسمعوننا إذا دعوناهم ولا ينفعوننا شيئا ولا يضرون، ولكننا عبدناهم لأننا وجدنا آباءنا من قبلنا يعبدون هذه الأصنام فاتبعناهم واقتدينا بهم وفعلنا مثل ما كانوا يفعلون.

فقال لهم إبـراهيم: أفـرأيتم هذه الأصنام التي تعبدونها أنتم وآباؤكـم الأولون، إنها عدوّ لي وأنا بريء مما تعبدون، ولا أعبد إلا رب العالمين الذي خلقني فهو يهديني، وهو الذي يطعمني ويسقيني، وإذا مرضت فهو يشفيني، وهو الذي يميتني ثم يحييني، وهو الذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الحساب. إن الذي يفعل هذه الأفعال هو الذي يستحق أن يكون إلها يعبد، أما أصنامكم هذه التي اتخذتموها آلهة فلا تستحق العبادة، إنها لا تملك نفعا ولا ضرا، ولا تستطيع شيئا.

هـذا، و {أَرَأَيْتُمْ} هنا بمعنى أخبروني، والمستخبر عنه هو اسم الموصول: {مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ}، ومتعلق الاستخبار ومناطه جملة استفهامية مقدرة يدل عليها المعنى والسياق، والتقدير: أخبروني عن الأصنام التي تعبدونها أنتم وآباؤكـم الأقدمون أيستحقون أن تعبدوهم.

أما إعراب (أرأيتم) فهي علمية تأخـذ مفعـولـين: الأول اسم المـوصول {مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ} والثاني جملة استفهامية مقدرة: (أيستحقون أن تعبدوهم).

وقد أفاد استفهام {أَرَأَيْتُمْ} التنبيه: تنبيه إبراهيم أباه وقومه على أنهم يعبدون آلهة لا تضر ولا تنفع، ولا تعقل ولا تسمع، ولذلك فهولا يحبها وإنما يحب أن يعبد إلها قادرا على كل شيء هو رب العالمين. نبههم على ذلك لعلهم يتبيّنون أنهم على خطأ وأن آباءهم من قبلهم كانوا على خطأ.

ولا يخلو هذا الاستفهام من تودّد وملاطفة واستدراج للوصول إلى الغرض وهو الإيمان باللّه والإِعراض عن عبادة الأصنام. وقد كان هذا سبيل الأنبياء نوح وهود وشعيب في الآَيات المتقدمة حـين خاطبوا أقوامهم ب {أَرَأَيْتُمْ}

الآية الثامنة: قوله تعالى: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَداً إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلا تَسْمَعُونَ} الآية (71) من سورة القصص.

في هذه الآية الكريمة يأمر اللّه سبحانه وتعالى نبيّه محمدا صلى الله عليه وسلم أن يقول للمشركـين ما يتضمن:

أخبروني أيها المشركون عن الليل إن جعله اللّه عليكم مستمرا متواصلا لا يعقبه نهار إلى يوم القيامة مَنْ إله غير اللّه يأتيكم بضياء بعده تبصرون فيه معايشكم ويصلح فيه نباتكم وثماركـم.

أفلا تسمعون هذا الكلام سماع فهم وندبر فتدركوا أن لا إله يستحق العبادة إلا اللّه.

و{أَرَأَيْتُمْ} هنا بمعنى أخبروني، والمستخبر عنه هو الليل، ومتعلق الاستخبار ومناطه هو الجملة الاستفهامية: {مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاء}. وتقـدير الكلام: أخبروني- أيها المشركون- عن الليل إن جعله اللّه عليكم مستمرا لا ينقطع إلى يوم القيامة مَنْ إله غير اللّه يأتيكم بضياء بعده تصلح به حياتكم.

أما إعراب {أَرَأَيْتُمْ} فهي علمية تأخذ مفعولـين: الأول محذوف وهو الليل، وقد تنازعه {أَرَأَيْتُمْ} و {جَعَلَ}، فكل منهما يطلبه على أنه مفعول به، فأُعمل الثاني وهو (جعل) وحذف في الأول، والمفعول الثاني لـ {أَرَأَيْتُمْ} هو الجملة الاستفهامية: {مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاء}والرابـط الذي يربـط هذه الجملة الاستفهاميـة بالمفعول الأول ضمير محذوف، والتقدير: من إله غير اللّه يأتيكم بضياء بعده.

