طباعة

 توثيق النص

 

 

 

عقود الزبرجد على مسند الإمام أحمد في إعراب الحديث

تأليف جلال الدين السيوطي

تحقيق الدكتور حسن موسى الشاعر

أستاذ مساعد بكلية اللغة العربية بالجامعة

 

 

مسند  أًبيّ بن مالك [1] رضي الله عنه

22- حديث "مَنْ أَدْركَ والِدَيْهِ أو أَحَدَهُما ثُمَّ دَخَلَ النَّارَ مِنْ بَعْدُ فأبْعَدَهُ الله وأَسْحَقَه"[2].

قال ابن مالك في شرح الكافية [3]: "إذا كان جواب الشرط ماضياً لفظاً لا معنى لم يجز اقترانه بالفاء إلا في وعد أو وعيد، لأنه إذا كان وعداً أو وعيداً حَسُنَ أن يقدَّر ماضي المعنى، فعومل معاملة الماضي حقيقة. مثاله قوله تعالى: {وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ}[4]. ويجوز أن تكون الفاء عاطفة، ويكون التقدير: ومن جاء بالسيّئة فكبّت وجوههم في النار فيقال لهم: هل تجزون؟ انتهى. والحديث من قبيل الوعيد، فلذلك اقترن بالفاء".

 

مسند أحمر بن جَزْء [5]

23- حديث "إنْ كُنَّا لنأوي لِرسول الله صلى الله عليه وسلم [ممّا]، يُجافي مِرْفَقَيه عَنْ جَنْبَيْه[إذا سجد]"[6].

( إنْ ) هنا المخففة من الثقيلة. واللام في لنأوي لام الابتداء الفارقة بينها وبين إن النافية[7].

ومثله في حديث زياد بن لبيد [8] "ثَكِلَتْكَ أمُكً ابنَ أمّ لبيد إنْ كُنْتُ لأراك مِنْ أفقَهِ رَجُلٍ بِالمدينة"[9].

وفي حديث أبي سعيد ]الخُدري[ "إنْ كانَ النبي مِنَ الأنْبياء لَيُبْتَلَى بالْقَمْلِ حتّىِ يَقْتُلَه، وإنْ كان النبي من الأنبياء لَيُبْتَلى بالفقر، وإنْ كانوا لَيفْرحُونَ بِالبلاَء كما تفْرحُون بِالرَخاء"[10].

وفي حديث سؤال القبر "قَدْ عَلِمْنا إنْ كُنْتَ لَمُؤْمناً" [11].

وفى حديث أنس "إنَّكُم لَتَعْمَلُون أعمالاً هي أدقُّ في أعيُنِكُم مِنَ الشّعر إنْ كُنَّا لَنَعُدُّها على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم من المُوبقات"[12].

وفي حديث عائشة "إن كان رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ليُصلّي الصُّبح"[13].

وفي حديث بُريدة[14] "بُعِثْتُ أنا والساعةَ جَميعاً إنْ كادَتْ لَتَسْبِقُتي"[15].

 

مسند أسامة بن زَيْد [16]رضي الله عنهما

24- حديث "قُلتُ: يا رسولَ الله، إنَّكَ تَصومُ حتَّى لا تكاد تُفْطِرُ، وتُفْطِرُ حتى لا تكاد تصوم إلاّ يومين. قال: أيّ يومين؟"[17].

قال أبو البقاء[18]: "تقديره أيُّ يومين هما؟ فحذف الخبر للعلم به. ويجوز النصب على تقدير أيَّ يومين أصوم؟ أو أيَّ يومين أُديمُ صومهما؟ والرفع أقوى". انتهى.

وفي روايـة النسـائي[19] في هذا الحـديث "حتى لا تكـاد أن تفطِر" بإثْبات "أنْ"، وإسقاطها كما في رواية أحمد أفصح.

25- حديث "فقال عبد الله بن أُبيّ: لا أحسن من هذا"[20] .

قال أبو البقاء[21]: "فيه وجهان: أحدهما: الرفع أنه خبر لا، والإسم محذوف، تقديره لا شَيء أحْسنُ من هذا. والثاني: النصب وفيه وجهان أحدهما: أنه صفة لاسم لا المحذوف، و (مِنْ) خبر لا، ويجوز أن يكون الخبر محذوفاً، وتكون (من) متعلقة بأحسن، أي لا شيء أحسنَ من كلام هذا في الكلام أو في الدنيا. والثاني: أن يكون منصوباً بفعل محذوف تقديره: ألا فعلتَ أحسنَ مِنْ هذا؟ وحذف همزة الاستفهام لظهور معناها". انتهى.

 قال القاضي عياض[22]: "وروي (لأحْسَنُ مِنْ هذا) بالقصر من غير ألف. قال: وهو عندي أظهر، وتقديره: أحسنُ مِنْ هذا أن تقعدَ في بيتك ولا تأتنا".

ثم قال أبو البقاء: "وفيه ولقد اصطلح أهْلُ هذه البُحَيرةِ أن يتوّجوه فيعصبونه بِالعصابة. الوجه في رفع (فيعصبونه) أن يكون في الكلام مبتدأ محذوف تقديره: فهم يعصبونه، أو فإذا هم يعصبونه. ولو روي (يعصبوه)[23] بحذف النون لكان معطوفاً على (يتوّجوه). وهو صحيح المعنى". انتهى.

وقوله في أول الحديث "ركب على حمارٍ على إكافٍ على قطيفةٍ"[24].

قال الكرماني[25]: "فان قلت: قال النحاة لا تتعدد صِلاتُ الفعل بحرف واحد. قلت: الثالث بدل عن الثاني، وهو عن الأول. فهما في حكم الطرح[26] قال[27]: وقوله إنْ كان حقّاً يصحّ تعلّقه بما قبله، وهو ( أحسنُ مما تقول ) وبما بعده وهو( لاتؤذنا به في مجالسنا )".

26- حديث "قَدْ كُنْتُ أنهاكَ عَنْ حُبِّ يَهود"[28].

قال الكرماني[29]: "هذا اللفظ مع اللام ودون اللام معرفة. والمراد به اليهوديون، ولكنهم حذفوا ياء النسبة، كما قالوا: زنجي وزنج، للفرق بين المفرد والجماعة.

وقال السَّخاوي[30]في شرح المفصَّل: "(يهود) و(مجوس) علمان، ودخول الألف واللام فيهما في قولهم: اليهود والمجوس، كان لمّا حذفت ياء النسبة عوضاً منها. يدل على ذلك قول الشاعر:

    صَمِّي لما فَعَلَتْ يهودُ صمامِ[31]

فَرَّتْ يَهودُ وأَسْلمتْ جِيرانَها

وقال في موضع آخر: اختلف في (يهود) فمن قال بأنه أعجمي صرفه لأنه من الأعجمي الذي تكلمت به العرب وأدخلت فيه الألف واللام، فكان مثل الدّيباج والإبْريسَم[32] . وأما قول الشاعر:

فرَّت يهودُ.... البيت .

فيهود فيه اسم قبيلة، والمانع له من الصرف التأنيث والعلمية. ومن قال إنه عربي، وأنه من هاد يهود إذا رجع، لم يصرف إذا سمي به، لأنه على مثال (يقوم).

27- حديث  قال: "رُويداً أَيُّها الناسُ عليكُم السَّكينة"[33].

قال أبو البقاء[34]: "الوجه أن ينصب (السكينة) على الإغراء، أي الزموا السكينة كقوله تعالى: {عَلَيِكُم أَنفُسَكُم}[35]. ولا يجوز الرفع لأنه يصير خبراً، وعند ذلك لا يحسن أن تقول (رويداً أيُّها النّاس) لأنه لا فائدة فيه". انتهى.

وقال الرضى[36]: "(رُويـداً) في الأصل تصغير (إرْواداً) مصدر (أَرْوِدْ) أي أرفُق، تصغير الترخيم، أي أرفُق رِفْقاً. وإن كان تصغيراً قليلاً. ويجوز أن يكون تصغير (رَوْد) بمعنى الرفق، عدّي إلى المفعول به مصدراً أو اسم فعل لتضمنه الإمهال وجعله بمعناه. ويجيء على ثلاثة أقسام: أولها: المصدر، وهو أصل الباقيين، نحو (رُويدَ زَيْدٍ) بالإضافة إلى المفعول، كـ{ضَرْبَ الرِّقابِ} [37]  و(رُويداً زَيْد اً ) كضرْباً زَيْداً.

الثاني: أن يجعل المصدر بمعنى اسم الفاعل، إما صفة للمصدر نحو(سِرْ سَيرْاً رُوَيْداً) أي مروداً، أو حالاً، نحو (سيروا رُويداً) أي مُرْوِدين. ويجوز أن يكون صفة مصدر محذوف. وقوله تعالى:{أَمْهِلْهُم رُويداً}[38] يحتمل المصدر وصفة المصدر والحال.

الثالث: أن يُنقل المصدر إلى اسم الفعلِ لكثرة الإستعمال، بأن يُقام المصدر مُقام الفعل، ولا يقدَّر الفعل قبله، نحو (رُويدَ زَيْداًَ) بنصب (زيداًَ). وإنما فتح رعاية لأصل الحركة الإعرابية. وقولهم (رُويدَكَ زَيْداً) يحتمل أن يكون اسم فعل والكاف حرف، وأن يكون مصدراً مضافاً إلى الفاعل كما مرّ. انتهى.

وقال الزمخشري في المفصَّل[39]: "في (رُويد) أربعة أوجه هو في أحدها مبني وهو إذا كان اسماً للفعل، وهو فيما عداه معرب، وذلك أن يقع صفة كقولك: ساروا سيراً رُويداًَ. وحالاً كقولك: ساروا رُوَيْداً. ومصدرا في معنى إرواداً مضافاً كقولك: رُويدَ زَيْدٍ". انتهى.

28- حديث " قُلتُ: يا رسولَ الله الصَّلاة. قال: الصلاةُ أمامَك "[40].

قال أبو البقاء[41]: "الوجه النصب على تقدير: أتريد الصلاة، أو أتصلي الصلاة؟" انتهى.

وقال القاضي عياض: "هو بالنصب على الإغراء. ويجوز الرفع على إضمار فعل، أي حانت الصلاة، أو حضرت. وقوله (الصلاةُ)  بالرفع و(أمامكَ) خبره".

وقال ابن مالك[42]: "يجوز في قوله (يا رسول الله الصلاة) النصب بإضمار فعل ناصب تقديره اذكر أو أقم أو نحو ذلك. والرفع بإضمار حضرت أو حانت أو نحو ذلك".

29- حديث "أَلاَّ شَقَقْتَ عَنْ قَلْبِه"[43].

قلت: أَلاّ بفتح الهمزة والتشديد حرف للتحضيض مثل هلاّ. وذكر المالقي[44]  في رصف المباني[45]: "أنها الأصل، وهلاّ مبدلة منها، أبدلت الهاء من الهمزة. قال: ولا تنعكس القضية لأن إبدال الهمزة هاء أكثر من إبدال الهاء همزة، والحمل على الأكثر أولى".

30- حديث "إن رَجُلاً قال: يا رسول الله، إني أَعْزِلُ عَن امرأتي. قال: ولمَ؟ قال: شَفَقاً على وَلَدِها. فقال: إنْ كان ذلك فَلا، ما ضارَ ذلك فارسَ والرُّوم"[46].

قال أبو البقاء[47]: "التقدير: فلا تعزل لأجل هذا الغرض، [فإن فارس والروم يَطؤون نساءهم وهُنَّ يُرْضِعْنَ فما يضرّهم[[48]. فلا هي تمام الجواب، ثم قال: ما ضارَ ذلك فارس".

 31- حديث "لَمْ يَأتِني جبريلُ منذُ ثلاث"[49].

قال أبو البقاء[50]: "هو بضم الذال، و(ثلاثٌ) بالرفع لا غير، لأنه ذكر ذلك لقدر مدّة الإنقطاع، أي أمدُ ذلك ثلاثُ ليال[51] . ومنذُ لها موضعان:

أحدهما: أن تكون للحاضر بمعنى (في)، فتكون حرف جر تجرّ ما بعدها، كقولك: أنت عندنا منذُ اليوم أي في اليوم. والثاني: أن تذكر لبيان المدّة، [ثمّ ينظر فيه، فإن ذكر بعدها المدة من أولها إلى آخرها رفعت المدّة][52] لا غير، كقولك: ما رأيته منذُ يومان، وإنْ ذكرتها لابْتداء مدة الإنقطاع كقولك: ما رأيته منذُ يومُ الجمعة، رفعت أيضاً، على تقدير أولُ ذلك يومُ الجمعة. ويجوز الجرّ على ضعف بمعنى (مِنْ)". انتهى.

32- حديث "قُمتُ على باب الجَنَّةِ فإذا عامَّةُ مَنْ دخَلَها المساكينُ وإذا أَصْحابُ الجدُ محبوسون"[53].

قال أبو البقاء[54]: "(إذا) هنا للمفاجأة، وهي ظرف مكان[55]والجيّد هنا أن ترفع (المساكين) على أنه خبر (عامة من يدخلها) وكذلك رفع (محبوسون) على أنه الخبر. و(إذا) ظرف للخبر. ويجوز أن تنصب (محبوسين) على الحال، وتجعل (إذا) خبراً. والتقدير: فبالحضرة أصحاب الجدّ. فيكون (محبوسين) حالاً، والرفع أجود. والعامل في الحال (إذا) أو ما يتعلق به من الإستقرار. و(أصحاب) صاحب الحال". انتهى.

33- حديث الطاعون "وإذا وَقَع بِأرْض واَنتُم بِها فَلا تَخْرُجوا، لا يُخرجكم إلاّ فراراً منه"[56].

قال النووي[57]: "روي (إلا فراراً) بالرفع والنصب، وكلاهما مشكل [من حيث العربية والمعنى. قال القاضي: وهذه الرواية ضعيفة عند أهل العربية مفسدة للمعنى][58] لأنّ ظاهرها المنع من الخروج لكل سبب إلا للفرار، وهذا ضد المراد. وقال بعضهم لفظة (إلا) هنا غلط من الراوي، وصوابه حذفها، كما هو المعروف في الروايات. ووجّه طائفة النصب فقالوا: هو حال، وكلمة (إلا) للإيجاب لا للإستثناء. وتقديره لا تخرجوا إذا لم يكن خروجكم إلا فراراً منه".

وقوله في الرواية الأخرى "إذا سمعتمُ به بأرض".

قال الطيبي[59]: "الباء الأولى زائدة على تضمّن سمعتم معنى أخبرتم و(بأرض) حال، أي واقعاً في أرض".

34- حديث "إنَّما يرحمُ الله مِنْ عِبادِه الرُّحماء"[60].

قال أبو البقاء[61]: "يجوز في (الرحماء) النصب على أن تكون (ما) كافّة كقوله تعالى: {إنِّما حَرَّم عَليْكُم المَيْتَة}[62]، والرفع على تقديرِ ]إنّ[، الذي يرحمه الله، وأفرد على معنى الجنس، كقوله تعالى: {كَمَثلِ الذيِ اسْتَوْقَدَ ناراًَ} ثم قال: {ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ}[63].

 قال: وقد أفردت هذه المسألة بالكلام، وذكرت في (ما) وجوهاً كثيرة في جزء مفرد[64].

وقال غيره[65]: (مِنْ) في قوله (مِنْ عِبادِه) بيانيّة، وهي حال من المفعول قدّمت".

 

مسند أسامة بن شريك [66]رضي الله عنه

35- حديث "أَتيتُ النبيّ صلى الله عليه وسلم وأصحابُه عِنْدَه كأنَّما على رؤوسِهم الطَّير"[67].

قالت أبو البقاء[68]: "يجوز أن تجعل (ما) كافّة فترفع الطير بالابتداء، و(على رؤوسهم) الخبر. وبطل عمل (كأنّ) بالكفّ. ويجوز أن تجعل (ما) زائدة وتنصب الطير بكأنّ، و(على رؤوسهم) خبرها.

قال: وفيه "فإنَّ الله لم يَضعْ داء إلاّ وضَعَ له دواء غيرَ داء واحد الهرم".

قال: لا يجوز في (غير) هنا إلاّ النصب على الاستثناء من داء. أمّا (الهرم) لما فيجوز فيه الرفع على تقدير هو، والجر على البدل من (داء) المجرور بغير، والنصب على إضمار أعنى".

وقوله "فكان أُسامةُ يقول حين كَبِر : ترون لي من دواء".

[قال أبو البقاء]: "يجوز في (ترون) فتح التاء وضمهّا، والتقدير أترون؟ ولكنه حذف همزة الاستفهام لظهور معناها. ولابدَّ من تقديرها لأمرين:

أحدهما أنه تحقق[69]  أنهم لم يعرفوا له دواء. والثاني أنه زاد فيه (مِنْ)، و(مِنْ) تزاد في النفي والاستفهام والنهي". انتهى.

قلت: وقوله "يا رسولَ الله نَتَداوى؟" قال: "نعم" على حذف همزة الإستفهام، أي أنتداوى؟.

وقوله (وسألو عن أشياء، علينا حرج في كذا وكذا ؟) على حذف الهمزة أيضاً، أي أعلينا؟

وقوله (قال: عباد الله) على حذف حرف النداء؟ أي يا عباد الله.

وقوله "وضَعَ الله الحرَجَ إلاّ امرأ اقْتَرض[70] مسلماً ظلماً فذلك الذي حَرجِ" فيه حذف المستثنى منه، أي عن عباده إلا امرأ، أو عنكم.

وقوله  "قالوا: ما خير ما أعُطى الناس؟". 

(ما) الأولى استفهامية لا غير. والثانية إمّا موصولة أو نكرة موصوفة. وجملة (أعُطى الناس) صلة أو صفة. وعائد الموصول أو الموصوف محذوف والتقدير: أي شيء خير الذي أعطيه الناس؟ أو خير شيء أعُطيه الناس؟.

 

مسند أُسامة بن عُمَيْر الهُذَليّ أَبي الملَيح[71] رضي الله عنهما

36- حديث "فَأَمَر رسولُ الله صلى الله عليه وسلم مُنادِيَه أن الصلاة في الرّحال"[72].

قال أبو البقاء[73]: "يجوز في (أنّ) الفتح على تقدير: ينادى بأنّ الصلاة في الرحال، أي ينادى بذلك. والكسر على تقدير: فقال إنَّ الصلاة، لأن النداء قول. ومنه قوله تعالى {فَنادَتهُ الملائِكَةُ} ثم قال: {إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ} [74]، قرىء بالفتح والكسر"[75].

 

مسند أبي رافع[76] مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم واسمه أسلم رضي الله عنه

37- حديث "فقال أفّ لك" وفى حديث ابن عباس "فجاء ينفضُ ثَوبه ويقول: أفّ وتُف"[77].

قال الشيخ بهاء الدين بن النحاس[78] في التعليقة: "(أف) اسم أتضجر أو تضجرت. وفيه سبع لغات: ضمّ الفاء وفتحها وكسرها من غير تنوين، وبتنوين، هذه ست،. والسابعة (أفّي) بألف ممالة بعد الفاء وهي التي تخلصها العامة ياء".

وعن ابن القطاع[79] إف بكسر الهمزة. وحكاها أيضاً ابن سيدة[80] في المحكم، وهي مبنية على كل لغة لكونها اسم فعل.

وحكى الأزهري[81] عن ابن الأنباري (أفّي لك) بإضافته إلى ياء المتكلم، فمن ضمّ فللإتباع، ومن كسر فعلى أصل التقاء الساكنين، ومن فتح فطلباً للتخفيف، والتنوين فيها في جميع الأحوال للتنكير[82] .

قال الزمخشري: "وتلحق به التاء منوّناً".

قال ابن يعيش[83]: "وأما (أفة) بتاء التأنيث فلا أعرفها، وإن كانت وردت فما أقلّها، وإن كان القياس لا يأباها".

وقال السَّخاوي: "هي اسم للفعل. قال أبو علي: وهو في الأصل مصدر من قولهم أًفَّةً وتُفَّةً أي نَتَناً. فلما صار إسماً للفعل الذي هو أتكرّه وأتضجر بُني، ويخفف فيقال (أفْ) بسكون الفاء، ومنهم من يفتحها مع التخفيف".

قال الجوهري[84]:"ويقال أُفّاً وتُفَّاً وهو إتباع له" [85].

وقال ابن سيدة: "الأُفّ الوسخ الذي حول الظفر، والتُّفّ الذي فيه، وقيل الأُف وسخ الأذن، والتفّ وسخ الأظفار، ثم استعمل ذلك عند كل شيء يتضجر منه. وقيل الأًفّ القلة، والتفّ منسوق على أُفّ ومعناه كمعناه"[86]. انتهى.

38- حديث "إنّا آلَ مُحَمَّدٍ لا تَحِلُّ لَنا الصَّدَقَة"[87].

قال أبو البقاء[88]: "(آلَ) منصوب بإضمار أعني أو أخصّ، وليس بمرفوع على أنه خبر إنّ، لأنّ ذلك معلوم لا يحتاج إلى ذكره. وخبر إن قوله (لا تحل لنا الصدقة) ومنه قول الشاعر:

نَحْنُ بَني ضَبَّةَ أصحابُ الجَمَل[89].

وهو كثير في الشعر". انتهى.

وقال الشيخ بهاء الدين بن النحاس في التعليقة: "هذا الاسم المنصوب يشبه المنادى وليس بمنادى، وهو منصوب بفعل مضمر لا يجوز إظهاره، كما لم يجز ظهوره مع المنادى، وموضع هذا الإسم مع الفعل الناصبة نصب على الحال، لأنه لما كان في التقدير: إنّا أخصّ أو أعني، فكأنه قال إنّا نفعل كذا مخصوصين من بين الناس أو معنيين، فالحال من فاعل نفعل لا من اسم إنّ، لئلا يبقى الحال بلا عامل، وأكثر الأسماء دخولاً في هذا الباب (بنو فلان)نحو:

نَحْنُ بَني ضَبَّةَ أَصْحابُ الجَمَلْ

و(مَعْشَر) مضافة نحو "إنّا معاشِرَ الأنبياء لا نُورث"[90]، وإنَّا معاشِرَ الصعَّاليكِ لا طاقةَ لنا بالمروءة، وأهلُ البيت نحو "رَحْمَةُ الله وبركاتُه عَليكُم أهل البَيت"[91] و(آلُ فلان) نحو قولهم: نحْنُ آلَ فلانٍ كُرَماء"[92] انتهى.

وقال الشيخ جمال الدين بن هشام[93] في تذكرته من ألغاز باب الابتداء:

نَمـشـى عـلى الـنَّمـارِقْ[94]

نَـحْـنُ بَـنـاتِ طــارقْ

(بَناتِ) بالنصب على الإختصاص، والخير نمشي.

39- حديث "أما إِنَّكَ لَوْ سَكَتَّ لناولتني ذراعاً فَذِراعاً ما سَكَتَّ"[95].

قال الطيّبي في شرح المشكاة[96] : "الفاء فيه للتعاقب، كما في قوله (الأمثل فالأمثل)[97].

و(ما) في (ما سكتّ) للمدة".

40- حديث "لا أُلفِينَّ أحَدَكُمْ مُتَّكِئاً عَلى أريكَتِه"[98].

قال القرطبي[99] في المفهم: "أي لا يفعلنّ أحدكم ذلك فأجده على تلك الحال. وهذا مثل قول العرب: لا أرينَّك ها هنا [100]  أي لا تكن هنا فأراك".

وقد تكرر مثل هذا في الحديث، ومنه حديث أبي هريرة "لا أُلفِينَّ أحَدكُمْ يجيء يَوْمَ القِيامَةِ عَلى رَقَبتِه بعيرٌ له رُغَاء"[101].

وقال زين العرب [102]  في شرح المصابيح: "(مُتَّكِئاً) مفعول ثان".

وقال الطّيبي في شرح المشكاة[103]: "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم نفسه عن أن يجدهم على هذه الحالة، والمراد نهيهم عن أن يكونوا عليها، فإنهم إذا كانوا عليها وجدهم كذلك، فهو من باب إطلاق المسبب على السبب".

قوله (يَأتيه الأمر ُمِنْ أمري مِما أمرْتُ به أو نَهيتُ عَنْهُ فيقولُ: لا أَدري).

قال المُظهري[104] : "(مما أمًرْتُ بِه) بدل من أمري.

وقال الطّيبي: "يجوز أن يُراد بقوله (الأمر مِنْ أمري) الأمر الذي هو بمعنى الشأن. ويكون (مما أمرت به أو نهيتُ عنه) بياناً للأمر الذي هو الشأن لأنه أعمّ من الأمر والنهى. وقوله (فيقول لا أدري) مرتب على يأتيه، والجملة كما هي حال أخرى من المفعول، ويكون النهي منصبّاً على المجموع، أي لا ألفينَّ أحدكم وحاله أنه متكىء ويأتيه الأمر فيقول لا أدري". انتهى.

 

مسند أًسَيد بن حُضَير[105] رضي الله عنه

41- حديث "بينَما هو يقرأ في الليل سورة البَقرةِ وفَرسُه مربوطةٌ إذْ جالست الفرسُ فسكتَ فسكَنتْ " إلى أن قال " فلمَّا أصبح حدَّثَ النبيَّ صلى الله عليه وسلم فقال: اقرأْ يا بْنَ حُضَير، اقرأْ يا بْنَ حُضَير. فقال: أشفقت يا رسولَ الله أن تَطأ يحي"[106].

قوله (اقرأ) ليس أمراً له بالقراءة في الحال، وإنّما هو تصوير لتلك الحالة، فهو كحكاية الأمر في الحال الماضية.

قال النووي[107]: "(اقرأ) معناه كان ينبغي أن تستمر على القراءة وتغتنم ما حصل لك من نزول السكينة والملائكة، فتستكثر من القراءة التي هي سببه".

وقال الطيبي[108]: "يريد أن (اقرأ) لفظ أمر طلب للقراءة في الحال، ومعناه تحضيض وطلب للإستزادة في الزمان الماضي، أي هلاّ زدت. كأنه صلى الله عليه وسلم استحضر تلك الحالة العجيبة الشأن فأمره تحريضاً عليه. والدليل على أن المراد من الأمر الإستزادة وطلب دوام القراءة والنهى عن قطعها قوله في الجواب ( أَشفقتُ يا رسول الله ) أي خفت إن دُمْتُ عليها أن تطأ الفرسُ ولدي يحي". انتهى.

 

مسند أسَيْد بن ظُهير[109] رضي الله عنه

42- حديث "الصلاةُ في مسجدِ قباء كَعمْرة"[109-1].

قال أبو البقاء[110]: "الجيّد في (قباء) الصرف، ووزنه فُعال، ومنهم أن لا يصرفه ويجعله اسماً للبقعة مؤنثاً".

مسند الأسود بن سريع[111] رضي الله عنه

43- حديث "هاتِ ما امْتَدَحْتَ بِهِ رَبَّك"[112].

قال الرِضى[113]: "(هاتِ) من أسماء الأفعال. هاتِ بمعنى أَعْطِ، ويتصرّف بحسب المأمور إفراداً وتثنيةً وجمعاً وتذكيراً وتأنيثاً. تقول: هاتِ، هاتِيا، هاتُوا، هاتِي، هاتِيا، هاتِين. وتصرّفه دليل فعليته، تقول هاتِ لا هاتيت، وهاتِ إنْ كان بك مهاتاة، وما أُهاتيك أي ما أعاطيك" [114]. قال الجوهري: "لا يقال منه هاتَيْتُ ولا يُنْهَى منه[115] . فهو على ما قال ليس بتام التصرف". وقال الخليل: "أصل هاتِ آت من آتى يُؤتي إيتاء، فقلبت الهمزة هاء[116]. ومن قال هو اسم فعل[117] قال لحوق الضمائر به لقوة مشابهته لفظاً للأفعال. ويقول في نحو مهاتاة وهاتيت إنه مشتق من هاتي كأحاشي من حاشى، وبَسْمَلَ من بِسم الله". انتهى.

 

مسند الأشْعَث بن قَيْس الكندي[118] رضي الله عنه

44- حديث "لا يَشْكرُ الله مَنْ لا يَشْكُر النّاس"[119].

قال أبو البقاء[120]: "الرفع في (يشكر) في الموضعين لا يجوز غيره لأنّه خبر وليس بنهي ولا شرط. و(مَنْ) بمعنى الذي". انتهى.

وقال ابن الأثير في النهاية[121]: "معناه إنّ الله لا يقبل شكر العبد على إحسانه إليه إذا كان العبد لا يشكر إحسان الناس ويكفر معروفهم، لاتصال أحد الأمرين بالأخر. وقيل معناه إنّ مَنْ كان مِنْ طبعه وعادته كفران نعمة الناس وترك الشكر لهم كان من عادته وطبعه كفر نعمة الله وترك الشكر له. وقيل معناه إنّ من لا يشكر الناس كمن لا يشكر الله وإن شكره. كما تقول: لا يحبّني من لا يحبّك. أي إنّ محبّتك مقرونة بمحبتي، فمن أحبني يحبك، ومن لم يحبّك فكأنه لم يحبّني. وهذه الأقوال مبنيّة على الرفع في اسم الله تعالى ونصبه". انتهى.

وقال الحافظ أبو الفضل العراقي[122] في أماليه: "المعروف المشهور في الرواية النصب في اسم الله تعالى، وفي الناس، ويشهد لذلك حديث النّعمان بن بشير "ومَنْ لَمْ يَشْكُرْ لِلناسِ لَمْ يَشْكُر الله"[123]، رواه عبد الله بن أحمد في زوائد المسند. وذكر القاضي أبو بكر بن العربي[124]  أنّه روى برفعهما ونصبهما، ورفع أحدهما ونصب الآخر، فهذه أربعة أوجه". انتهى.

45- حديث "كانَ بَيْني وبَين رَجُلٍ خُصومةٌ في شيء فاخْتَصَمْنا إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم، فقال: شاهِداك أو يَمينه"[125].

قال القاضي عياض: "كذا الرواية، وارتفع (شاهداك) بفعل مضمر"، قال سيبويه[126]: "معناه ما قال شاهداك". قلت: أو على أن التقدير لك إقامة شاهديك أو طلب يمينه فحذف الإقامة والطلب وأقيم المضاف إليهما مقامه فارتفع، وحذف الخبر للعلم به. 

وقال الكرماني[127] : "أي المثبت أو الحجة شاهداك، أو شاهداك هو المطلوب".

قوله "لَفِيَّ والله نَزَلَتْ".

قال ابن مالك[128]: "فيه شاهد على توسّط القسم بين جزأي الجواب، وعلى أنّ اللام يجب وصلها بمعمول الفعل الجوابي المقدّم، وخلو الفعل منها ومن قبول قد إن كان ماضياً، كما يجب خلوّ المضارع منها ومن قبول نون التوكيد إذا قدّم معموله، كقوله تعالى: {ولَئِنْ مُتُّمْ أو قُتِلْتُم لإلَى اللّه تحْشرون}"[129] .

46- حديث "فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بَيّنَتك أَنها بيرك وإلاّ فَيَمينه"[130].

قال أبو البقاء[131]: "(بيّنَتَك) بالنصب على تقدير هات أو أحضر، و(أنّها) بالفتح لا غير، والكسر خطأ فاحش ،وقوله (وإلاّ فيمينه) يجوز فيه النصب على تقدير: وإلا فاسْتَوفِ يَمينَه، والرفع على تقدير: وإلاّ فَلَك يمينه، على الإبتداء والخبر".

وقال الكرمانى [132]: "يجوز في (بيّنتك) الرفع أي المطلوب بيّنتك".

 

مسند الأغَرّ المُزَنيِّ