طباعة

 توثيق النص

 

 

 

رسائل لم يحملها البريد

للشيخ عبد الرؤوف اللبدي

المدرس بكلية الشريعة بالجامعة الإسلامية

 

 

   أختي العزيزة: "هل"

لقد وعدتك من قبل أن أحدثك في هذه الرسالة الرابعة عشرة عن همزة الاستفهام الداخلة على " إذا" الشرطية، وها أنا ذى منجزة ما وعدتك، لقد وردت هذه الهمزة في ثلاث عشرة آية من آيات لقرآن الكريم:

   الآيـة الأولى: في قولـه تعـالى:  {وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرّاً وَلا نَفْعاً إِلاَّ مَا شَاءَ اللَّهُ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ بَيَاتاً أَوْ نَهَاراً مَاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ آلآنَ وَقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلاَّ بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ}.

   الآيات: (48-52) من سورة يونس.

   تتضمن هذه الآيات الكريمة أن المشركين من قريش كانوا يقولون للرسول صلى الله عليه وسلم : "متى هذا الوعد وعد العذاب الذي تعدنا به؟ إن كنت صادقا أنت وأتباعك فيما تعدوننا به من هذا العذاب فليأتنا على عجل".

كانوا يقولون ذلك إنكاراً واستخفافاً وسخرية.

وتتضمن أيضـا أن الله سبحـانـه وتعـالى أمر رسولـه صلى الله عليه وسلم أن يقول لهم: "أنا لا أملك لنفسي ضرّا ولا نفعـا إلا ما شاء الله، والأمر كله بيـد الله، وقد جعل الله جلّ وعلا لكل أمة موعدا لا يعلمه إلا هو، فإذا حان حينه جاء في وقته المحدّد له دون أن يتأخر أو يتقدم".

وأمره أيضا أن يقـول لهم: "أيّ شيء تستعجلون من عذاب الله إن أتـاكم في ليل أو نهارا ليس شيء من العذاب يُستعجل، فالعذاب كله على اختلاف ألوانه وتعدّد ضروبه مرّ المذاق.

ثم أنتم قوم مجرمون فينبغي لكم أن تنفروا من العذاب وأن تَفْرقـوا لمجيئه، فكيف تطلبونه على عجل؟! يا لَهول ما تطلبون!! ويا لشقائكم بما تستعجلون!!".

 وتتضمن أيضا: "سوف يقال لهم إذا وقع عذاب الله بهم فآمنوا به على حـين لا ينفعهم إيـمان، سوف يقال لهم توبيخـا وتقريعـا: الآن تؤمنـون بالعـذاب وقـد كنتم من قبل هذا تستعجلونه مكذبين مستهزئين؟!! فذوقوا ما كنتم به تكذّبون".

  وقد جاء هذا الاستفهام: {أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ} جاء مفيدا الإنكار والتوبيخ[1]: إنكـار الإيـمان منهم وقت وقـوع العـذاب بهم حصان لا ينفعهم إيـمان، وتوبيخهم على تأخير الإيمان إلى زمن رؤية العذاب واقعا بهم حين لا يقبل الإيمان.

وإعراب هذا الاستفهام: {أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ}:

  (ثم): حرف عطف كالفاء والـواو العـاطفتين اللتين تقعان بعد همزة الاستفهام، وقد عطفت الجملة الشرطية التي بعدها على ما قبل الهمزة.

  و(إذا): شرطيـة غير جازمـة في محل نصب على الظرفيـة، والعـامـل فيها فعل الشرط بعدها، وجملة الشرط: (وقع وفاعلها المستتر) لا محل لها من الإعراب. و(ما) الواقعة بعد إذا زائدة للتوكيد. و(آمن) هو جواب إذا، وجملة الجواب (آمنت به) لا محل لها من الإعراب.

وهـذا الذي تقـدم من أن العـامل في إذا الشـرطية هو شرطها لا جوابها هو مذهب المحققـين من النحـاة على ما ذكـره ابن هشـام في كتابه مغنى اللبيب[2]. وقال الرضى في شرح الكافية: "وبه قال الأكثرون"[3].

 ولا يعترض عليهم بأن (إذا) مضافة إلى شرطها والمضاف إليه لا يعمل في المضاف، لأن (إذا) عند هؤلاء غير مضافة.

وهناك رأي لبعض النحاة يقول إن (إذا) مضافة إلى جملة الشرط بعدها، وإن العامل فيها هو جوابها.

 الآيـة الثانيـة: في قولـه تعـالى: {اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمّىً يُدَبِّرُ الأَمْرَ يُفَصِّلُ الآياتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَاراً وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ وَفِي الأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَإِذَا كُنَّا تُرَاباً أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ الأَغْلالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}.

الآيات: (2-5) من سورة الرعد.

 تتضمن هذه الآيات الكـريمة أن الله عز وجـل قد أبـدع خلائق عظيمة: فسماوات مرفـوعة بغـير عمد، وشمس وقمر مُسَخّران بأمره، وأرض مدّها وجعل فيها رواسي وأنهارا وزوجـن اثنين من كل ثمر، ونهار يغشاه ليل وليل يعقبه نهار، وقطع من الأرض متجاورات وجنات من أعناب وزرع ونخيل تسقى بماء واحد، ولكن قدرة الله عز وجلّ جعلت بعضها أفضل من بعض مذاقا ومطعما.