و{جَعَلَ} إذا كانت بمعنى صيّر أخـذت مفعولين، فيكون الليل هو المفعول الأول، و{سَرْمَدا}هو المفعول الثاني، وإذا كانت بمعنى خلق وأنشأ أخـذت مفعـولا به واحـدا هو الليل، ويكـون {سَرْمَدا} حالا منه. وجواب الشرط (إن جعل) محذوف دلّ عليه {أَرَأَيْتُمْ} ومعمـولها، والتقدير: إن جعل اللّه عليكم الليل سرمدا إلى يوم القيامة فأخبروني عنه مَنْ إلـه غير اللّه يأتيكم بضياء بعـده. وإعراب {مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاء}: (مَنْ) اسم استفهام في محل رفـع مبتدأ، و {إِلَهٌ} خبره، و {غَيْرُ اللَّهِ} صفـة أولى لإِلـه، وجملة {يَأْتِيكُمْ بِضِيَاء} في محل رفـع صفـة ثانيـة لإِلـه. وقـد سبق أن هذه الجملة الاستفهامية كلها في محل نصب مفعول ثان لـ {أَرَأَيْتُمْ}.

واستفهام {أَرَأَيْتُمْ} في هذه الآية الكريمة يفيد التوبيخ: توبيخ المشركـين على عبادتهم غير اللّه وتركهم عبادة اللّه الذي يعلمون أنه هو الذي يأتيهم بالضياء بعد الليل ليبتغوا فيه من فضله.

ويفيـد أيضا التنبيـه: تنبيه المشركين على أن اللّه وحده هو الذي يقدر على أن يأتي بالنهار بعد الليل ليبتغوا فيه من فضله، وأن أصنامهم التي يعبدونها من دون اللّه لا تقدر على ذلـك. فعليهم أن يسمعوا آيـة اللّه هذه وأن يتدبروها فينصرفوا عن عبادة الأصنام، ويجعلوا عبادتهم خالصة للّه الذي أنعم عليهم بهذه النعمة العظمى.

الآية التاسعة: قوله تعالى: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَداً إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلا تُبْصِرُونَ} الآية (72) سورة القصـص.

في هذه الآية الكريمة يأمر الله سبحانه وتعالى رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم أن يقول للمشركين ما يتضمن:

أخبروني أيها المشركون عن النهار إن جعله اللّه عليكم مستمرًّا متواصلا لا يعقبه ليل إلى يوم القيامة مَنْ إله غير اللّه يأتيكم بليل تسكنون فيه وتستريحون من عناء طلب المعاش الذي كان في النهار، أفلا تبصرون في اختلاف الليل والنهار عليكم رحمة من اللّه لكم، وحجة منه عليكم، فتعلموا أن العبادة لا تجب إلا لمن أنعم عليكم بذلكم، ولمن هو القادر عليه.

و {أَرَأَيْتُمْ} بمعنى أخبروني، والمستخـبر عنـه هو النهار، ومتعلق الاستخبـار ومناطه الجملة الاستفهاميـة، وتقدير الكـلام: أخبروني- أيها المشركون عن النهار إن جعله اللّه عليكم سرمدا إلى يوم القيامة مَنْ إله غير اللّه يأتيكم بليل بعده تسكنون فيه.

أما إعراب {أَرَأَيْتُمْ} وما بعدها فقد سبق مثله في الآية التي قبل هذه.

وأما استفهام {أَرَأَيْتُمْ} هنا فيفيد التوبيخ: توبيخ المشركين على عبادتهم غير اللّه وتركهم عبادة اللّه الذي يعلمون أنه هو الذي يأتيهم بالليل من بعد النهار ليجدوا فيه السكينة والطمأنينة، فاللّه وحده هو الذي يستحق العبادة.

ويفيد أيضا التنبيه: تنبيه المشركين على أن اللّه وحده هو الذي يقدر على أن يأتيهم بالليل من بعد النهار ليسكنوا فيه ويذوقوا طعم الراحة، فعليهم أن يبصروا آية اللّه هذه وأن يتدبروها، فيعرضوا عن عبادة الأصنام، ويخلصوا العبادة للّه الذي أنعم عليهم بهذه المنة الكبرى.

