طباعة

 توثيق النص

 

 

 

عُقُودُ الزَّبَرجَد على مُسْنَدِ الإمَام أحمَد في إعْرَاب الحَدِيث

ـ2ـ

تأليف: جلال الدين السيوطي

تحقيق:الدكتور حسن موسى الشاعر

أستاذ مساعد بكلية اللغة العربية بالجامعة

مُسند أُبَّيْ بن كَعْب رضي الله عنه

حديث "ففضت عرقا وكأنما أنظر إلى الله فَرَقا"[1]

[في التمييز][2] .

[عَرَقًا وفَرَقا] هما منصوبان على التمييز. فالأوّل محّوِل عن الفاعل، والأصل: ففاض عرقي، فحّول الإسناد إلى ضمير المتكلم، وانتصب عرقاَ على التمييز.

قال ابن مالك في شرح التسهيل[3]: "ممّيز الجملة ما ذكر بعد جملة فعلية مبهمة النسبة.وإنـما أطلق على هذا النـوع بخصـوصـه مع أن كلّ تمييز فضلة يلي جملة، لأن لكلّ واحد من جزأي الجملة في هذا النوع قسطاً من الإبهام يرتفع بالتمييز، بخلاف غيره، فإن الإبهام في أحد جزأي جملته، فأطلق على مميزه مميّز مفرد، وعلى هذا النوع مميّز جملة. والأكثر أن يصلح لإسنـاد الفعـل إليـه مضـافـاً إلى المجهـول فاعـلا، كقولك في: طاب زيدٌ نفساً، و {َاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً} [4]: طابت نفس زيد، واشتعل شيب الرأس".

وقـال الزمخشري في المفصّل[5]: هذه التمييزات مزالة عن أصلها، إذ الأصل وصف النفس بالطّيب، والعرق بالتصبب، والشيب بالاشتعال، وأن يقال: طابت نفسُه، وتصبب عرقـهُ، واشتعـل شيبُ رأسي، لأن الفعل في الحقيقـة وصف في الفاعل. والسبب في هذه الإزالة قصدهم إلى ضرب من المبالغة والتأكيد.

قال ابن يعيش في شرحه[6]: "ومعنى المبالغة أن الفعل كان مسنداً إلى جزء منه، فصار مسنـداً إلى الجميـع، وهو أبلغ في المعنى. والتأكيـد أنـه لما كان يفهم منه الإسناد إلى ما هو منتصب [بـه]، ثم أسنـد في اللفظ إلى زيد تمكّن المعنى، ثم لما احتمل أشياء كثيرة، وهو أن تطيب نفسه بأن تنبسط ولا تنقبض، وأن يطيب لسانه بأن يعذب كلامه، وأن يطيب قلبه بأن يصفا انجلاؤه، بُيّن المراد من ذلك بالنكرة التي هي فاعل في المعنى، فقيل طاب زيدٌ نفساً، وكذا الباقي. فهذا معنى قوله: والسبب في هذه الإزالة قصدهم إلى ضرب من المبالغة والتأكيد".انتهى

وأما الثاني فليس محّولاً عن شيء،  وإنما هو مبـيّن لجهة التشبيه، نحو: أنت الأسدُ شجاعةً، والبحرُ كرماً، والخليفةُ هيبةً.

وفي أوّل هذا الحديث عند مسلم [7] "فسُقِطَ في نفسي من التكذيب ولا إذْ كنتُ في الجاهلية":

[معنى سُقِط]

قال القاضي عياض [8]: "معنى سُقِطَ في نفسي لما أي أعزته حيرة ودهشة".

قال الهروي [9] في قوله تعالى: {وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ}[10]: "أي تحيّروا وندموا، يقال للنادي المتحيرّ على فِعْلٍ فعله: سُقط في يده. وهو كقوله: قد حصل في يده من هذا مكروه".انتهى.

وقال أبو حيان في البحر[11]: "ذكر بعض النحويين أن قول العرب "سُقِطَ في يده" فعل لا يتصـرف، فلا يستعمـل منـه مضـارع ولا اسم فاعـل ولا مفعـول. وكان أصله متصرفاَ. تقـول!: سَقَـط الشيء إذا وقـع من علو، فهو في الأصـل متصّرف لازم... وسُقـط مبني للمفعـول، والـذي أوقـع موقـع الفـاعـل هو الجـار والمجـرور، كـما تقول: جُلِسَ في الدار، وضحِـكَ من زيـد. وقيل: سُقِط يتضمن معقولاً وهو هاهنا المصدر الذي هو الإسقاط، كـما يقال: ذُهِبَ بزيد".

قال أبو حيان: "وصـوابـه وهـو هنا ضمير المصدر الذي هو السقوط، لأن سُقِطَ ليس مصدره الإسقاط، وليس نفس المصدر هو المفعول الذي لم يُسَّم فاعلُه، بل هو ضميره[12]. وقوله: "ولا إذْ كُنْتُ في الجاهلية".

قال أبو البقاء[13]: "تقديره ولا أشكل علىَّ حال القرآن إذْ أنا في الجاهلية كإشكال هذه القصّة علىَّ.

وقال التوُّرِبشْتي[14]  في شرح المصابيح: قيل فاعل "سقط " محذوف، أي فوقع في نفسي من التكذيب ما لمَ أقدر على وصفه، ولم أعهد بمثله ولا إذْ كنتُ في الجاهلية.

وقـال الطّيبىّ في شرح المشكـاة[15]: "قد أحسن هذا القائـل وأصاب في هذا التقدير، ويشهـد له قولـه: "فلما رأى رسـولُ الله   صلى الله عليه وسلم ما غشيني" أي من التكـذيب. فـَ "مِنْ" على هذا بيانيـة. و الـواو في "ولا إذْ كنتُ" لما تستـدعى معطـوفـاَ عليه، و"لا" المؤكدة توجب أن يكون المعطوف عليه منفياً، وهو هذا المحذوف. وهذا أسدّ في العربية من جعل "ولا إذْ كنتُ" صفة لمصدر محذوف، كـما قدّره المظهري[16]، حيث قال: "يعنى وقع في خاطري من تكذيب النبي صلى الله عليه وسلم في تحسينه لشأنهـما تكذيب أكثر من تكذيبي إياه قبيل الإسلام، لأن واو العطف مانعة، ولو ذهب إلى الحال لجاز على التعسّف".

قال: "وذكر المظهري أن "عرقاً وفرقاً" منصوبان على التمييز، والظاهر أن يكون "فرقاً" مفعولاً له، أوحالا، لأنه لا يجوز أن يقال: انظر فرقي".

قال: "وقوله: "فَرَدَدْتُ إليه أنْ هَوِّن على أمتي".

يجوز أن تكـون "أنْ " مفسّـرة[17]، لما في رددتُ من معنى القـول، ويجـوز أن تكـون مصدرية، وإن كان مدخوله أمراً. وجوّز ذلك صاحب الكشاف نقلا عن سيبويه"[18].

وقوله : "ولك بكُلِّ رَدَّةٍ مسألةٌ تسْألُنيها".

" تَسْألُنيها" صفة مؤكدة لمسألة، كقوله تعالى: {وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ}[19] أي مسألة

ينبغي لك أن تسألها، وأنك لا تخيب فيها. انتهى[20].

2- حديث اللُّقَطَة "فإنْ جاء صاحِبُها وإلاّ استَمْتِعْ بها"[21].

قال ابن مالـك في توضيحـه[22]: "تضمَّن هذا الحـديث حذف جواب "إنْ " الأولى وحذف شرط "إنْ " الثانية، وحذف الفاء من جوابها، فإن الأصل: فإنْ جاء، صاحبُها أخذها وإلا يجئ فاسْتمتعْ بها".

3- حديث: "يغسلُ ما مَسَّ المرأةَ منه"[23].

قال أبو البقاء: -وهو أول حديث ذكـره في إعرابه-: ""ما" بمعنى الذي، وفاعل "مسَّ " مضمر فيه يعود على الذي، والذي وصلتها مفعول "يغسل"، و" المرأةَ" مفعول "مسَّ ". ولا يجوز أن ترفع "المرأة" بمسَّ على معنى ما مسَّت المرأةُ لوجهين: أحدهما: أن تأنيث المرأة حقيقي، ولم يفصل بينها وبن الفعل فلا وجه لحذف التاء. والثاني: أن إضافة المسّ إلى الرجل وإلى أبعاضه حقيقة، قال تعالى: {أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ}[24] وإضافة المسّ إليها في الجـماع تجوّز". انتهى.

4- حديث موسى والخضر:[25]

قال أبو البقاء [26]: "قوله: "أنَّى بأرضك السلام".

في "أنّى" ها هنـا وجهان: أحـدهما: من أين، كقوله تعالى: {أَنَّى لَكِ هَذَا} [27] فهي ظرف مكـان. و"السـلام" لما مبتدأ. والظرف خـبر عنه. والثاني: هي بمعنى كيف، أي كيف بأرضـك السـلام؟ ووجـه هذا الاستفهام أنه لما رأى ذلك الرجل في قفر من الأرض استبعد علمـه بكيفيـة السـلام. فأمـا قولـه "بأرضـك" فموضعـه نصب على الحـال من السلام، والتقدير: من أين استقرَّ السلام كائناً بأرضك؟".

وقوله: "موسى بني إسرائيل":

أي أنت موسى بني إسرائيل؟ فأنت مبتدأ، وموسى خبره.

وقوله: "فكلموهم أن يحملوهما فعُرف الخضر فحملوهما".

المعنى أن موسى والخضر ويوشع قالوا لأصحاب السفينة هل تحملوننا؟ فعرفوا الخضر فحملوهم. فجمـع الضمير في "كلموهم " على الأصل، وثنّى "يحملوهما" لأنهما المتبوعان، ويوشع تبع لهما. ومثله قوله تعالى: {إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى} [28] فثنى ثم وحد لما ذكرنا.

وقوله: "قومٌ حملونا".

أي هؤلاء قوم، أوهم قوم. فالمبتدأ محذوف. وقوم خبره.

وقوله: "فأخذَ برأسه".

في الباء وجهان أحـدهما: هي زائـدة، أي أخذ رأسه. والثاني: ليست زائدة، لأنه ليس المعنى أنه تناولت رأسه ابتداء، وإنما المعنى أنه جرّه إليه برأسه ثم اقتلعه. ولو كانت زائدة لم يكن لقوله "اقتلعه" معنى زائد على أخذه.

وقوله: "لَوددْنا لو صبرَ".

"لو" هنا بمعنى "أنْ " الناصبة للفعل[29]، كقوله تعالى: {وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ}[30] {وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُون}[31]. وقد جاء بأنْ لا قوله تعالى: {أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَه}[32] . و"صبر" بمعنى يصبر، أي وددنا أن يصبر". انتهى كلام أبى البقاء.

قلت: وبقى فيه أشياء منها قوله: "موسى بني إسرائيل":

فيـه إضافـة العلم وهو"موسى" إلى بني إسرائيـل. والقاعـدة النحوية أن العلم لا يضاف لاستغنائه بتعريف العلمية عن تعريف الإضافة، إلا أنه جاء إضافة العلم قليلاً في قول الشاعر:

علا زيْدُنا يومَ النَّقا رأسَ زَيْدِكُـم [33]

فأوّل على أنه تُخُيّل فيه التنكير لوقوع الاشتراك في مسمَّى هذا اللفظ، وكذا يؤول في هذا الحديث.

قال ابن الحاجب [34]: "شرط الإضافة الحقيقية تجريد المضاف من التعريف".

قال الرضي[35]: "فإن كان ذا لام حذفه لامه، وإن كان علماً نكّر بأن يجعل واحداً من جملة من سمّي بذلك اللفظ... قال: وعندي أنه يجوز إضافة العلم مع بقاء تعريفه، إذ لا منع من اجتماع التعريفين كـما في النداء، نحو: يا هذا، ويا عبد الله  . وذلك إذا أضيف العلم إلى ما هو متصف به معنى، نحو: زيدُ الصدّق، ونحو ذلك. وإن لم يكن في الدنيا إلا زيد واحـد. ومثله قولهم: مُضمرُ الحمراء[36]، وأنـمارُ الشّـاء وزيـدُ الخيل[37]. فإن الإضافة فيها ليست للاشتراك المتفق… انتهى.

وقوله: "ما نَقَصَ عِلْمي وعلمُك مِنْ عِلْمِ الله   إلا كنقرةِ هذا العصُفورِ مِنْ هذا البحْر"

ليس هذا الاستثنـاء على ظاهـره، لأن علم الله لا يدخله النقص، فقيل "نقص" بمعنى أخـذ، وهـو توجيـه حسن، فيكون من باب التضمين[38]، ويكون التشبيه واقعاً على الآخذ لا على المأخـوذ منـه. وقيل المراد بالعلم المعلوم بدليل دخول حرف التبعيض، لأن العلم القائم بذات الله تعالى صفة قديمه لا تتبعض، والمعلوم هو الذي يتبعض. وقيل هو من باب قول الشاعر:

بهنّ فُلولٌ مِنْ قِراع الـكـتـائـب [39]

ولا عَيْـبَ فيـهـم غيرَ أنّ سيـوفـهُـم

لأن نقر العصفور لا يُنقص البحر. وقيل "إلا" بمعنى "ولا"، أي ولا كنقرة هذا العصفور[40]. كـما قيل بذلك في قوله تعالى: {لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ}[41]، أي ولا الـذين ظلموا. لكن قال أبـو حيان في البحر[42]: "إن إثبات "إلا" بمعنى "ولا" لا يقوم عليه دليل.

وقوله : "إني على عِلْم من عِلْم الله". "على" هنا للاستعلاء المجازى.

وقوله: "فبينما هُمْ في ظلِّ صَخْرة في مكانٍ ثَرْيان"[43].

قال ابن مالـك في توضيحـه[44]: "[ثَرْيـان]، هو بلا صرف، وفيـه شاهـد على أن منـع أصرف، فَعْـلان ليس مشـروطـا بأن يكـون له مؤنث على فَعْلى، بل شرطه ألا تلحقه تاء التأنيث، ويستـوي في ذلـك مالا مؤنث له من قبـل المعنى "لَحْيان"[45] ومالا مؤنث له من قبل الوضع كـ"ثَرْيان"، وما له مؤنث على فَعْلى في اللغة المشهورةكـ"سَكْران"". انتهى.

 وقال الكرمانى[46]: "اللام في قوله (لَوَدِدْنا) جواب قسم محذوف. و(لوصَـبَر) في تقدير المصدر، أي والله لوددنا صبر موسى. وهذا حكم كلّ فعل وقع مصدّراً بلو بعد فعل المودّة. قال الـزمخشرى في قولـه تعـالى: {وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ}[47]ودّوا إدهانـك[48]. و(يُقَصّ) بصيغـة المجهول. و(مِنْ أمرهما) مفعول ما لم يسمّ فاعله".  [انتهى كلام الكرمانى].

5- حديث: "فُرِجَ سَقْفُ بيتي"[49] الحديث.

وفيه "ثم جاء بطَسْتٍ مِنْ ذَهَب مملوءاً حِكْمةً وإيـماناً فأفْرغَها في صدري".

قال أبـو البقاء[50]: ""مملوءًا" بالًنصب على الحال. وصاحب الحال "طَسْت" لأنه وإن كان نكرة فقد وصف بقوله "مِنْ ذَهَب" فقرب من المعرفة ويجوز أن يكون حالا من الضمير في الجـار، لأن تقـديره بطَسْتٍ كائنِ من ذهب أو مصـوغ من ذهب، فنقـل الضمير من اسم الفاعل إلى الجار. ولو روي بالجَر جاز على الصفة. وأما "حكمة وإيمانا" فمنصوبان على التمييز".

قال: "والطَّسْت مؤنث ولكنـه غير حقيقي، فيجـوز تذكـير صفتـه حملاً على معنى الإناء" انتهى.

6- حديث: "أتَدري أي آيةٍ في كتابِ الله مَعكَ أعْظَمُ"[51].

قال أبـو البقاء[52]: "لا يجوز في "أيّ" هاهنا إلا الرفع على الابتداء و"أعظم" خبره. و"تـدرى" معلّق عن العمل[53]، لأن الاستفهام لا يعمل فيه الفعل الذي قبله، وهو كقوله تعالى: {لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى}[54]".

وفي حديث عمـران بن حصـين "أتـدرون أيُّ يوم ذاك"[55]: "أيّ " مبتـدأ، و"ذاك " خبره. وقيل "ذاك " المبتدأ، و"أيّ " الخـبر. ولا يجوز نصبه بتدرون البتة".انتهى.

7- حديث: "أنـه سأل رسـول الله صلى الله عليه وسلم عن سورة وعده أن يعلمـه إياها، فقال أبيّ: "فقلت: السورةَ التي  قلت لي"[56].

قال أبو البقاء[57] : "الوجه النصب على تقدير اذكر لي السورة، أو علمني. والرفع غير جائز إذ لا معنى للابتداء هنا".

8- حديث: "كـان رسـول الله صلى الله عليه وسلم يعلمنـا إذا أصْبَحْنا أصْبَحْنا على فِطْرَةِ لإسلام،وكلمة الإخلاص، وسنّة نبيّنا صلى الله عليه وسلم، وملّة أبينا إبراهيم حنيفاً مسلماً وما كان من المشرَكين"[58].

قال أبـو البقاء[59]: "تقديره: يعلّمنا إذا أصبحنا أن نقول أصبحنا على كذا، فحذف القول للعلم به، كـما قال تعالى: {وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ سَلامٌ عَلَيْكُم}[60] أي يقولون سلام عليكم".

قال الشيـخ عز الـدين بن عبـد السلام[61] في أماليه[62]: "على" إذا استعملت نحو قوله تعالى: {أُولَئِكَ عَلَى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ}[63] تدل على الاستقرار والتمكن من ذلك المعنى، لأن الجسم إذا علا شيئاً تمكن منه، واستقر عليه".

9- حديث "كأيّنْ تقـرأ سورةَ الأحزاب أو كأيِّن تعـدُّهـا؟ قال: ثلاثـا وسبعين آية.قال: قط"[64].

 [كأيّن وقـط]

قال أبو البقاء[65]: "أمّا "كأيّنْ" فاسم بمعنى كم. وموضعها نصب بتقرأ أو تعد. وقوله "ثـلاثـاً وسبعـين" منصـوب بتقـدير أعدّها ثلاثاً وسبعين، فهو مفعول ثانٍ . وأما "قطّ" فاسم مبنى على الضم، وهو للزمـان الماضي خاصـة. ومنهم من يضمّ القاف، ومنهم من يفتح القاف ويخفف الطاء ويضمّها. ولا وجه لتسكينها هنا. والتقدير: ما كانت كذا قط". انتهى.

 قلت: في "كأيِّن" خمس لغات. قال ابن مالك في الكافية الشافية [66]:

    وهكذا كَـيَن وكأيِنْ فاسْتَبِنْ

وفي كأيِّنْ قيل كائِنْ وكَإنْ

وقـال في شرحهـا: "أصلها "كأيِّنْ " وهي أشهرهـا، وبها قرأ السبعة إلا ابن كثير[67]. ويليها "كـائِنْ" وبها قرأ ابن كثير، و البواقي لم يقرأ بشيء منها في السبع. وقرأ الأعمش[68] وابن مُحيصن[69]  "وكأيِنْ" بهمزة ساكنة بعد الكاف وبعدها ياء مكسورة خفيفة، وبعدها نون ساكنة في وزن "كَعْيِنْ" ولا أعرف أحداً قرأ باللغتين الباقيتين".

وقـال ابن الأثـير[70]في النهايـة[71] في هذا الحديث: "قوله "أقط " بألف الاستفهام. أي أحَسْب. قال: ومنه حديث حيْوة بن شُرَيح[72]: "لقيت عقبة بن مسلم[73] فقلت له: بلغني أنك حدّثت عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول إذا دخل المسجد: "أعـوذ باللّه العظيم وبوجهـه الكـريم وسلطانه القديم من الشيطان الرجيم"[74] قال: أقط؟ قلت: نعم".

وقال الأندلسي[75] في شرح المفصَّل: "قط" مخففة ومشدّدة. فالمخففة معناها. حَسْب، وهي مسكنّـة مبنيّة لوقـوعها موقع فعل الأمر. والمشدّدة معناها ما مضى من الزمان. وبُنيت لأنها أشبهت الفعـل الماضي، إذ لا تكـون إلا له، ولأنها تضمنت معنى "في"، لأن حكم الظرف أن يحسن فيـه "في"، ولماّ لم يحسن ظهوره هنا مع أنه اسم زمان دل على أنها مضمنة لها، وحرِّكت لالتقاء الساكنين، وضمّت لأنها أشبهت "مُنْذُ" لأنها في معناها، فإذا قلت: ما رأيتُه قطُّ، فمعناه: ما رأيته منذُ كنت. انتهى.

10- حديث: "أنهم جمعوا القرآن في مصـاحف في خلافـة أبي بكـر، وكـان رجـال يكتبون، وُيمِلُّ عليهم.."[76].

قال أبو البقاء[77]: "يُملُّ" لما بضمِ الياء لا غير، وماضيه أمَلَّ. وفي القرآن "أولا يَسْتطيع أنْ يُملَّ هو"[78]. وفيه لغة أخرى: أمْلى يُمْلي، ومنه قوله تعالى: {فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ} [79].

قلت: ذكر أن أملَّ يُمِلّ لغة الحجازيين، وأمْلى يُمْلي لغة [تميم][80].

11- حديث: "لمّا كان يومُ الفتْح قال رجل: لا قُريْشَ بعْدَ اليوم"[81].

[دخول لا النافية للجنس على المعرفة]

قلت: هو من مشاهير الأحاديث التي تكلمت النحاة على تخريجها، لدخول "لا" فيه على المعـرفـة، وبنائها معها على الفتح، وذلك على خلاف القاعدة. ومثله قول عمر بن الخطاب "قضية ولا أبا حسنٍ لها" في أشياء أخر. ونسوق كلام النحاة في ذلك.

قال ابن مالك في شرح الكافية: "يُتَأوَّل العلم بنكرة فيجعل اسم لا مركباً معها إن كان مفردًا, كقول الشاعر:

نكِـدْن ولا أمـيَّـة في الـبــــــلاد[82]

أرى الحـاجـاتِ عنْـدَ أبـي خُبـيْـبٍ

وكقول آخر:

لا هَيْثَمَ الليلةَ للمطيِّ [83]

ومنصـوبـاً بها إن كان مضافـاً، كقولهم: قضيـةٌ ولا أبا حسن لها[84]. ولابدَّ من نزع الألف والـلام مما هما فيـه، ولـذلك قالوا: ولا أبا حسنٍ، ولم يقولوا: ولا أبا الحسن. فلو كان المضاف مضافاً إلى ما يلازمه الألف واللام [كعبد الله][85] لم يجز فيه هذا الاستعمال[86].

وللنحويين في تأويـل العلم المستعمل هذا الاستعمال قولان: أحدهما أنه على تقدير إضـافـة "مِثْـل" إلى العلم، ثم حُذف "مِثْـل" فخلفـه المضافُ إليـه في الإعراب والتنكير. والثاني أنـه على تقـدير: لا واحد من مسمّيات هذا الاسم. وكلا القولين غير مرضي، أما الأول فيـدل على فسـاده أمران: أحـدهما التزام العرب تجرد المستعمل ذلك الاستعمال من الألف والـلام، ولـو كانت إضافة "مثل" منوية لم يحتج إلى ذلك. الثاني: إخبار العرب عن المستعمل ذلك الاستعمال بمثل، كقول الشاعر:

برئ من الحُـمَّى سليـمُ الجـوانـــــح[87]

تُبـكّـي على زيْـدٍ ولا زيْـدَ مِثْـلهُ     

 فلو كانت إضافة "مثل" منوية لكان التقدير: ولا مثل زيد مثله. وذلك فاسد.

وأمـا القـول الثاني فضعفـه بينِّ لأنـه يستلزم أن لا يستعمـل هذا الاستعمال إلاّ علم مشترك فيه كزيد، وليس ذلك لازماً، كقولهم: لا بَصْرَةَ لكـم، ولا قُريْشَ بعد اليوم، وكقول

النبي صلى الله عليه وسلم: "إذا هلك كسرى فلا كسرى بعده"[88].

وإنما الوجه في هذا الاستعمال أن يكون على قصد: لا شيء يصدق عليه هذا الاسم كصدقه على المشهور به، فضمّن العلم هذا المعنى، وجُرِّد لفظُه مما ينافي ذلك.

انتهى كلام ابن مالك في شرح الكافية.

وقـال في شرح التسهيـل[89]: قد يؤوّل العلم بنكرة، فيركبّ مع "لا" إن كان مفرداً، وينصب بها إن لم يكن مفـرداً، فالأوّل كقـول النبي صلى الله عليه وسلم: "إذا هلك كسـرى فلا كسـرى بعده، وإذا هلك قيصر فلا قيصر بعده" وكقول الشاعر:

نكـدْن ولا أمـيَّـة بالـبــلاد[90]

أرى الحـاجـات عنـد أبـي خُبـيـبٍ

وكقول الراجز:

إنَّ لنا العُزَّى ولا عُزَّى لكـم [91]

والثاني نحو: "قضيةٌ ولا أبا حسنٍ لها". لما أوقعوا العلم موقع نكرة جرّدوه من الألف والـلام إذ كانتـا فيـه، كقوله: ولا عُزَّى لَكم. أو فيما أضيف إليه كقولهم: ولا أبا حسن. فلو كان العلم "عبـد الله" لم يعـامـل بهذه المعـاملة للزوم الألف والـلام، وكذا عبد الرحمن على الأصحّ لأن الألف واللام لا ينزعان منه إلا في النداء.

وقـدّر قوم العلم المعـامـل بهذه المعاملة مضافاً إليه ["مثل" ثم][92] حذف مضافه وأقيم العلم مقـامـه في الإعراب والتنكـير، كـما فُعل بأيـدي سبـا في قولهم: "تفرّقوا أيدي سبا"[93] يريدون مثل أيدي سبا، فحذفوا المضاف وأقاموا المضاف إليه مقامه في النصب على الحال. وقـدّره آخرون بلا مسمَّى بهذا الاسم، أو بلا واحـد من مسمّيـات هذا الاسم. ولا يصـحّ واحد من التقديرات الثلاثة على الإطلاق.

أما الأول فممنوع من ثلاثة أوجه: أحدهما: ذكَر "مثْل" بعده كقول الشاعر:

تبكى على زَيْدٍ ولا زيْدَ مِثْله

فتقـدير"مثـل" قبـل زيـد مع ذكـر"مثل" بعده وصفاً أو خبراً يستلزم وصف الشيء بنفسـه، أو الاخبـار عنـه بنفسـه وكـلاهما ممتنـع. الثاني: أن المتكلم بذلك إنما يقصد نفي مسمَّى العلم المقـرون بلا، فإذا قدّر"مثـل" لزم خلاف المقصـود، لأن نفي مثـل الشيء لا تعـرّض فيـه لنفي ذي المثـل. الثالث: أن العلم المعامل بها قد يكون انتفاء مثله معلوماً لكل أحد فلا يكون في نفيه فائدة نحو: لا بصرة لكم.

[و أمـا التقـدير الثاني والثالث فلا يصح اعتبارهما مطلقا، فإنّ][94] من الأعلام المعاملة بذلك ماله مسمّيات كثيرة كأبي حسن، وقيصر. فتقدير ما كان هكذا بلا مسمَّى لهذا الاسم أو بلا واحد من مسمّياته لا يصح لأنه كذب.

فالصحيـح أن لا يقـدّر هذا النـوع بتقـديـر واحد، بل يقدّر ما ورد منه بـما يليق به وبما يصلح له، فيقـدر"لا زيـد مثله" بلا واحـد من مسميات هذا الاسم مثله، ويقدّر"لا قُريش بعد اليوم" بلا بطن من بطون قريش بعد اليوم، ويقدّر"لا أبا حسن لها" و"لا كسرى بعده" و"لا قيصر بعـده" بلا مثـل أبي حسن، ولا مثـل كسـرى ولا مثل قيصر، وكذا لا أمية ولا عُزَّى. ولا يضرّ في ذلك عدم التعرّض لنفي المثل. فإن سياق الكلام يدلّ على القصد.

انتهى.

وقـال الـرضيّ[95]: أعلم أنـه قد يؤول العلم المشتهر ببعض الخـلال بنكـرة فينصب بـ "لا" التبرئة، وينزع منه لام التعريف إن كان فيه، نحو: "لا حسنَ" لا الحسن البصري، و"لا صَعِقَ" في الصَّعق[96]. أو مما أضيف إليه نحو: "لا أمرأ قيس" و"لا ابنَ زبير". ولا تجوز هذه المعاملة في لفظي عبد الله وعبد الرحمن، إذ الله والرحمن لا يطلقان على غيره تعالى حتى يقدّر تنكرهما قال:

لا هيثمَ الليلةَ للمطيّ

وقال:

نكـدْنَ ولا أمـيـةَ في الـبـلاد

   أرى الحـاجـاتِ عنـد أبـي خُبـيـبٍ  

ولتأويله بالمنكر وجهان: إما أن يقدر مضاف هو"مثل"، فلا يتعرف بالإضافة لتوغله في الإبهام، وإنـما يجعـل في صورة المنكـر بنزع اللام، وإن كان المنفي في الحقيقة هو المضاف المـذكـور، الذي لا يتعرف بالِإضافة إلى أي معرف كان، لرعاية اللفظ وإصلاحه. ومن ثمّ قال الأخفش[97] على هذا التأويل يمتنع وصفه لأنه في صورة النكرة، فيمتنع وصفه بمعرفة، وهو معرفة في الحقيقة فلا يوصف بنكرة. وإما أن يجعل العلم لاشتهاره بتلك الخلة كأنه اسم جنس موضـوع لإفـادة ذلـك المعنى، لأن معنى "قضية ولا أبا حسن لها": ولا فَيْصلَ لها، إذ عليّ رضي الله   عنه كان فيصلا في الحكومات على ما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "أقضاكم عليّ"[98] فصار اسمـه كالجنس المفيـد لمعنى الفصل والقطـع، كلفـظ الفيصل، وعلى هذا يمكن وصفـه كالمنكر. وهذا كـما قالوا: "لكل فرعون موسى"، أي لكل جبّار قهّار، فيصرف موسى وفرعون لتنكيرهما بالمعنى المذكور. انتهى.

12- حديث: "إن مَطْعَمَ ابْنِ آدمَ جُعِلَ مثلا للدُّنيـا، وإنْ قزَّحَهُ[99] وملَّحَهُ، فانظروا إلى ما يصير"[100].

قلت: "مـا" موصـولة وعائدها محذوف، لأنه جُرّ بمثل الحرف الذي جرّ الموصول به، والتقدير: إلى ما يصير إليه، ونظر به يتعدى.

13- حديث: "جاءت الرّاجفةُ تتْبعُها الرادفة"[101].

قلت: هذه الجملة الفعلية حال من الراجفة.

وقوله: "جاء الموت بما فيه".

جملة الجار والمجرور حال من الموت، والباء للمصاحبة.

14- وقوله: "أرأيتَ إن جَعَلْتُ صَلاتي كلّها عليك". "أرأيت" هنا بمعنى أخبرني. وقـولـه : "إذنْ يكْفِيَك الله ما أهمّك مِنْ دنياك وآخرتِك"[102]. "إذن" هنا للجواب والجزاء معا، وهي ناصبة للفعل لاستيفائها الشروط من التصدّر وغيره [103].

15- حديث: "مثلي في النبيين كمثـل رجـل بنى دارا فأحْسَنها وأكْمَلَها وتركَ فيها مَوْضِعَ لَبِنَةٍ لم يَضَعْها، فجعل الناسُ يطوفون بالبنيان ويعجبون منه ويقولون: لو تمَّ موضعُ اللبنة"[104].

قلت: "جعل" لها معان: أحدها: الشروع في الفعل، كأنشأ وطفق، ولها اسم مرفوع وخبر منصـوب، ولا يكـون غالبا إلا فعلا مضارعا مجرّدا من أنْ، وهي في هذا الحديث بهذا المعنى. قال ابن مالـك[105]: وقـد يجيء جملة فعليـة مصـدرة بإذا كقول ابن عباس: "فجعل الرجل إذا لم يستطع أن يخرج أرسل رسولا"[106].

الثاني: بمعنى اعتقد، فتنصب مفعولين نحو: {وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثاً}[107].