 لقد كان في هذه الخلائق العظيمة التي أبدعها الله عز وجل آيات لمن كان له قلب يفقه ويتدبّر، وعقل يذّكر ويفكّر، وحسّ سليم يرى ويتذوّق ويعتبر.

 لقد كان في هذه الخـلائق العظيمـة دلالات واضحـة جليـة على أن الذي اخـترعها وأبدعها من العدم المحض قادر على أن يعيد الحياة إلى الناس جميعا بعد الممات.

 فكـان عجيبا كل العجب إنكـار أناس أن يكـون هناك حياة أخرى، وتكذيبهم أن يبعثوا بعد موتهم خلقا جديدا، مع أنهم يرون ويحسّون هذه الخلائق العظيمة الدالة على أن الله الذي خلقها قادر على كل شيء، ولكن من يكـون أولئك الذين ينكرون البعث بعد موت؟! وماذا كان جزاؤهم عند الله جل جلاله؟!.

أولئك الذين كفروا بربهم ‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍!! وأيّ كفر أشنع من أن يكفر الإنسان بربه الذي هو خالقه ومولاه؟‍!.

أولئك الذين أذلهم الله فجعل في أعناقهم الأغلال أغلال الهوان والصغار والاحتقار، أولئك أصحاب النار ليس لهم منها مفرّ، هم فيها خالدون لا يموتون ولا يخرجون.

وقـد جاء هذا الاستفهام: {أَإِذَا كُنَّا تُرَاباً أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ} جاء مفيدا الإنكار والتكـذيب والاستهزاء والاستبعاد والتعجب[4]، مفيدا إنكار المشركين لأن يخلقوا مرة ثانية بعد الموت، وتكـذيبهم بأن يبعثـوا من قبـورهم بعد أن صاروا ترابا في جوف الأرض، لقد سخروا من ذلك واستبعدوه وعجبوا أن يكون.

وإعراب هذا الاستفهام: {أَإِذَا كُنَّا تُرَاباً أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ} سهل واضح:

فإذا شرطية غير جازمة، وهي في محل نصب على الظرفية، والعامل فيها شرطها على نحو ما مرّ في الآية السابقة، وجوابها محذوف دل عليه أإنا لفي خلق جديد تقديره أنخلق خلقا جديداً، والهمزة الثانية مؤكدة للهمزة الأولى.

وذهب أبـو حيان في تفسيره البحر المحيط[5] إلى أن (إذا) هنا متمحضة للظرفية، وتابعه على ذلك السمين في حاشية الفتوحات الإلهية[6]، وهذا الذي قالاه يحتمل ولا يتحتم.

على أن أبا حيان نفسه قال في استفهام الآية القادمة[7] وهو: {وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَاماً وَرُفَاتاً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً} قال إن إذا شرطيـة، وقـال السمين[8] يجوز أن تكون شرطية، وأسلوب الاستفهام في هذه الآية وفي الآية القادمة جاء على نسق واحد، فالقول بشرطية إذا في أحد الاستفهامين ينطبق على الاستفهام الثاني.

الآية الثالثة في قوله تعالى: {انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلاً وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَاماً وَرُفَاتاً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدا أَوْ خَلْقاً مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُؤُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيباً}.

  الآيات: (48- ا 5) من سورة الإسراء.

تتضمن هذه الآيات الكريمة أن شركي قريش كانوا يشبهون الرسول صلى الله عليه وسلم  تشبيهات كثيرة، ويضربون له الأمثال المختلفة، فتارة يقولون هو شاعر، وتارة يقولون هو مجنون، وتارة يقولون هو مسحور... ولكنهم جميعا بهذه الأمثال التي ضربوها قد جاروا عن قصد السبيل ولم سلكوا سبيل الهدى والإيمان.

وتتضمن أيضا أنهم كانـوا يقولون منكـرين مستهزئـين: {وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَاماً وَرُفَاتاً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً} إن هذا لن يكون، ولكن محمدا يدعيه ويقوله.

ومما تضمنته هذه الآيات أيضا أن الله جل جلاله قال لرسوله صلى الله عليه وسلم  قل لهم: "لو صارت عظامكم ورفـاتكم شيئا آخر أبعد عن الحياة من العظام والتراب، لو صارت حجارة أو حديدا، لو صارت خلقا آخر غيرهما مما يكـبر ويعظم في صدوركم وتظنون أنه أبعد عن قبول الحياة، فلابد لكم من البعث مهما صرتم".

سيقول لك هؤلاء المنكـرون: "من ذا الذي يقدر على إعادة الحياة إلينا؟!" قل لهم: "الذي فطركـم وأنشأكم من العدم الصرف هو الذي يعيدها إليكم، فالقادر على الابتداء قادر على الإعادة".

وحين يسمع المشركون قولك هذا سيحركون رءوسهم حركة من يسمع الشيء فينكره ويكذبه ويستبعده ويعجب منه، وسيقولون مستهزئين متى هذا العود والإحياء؟!!.

 قل لهم عسى أن يكون قريبا.

وقـد أفـاد هذا الاستفهام: {وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَاماً وَرُفَاتاً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً} أفاد الإنكار والاستهزاء والتكذيب والاستبعاد والتعجب[9].