الآية العاشرة: قوله تعالى:{قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكَاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَمَاوَاتِ أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَاباً فَهُمْ عَلَى بَيِّنَتٍ مِنْهُ بَلْ إِنْ يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً إِلاَّ غُرُوراً} الآية (40) من سورة فاطر.

في هذه الآية الكريمة يأمر اللّه سبحانه وتعالى رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم أن يقول للمشركـين ما يتضمن:

 أخبروني- أيها المشركون- عن هؤلاء الذين تزعمونهم شركاء للّه وتدعونهم من دونه، أخبروني أي شيء من الأرض استبدوا بخلقه، أم لهم شركة مع اللّه في خلق السموات، أم أن اللّه تعالى آتاهم كتابا من عنده فهم على حجة وبرهان منه بأنه تعالى قد اتخذهم شركاء له.

إن رؤسـاء الكفر والشرك حين يقولون لأتباعهم إن هذه الأصنام التي نعبدها شفعاء لنا عند اللّه، حـين يقولون لهم ذلك إنما يقولون أباطيل تغرّ وتخدع.

و {أَرَأَيْتُمْ} بمعنى أخـبروني، والمستخبر عنه شركاؤهم الذين يدعونهم من دون اللّه، ومتعلق الاستخبار ومناطه الجملة الاستفهامية: {مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الأَرْضِ}، وتقـدير الكلام: أخبروني عن هؤلاء الشركاء الذين تدعونهم من دون اللّه ماذا خلقوا من الأرض.

 أما إعراب {أَرَأَيْتُمْ} فهي علميـة تتعـدى إلى مفعـولين: الأول شركاءكم، والثاني الجملة الاستفهامية{مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الأَرْضِ}، وعلى هذا الِإعراب تكون جملة {أَرُونِي} معترضة بين المفعولين لتأكيد الكلام وتقويته، ويحتمل أن يكون {أَرَأَيْتُمْ} و{أَرُونِي} قد تنازعا الجملة الاستفهامية فأعمل الثاني وحذف الأول.

وقـد ذهب الزمخشري في تفسـيره الكشاف إلى أن {أَرُونِي} بدل من {أَرَأَيْتُمْ}. ولم يرتض أبو حيان في تفسيره البحر المحيط هذا الرأي وردّه من وجوه عدة، وقد حاول الألوسي في تفسير روح المعاني الانتصار لرأي الزمخشري هذا، ولكن هذه الرسالة لا تتسع لذاك الردّ وهذا الانتصار.

واستفهام {أَرَأَيْتُمْ}في هذه الآية الكريمة يفيد التنبيه والتوبيخ: تنبيه المشركـين على خطئهم في اتخاذهم الأصنام شركاء للّه، فالاستفهام يلفت أنظارهم إلى أن هذه الأصنام لم تكن شريكا للّه في خلق شيء من الأرض، ولا في خلق شيء في السموات، ولم ينزل كتاب من عند اللّه يثبت هذه الشركة، فأنى يكونون شركاء للّه؟!!

ويفيد أيضا تـوبيخ هؤلاء المشركين وتقريعهم على اتخاذهم الأصنام شركاء للّه تعالى وهم لا يقدرون على شيء، مع أن اللّه جل جلاله على كل شيء قدير.

 الآية الحادية عشرة: قوله تعالى: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ} الآية (38) من سورة الزمر.

تتضمن هذه الآيـة الكـريمـة: ولئن سألت يا محمد هؤلاء المشركين الذين يعبدون الأصنام: مَنْ خلق السموات والأرض، ليقولن خلقهن اللّه.

وفي هذه الآية الكريمة يأمر اللّه سبحانه وتعالى رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم أن يقول للمشركـين ما يتضمن: أخبروني- أيها المشـركـون- عن هذه الأصنام التي تدعونها من دون اللّه وتعبدونها هل هن قادرات- إن أرادني اللّه بضـر- أن يكشفن ذلـك الضر وهل هن قادرات - إن أرادني اللّه برحمة- أن يمسكن عني تلك الرحمة.

وإذا كانت هذه الأصنام لا تملك نفعا ولا ضرا، فاللّه الذي خلق السموات والأرض وهو القادر على كل شيء هو وحـده الـذي يستحق أن يفرد بالعبادة، وهو حسبي في إصابة الخير ودفع الضر، وعليه وحده يتوكل كل متوكل، لأن الأمر كله بيده جل وعلا.

و {أَرَأَيْتُمْ} هنـا بمعنى أخـبروني، والمستخـبر عنه {مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ} ومتعلق الاستخبار ومنـاطه الجملة الاستفهامية: {هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّه}، {هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِه}، وتقدير الكلام: أخبروني- أيها المشركون- عن هذه الأصنام التي تدعونها من دون اللّه، هل هن كاشفات الضر عنى إن أرادني اللّه بضر، وهل هنّ ممسكات الرحمة عني إن أرادني اللّه برحمة.

أما إعراب {أَرَأَيْتُمْ} فهي علمية تتعدى إلى مفعولين: المفعول الأول اسم الموصول {مَا تَدْعُونَ}، والمفعـول الثاني الجملة الاستفهامية: هل هن كاشفات ضره، هل هن ممسكات رحمته. والرابط الذي يربط المفعول الثاني بالأول ضمير {هُنَّ} وقد أُنث بالنظر إلى المعنى المراد من {مَا تَدْعُونَ} وهو الأصنام، وكثيرا ما كانوا يسمونها بأسماء الإناث كاللات والعزى ومناة.

وجواب الشرط {إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرّ}، {أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَة} محذوف يدل عليه {أَرَأَيْتُمْ} ومعمولها وتقديره: فأخبروني هل هن كاشفات ضره أو ممسكات رحمته.

واستفهام {أَفَرَأَيْتُمْ} هنا يفيد التنبيه والتوبيخ:

تنبيه المشركـين على خطئهم في اتخاذهم الأصنام آلهة تعبد من دون اللّه، فالاستفهام يلفت أنظارهم إلى أن أصنامهم التي يعبدونها لا تدفع ضرا ولا تجلب نفعا، وإذن فهي لا تستحق العبادة ولا الألوهية، وأن الذي يستحق العبادة دون غيره هو اللّه وحده.

ويفيد تقريع المشركين وتوبيخهم على عبادتهم أصناما لا قدرة لها على الخير ولا على الشر، على حين يكفرون بوحدانية اللّه تعالى وإخلاص العبادة له وهو القادر على كل شيء القاهر فوق عباده.

الآية الثانية عشرة: قوله تعالى:{ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ}الآية (52) من سورة فصلت.

تتضمن هذه الآية الكريمة أن اللّه سبحانه وتعالى أمر رسوله صلى الله عليه وسلم أن يقول للمشركين المكذبين بالقرآن الكريم ما يتضمن:

أرأيتم إن كان هذا القرآن الذي تكذبون به قد جئتكم به من عند اللّه ثم كفرتم به من غير نظر ولا اتباع دليل، أرأيتم أحدا أضل منكم، لا أحد أضل منكم أيها المكذبون الذين أبعدتم في الشقاق وأوغلتم في العداوة.

و {أَرَأَيْتُمْ} بمعنى أخبروني، والمستخـبر عنه هم المخـاطبـون المكـذبون بالقرآن، ومتعلق الاستخبار ومناطه هو الجملة الاستفهامية: {مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ}. وتقدير الكلام: أخبروني- أيها المشركون- عن حالكم إن كان هذا القرآن من عند اللّه ثم كفرتم به- من أضل منكم.

أما إعراب {أَرَأَيْتُمْ} فهي علميه تأخذ مفعولين: المفعول الأول- في رأي أبي حيان- محذوف، وتقديره: أرأيتم أنفسكم، والمفعول الثاني الجملة الاستفهامية: { مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيد}، والرابـط الذي ربط المفعول الثاني بالمفعول الأول هو اسم الموصول {مَنْ} الذي خلف الضمير، إذ المعنى مَنْ أضل منكم.

أما جواب الشرط إِنْ {كَانَ} فمحـذوف يدل عليه {أَرَأَيْتُمْ} ومعمولها، والتقدير: إن كان من عند اللّه ثم كفرتم به فأخبروني من أضل منكم.

ويفيد استفهام {أَرَأَيْتُمْ} هنا توبيخ المشركين وتقريعهم على كفرهم بالقرآن أن يكون من عند اللّه دونما تبصر وتدبر، دونما دليل عقلي أو نقلي.

ويفيد أيضا تنبيه المشركـين على أن إنكارهم أن يكون القرآن من عند اللّه لم يكن مبنيا على دليل عقلي أو نقلي أو ناشئا عن بعد نظر وطول تدبر وإنما كان ضلالا وعنادا.

الآية الثالثة عشرة: قوله تعالى: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} الآية (4) من سورة الأحقاف.

في هذه الآية الكريمة يأمر اللّه سبحانه وتعالى رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم أن يقول للمشركين ما يتضمن:

 أخبروني- أيها المشركون- عن هذه الأوثان التي تعبدونها من دون اللّه، أخبروني أيّ شيء خلقوا من الأرض فيكـون لكم بذلك حجـة في عبادتكم إياها، أم كان لهذه الأصنام مشاركة في خلق السموات فيكون لكم بذلك حجة في تلك العبادة؟!!

ائتوني أيها المشـركـون بكتاب من عند اللّه جاء قبل هذا القرآن يشهد بصحة ما أنتم عليه من عبادة غير اللّه، أو ائتوني ببقية من علم الأولين تثبت ذلك.

إن كنتم أيها المشركون صادقين فيما تدعون فهاتوا برهانكم فإن الدعوى بدون دليل لا تغني من الحق شيئا.

و {أَرَأَيْتُمْ} هنا بمعنى أخبروني، والمستخبر عنه {مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ}، ومتعلق  الاستخبار ومناطه الجملة الاستفهامية: {مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الأَرْض}. والمعنى: أخبروني أيها المشركـون محن هذه الأصنام التي تعبدونها من دون اللّه، أي شيء خلقت من الأرض فاستحقت به أن تعبد.

أما أعراب {أَرَأَيْتُمْ} فهي علمية تأخـذ مفعولين: الأول اسم الموصول {مَا} في {مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ}، والثاني الجملة الاستفهامية: {مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الأَرْض}، و{أَرُونِي} جملة معـترضة بين المفعولين مؤكـدة لأرأيتم، لأنهـما على معنى واحـد: فأرأيتم بمعنى أخبروني، وأروني بمعنى أخبروني.

ويجـوز في {أَرُونِي} أن لا تكـون معترضـة، وحينئذ تكون المسألة من باب التنازع: فأرأيتم وأروني تنازعـا الجملة الاستفهامية: {مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الأَرْض} فأرأيتم تطلبها على أنها مفعـولها الثاني، أروني تطلبها كذلك على أنها المفعول الثاني لها، فأعمل الثاني، وحذف في الأول. وأما إعراب {مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الأَرْض} فقد مرّ في إعراب الآية العاشرة. وقد جاء استفهام {أَرَأَيْتُمْ} هنا مفيدا التقريع والتوبيخ ومفيدا التنبيه:

تقـريـع المشركين وتـوبيخهم على عبـادتهم غير اللّه مع علمهم أن الأصنام وغـير الأصنام مما يعبـد من دون اللّه ليست على شيء تستحق به أن تعبد، فهي لم تخلق شيئا في الأرض ولا شيئا في السماء، ولم يُنزَّل بصحة عبادتها كتاب من عند اللّه، ولم يؤثر عن الأولين ما يثبت صحة تلك العبادة.

وقد نبّه هذا الاستفهام المشركـين ولفت أنظارهم إلى أن هذه الأصنام التي يعبدونها لم تخلق شيئا في الأرض ولا شيئا في السموات، ولم تثبت صحـة عبادتها في كتاب منزل ولا في علم أُثِر عن الأولين، فكيف تصح عبادتها، وبأي شيء تستحق هذه العبادة؟!

الذي يستحق العبادة هو الذي خلق الأرض السموات وحده، والذي أُنزلت الكتب من لدنه تثبت وحدانيته جلّ وعلا.

الآية الرابعة عشرة: قوله تعالى: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ}الآية (10) من سورة الأحقاف.

في هذه الآيـة الكـريمـة يأمر الله سبحـانه وتعالى نبيّه محمدا صلى الله عليه وسلم أن يقول للمشركـين الكافرين بالقرآن ما يتضمن:

أخبروني أيها الكافرون- إن كان هذا القرآن س عند اللّه وكذبتم به وشهد شاهد عظيم الشأن من بنى إسرائيل على التوراة التي هي مثل القرآن في أنها من عند اللّه، فآمن هذا الشاهـد بالقرآن أنه من عند اللّه، واستكبرتم أنتم عن الإيمان به، أخبروني من أظلم منكم؟! إن اللّه لا يهدى القوم الظالمين الذين يظلمون أنفسهم فيكذبون بالقرآن وبمن أنزل عليه هذا القرآن.

و{أَرَأَيْتُمْ} هنا بمعنى أخبروني، والمستخبر عنه محذوف، ومتعلق الاستخبار ومناطه جملة استفهامية محذوفة أيضا، والتقدير: أخبروني عن حالكم- إن كان هذا القرآن من عند اللّه وكفرتم به وشهد شاهد من بنى إسرائيل على مثله فآمن واستكبرتم- ألستم ظالمين.

 أما إعراب {أَرَأَيْتُمْ} فهي علميـة تنصب مفعولين، وقد حذفا لدلالة المعنى عليهما، وتقـديرهما: أرأيتم حالكم... ألستم ظالمين، فحـالكم هو المفعـول الأول، والجملة الاستفهامية: (ألستم ظالمين) هي المفعول الثاني. وجواب الشرط {إِنْ كَانَ} محذوف، يدلّ عليه قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ}. وقدّره أبو حيان: فقد ظلمتم.

وفي جواب الشرط هذا آراء أخرى ذكـرهـا أبو حيان في تفسـيره البحر المحيط[9]، وذكـرها صاحب الفتوحات الإلهية في حاشيته على تفسير الجلالين[10]، ولكن هذه الرسالة لا تتسع لذكرها، ولا طائل تحتَها.

وجيء في الشرط {إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ} بحـرف (إِنْ) الذي من شأنـه أن يكـون في الشرط غير المجزوم بوقوعه مراعاة لحال المخاطبين على نحو ما سبق بيانه (في الآية الخامسة من آيـات هذه الـرسالة) في قول الأنبياء: نوح وصالح وشعيب لأقوامهم: {إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي} مع أنهم كانوا على يقين من تلك البينة.

واستفهام {أَرَأَيْتُمْ} هنا يفيد توبيخ المشركين على كفرهم بالقرآن أن يكون من عند اللّه مع أنه قد شهد شاهد عظيم الشأن من علماء بني إسرائيل على كتاب آخر مماثل للقرآن وهو التوراة بأنه من عند اللّه.

وكانت شهادة علماء بنى إسرائيل حجة لأن هؤلاء المشركـين كانوا يثقون فيهم ويصدقونهم.

ويفيد أيضا التنبيـه تنبيه المشركـين على أن كفرهم بالقرآن لا يقوم على حجة، وفيه مخالفة لشهادة شاهد من بنى إسرائيل الذين كانوا يظنون فيهم الصدق.

الآية الخامسة عشرة: في قوله تعالى: {أَفَرَأَيْتُمُ اللاَّتَ وَالْعُزَّى  وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الأُنْثَى تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزَى إِنْ هِيَ إِلاَّ أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى}الآيات: (19-23) من سورة النجم.

جاء في تفسير ابن كثير لهذه الآيات الكريمة ما ملخصه:

كان للمشركين العـرب أصنام وطواغيت كثيرة يعظمـونها ويتخـذون لها البيوت والحجاب والسدنة، ويطوفون بها، ويجعلونها أندادا وشركاء للّه تعالى، ويعبدونها من دونه عزّ وجـلّ، وقـد أفرد القرآن الكريم هذه الأصنام الثلاثة: اللات والعزى ومناة، أفردها بالذكر لأنها كانت أشهر من غيرها، وقـد أنث المشركـون هذه الأصنام وسمـوها بأسماء الإناث وجعلوهـا بنات اللّه سبحـانـه وتعـالى، وقـد قرّع اللّه تعـالى هؤلاء المشـركين ووبّخهم بما يتضمن: أتجعلون للّه أولادا وتجعلون هؤلاء الأولاد إناثا، والإناث في زعمكم نوع مذموم، وتختـارون لأنفسكم النـوع الذي تستحسنونه وتفضلونه وهو الَذكور، فلو كانت هذه القسمة بينكم وبـن مخلوق مثلكم لكانت قسمة جائرة فيها جهالة وسفاهة، فكيف وقد جعلتموها بينكم وبين ربكم!!

ثم قال تعالى منكرا عليهم ما ابتدعوه من الكذب والافتراء والكفر في عبادة الأصنام وتسميتها آلهة، وقد تضمن قوله تعالى: ما هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم من تلقاء أنفسكم، ما أنزل اللّه بها من حجـة، وإنـما تعتمدون في ذلـك على حسن ظنكم بآبائكم الـذين سلكـوا هذا المسلك الباطل من قبلكم، وعلى حب أنفسكم للرئاسة وتعظيم آبائكم الأقدمين، ولقد أرسل اللّه إليكم الرسل بالحق المنير والحجة القاطعة، ولكنكم لم تتبعوها ولم تهتدوا بهديها. اهـ.

و {أَرَأَيْتُمْ} هنـا بمعنى أخبروني، والمستخبر عنـه واللات والعزى ومناة، ومتعلق الاستخبار، ومناطه هو الجملة الاستفهامية: {أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الأُنْثَى}، والمعنى:

أخبروني- أيها المشركون- عن هذه الأصنام الثلاثة، كيف جعلتموهن بنات اللّه، والبنـات في زعمكم معـرّة وذم، ثم خصصتم أنفسكم بالنـوع الأفضل فيـما تزعمون وهم الذكور، واللّه سبحانه وتعالى منزّه عن الولد ذكراً كان أم أنثى؟!!

إن هذه القسمـة لو كانت بينكم وبين مخلوقين أمثالكم لكانت قسمة جائرة فيها ظلم وسفاهة، فكيف وقد جعلتموها بينكم وبن ربكم ذي الجلال والإِكرام؟!

أمـا إعراب {أَرَأَيْتُمْ} فهي علمية تأخذ مفعولين: الأول: اللات وما عطف عليها، الثاني: الجملة الاستفهامية: {أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الأُنْثَى} - وهذا رأي أبي حيان في تفسيره البحر المحيـط، والرابط الذي يربط المفعول الثاني بالأول قوله: {الأُنْثَى} لأن المعنى: ألكم الذكر وله هنَّ أي تلك الأصنام، فأغنى هذا الاسم الظاهر عن الضمير، وإنما أوثر هذا الاسم الظاهر لوقوعه رأس فاصلة روعي فيها الفواصل الأخرى[11].

وهناك آراء أخرى كثيرة في تقدير المفعول الثاني المحذوف ذكرها الألوسي في تفسـير روح المعاني، ولكن هذه الرسالة لا تتسع لذكرها.

واستفهام {أَرَأَيْتُمْ} هنا جاء مفيدا الإنكار والتوبيخ:

فاللّه سبحـانـه وتعـالى ينكر على المشركـين ويوبخهم أن يجعلوا اللات والعزى ومناة بنات اللّه، مع أن البنات في زعمهم مذمومات يستنكفون منهن، فكيف يخصون اللّه خالقهم بهن، ويخصون أنفسهم بمن هم أفضل في زعمهم وهم الذكور، مع أن اللّه سبحانه وتعالى منزه عن الولد سواء أكان ذكرا أم أنثى.

الآية السادسة عشرة: في قوله تعالى: {نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ فَلَوْلا تُصَدِّقُونَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ  أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ  عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لا تَعْلَمُونَ  وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الأُولَى فَلَوْلا تَذَكَّرُونَ}الآيات: (57-62) من سورة الواقعة.

تتضمن هذه الآيات الكـريمـة الردّ على أهـل الزيغ والإلحاد الذين كانوا يكذبون بالبعث، {وَكَانُوا يَقُولُونَ أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ  أَوَآبَاؤُنَا الأََوَّلُونَ}.

والـردّ الذي تضمنته هذه الآيات: أن اللّه سبحانه وتعالى قد خلقكم أيها الكافرون ابتداء بعـد أن لم تكـونـوا شيئـا مذكـورا، والذي يقدر على البدء يقدر على الإعادة، فهلا تصدقون بالإعادة وتقرون بها كـما أقررتم بالنشأة الأولى.

أخبروني عن المنيّ الذي تريقونه في الأرحام أ أنتم تخلقونه وتنشئون أم اللّه؟ ولا مفر من أن تقروا بأن اللّه هو خالق هذا المني، فكيف تنكرون قدرته على البعث؟!

واللّه هو الـذي يصرّف الموت بينكم كيف يشاء، فيجعل لموت كل إنسان موعدا لا يتقدم عليه ولا يتأخر، ولا يستطيع أحد أن يغلب اللّه تعالى على هذا التصريف فيطيل عمر من يقصر اللّه عمره، أو يقصر عمر من يطيل اللّه عمره، أو يهرب من الموت فيكون من الخالدين.

واللّه تعالى قادر على أن يميتكم وينشئ بدلا منكم آخرين أمثالكم، وقادر على أن يغير كـم خَلْقاً وخُلُقاً وينشئكم في صفات لا تعلمونها ولا تخطر لكم على بال.

ولقد علمتم النشأة الأولى وهى خلق آدم من طين، فهلا تتذكرون وتعتبرون فتعلموا أن الذي أنشأكم النشأة الأولى قادر على أن يعيدكـم أحياء من بعد الممات والفناء.

هـذا، و{أَرَأَيْتُمْ} هنـا بمعنى أخبروني، والمستخـبر عنـه {مَا تُمْنُونَ}، ومتعلق الاستخبـار ومناطـه الجملة الاستفهامية: {أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ}، والمعنى: أخبروني عن المنيّ الذي تمنونه في الأرحام، أ أنتم تخلقونه أم اللّه.

أمـا إعراب {أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ}: فأرأيتم علمية تأخذ مفعـولين: الأول اسم المـوصول (ما) وجملة تمنون صلته، والعائد محذوف تقديره ما تمنونه، والمفعـول الثاني الجملة الاستفهامية: {أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ}، و {َأَنْتُمْ} مبتدأ وجملة تخلقونه خبره، و(أم) عاطفة متصلة، وقد اعترض على كونها متصلة بأن المتصلة هي التي تعطف المفـردات، وهنـا جاء بعـدهـا جملة من مبتدأ وخبر، وأجيب عن هذا بأن {الْخَالِقُونَ} جاء توكيدا للفعل السابق وهو (تخلقون)، وجاء أيضا لمراعاة الفواصل، فلو قيل أ أنتم تخلقونه أم نحن لا كتفي به وتمّ المعنى المراد، وعلى هذا فالجملة بعد أم في تأويل المفرد[12].

وجَـوّز بعض العلماء أن تكـون (أم) منقطعـة بمعنى بل، والكلام معها يفيد التقرير، والمعنى: بل نحن الخالقون. وفي رأيي أن هذا لا يخلو من بعد وتكلف، وهو خلاف المعنى المتبادر.

واستفهام {أَرَأَيْتُمْ} هنا يفيد التقرير والتوبيـخ: التقرير بمعنى طلب الاعتراف بالإجـابـة عن السؤال الـذي تضمنته {أَرَأَيْتُمْ} مع معمـولها وهو: أخبروني مَنْ خالق المني الذَي تمنونه في الأرحام:         أ أنتم أم اللّه؟

ولمـا كانت إجـابتهم عن هذا السؤال معلومـة لا يشك فيها، وهي أن اللّه هو الخالق- استغنى عن ذكرها.

ويفيـد توبيـخ هؤلاء المشـركـين على إنكـارهم البعث، وتكـذيبهم بقدرة اللّه تعالى عليـه، مع أنهم يعترفـون بأنـه تعـالى هو الـذي خلقهم وأنشأهم أول مرة، وكـان مقتضى اعترافهم هذا أن يؤمنوا بالبعث، لأن القادر على الخلق ابتداء قادر على الإعادة.

الآية السابعة عشرة: في قوله تعالى: {أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ َوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَاماً فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ  إِنَّا لَمُغْرَمُونَ  بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ}الآيات: (63-67) من سورة الواقعة.

يردّ اللّه سبحانه وتعالى على المشركين الذين ينكرون البعث فيقول لهم ما يتضمن: