|
|
|
|
|
تحقـيق القـول
بالعمل
بالحديث الضعيف |
|
د.عبد العزيز عبد الرحمن بن محمد
العثيم |
|
أستاذ مساعد بكلية الدعوة وأصول
الدين |
|
|
|
|
|
|
|
مقدمـة |
|
إن الحمد لله ، نحمده،
ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله
من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضِل له، ومن يضلل فلا
هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده
ورسوله. صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيراً |
|
أما بعـد: |
|
فإن أوّل أصـول التشـريـع وأجلها
هو القرآن الكريم، الذي هو كلام الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم التي هي وحي كذلك قال تعالى: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ
يُوحَى}[1]وقد
وصلت السنة المطهرة إلينا من طرق مختلفة صحة وضعفاً. |
|
ورغم ما بذله أساطين
هذه الأمة من جهود مضنية حيال السنة فقد بقي جزء منها لم تثبت صحته بل ثبت ضعفه
وهو متفاوت الضعف فمنه ما اشتد ضعفه ومنه ما قرب ضعفه. وهـذا القسم اختلفت فيـه
آراء العلماء في العمل به قديماً وحديثاً فمن قائل بجواز العمل به مطلقاً، ومن
مانع لذلك، ومنهم من فصَّل فيه واشترط له شروطاً. |
|
وكنت إذا سمعت القول
بجـواز العمل بالحديث الضعيف أخذت أتساءل هل نحن بحاجة إلى مثل هذا، وبين أيدينا
كتاب الله وما ثبت من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم التي حوت كلَّ ما تحتاج إليه هذه الأمة
من أمور دينها ودنياها قال تعالى: {الْيَوْمَ
أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ
لَكُمُ الإِسْلامَ دِيناً}[2]
فأحببت أن أجمع شتات هذه المسألة من بطون الكتب ومن أقوال الأئمـة ثم أحقق القول
فيها، وأرجح ما أراه راجحاً إذا عضده الدليل مع مناقشة ما خالف ذلك مناقشة
علميّة مبنية على الحجج والبراهين. وسأتكلم على العمل بالحـديث الضعيف المتفق
على ضعفـه، وإن كان مختلف فيه فعلى رأي من قال بضعفه لا على رأي من قال بصحته.
وجعلته على خمسة أبواب: |
|
الباب
الأول: الأحاديث الواردة في الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم وبيان معنى
الكذب والوعيد الوارد في ذلك. وقد استفتح كلامي على هذا الموضوع بهذا الباب لأن
الحديث الضعيف الباقي على تلك الصفة لا يزال احتمال عدم ثبوته قائماً فالعمل به
وهو على تلك الصفة يؤيد ثبوته فيكون للعامل به نصيب من الكذب. |
|
الباب الثاني: تعريف
الحديث الضعيف وأنواعه. |
|
الباب الثالث: وجوب
معرفة الحديث الصحيح من الضعيف. |
|
الباب الرابع: رواية
الأحاديث الضعيفة. |
|
الباب الخامس: العمل
بالحديث الضعيف. |
|
والله أسأل أن يجعله
خالصاً لوجهه الكريم، وأن ينفعني وقارئه بما فيه، ويعفو عن ما صدر من خطأ أو زلل
إنه جواد كريم. |
|
|
|
البــاب الأول |
|
وردت أحـاديث في وعيـد من كذب على
النبي صلى الله عليه وسلم، ومن أجـل ذلك كان بعض الصحابة يتحرج من التحديث خوفاً
من الوقوع في الكذب عليه - صلوات الله وسلامه عليه - كالزبير بن العوام وأنس
وأبو قتادة وعثمان بن عفان وصهيب[3]
رضي الله عنهم. واستفتح البحث في هذا الموضوع بإيراد بعض الأحاديث المتضمنة
لوعيد من كذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم مما أخرجه الشيخان أو أحدهما،
وأشير إلى الأحاديث التي لم يخرجاها. |
|
1- عن
علي رضي الله عنه: قال قال
النبي صلى الله عليه وسلم: "لا تكذبوا عليَّ،
فإنه من كذب عليّ فليلج النار"[4]. |
|
2- وعن أنس بن مالك رضي
الله عنه قال: "إنه ليمنعني أن أحدثكم حديثاً كثيراً أن النبي صلى الله
عليه وسلم قال: "من تعمد عليَّ كذباً فليتبوأ
مقعده من النار"[5]. |
|
3-
وعن أبي هريرة رضي
الله عنه: عن النبي صلى الله عليه وسلم
قال: "تسموا باسمي ولا تكتنوا بكنيتي، ومن
رآني في المنام فقد رآني، فإن الشيطان لا يتمثل في صورتي، ومن كذب عليَّ متعمداً
فليتبوأ مقعده من النار"[6]. |
|
4- وعن المغيرة بن شعبة
رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول:
"إن كذباً عليَّ ليس ككذبِ
على أحد، من كذب عليَّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار"[7]. |
|
5- وعن عبد
الله بن
الزبير قال قلت للزبير: "إني لا أسمعك تحدث عن رسول الله صلى الله عليه
وسلم كما يحدث فلان وفلان؟ قال: أما أني لم أفارقه ولكن سمعته يقول: "من كذب عليَّ فليتبوأ مقعده من النار"[8]. |
|
6- وعن
عبد الله بن
عمرو رضي الله عنهما:أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
"بلغوا عني ولو آية، وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج، ومن كذب عليَّ متعمداً
فليتبوأ مقعده من النار"[9]. |
|
7- وعن سلمـة رضي الله عنه: قال:"
سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "من يقل
عليَّ ما لم أقل فليتبوأ مقعده من النار"[10]. |
|
8- وعن واثلة بن الأسقع رضي الله عنه يقول:" قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن من أعظم الفرى أن يدعى الرجل إلى غير أبيه، أو يري عينه ما لم تر، أو يقول على رسول صلى الله عليه وسلم ما لم يقل"[11]. |
|
9-
وعن أبي سعيد الخدري
رضي الله عنه: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا تكتبوا عني، ومن كتب عنيٍ غير القرآن فليمحه،
وحدثوا عني ولا حرج، ومن كذب عليّ- قال همام- أحسبه متعمداً فليتبوأ مقعده من
النار"[12]. |
|
10-
وعن سمرة بن جندب
رضي الله عنه قال: "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من حدث عني بحديث يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين"[13]. |
|
أحاديث أخرى لم ترد في
الصحيحين: |
|
وهناك أحاديث أخرى ليست في الصحيحـين،
وهي صحيحـة أو حسنة أو ضعيفة متفاوته في ضعفها. |
|
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: "وصح
أيضاً في غير الصحيحين من حديث عثمان بن عفان وابن مسعود وابن عمر وأبي قتادة
وجابر وزيـد بن أرقم، وورد بأسانيد حسان من حديث طلحة ابن عبيد الله وسعيد بن
زيد وأبي عبيدة بن الجراح وسعد بن أبي وقاص ومعاذ بن جبل وعقبـة بن عامر وعمـران
بن حصين وابن عباس وسلمان الفارسي ومعاوية بن أبي سفيان ورافـع بن خديـج وطارق
الأشجعي والسائب بن يزيد وخالد بن عرفطة وأبي أمامة وأبي قرصافه وأبي موسى
الغافقي وعائشة رضي اللّه عنهم فهؤلاء ثلاث وثلاثون نفساً من الصحابة[14]
وورد أيضاً عن نحو من خمسين غيرهم بأسانيد ضعيفة، وعن نحو من عشرين آخرين
بأسانيد ساقطة"[15]. |
|
ثم قال:
"وقد اعتنى الحفاظ بجمع طرق هذا الحديث فذكر من جمعهم من الحفاظ مبتدأ بعلي
بن المديني ثم ذكر بعده عدداً من الحفاظ ممن جمع طرق هذا الحديث إلى أن قال:
وتحصل من مجموع ذلك كله رواية مائة من الصحابة على ما فصلته من صحيح وحسن وضعيف
وساقط مع أن فيها ما هو في مطلق ذم الكذب عليه من غير تقييد بهذا الوعيد الخاص،
ونقل النووي[16]
أنه جاء عن مائتين من الصحابة، ولأجل كثرة طرقه أطلق عليه جماعة أنه متواتر"[17]. |
|
بيـان معنى الكذب : |
|
والكذب: خلاف الصدق |
|
قال الصغـاني: "تركيب
الكـذب يدل على خلاف الصـدق وتلخيصه أنه لا يبلغ نهاية الكلام في الصدق"[18]. |
|
وقـال النـووي: "الكـذب
فهو عند المتكلمين من أصحابنا الإخبار عن الشيء على خلاف ما هو عمـداً كان أو
سهواً هذا مذهب أهل السنة". وقالت المعتزلة: "شرطه العمدية"،
ودليل خطاب هذه الأحاديث لنا فإنه قيده صلى الله عليه وسلم بالعمد لكونه قد يكون
عمداً وقد يكون سهواً مع أن الإجماع والنصوص المشهورة في الكتاب والسنة متوافقة
متظاهرة على أنه لا إثم على الناسي والغالط فلو أطلق صلى الله عليه وسلم الكذب
لتوهم أنه يأثم الناسي أيضاً فقيده وأما الروايات المطلقة فمحمولة على المقيدة
بالعمد[19]
والله أعلم. |
|
ومعنى "لا تكذبوا
عليَّ" قال الحافظ[20]:
"هو عام في كل كاذب، مطلق في كل نوع من الكذب. ومعناه - لا تنسبوا الكذب إليَّ،
ولا مفهوم لقوله "عليَّ" لأنه لا يتصور أن يكذب له لنهيه عن مطلق
الكذب. وقد اغتر قوم من الجهلة فوضعوا أحاديث في الترغيب والترهيب، وقالوا: نحن
لم نكذب عليه، بل فعلنا ذلك لتأييد شريعته، وما دروا أن تقويله صلى الله عليه
وسلم ما لم يقل يقتضي الكذب على اللّه تعالى، لأنه إثبات حكم من الأحكام
الشرعية، سواء كان في الإيجاب أو الندب، وكذا مقابلهما وهو الحرام والمكروه. ولا
يعتد بمن خالف ذلك من الكراهية حيث جوزوا وضع الكذب في الترغيب والترهيب في
تثبيت ما ورد في القرآن والسنة واحتج بأنه كذب له لا عليه. وهو جهل باللغة
العربية. وتمسك بعضهم بما ورد في بعض طرق الحديث من زيادة لم تثبت وهي ما أخرجه
البزار[21]
وأبو نعيمِ[22]
قال البزار: حدثنا عبد الله بن سعيد ثنا يونس بن بكير ثنا الأعمش عن طلحـة بن
مصرف عن عمرو بن شرحبيل عن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من كذب عليّ ليضل به الناس..." الحديث.
وقد اختلف في وصله وإرساله ورجح الدارقطني[23]
والحاكم[24]
إرساله. |
|
قال الهيثمي[25]
في سند البزار: "رجاله رجال الصحيح". |
|
قلت: فيه يونس بن بكير
من رجال مسلم لكنه صدوق يخطئ[26]
وقد وهم في سند هذا الحديث في موضعين. |
|
قال الحاكم: "يونس
بن بكير واهم في إسناد هذا الحديث في موضعين: أحدهما أنه أسقط بين طلحة بن مصرف
وعمرو بن شرحبيل أبا عمار. |
|
والآخر أنه وصل بذكر
عبد الله بن مسعود، وغير مستبدع من يونس بن بكير الوهم"[27] |
|
وقال أبو نعيم: "هـذا
حديث غريب من حديث طلحـة والأعمش، لم يروه مجوداً مرفوعاً إلا يونس بن بكير"[28]. |
|
قلت: فدل هذا على أنه
لم يصله بذكر ابن مسعود بالزيادة المذكورة غيره. |
|
وأخرجه الدارمي[29]
من حديث يعلي بن مرة وهو من طريق عمر بن عبد الله بن يعلي بن مرة عن أبيه عن جده
وعمر قال الحافظ: فيه ضعيف[30]. |
|
قلت: حاله أسوأ مما
قاله الحافظ[31]. |
|
وعلى تقدير ثبوته فليست
اللام فيه للعلة بل للصيرورة كما فسر قوله تعالى: {فَمَنْ
أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ
عِلْمٍ}[32]. |
|
والمعنى أن مآل أمره
إلى الإضلال، أو هو من تخصيص بعض أفراد العموم بالذكر فلا مفهوم له كقوله تعالى:
{لا تَأْكُلُوا الرِّبا أَضْعَافاً مُضَاعَفَةً}[33]
و{وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ
إِمْلاقٍ}[34]
فإن قتل الأولاد، ومضاعفة الربا، والإضلال في هذه الآيات إنما هو لتأكيد الأمر
فيها لا لاختصاص الحكم[35]. |
|
قال القاري: "وبهذا
يندفع زعم من جوز وضع الأحاديث للتحريض على العبادة كما وقع لبعض الصوفية الجهلة
في وضع أحاديث في فضائل السور وفي الصلوات الليلية والنهارية وغيرها والأظهر أن
تعديته بعلي لتضمين معنى الافتراء"[36]. |
|
قلت: وحمل بعضهم حديث
"من كذب عليَّ" على من قال في حقـه صلى الله عليه وسلم ساحر أو مجنون مستدلين على ذلك بحديث
أخرجه الطبراني[37]
عن أبي أمامة قال: قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم:
"من كذب عليَّ متعمداً فليتبوأ مقعده بين عيني جهنم فشق ذلك على أصحابه،
فقالوا: يا رسول الله نحدث عنك بالحديث نزيد وننقص؟ قال: ليس ذا أعنيكم إنـما
أعني الذي يكذب علي متحدثاً يطلب به تشقيق الإسلام" وأخرجه الحاكم[38]. |
|
قال الحاكم فيه: "حديث
باطل والحمل فيه على محمد بن الفضل بن عطية وهو ساقط"[39]وقال
ابن حجر: "فيه كذبوه"[40]. |
|
قال الترمذي: "سألت
عبد الله بن عبد الرحمن أبا محمد عن حديث النبي صلى الله عليه وسلم: "من حدث عني حديثاً وهو يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين"
قلت له: من يروي حديثاً وهو يعلم أن إسناده خطأ، أتخاف أن يكون قد دخل في حديث
النبي صلى الله عليه وسلم أو إذا روى الناس حديثاً مرسلاً فأسنده بعضهم، أو قلب
إسناده يكون قد دخل في هذا الحديث؟ فقال: لا. إنما معنى هذا الحديث إذا روى
الرجل حديثاً ولا يعـرف لذلك الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أصل فحدث به
فأخاف أن يكون قد دخل في هذا الحديث"[41]. |
|
قال ابن حجر[42]:
"فإن قيل الكذب معصية، إلا ما استثنى في الإصلاح وغيره، والمعاصي قد توعد
عليها بالنار فما الذي امتاز به الكاذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم من
الوعيد على من كذب غيره فالجواب عنه من وجهين: |
|
أحدهما: أن الكذب عليه
يكفر متعمده عند بعض أهل العلم، وهو الشيخ أبو محمد الجويني، لكن ضعفه ابنه إمام
الحرمين ومن بعده. |
|
وقال ابن المنير إلى
اختياره، ووجهه بأن الكاذب عليه في تحليل حرام مثلاً لا ينفك عن استحلال ذلك
الحرام أو الحمل على استحلاله، واستحلال الحرام كفر. والحمل على الكفر كفر.
وفيما قاله نظر لا يخفى. والجمهور على أنه لا يكفر إلا إذا اعتقد حل ذلك. |
|
الجواب الثاني: أن الكذب عليه كبيرة،
والكذب على غيره صغيرة فافترقا ولا يلزم من استواء الوعيد في حق من كذب عليه، أو
كذب على غيره أن يكون مقرهما واحد أو طول إقامتهما سواء، فقد دل قوله صلى الله
عليه وسلم " فليتبوأ " على طول الإقامة فيها، بل ظاهره أنه لا يخرج
منها لأنه لم يجعل له منزلاً غيره إلا أن الأدلة القطعية قامت على أن خلود
التأبيد مختص بالكافرين. |
|
وقد فرق النبي صلى الله
عليه وسلم بين الكذب عليه وبن
الكذب على غيره كـما في حديث المغيرة بن شعبة المتقدم " أن كذباً عليَّ ليس
ككذب على أحد". |
|
وقال السخاوي مشيراً
إلى حديث سمرة المتقدم: "وكفى بهذه الجملة وعيداً شديداً في حق من روى
الحـديث وهو يظن أنـه كذب فضلاً أن يتحقق ذلك ولا يبينه لأنه صلى الله عليه وسلم
جعل المحدث بذلك مشاركاً لكاذبه في وضعه"[43]. |
|
والكذب على الله تعالى
وعلى رسوله بالجملة معلوم تحريمه من الدين ضرورة فإن القرآن مملوء بذلك في حقه
تعالى والسنة في حق رسوله صلى الله عليه وسلم ولأن الإفتراء على الرسول افتراء
على الله عز وجل[44]. |
|
بيان معنى فليتبوأ: فليتبوأ: أي فليتخذ
لنفسه منزلاً، يقال تبوأ الرجل المكان إذا اتخذه سكناً، وهو أمر بمعنى الخبر، أو
بمعنى التهديد، أو بمعنى التهكم، أودعا على فاعل ذلك: أي بوأه الله ذلك[45]. |
|
وقال الكرماني[46]
:يحتمل أن يكون الأمر حقيقة، والمعنى من كذب فليأمر نفسه بالتبؤ ورجح أنه أمر
بمعنى الخبر. ووافقه الحافظ ابن حجر عليه[47]
مستدلاً بحديث ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن الذي يكذب عليَّ يبنى له بيت في النار"[48]. |
|
الباب الثـاني |
|
يجب على المشتغل في
الحـديث النبوي الشريف، أن يبذل قصارى جهده في معرفة الحـديث الصحيح من غيره،
إذا كان من أهل الصناعة، حتى يتبين له الحديث الصحيح الذي تتوفر فيه شروط الصحة
أو الحُسْن المعروفة من ضبط وعدالة واتصال وسلامة من شذوذ وعلة من الحديث الذي
لا يتوفر فيه ذلك أو بعضه. |
|
وإن لم
يكن من أهل الصناعة فعليه أن يتعرف على ذلك من مظانه، كالكتب المشهود لها
بالصحـة، أومن أقوال العلماء المعتبرين في هذا الفن، حتى لا يتعرض للوعيد الشديد
الصادر من فيه صلوات اللّه وسلامه عليه، المتقدم ذكره، إذا نسب حديثاً إلى رسول
الله صلى الله عليه وسلم وهو منه براء، إذا لم يرد من وراء ذلك بيان حاله لأنه
يترتب على الأحاديث الأحكام الشرعية والأمور العلمية، فإذا كان الحديث ضعيفاً
كيف يسوغ أن ينسب ذلك القول إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو لم يصدر عنه. |
|
والاشتغال في تمييز الحديث الضعيف من
الصحيح أولى من الاشتغال في تمييز الصحيح من الحسن أو العكس لأن كلا القسمين من
المقبول، ويعمل بهما إلا إن احتيج إلى ذلك عند التعارض للترجيح. |
|
وقد نهض أئمة هذا الشأن ببيان حال أكثر
الأحاديث من صحة أو ضعف أو وضع وأصَّلوا أصولاً متينة، وقعدوا قواعد رصينة، من
أتقنها وتضلع بمعرفتها أمكنه أن يعلم درجة أي حديث ولو لم ينصوا عليه وذلك هو
علم أصول الحديث أو مصطلح الحديث. |
|
قال الحافظ ابن حجر:
"السبيل لمن أراد الاحتجاج بحديث من السنن الأربعة لا سيما سنن ابن ماجة
ومصنف ابن أبي شيبة ومصنف عبد الرزاق مما الأمر فيه أشد، أو بحديث من المسانيد
لأن هذه لم يشترط جامعوها الصحة والحسن: أنه إن كان أهلاً للنقل والتصحيح فليس
له أن يحتج بشيء من القسمين حتى يحيط به. وإن لم يكن أهلاً لذلك فإن وجد أهلاً
لتصحيح أو تحسين قلّده، وإلا فلا يقوم على الاحتجاج كحاطب ليل، فلعله يحتج
بالباطل وهو لا يشعر"[49]. |
|
ونحو ذلك قال زكريا الأنصاري في فتح
الباقي شرح ألفية العراقي[50]
. |
|
وقـال ابن تيمية:
"المنقـولات فيها كثـير من الصدق وكثير من الكذب، والمرجع في التمييز بين
هذا وهذا إلى علم الحديث، كـما نرجع إلى النحاة في الفرق بين نحو العرب وغير
نحـو العرب، ونرجـع إلى علماء اللغة، فيما هو من اللغة وما ليس من اللغة، وكذلك
علماء الشعـر والطب وغـير ذلـك فلكـل علم رجـال يعـرفون به، والعلماء بالحديث
أجل قدراً من هؤلاء وأعظمهم صدقاً، وأعلاهم منزلة وأكثر ديناً وهم من أعظم الناس
صدقاً وأمانة وعلماً وخبرة فيما يذكرونه من الجرح والتعديل"[51]. |
|
فعلى هذا يجب التحري في
كل حديث حتى تتبين حاله. قال تعالى: {يَا أَيُّهَا
الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا}[52]. |
|
ومن المعلوم أن حجة
الله عز وجل على عباده إنما هي الكتاب والسنة لا غير، إلا اللهم ما استنبطه
العلماء منهما: فالقرآن تكفل الله عز وجل بحفظه كما قال تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ
لَحَافِظُونَ}[53]. |
|
وأما السنة المطهرة فلم
يتكفل بحفظها كالقرآن لحكمة يعلمها، ولهذا قد أدخل فيها
ما لم يكن منها، فالاعتماد عليها مطلقاً، ونشرها دون تمييز أو تحقيق يؤدي
حتماً إلى تشريع ما لم يأذن به اللّه. وفاعل ذلك قد لا يسلم من الوقوع في
المحظور الذي هو الكذب علـى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقيض الله عز وجل
للأمة رجالاً أمناء، يقظين، مخلصين، قاوموا الوضاعين وتتبعوهم، ومازوا الغثه من
السمن، ولولا الجهود المضنية التي بذلها الصحابة، والتابعون وعلماء الأمة من
بعدهم لاشتبه على كثيرين من الناس بعض أمور دينهم لكثرة ما اختلقه من الكذب
الوضاعون، ونسبوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم زوراً وبهتاناً. |
|
فصانوا كلام رسول الله
صلى الله عليه وسلم منا أن يكون مطية لأهل الأهواء. |
|
وقد كان بعض كبار
التابعين، إذا سمعوا الحديث عن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم من غير الصحابة فزعوا إلى من عندهم من
الصحابة ليتثبتوا عن ذلك الحديث، وكذلك شأن في صغار التابعين، يفزعون إلى من
عندهم من كبار التابعين كل ذلك ليثبت[54]. |
|
وهكذا أسهمت جهود
العلماء في هذا المضمار بتكوين علم الجرح والتعديل، الذي أرسى قواعده وأسسه
الصحابة والتابعون وأتباعهم، وقد ظهر في كل عصر عدد كبير من النقاد تكفل ببيان
أحوال الرواة، ونقل السنة وحفظها على أسلم القواعد العلمية. ثم ما لبث أن صنف
العلماء المؤلفات الضخمة في الرواة وأقوال النقاد فيهم، حتى أنه لم يعد يختلط
الكذابون والضعفاء بالعدول الثقات[55]. |
|
قيل لابن المبارك:
"هذه الأحاديث الموضوعة؟ فقال: تعيش لها الجهابذة"[56]. |
|
وقال مسلم: "فلولا
الذي رأينا من سؤ صنيع كثير ممن نصب نفسه محدثاً فيما يلزمهم من طرح الأحاديث
الضعيفة والروايات المنكرة، وتركهم الاقتصار على الأحاديث الصحيحة المشهورة مما
نقله الثقات المعروفون بالصدق والأمانة، بعد معرفتهم وإقرارهم بألسنتهم أن كثيراً
مما يقذفون به إلى الأغبياء من الناس هو مستنكر، ومنقول عن قوم غير مرضيين ممن
ذم الرواية عنهم أئمة الحديث، مثل مالك بن أنس وشعبة بن الحجاج وسفيان ابن عيينة
ويحيى بن سعيد القطان وعبد الرحمن بن مهدي وغيرهم من الأئمة لما سهل علينا الانتصاب
لما سألت من التمييز والتحصيل، ولكن من أجل ما أعلمناك من نشر القوم الأخبار
المنكرة بالأسانيد الضعاف المجهولة وقذفهم بها إلى العوام الذين لا يعرفون عيوبها
خف على قلوبنا إجابتك إلى ما سألت". |
|
وقال في موضع آخر:
"ولا أحسب كثيراً ممن يُعَرِّج من الناس على ما وصفنا من هذه الأحاديث
الضعاف والأسانيد المجهولة، ويعتد بروايتها بعد معرفته بما فيها، من التوهن
والضعف - إلا أن الذي يحمله على روايتها والاعتداد بها إرادة التكثر بذلك عند
العوام، ولأن يقال ما أكثر ما جمع فلان من الحديث وألَّف من العدد، ومن ذهب في
العلم هذا المذهب، وسلك هذا الطريق فلا نصيب له فيه. وكان بأن يسمى جاهلاً، أولى
من أن ينسب إلى علم"[57]. |
|
وقد لا يسلم الإنسان من
الوقوع في المهالك إذا لم تكن عنده الخبرة التامة في معرفة الأحاديث، أو يعتمد
في ذلك على من اعترف له بالإمامة في هذا الشأن. |
|
أخرج مسلم[58]
بسنده عن أبي هريرة رضي الله. عنه
قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كفى
بالمرء كذباً أن يحدث بكل ما سمع". |
|
ومن أجل ذلك قال مالك: "ليس يسلم رجل حدث بكل ما سمع، ولا يكون
إماماً أبداً وهو يحدث بكل ما سمع"[59].
|
|
وقال عبد الرحمن بن
مهدي: "لا يكون الرجل إماماً يقتدى به حتى يُمسك عن بعض ما سمع"[60]
|
|
وقال: "إن العالم
إذا لم يعرف الصحيح والسقيم من الحديث لا يسمى عالماً"[61]. |
|
وقال الإمام أحمد
وإسحاق بن راهوية: "أن العالم إذا لم يعرف الصحيح والسقيم والناسخ والمنسوخ
من الحديث لا يسمى عالماً"[62]. |
|
وقال الثوري: "اتقوا
الكلبي قال فقيل له: فإنك تروي عنه؟ قال: أنا أعرف صدقه من كذبه"[63]. |
|
قال أبو عوانة: "لما
مات الحسن البصري رحمه الله، اشتهيت كلامه فتتبعته عن أصحاب الحسن، فأتيت به
أبان بن أبي عياش فقرأه عليَّ كله عن الحسن، فما استمل أن أروي عنه شيئاً"[64]. |
|
وقال عبد الرحمن بن
مهدي: "لإن أعرف علة حديث هو عندي أحب إلي من أن أكتب عشرين حديثاً ليست
عندي"[65]. |
|
قال يحيى بن سعيد:
"سألت شعبة وسفيان بن سعيد وسفيان بن عيينة ومالك بن أنس عن الرجل لا يحفظ
أو يتهم في الحديث قال: قالوا جميعاً: بين أمره"[66]
فكل من كان متهماً في الحديث بالكذب أو كان مغفلاً يخطئ الكثير فالذي اختاره
أكثر أهل الحديث من الأئمة أن لا يشتغل بالرواية عنه ألا ترى أن عبد الله بن
المبارك حدث عن قوم من أهل العلم فلما تبين له أمرهم ترك الرواية عنهم[67]. |
|
البـاب الثـالث |
|
تعريفه: عرفه ابن
الصلاح بأنه هو: "كل حديث لم تجتمع فيه صفات الحديث الصحيح ولا صفات الحديث
الحسن"[68] |
|
وعرفه ابن دقيق العيد[69]
بأنه: "هو ما نقص عن درجة الحسن"[70]
وهذا هو التعريف المختار. لأن ما لم تجتمع فيه صفات الحسن فهو من الصحيح أبعد[71]
ولأنه لو اختلت بعض صفات الصحيح كخفة الضبّط مثلاً لا يكون ضعيفاً وإنما يكون
حسناً[72]
. |
|
والأولى من ذلك أن يقال
في تعريفة: هو ما لم تتوفر فيه صفات القبول[73]وأنواع
الحـديث الضعيف كثيرة منها ما يعود إلى اتصال السند ومنها ما لا يعود إلى اتصال
السند وإنما إلى أسباب متعددة تكون في السند أو المتن أو فيهما معاً. |
|
وأنواعه كثيرة أوصلها
ابن حبان إلى تسعة وأربعين نوعاً. وبلغ بها العراقي إلى اثنين وأربعين وبلغ بها
غيرهما إلى ثلاثة وستين نوعاً، وزاد آخرون على هذا العدد[74]. |
|
والحاجة لا تدعو هنا
إلى تعداد أنواع الحديث الضعيف لأنها مبسوطة في كتب علوم الحديث. وهذه الأنواع
متفاوتة الضعف ويمكننا حصر ذلك التفاوت في ثلاثة أقسام: |
|
الأول: الموضوع وهو أشر أنواع الضعيف،
وما قيل في إسناده كذاب أو وضاع. |
|
الثاني: أخف من سابقه
قليلاً، لكنه شديد الضعف، وهو ما قيل فيه متهم أو مجمع على تركه أو ضعفه أو ذاهب
الحديث أو هالك أو منكر أو ساقط أو ليس بشيء أو ضعيف جداً. |
|
الثالث: الضعيف الذي ينجبر بمثله، وهو ما كان في سنده سيئ الحفظ أوله أوهام أو يهم أو مدلس معنعن أو
مختلط أو ما قيل فيه ضعيف فقط أو لم أر فيه توثيقاً ونحو ذلك. |
|
تنبيـه: وفـائدة هذا
التقسيم هو معرفة ما ينجبر ومالا ينجبر فالقسم الأول والثاني لا ينجبران
بالمتابعة، ولا ينتفعان بالشواهد إلا ما قيل في قرب ضعفه كـما سيأتي بيانه إن
شاء الله. |
|
وأما الثالث فهو بعكس
ذلك، وهو الذي وقع الخلاف فيه بالعمل به في حال تفرده، في فضائل الأعمال، كما
ذهب إليه بعض الأئمة، وسيأتي بيان الحق فيه إن شاء اللّه وسنتكلم على كيفية
رواية الأحاديث الواقعة في هذه الأقسام في الباب الرابع. |
|
الباب الرابع |
|
الأحاديث الضعيفة تنقسم
بالنسبة إلى روايتها إلى قسمين: |
|
أحاديث صالحة للاعتبار. |
|
وأحاديث اشتد ضعفها، لا
تصلح للاعتبار بها، إلا على قول من قال: إن شديدة الضعف يعضد بعضها البعض الآخر
حتى يقرب ضعفها، وتكون بمجموعها بمثابة طريق ضعيف صالح للمتابعة. وبهذا يظهر أن
للحديث أصلاً، فإذا أتى الحديث من طريق آخر، أو عن صحابي آخر وضعفه يسير اعتضدا،
وعمل بما فيها لأنه أصبح من قسم الحسن لغيره[75]
. |
|
فالقسم الأول : إما أن
يكون مسنداً أو غير مسند. |
|
والمسند إما أن يكون في
فضائل الأعمال، والترغيب والترهيب والقصص وما أشبه ذلك، وإما أن يكون في الأحكام
أو في العقائد. |
|
فإن كانت مسندة وكانت
في فضائل الأعمال وما في معناها جازت روايتها على قول كثير من الأئمة ولو لم
تبين حالها، لأنه يُحتاج إليها للاعتبار بها عند ما يرد طريق آخر أو حديث آخر عن
صحابي آخر صالح للمتابعة فعندئذ يكون ما اشتمل عليه من أقسام المقبول ويعمل به. |
|
ولأنه لو لم تنقل لتعطل جزء كبير من
السنة عن العمل به. وتقدم قول الحافظ ابن حجر[76]
أن أهل السنن الأربعة لا سيما سنن
ابن ماجة، وأهل المصنفات، والمسانيد لم يلتزموا الصحة والحسن. |
|
ففرق بين رواية الحديث
الضعيف وبين العمل به. فالأحاديث الضعيفة موجودة في بطون دواوين السنة لا سيما
عند من لم يلتزم الصحة[77]
. |
|
قال أحمد في رواية عباس
الدوري عنه - ابن إسحاق رجل تكتب عنه هذه الأحاديث يعني المغازي ونحوها وإذا جاء
الحلال والحرام أردنا قوماً هكذا وقبض أصابع يده الأربع[78]
. |
|
وقال النوفلي: "سمعت
أحمد بن حنبل يقول: إذا روينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحلال
والحرام والسنن والأحكام تشددنا في الأسانيد، وإذا روينا عن النبي صلى الله عليه
وسلم في فضائل الأعمال، وما لا يضع، حكماً أو يرفعه، تساهلنا في الأسانيد"[79]. |
|
وقال الميموني: "سمعت
أبا عبد الله يقول: أحاديث الرقاق يحتمل أن يتساهل فيها حتى يجئ شئ فيه حكم"[80]. |
|
وكان أبو زكريا العنبري
يقول: "الخبر إذا ورد لم يحرم حلالاً ولم يحل حراماً ولم يوجب حكماً، وكان
في ترغيب أو ترهيب أو تشديد أو ترخيص وجب الإغماض عنه والتساهل في رواته"[81]. |
|
وقال البيهقي في المدخل
عن ابن مهدي: "إذا روينا عن النبي صلى الله عليه وسلم في الحلال والحرام
والأحكام شددنا في الأسانيد وانتقدنا في الرجال، وإذا روينا في الفضائل والثواب
والعقاب سهلنا في الأسانيد وتسامحنا في الرجال"[82]
. |
|
وممن رُوي عنه ذلك
السفيانان وابن معين وابن المبارك[83]. |
|
وقال ابن عبد البر:
"أحاديث الفضائل لا نحتاج فيها إلى من يحتج به"[84]. |
|
وأما إذا كانت في
الأحكام والعقائد فلا تروى وإذا كانت مسندة إلا مع بيان حالها، ولم ينقل عن أحد
التساهل فيها. |
|
قال ابن الصلاح: "يجوز
عند أهل الحديث وغيرهم التساهل في الأسانيد ورواية ما سوى الموضوع من أنواع
الأحاديث الضعيفة من غير اهتمام ببيان ضعفها فيما سوى صفات الله عز وجل وأحكام
الشريعة من الحلال والحرام وغيرهما وذلك كالمواعظ وقصص وفضائل الأعمال وسائر
فنون الترغيب والترهيب وسائر ما لا تعلق له بالأحكام والعقائد"[85]. |
|
وإذا لم تكن في الأحكام
والعقائد وكانت غير مسندة، فإنها لا تروى بصيغ الجزم، بل تروى بصيغ التمريض، لا
سيما عند عدم بيان حالها. |
|
قال ابن الصلاح: "إذا
أردت رواية الحـديث الضعيف بغير إسناد فلا تقل فيه قال رسول اللّه صلى الله عليه
وسلم كذا وكـذا، ومـا أشبه هذا من الألفاظ الجازمة بأنه صلى الله عليه وسلم قال ذلك، وإنما تقول فيه روي عن رسول
الله صلى الله عليه وسلم كذا وكذا، أو بلغنا عنه كذا وكذا، أو ورد عنه، أو جاء
عنه، أو روى بعضهم، وما أشبه ذلك. |
|
وهكذا الحكم فيما تشك
في صحته وضعفه وإنما تقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما ظهر لك صحته"[88]. |
|
لكن هذا الأمـر لا يقال
أعني نسبة الحـديث الضعيف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بصيغة التمريض إلا عند العلماء، أما عند
طلاب العلم المبتدئين، أوفي المجالس العامة أو على رؤوس المنابر، فلا ينبغي الاكتفاء
بذلك، لأنهم إذا سمعوا التلفظ برسول الله صلى الله عليه وسلم ظنوا أنه حديث صحيح
لجهلهم بقواعد علم الحديث وحصول هذا كثير مشاهد[89]. |
|
ويؤيده قول علي- رضي
اللّه عنه- "حدثوا الناس بما يعرفون أتحبون أن يكذب الله ورسوله"[90]. |
|
والأولى الاحتياط في
ذلك كله، ما دام الحديث ضعيفاً فلا يروى أو ينقل إلا مقروناً ببيان حاله من غير
تمييز بين ما كان في الأحكام والعقائد، وما كان في فضائل الأعمال. |
|
ولهذا كان بعض الأئمة
كابن خزيمة[91]
إذا روى حديثاً ضعيفاً بسنده قال: حدثنا فلان مع البراءة من عهدته، وربما قال هو
والبيهقي "إن صح الخـبر"[92]. |
|
قال الشيخ أحمد شاكر
رحمه الله: "والذي أراه أن بيان الضعف في الحديث الضعيف واجب على كل حال
لأن ترك البيان يوهم المطلع عليـه، أنـه حديث صحيح، خصوصاً إذا كان الناقل من
علماء الحديث الذي يرجع إلى قولهم في ذلك"[93]. |
|
وقال الترمذي: "وقد
روى غير واحد من الأئمة عن الضعفاء وبينوا أحوالهم"[94] |
|
قال الشاطبي: "ولو
كان من شأن أهل الإسلام الأخذ بكل ما جاء عن كل ما جاء لم يكن لانتصابهم
للتعـديل والتجريح معنى، مع أنهم قد أجمعوا على ذلك، ولا كان لطلب الإسناد معنى
يتحصل"[95]. |
|
القسم الثاني: ما اشتد ضعفه، على
اختلاف أنواعه، بأن يكون لوضاع أم متروك أو ما أشبه ذلك. |
|
وقد كثرت الأحاديث التي
من هذا القبيل، وانتشرت في بطون الكتب، ككتب التفاسير والسير والترغيب والترهيب
وغيرها. |
|
وقد أوجدت لغايات
مختلفة وأغراض متباينة، منها عدم الدين كما وقع من بعض الزنادقة، والعصبية
المذهبية، والأحوال السياسية، والأغراب لقصد الاشتهار، والتقرب إلى الله بوضع
الأحاديث بزعمهم، وما وضع للتكسب به كالقصاص، ومن ذلك أيضاً ما وقع خطأ من بعض
المغفلين من الصوفية، وضعفاء الحفظ، ممن لا عناية لهم بالحديث. |
|
وهذا الأمر مستمر متجدد
في كل عصر، فيجب على علماء هذا الشأن بيان وجه الحق فيما ينسب إلى رسول الله صلى
الله عليه وسلم من الأحاديث لا سيما التي لم يسبق لها بيان، ويخشى من عدم
ثبوتها. |
|
فالأحاديث التي من هذا
القبيل لا تجوز روايتها مسندة، أو غير مسندة، إلا على جمعة بيان حالها، لخطورة
أمرها، لأن روايتها من غير بيان حالها تفصيلاً أو جملة، يؤدي إلى الكذب على رسول
الله صلى الله عليه وسلم نص على ذلك ابن الصلاح[96]
والنووي[97]
وابن حجر[98]
وغيرهم. |
|
قال النووي[99]: "تحرم روايـة الحـديث الموضوع على من عرف كونه موضوعاً أو
غلب على ظنه وضعه، فمن روى حديثاً علم أو ظن وضعه ولم يبين حال رواية وضعه فهو
داخل في هذا الوعيد، مندرج في جملة الكاذبين على رسول الله صلى الله عليه وسلم
ويدل عليه الحديث "من حدث عني بحديث يرى أنه كذب
فهو أحد الكاذبين". |
|
وقال: أنه لا فرق في
تحريم الكذب عليه صلى الله عليه وسلم
بين ما كان في الأحكام وما لا حكم فيه كالترغيب والترهيب والمواعظ وغير
ذلك، فكله حرام من أكبر الكبائر وأقبح القبائح بإجماع المسلمين الذين يعتد بهم
في الإجماع خلافاً للكراهية إلى أن قال وخالفوا صريح هذه الأحاديث المتواترة
والأحاديث الصريحة المشهورة في إعظام شهادة الزور وخالفوا إجماع أهل الحل والعقد
وغير ذلك من الدلائل القطعيات في تحريم الكذب على آحاد الناس فكيف بمن قوله شرع
وكلامه وحي"!! |
|
وإذا نظر إلى قولهم وجد
كذباً على الله تعالى فإن الله تعالى قال: {وَمَا
يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى}[100]. |
|
قال الشافعي: "إذا كان الحديث
عندك كذباً فحدثت به فأنت أحد الكاذبين"[101]. |
|
وقد تقدم بعض الأحاديث
المحذرة من ذلك وبيان وعيده. |