 ينكـر هؤلاء المشركـون ويكذبون أن يبعثوا من قبورهم خلقا جديدا إذا ماتوا وصاروا عظاما وترابا، ويهزءون بهذا البعث ويستبعدونه ويعجبون أن يكون.

وقد سبق إعراب مثل هذا الاستفهام، ولا حاجـة إلى الإعادة والتكـرار، وكلمة (خلقا) الـواردة في هذا الاستفهام يجوز أن تكـون مصـدرا منصـوبـًا على المفعولية المطلقة والعامل فيه مبعوثون لأنه يلاقيه في المعنى وإن اختلف عنه في اللفظ، ويجوز أن يكون (خلقا) بمعنى مخلوقـين فهو منصوب على الحالية.

الآية الرابعـة في قوله تعالى: {وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِهِ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْياً وَبُكْماً وَصُمّاً مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيراً ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِآياتِنَا وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَاماً وَرُفَاتاً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلاً لا رَيْبَ فِيهِ فَأَبَى الظَّالِمُونَ إِلا كُفُوراً}.

الآيات: (97-99) من سورة الإسراء.

تتضمن هذه الآيات الكريمة:

مَن يهده الله تعـالىِ فهـو المهتدى، ومَن يضلهم الله تعـالى فهم الضالـون الـذين لا يجدون من دونه أنصارًا يحمونهم من عقابه وعذابه.

وسوف يحشـر الله تعالى هؤلاء الضالين يُسحبون على وجوههم إذلالاً وهوانًا، عُمياً يسيرون على غير هدى ولا يرون طريقا ولا غير طريق مما قد يُسرِّى وشرّ، بُكماً لا ينطقون بما ينفعهم أو يكون لهم حجة، صُمَّا لا يسمعون شيئا يخفّف عنهم ما هم فيه من خوف وقلق وذهول ورعب وفزع.

ولكن إلى أين يحشـرون؟! إلى جهنم، فهي مأواهم، وهم وقودها، كلما أحرقتهم فخبت بدّلوا خلقا جديدا فازدادت لهيبا وسعيرا ليذوقوا عذابا أشدّ وحسرة أوجع.

 تلك الحـال المهينـة المـذلـة التي حشـرهم الله عليها، وجهنم هذه التي كانت هي المأوى، وهذا العذاب الدائم الذي يعذبونه، ذلك كله كان جزاء كفرهم بآيات الله، وجزاء كفرهم بقدرته عزّ وجلّ على إحيائهم مرة ثانية بعد أن يصيروا في قبورهم عظاما وترابا، فقد أنكروا قدرة الله تعالى على بعثهم، وعميت قلوبهم فلم تدرك أن الله الذي خلق السماوات وما فيها والأرض ومن عليها قادر على أن يعيدهم كـما خلقهم أول مرة.

لقد جعل الله تعـالى لبعث هؤلاء المنكـرين المكـذبـين أجـلا مقدّرا وموعدا محدّدا لا ريب فيه ولا يعلمـه إلا الله، ولكن هؤلاء الظالمين الذين حادوا عن طريق الحق والإيمان بالبعث أبوا مع ظهور الأدلة وقيام الحجج إلا جحودا لهذا البعث وكفرًا بآيات الله.

وقـد أفـاد هذا الاستفهام الذي قاله المشركون: {وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَاماً وَرُفَاتاً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً} أفـاد الإنكار والتكذيب والاستبعاد والسخرية والتعجب، لقد أنكروا أن يبعثوا بعد موت، وكذبوا به تكذيبا، ولقد استبعدوه ساخرين متعجبين من أن يكون.

وقـد مضى إعراب مثل هذا الاستفهام في الآية الخامسة من سورة الرعد وهى الآية الثانية من آيات استفهام (أإذا) في هذه الرسالة.

الآية الخامسة: في قولـه تعالى: {وَيَقُولُ الأِنْسَانُ أَإِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيّاً أَوَلا يَذْكُرُ الإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئاً فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيّاً ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيّاً ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلَى بِهَا صِلِيّاً} الآيات: (66-70) من سورة مريم. تتضمن هذه الآيات الكريمة أن الإنسان الكافر ينكر أن يبعث حيّا من قبره بعد أن يموت.

وتتضمن أيضا توبيخ هذا الإنسان المنكر على عزوب التعقل والتدبر عنه، فهو لو تذكر وتفكر لأدرك أن الله الذي خلقه أوَل مرة من العدم المحض هيّن عليه أن يعيد خلقه بعد أن يصير ترابا.

وتتضمن أيضا مصير هؤلاء الناس المنكرين للبعث، فالله جل جلاله سوف يحشرهم يوم    القيامـة مع الشياطين أذلة جاثين على ركبهم حول جهنم، ثم ينزع من كل شيعة أيهم أشد عتوّا وتمّردا وتجبرّا فيقذفون في النار، ثم يتبعهم أتباعهم من بعد.

وقـد جاء هذا الاستفهام: {وَيَقُولُ الإِنْسَانُ أَإِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيّاً} جاء مفيدا الإنكار والاستبعـاد والتعجب، فقـد أنكـر الكافرون من الناس أن يبعثوا من قبورهم أحياء بعد أن يموتوا في هذه الدنيا، ورأوا ذلك بعيدا لا يمكن وعجيبا أن يكون.

وقـد كان إنكـارهم هذا بعيدا عن التعقل والتبصر، فالذي خلقهم أول مرة ولم يكونوا شيئا هيّن عليه أن يعيد خلقهم بعد أن صاروا عظاما ورفاتا، فليس في هذه الإعادة ما يدعو إلى استبعاد أو يثير شيئا من التعجب لو كانوا يعقلون.

و(إذا) في هذا الاستفهام شرطيـة. و(مـا) زائدة لتأكيد مضمون الجملة التي بعدها، وجواب إذا محذوف تقديره أخرج وقد دلّ عليه { لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيّاً}.

الآيـة السادسـة: في قوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ قَلِيلاً مَا تَشْكُرُونَ وَهُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ وَلَهُ اخْتِلافُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ أَفَلا تَعْقِلُونَ بَلْ قَالُوا مِثْلَ مَا قَالَ الأَوَّلُونَ قَالُوا أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا هَذَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ قُلْ لِمَنِ الأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ  قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ }.

 الآيات: (78-89) من سورة المؤمنون.

 تتضمن هذه الآيات الكريمة أن الله سبحانه وتعالى قد خلق لكم أيها الناس السمع الذي به تسمعون، والأبصار التي بها تبصرون، والأفئدة التي بها تفقهون، وهذه من أعظم النعم التي أنعمها الله عليكم، فكان ينبغي لكم أن تشكروا الله على هذه النعم العظيمة، ومن الشكر أن تنتفعوا بها فيما خلقت له، ومما خلقت له أن تسمعوا بها آيات الله التي تسمع، وأن تبصـروا بها آيـات الله التي تبصر، وأن تتفكـروا وتتدبروا هذه الآيات جميعا فتدركوا أن الذي أنشأها من العدم قادر على أن يخلقها مرة ثانية بعد الموت، ولكنكم أيها الناس قليلا ما تشكرون الله الذي خلقها لكم وأنعم بها عليكم، قليلا ما تشكرونه شكرا يرضى عنه في هذه الدنيا، وينفعكم عنده يوم يقوم الحساب.

وتتضمن أيضا أن الله قد أنعم عليكم بنعمة الحياة في هذه الدنيا فخلقكم فيها وبثكم من فوق الأرض، ولكنها نعمـة لا تدوم، فسـوف يميتكم بعـد هذا ثم إليـه وحده تحشرون فيجازيكم بما كنتم تعملون.

كان ينبغي لكم أيها الكافرون أن تتفكروا وتتدبروا أن الذي يحي ويميت ويخلق الليل والنهار خلفه قادر على أن يخلقكم مرة ثانية، ولكنكم أناس لا تعقلون ولا تبصرون فقلتم مثل ما قال أسلافكم الأولون الذين كذبوا بالرسل، أنكرتم البعث مثل ما أنكروا، وقلتم هيهات هيهات أن نبعث من قبـورنـا وقـد صرنا ترابا وعظاما، ثم قلتم إن هذا الوعد الذي تعدنا به يا محمد قد وعده آباءنا أناس من قبلك ذكروا أنهم رسل الله كـما تذكر أنت إنك لرسول، ولكن آبـاءنا ظلوا في قبـورهم لم يبعثوا منها، فكيف نصدق ما تقول؟! إنْ نرى ما تقول يا محمد وما قيل لآبائنا من قبلك إلا أكاذيب سطرها الأولون.

 وتتضمن أيضا اعتراف هؤلاء المنكرين للبعث من قريش بأن الأرض ومن فيها ملك لله، وأن الله هو رب السماوات السبـع ورب العـرش العظيم، وأن الله هو الذي يملك كل شيء ينجي من يشاء ويعذب من يشاء.

كان إقـرارهم هذا بعظيم سلطـانـه تعـالى وقدرته يقتضي- لو كان عندهم مُسكه من عقل ولَمحة من تدبر- أن يؤمنوا بأن الله قادر على إحيائهم بعد الممات. ولكنهم قوم قد عزب عنهم التذكـر والتدبر، وغـاب عنهم التفكير السليم والإدراك المستقيم، كانوا قومـا كأنما أصابهم سحر وغشيهم خبال.

وقـد جاء هذا الاستفهام: {أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ} جاء مفيدا الإنكار والتكذيب والسخرية والاستبعاد والتعجب: فقد أنكر المشركون من قريش أن يبعثوا من قبـورهم أحياء بعـد أن يصيروا ترابا وعظاما، وكذّبوا به وسخروا منه، ورأوا ذلك بعيدا عن الإمكان عجيما أن يكون.

و(إذا) شرطيـة في محل نصب على الظرفية والعامل فيها شرطها، وجوابها محذوف دلّ عليه (أإنا لمبعوثون) وتقديره نبعث.

الآية السابعة: في قولـه تعالى: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَإِذَا كُنَّا تُرَاباً وَآبَاؤُنَا أَإِنَّا لَمُخْرَجُونَ لَقَدْ وُعِدْنَا هَذَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ}. الآيات: (67-69) من سورة النمل. تتضمن هذه الآيات الكـريمة أن الذين كفروا بربهم أنكروا أن يُخرجوا هم وآباؤهم من قبورهم أحياء بعد أن يموتوا ويصبحوا ترابا، وقالوا: "لقد وُعِدنا هذا، ومن قبل محمد وَعَد آبـاءنـا ذلـك واعدون، فلم نرا لذلـك حقيقـة ولم نتبين له صحة، فما هذا الوعد إلا أكاذيب سطّرها الأولون في الكتب وتحدثوا بها جيلا بعد جيل".

فردّ الله سبحـانـه وتعـالى عليهم فقال لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: "قل لهؤلاء المكذبين سيروا في الأرض فانظروا إلى ديـار من كذبـوا رسل الله قبلكم كيف صاروا وكيف صارت مساكنهم،  لقـد دمرهم الله بتكـذيبهم الرسل ودمّر ديارهم، فإن لم تنيبوا إلى الله وتؤمنوا بما جئتكم به كانت عاقبة أمركم خسرا كعاقبة المجرمين من قبل".

ولقد جاء هذا الاستفهام: {أَإِذَا كُنَّا تُرَاباً وَآبَاؤُنَا أَإِنَّا لَمُخْرَجُونَ} للإنكار والتكذيب والاستهزاء والاستبعاد والتعجب: لقد أنكـروا أن يبعثوا وكـذّبوا الرسل الذين جاءوهم بذلك، واستبعدوا ساخرين متعجبين من أن يكون هذا البعث.

و(إذا) في هذا الاستفهام شرطية في محل نصب على الظرفية والعامل فيها شرطها، وجملة الشرط (كنا ترابا) لا محل لها من الإعراب، وآباؤنا عطف على اسم كان وهو الضمير المتصل البارز (نا)، وهمزة الاستفهام الثانية تأكيد للهمزة الأولى وجملة (أإنا لمخرجون) لا محل لها من الإعراب قائمة مقام جواب إذا ودالة عليه وتقديره نخرج، وجملة {أَإِذَا كُنَّا تُرَاباً وَآبَاؤُنَا أَإِنَّا لَمُخْرَجُونَ} في محل نصب مفعول به لقالوا.

الآيـة الثامنـة: في قوله تعالى: {وَقَالُوا أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُؤُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً إِنَّا مُوقِنُونَ}. الآيات: (10-12) من سورة السجدة.

تتضمن هذه الآيات الكـريمة أن المكذبين بالبعث كانوا يقولون أإذا متنا وصرنا ترابا من تراب الأرض أفنعود خلقا جديدا كـما كنا من قبل في حياتنا الدنيا؟! إن هذا لن يكون!!. بل كانوا يذهبون إلى أبعد من هذا وأشنع، كانوا يكذبون بلقاء ربهم من بعد الممات ليجازيهم بما كانوا يعملون.

وقد أمر الله سبحانه وتعالى رسوله محمداً صلى الله عليه وسلم  أن يقول لهؤلاء المكذبين: "إنّ الله هو الذي خلق الموت والحياة وإنه هو الذي يحي ويميت، وقد وكل أمر موتهم إلى ملك من ملائكته هو ملك الموت، فهـو الذي يتـوفـاهم بأمره تعالى، ثم يبعثهم الله جلّ وعلا أحياء يوم القيامة فيرجعون إليه ليجازي المحسن على إحسانه والمسيء على إساءته".

     ولـو ترى يا محمد أولئك الذين أجرموا وأنكروا البعث وقالوا أ إذا ضللنا في الأرض أإنا لفي خلق جديد، لوتراهم يا محمد يوم القيامة لرأيت أمراً عجبا، كانوا على أسوأ حال، قد طأطأوا رءوسهم عنـد ربهم من الخزي والـذل والغم والندم والحسرة، يقولون: "ربنا أبصرنا اليوم ما كنّا نكـذب به في الـدنيا، وسمعنا الآيات التي كنّا ننكرها ونعرض عنها في حياتنا الأولى، إننا اليوم موقنون أن ما جاء به محمد كان حقا وصدقا، ربنا أرجعنا إلى الدنيا لنعمل صالحا غير الذي كنا نعمل".

ولكن هيهات هيهات لما يطلبون لقد أبصروا حصان لا ينفعهم إبصار، وسمعوا حـين لا ينفعهم سمع.

وقد أفاد هذا الاستفهام: {أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ} أفاد الإنكار والتكـذيب والاستهزاء والاستبعـاد والتعجب: فقد أنكـروا أن يبعثوا خلقا جديدا من بعد موتهم في الحياة الدنيا وكذبوا به، وهزئوا من ذلك، واستبعدوه من الإمكان، وعجبوا من أن يكون.

وقـد مضى إعراب مثـل هذا الاستفهام أكثر من مرة، ومع ذلك أُعيد وأكرّر وأقول:

(إذا) شرطيـة في محل نصب على الظرفية والعـامل فيها شرطها وجملة الشرط (ضللنا في الأرض) لا محل لها من الإعراب على الرأي الأرجح والأقوى، وجواب إذا محذوف قام مقامه ودلّ عليه أإنا لفي خلق جديد تقديره نخلق خلقا جديدا.

الآية التاسعة: في قولـه تعالى: {فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمْ مَنْ خَلَقْنَا إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِنْ طِينٍ لازِبٍ بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ وَإِذَا ذُكِّرُوا لا يَذْكُرُونَ وَإِذَا رَأَوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ وَقَالُوا إِنْ هَذَا إِلا سِحْرٌ مُبِينٌ قَالُوا أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ  أَوَآبَاؤُنَا الأَوَّلُونَ قُلْ نَعَمْ وَأَنْتُمْ دَاخِرُونَ}.

 الآيات (11- 18) من سورة الصافات.

تتضمن هذه الآيات الكريمة أن الله سبحانه وتعالى قال لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : سل يا محمد هؤلاء المشركـين الـذين ينكـرون البعث من بعـد الممات، أخلقهم أشد وأشق أم خلق من عندنا من الملائكة والشياطين والسماوات والأرض وما بينهما.

 إنا خلقنا أباهم آدم من طين لزج، فكيف يستنكرون أن يخلقوا من تراب مثله، ولقد قدرنا على خلقهم بدءاً فمن السهل الهينّ أن نخلقهم مرة أخرى.

لقـد عجبت يا محمـد من إنكـارهم البعث وهم يعلمون أن الله قد خلق ما هو أشد من خلقهم، وهم يسخرون من هذا البعث الذي تدعوهم إلى الإيمان به.

وإذا ذُكِّـر هؤلاء المشركـون حجـج الله على صحـة البعث لا يتعظون بتلك الحجج ولا ينتفعون، وإذا رأوا آية باهرة معجزة دالة على البعث قالوا هازئين ساخرين: ما هذا إلا سحـر مبين، أنبعث إذا صرنا في تراب الأرض عظاما وترابا؟! أو يبعث أيضا آباؤنا الأولون الذين مضى عليهم في باطن الأرض دهر طويل؟! إن هذا لشيء عجاب هيهات هيهات أن يكون!!.

قل لهم يا محمـد في حزم وحسم وتقـريـع ودون جدل: "نعم سوف تبعثون على رغم أنوفكم وأنوف آبائكم الأولين، سوف تبعثون جميعا وأنتم أذلة صاغرون".

 

أختي العزيزة:

 قـد قرأ حمزة والكسـائي[10] من القراء السبعـة (بـل عجبتُ ويسخرون) بضم تاء عجبتُ وقـرأ باقي السبعـة بفتـح التاء. وقـال الطبري[11] في تفسيره لهذه الآية: "إنهما قراءتان مشهورتان في قراء الأمصار فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب" اهـ.

وعلى قراءة حمزة والكسائي يكون التعجب مسندا إلى الله عزّ وجلّ ولكنه تعجب يليق بكـمالـه وجـلالـه وليس كتعجب الآدميين، إذ ليس كمثله شيء والمعنى على قراءة ضم التاء- والله أعلم-: بل عجبتُ من أن ينكر المشركون قدرتي على البعث وهم يعلمون أنني قد خلقت ما هو أعظم وأشد من خلقهم.

هذا، وقـد جاء هذا الاستفهام: {أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ  أَوَآبَاؤُنَا الأَوَّلُونَ} جاء مفيـدا الإنكار والتكذيب والاستهزاء والاستبعاد والتعجب، فقد أنكر أولئك المشـركـون بعثهم بعـد موت، وكـذّبـوا، واستهزءوا به، واستبعدوا كل الاستبعاد أن يقع، وعجبوا أيّما عجب أن يكون.

وقد سبق أن أُعرب مثل هذا الاستفهام أكثر من مرة، غير أن (آباؤًنا) الواردة في هذا الاستفهام الـواقعـة بعد واو العطف المسبوقة بهمزة الاستفهام قد اختلف الرأي في إعرابها: فقال الزمخشري[12] عند تفسيره لهذه الآية: "وآباؤنا معطوف على محل إنَّ مع اسمها، أو على الضمير (المستتر) في مبعوثون، والذي جوّز العطف عليه الفصل بهمزة ا لاستفهام" اهـ.

وجـاء في حاشية الجمل على الجلالين[13] عند تفسير هذه الآية مثل هذا الإعراب نقلا عن السمين.

غير أن الشيـخ أبـا حيان في تفسيره البحـر المحيـط[14] ردّ هذين الوجهـين من الإعراب: فقد ردّ الوجه الأول وهو العطف على محل إن مع اسمها بأنه على خلاف مذهب سيبويه، وردّ الوجه الثاني وهو العطف على الضمير المستتر في مبعوثون بأن همزة الاستفهام لا تدخل إلا على الجمل، وهذا العطف يجعلها داخلة على مفرد. ووجه الإعراب عنده أن (آباؤنا) مبتدأ خبره محذوف تقديره مبعوثون، ويدل عليه ما قبله.

الآيـة العاشرة: في قولـه تعالى: {فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ  قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَإِنَّا لَمَدِينُونَ قَالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ قَالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ وَلَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ}.

الآيات (50-57) من سورة الصافات.

 تتضمن هذه الآيات الكريمة أنّ مما يتمتع به أصحاب الجنة في الجنة أن يقبل بعضهم على بعض فيأخذوا بأطراف الأحاديث فيما بينهم، يتذكرون أحوال الدار الدنيا وما كان قد حدث لهم فيها، وكان من ذلك أن قال قائل منهم: "إني كان لي مصاحب في الدنيا يقول لي منكـراً هازئـاً بي وبإيماني بالبعث والحسـاب: أإذا متنا وكنا ترابا وعظاما أإنا لمبعوثون أحياء فمحاسبون على أعمالنا فمجازون عليها؟!".

ثم قال لأصحابه وجلسائه الذين كانوا يتساءلون في الجنة: "ألا تطلعون لنرى ماذا كان مصير ذلك القرين؟! فاطلعوا واطلع فرآه في وسط الجحيم يقاسى العذاب الأليم، فقال له شامتا: تالله إنْ كدت لتهلكني بإغوائك، ولولا نعمة ربي علّي بالهداية والإيمان لكنت مثلك من المحضَرين هذا العذاب الذي أنت فيه".

وقـد جاء هذا الاستفهـام: {أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَإِنَّا لَمَدِينُونَ} جاء مفيدا الاستهـزاء والإنكار والتكذيب والتعجب والاستبعـاد, كان قرين السـوء بهذا الاستفهـام يستهزئ بالبعَث والحساب والجزاء، وبصاحبه الذي آمن بذلك كله، وأفاد هذا الاستفهام أيضا أن ذلك القرين قرين السوء كان منكرا للبعث والحساب والجزاء مكذّبا به، يعجب كل العجب أن يقع، ويستبعد كل الاستبعاد أن يكون.

الآية الحادية عشرة: في قولـه تعـالى: {بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ}. الآيات: (2-4) من سورة ق.

تتضمن هذه الآيات الكـريمـة عَجَبَ كفار قريش أَنْ جاءهم محمد صلى الله عليه وسلم رسولا منذرا يخوفهم بالبعث وما يعقب البعث من حساب وعقاب، وهو رجل منهم قد عرفوا صدقه وأمانته وإخلاصه في النصح وحرصه على ما ينفع الناس، هذا مع اعترافهم بقدرة الله تعالى على خلق السماوات والأرض وما بينهما وإقرارهم بخلقه تعالى إياهم أول مرة.

لقد كان عجبُ كفار قريش- وهذه حالهم وحال الرسول صلى الله عليه وسلم بينهم- بعيدا عن مواطن العجب وما ينبغي أن يكون.

لقد كفـروا حين أنكـروا ما جاء به محمـد صلى الله عليه وسلم  من بعث وحسـاب وعقاب، وكذّبوا به واستبعـدوه وقـالـوا هذا شيء عجيب، أإذا متنـا وكنّـا ترابا أنبعث أحياء كـما كنا؟! هذا رجع لا يمكن وهيهات هيهات أن يكون!!.

وقد ردّ الله سبحانه وتعالى على استبعادهم هذا الرجع بأنه عالم بـما تنقصه الأرض من أجسـامهم وتأكله من لحومهم وتبليـه من عظـامهم، وعنـده كتـاب حافظ كل شيء لا يضل ولا ينسى، ومن كان عالما بذلك كان قادرا على رجعهم أحياء كـما كانوا.

وقـد أفـاد هذا الاستفهـام: {أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ} أفـاد الإنكار والتكـذيب والاستبعـاد والتعجب، فقـد أنكـروا رجعهم أحيـاء من بعـد أن يصيروا ترابا، وكذبوا به، واستبعدوا وقوعه، وعجبوا أن يكون.

وجواب إذا الشرطية محذوف تقديره نبعث، وقد دلّ عليه (ذلك رجع بعيد).

الآية الثانية عشرة: في قوله تعالى: {وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ لا بَارِدٍ وَلا كَرِيمٍ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ قَالُوا أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ أَوَآبَاؤُنَا الأَوَّلُونَ قُلْ إِنَّ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ لآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ هَذَا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ}.

الآيات: (41-56) من سورة الواقعة.

 تتضمن هذه الآيات الكريمة وصفا لما يلاقيه الكافرون أصحاب الشمال في نار جهنم يوم القيامة من مصاب عظيم وعذاب أليم، فهم فيها في سموم تهب عليهم ساخنة فتشوى الجلود، ويحسّون بظمأ شديد فيشربون ماء حميما يظنون به رِيًّا فيقطّع أمعاءهم، ويأوون إلى ظل لعلهم يجدون فيه بردا فإذا هو دخان أسود حار يهب عليهم من شفير جهنم لا بارد ولا كريم.

وتتضمن أيضـا أن هذا العـذاب كان جزاء بـما كانـوا عليه في دارهم الدنيا، إنهم كانوا مترفين فأعـماهم الترف أن يشكروا الله عزّ وجلّ على ما أنعم عليهم، فلم يقوموا بطاعاته، وجعلهم متكبرين عن أن يستجيبوا إلى ما دعتهم إليه الرسل، فأبعدوا في الضلال.

وكـانـوا أيضـا يشـركون بالله ويُصرّون على هذا الشرك، ويرفـضون في عناد أن يتوبوا إلى الله فيوحدوه وينبذوا الأنداد وعبادة الأنداد.

وكانوا أيضا ينكرون البعث والحساب ويوم القيامة ويقولون في إنكار وسخرية مكذّبين! مستبعـدين في عجب: {أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ}، ثم يتمادون في السخرية والإنكار والاستبعاد قائلين: "أو يبعث آباؤنا الأولون الذين مضى عليهم دهر طويل في باطن الأَرض فأصبحوا ترابا في تراب".

وقد أخبر الله جلّ وعلا في هذه الآيات الكريمة رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم  أن يقول لأصحاب الشمال هؤلاء إن العالم كله سيبعث ويحشر يجمع يوم القيامة ويحاسب، وسوف تكونون أنتم وآباؤكم مع من يبعث يجمـع، ثم إنكم أيها الضـالـون طريق الهـدى المكـذبـون بالبعث والحسـاب، إنكـم أنتم وآبـاءكـم ومن كان من أمثـالكـم سوف تصلون سعيرا، وسوف يكون نزلكم فيها شجرا خبيثا مرّ المذاق من زقوم، فتملأون منه بطونا طواها الجوع ولكنها لن تشبع  ثم تشربون عليه من ماء حميم لعلكـم ترتوون ولكنكـم لا تنتهون.

 وقد جاء هذا الاستفهام: {أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ أَوَآبَاؤُنَا الأَوَّلُونَ} وقد جاء مفيـدا الإنكار والتكذيب والسخـرية والاستبعاد والتعجب: فقد أنكروا أن يبعثوا هم وآبـاؤهم الأوَلـون من بعـد الممات، وكذبوا به أيّـما تكذيب، وسخروا من هذا البعث وما بعد هذا البعث من حساب وعقاب، واستبعدوا أن يقع مثل هذا في الوهم، وعجبوا كل العجب أن يكون.

الآية الثالثة عشرة: في قولـه تعالى: {وَالنَّازِعَاتِ غَرْقاً. وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطاً. وَالسَّابِحَاتِ سَبْحاً. فَالسَّابِقَاتِ سَبْقاً. فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْراً. يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ. تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ. قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ. أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ. يَقُولُونَ أَإِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ. أَإِذَا كُنَّا عِظَاماً نَخِرَةً. قَالُوا تِلْكَ إِذاً كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ. فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ. فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ} . الآيات: (1-14) من سورة النازعات.

 يقسم الله سبحانه وتعالى في الآيات الخمس الأولى بطوائف مختلفة من الملائكة ذوات صفات مختلفة، وجواب هذا القسم قد اختلف فيه العلماء، والرأي- فيما يبدو لي- ما ذهب إليه الفراء من أنه محذوف تقديره لتبعثن، وهذا الجواب المحذوف هو العامل في ظرف الزمان في (يوم ترجف الراجفة).

وتتضمن آليات التي وردت بعـد هذا القسم أن البعث سوف يكـون في يوم تقع فيه نفختـان: النفخـة الأولى (الراجفة) التي تميت كل شيء بإذن الله، ثم تتبعها النفخة الثاني (الرادفة)  التي تحي كل شيء بإذنـه تعـالى، وفي هذا اليوم تضطرب قلوب الكافرين أشـد الاضطـراب، ويصيبهـا من الخـوف والهلع أشدّ ما يكون عليه الخوف والهلع. وفي هذا اليوم تخشـع أبصـار الكافرين وتذل، وتغشاها الكآبة ويملأها الغم والهم والحزن والحسرة، وتنظر نظرات من يترقب نزول البلاء العظيم.

 هؤلاء الكـافـرون الـذين تجف قلوبهم في هذا اليوم وتخشع أبصارهم هم الذين كانوا يقـولـون في الـدنيا منكرين مستهزئين مكذبين بهذا اليوم، مستبعدين وقوعه كل الاستبعاد، متعجبين من أن يكون: "أإنا لمردودن إلى الحياة بعد موتنا في الحافرة، أنردّ إليها ونحن عظام نخرة بالية أشد ما تكون بعدا عن الحياة؟! إن هذا لشيء عجاب!!".

 وكـانـوا يقولون أيضا ساخرين هازئين: "إن صحّت تلك الرجعة إلى الحياة بعد الموت فنحن الخاسرون حقا لأنّا كنا بها مكذبين".

وقـد ردّ الله سبحـانـه وتعالى عليهم بعد أن أقسم في أول السورة أنهم سيبعثون أحياء يوم القيامة، ردّ سبحانه وتعالى عليهم بـما يتضمن:

"لا تحسبوا هذه الكرة صعبة تحتاج إلى معاناة وطول زمن، إنها سهلة هينة في قدرة الله تعالى، فـما هي إلا صيحة واحدة لا ثانية لها ولا ثالثة ولا تحتاج إلى شيء يصاحبها ويشدّ من أزرها، صيحة واحدة فقط، ثم في أقل من لمح البصر يخرج هؤلاء المنكرون للبعث أحياء من فوق الأرض، تجف منهم القلوب وترتعد الفرائص وتغشى أبصارهم الذلة".

وقد جاء هذا الاستفهام {أَإِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ أَإِذَا كُنَّا عِظَاماً نَخِرَةً} جاء مفيدا الإنكار والتكذيب والاستهزاء والاستبعاد والتعجب:

فقد أنكروا أن يردوا إلى الحياة بعد أن يصير و في قبورهم ترابا وعظاما نخرة، ينكرون ذلك الردّ ويكذبون به ويهزءون، ويستبعدون أن يقع في وهم ويعجبون أن يكون.

 أختي العزيزة: هـل:

في ختام هذه الرسالة أحب أن أنبهك لأشياء: