|
|
|
|
لا ...لخصُوَمةِ المسْلِمِ مَعَ الدُّنيَا وَالنّاس |
|
|
للدكتور جميل عبد الله محمد المصري |
|
|
أستاذ مساعد بكلية الدعوة وأصول الدين . |
|
|
|
|
|
الحمد لله الذي أراد للأمة الإسلامية أن تكون خير أمة أخرجت
للناس، وأعز بتأييده وتوفيقه الصادقـين الصابرين من عباده المخلصين وصلى الله
عليه. سيدنا محمد رسوله الكريم المبعوث رحمة للعالمين وخاتم النبيين. وعلى آله
وصحبه أجمعين وبعد: |
|
|
فقـد ظهرت في عالم المسلمين المعاصر نغمات منحرفة ناشزة
تزعمها عدد من الكتاب المشهـورين تتّهم المسلمـين بالعصبيـة والفـوقيـة وبأنهم
ينظرون لغيرهم بالـدونيـة، وهذه تعبيرات دخيلة على الإسلام وعلى الفكر الإسلامي
وعلى الحضارة الإسلامية، قُصد منها التـلاعب بالألفـاظ والشعـارات ممّن انبهر
بالحضارة الغربية بشقيها الرأسمالية والاشتراكية، ومن هؤلاء من تطاول فاتهم
المسلم أنّه في خصومة مع الدنيا كـما هو في خصومة مع الناس. وكيف يتأتى لمسلم -
صحيح الإسلام - أن يكون في خصومة مع الدنيا أوفي خصومة مع الناس وهو يحيا الحياة
بكل ما فيها، اختصه الله بخلافة الأرض وأعمارها ونشر الخير فيها، فالإسلام لا
يقر الرهبانية ولا الزهادة بمعنى اعتزال الحياة، وليست الزهادة بتحريم الحلال،
ولكن الـزهـادة هي أن تكـون بـما في يد الله أوثق منـك بـما في يدك، وما يسميه
الناس من زهد المسلم وتعففـه هو التزام بمنهـج الإسـلام وحسن خلافة في الأرض،
فهو يعمل ويجهد نفسه ليقدم خيراً لأمته، طاعة لله إذ
حثّ على العمل- قال تعالى: |
|
|
{فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ
رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ}. سورة الملك: 15. |
|
|
وجعل كسب المال من عبادة الله أو التقرب إليه إذا قصد به
المسلم الإنفاق على أهله أو على أرملة أو مسكـين، أو قصـد إخراج زكـاة المـال،
أو غرس غرسه فأكـل منها طير أو إنسان أو حيوان. قال صلى الله عليه وسلم : "إذا أنفق المسلم نفقة على أهله وهو يحتسبها كانت له
صدقة"[1].
|
|
|
وقـال صلى الله عليه وسلم: "الساعي على
الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله أو القائم الليل الصائم النهار"[2]. |
|
|
وقال صلى الله عليه وسلم : "ما
من مسلم يغرس غرساً فيأكل منه طير أو إنسان أو بهيمة إلا كان له به صدقة"[3]. |
|
|
وهكذا فرض الإسلام كفالة مشتركة بين أهله، وجعل العجزة
والضعفاء والمحرومين موضـع تقـديركبير،
فلم يطالب بإسقاطهم من المجتمع، بل أوجد لهم حمايات وضمانات كاملة، واعتبرهم
موضع الرزق والنصر: "هل تنصرون وترزقون إلا
بضعفائكم"[4]. |
|
|
هذا الحث على السعي والعمل يجعل خصومة المسلم مع الحياة
بعيدة ولا وجود لها إلا في أوهام أعـداء الإسلام والمسلمين فالدنيا مطية للآخرة،
وأعمال المسلمين أيام عزّهم دليل على التزامهم بنصوص دينهم، فالثراء الذي حازه
عبد الرحمن بن عوف[5]،
والزبير بن العـوام[6]،
وطلحـة ابن عبيـد الله[7]،
وعثـمان بن عفان
[8]،
وهم من الصحابة- رضي الله عنهم جميعا- وغيرهم كثير. أمثلة على أن الدنيا ليست
هدفاً للمسلم ذاتها بل هي مطية للآخرة. |
|
|
فالمـال عنـد المسلم وسيلة لا غايـة، وطريق لا هدف، فالمـال
لله وحـده والإنسـان مستخلف فيـه، استخلفـه للانتفاع به وتـوجيهـه في سبيل الله
ومصلحـة الأمة، وكـما كرّم الإسلام السعي والعمل قال صلى الله عليه وسلم : "ما أكل أحد طعاماً قط خيرًا من أن يأكل من عمل يده وأن
نبي الله داود عليـه السـلام كان يأكـل من عمـل يده"[9].
كرّم الإنفاق، فالمال تطهره الصدقة. قال تعالى: |
|
|
{خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ
وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا}. سورة التوبة: 103. |
|
|
وأمر بتداول المـال بين الناس دون تداولـه بين طائفة خاصة.
قال تعالى: {كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاءِ
مِنْكُمْ}. سورة الحشر: 7. |
|
|
وهذا من شأنه اتساع دائرة العمل والإنفاق، وقد قيد الشرع
الإسلامي حق التصرف بالإنفاق فمنـع السـرف والتقتير. قال تعالى: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ
الْمُسْرِفِينَ}. سورة الأنعام: 141. |
|
|
وقال سبحانه: {وَلا تَجْعَلْ
يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ}.
الإسراء: 29. |
|
|
وقـال جلّ وعلا: {وَالَّذِينَ
إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ
قَوَاماً}.سورة الفرقان: 67. |
|
|
وحث الشرع على تنمية الثروة وفق ضوابط معينة على قاعدة
"لا ضرر ولا ضرار": |
|
|
فمنع الغش- قال صلى الله عليه وسلم: "من غشّنا فليس منا"[10]. |
|
|
والربـا فقال تعـالى: {الَّذِينَ
يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ
الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ}. (سورة البقرة: 275). |
|
|
والاحتكـار. قال صلى الله عليه وسلم: "لا يحتكـر إلا خاطئ"[11].
وأنكـر احتكـار الثروة بيد طبقة واحدة، واحتكار التجارة في الأسواق العامة، ومنع
كنز الأموال وتوعد الله سبحانه من يفعل ذلـك بالعـذاب الشديـد. قال تعـالى: {وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا
يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ يَوْمَ
يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ
وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لانْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ
تَكْنِزُونَ}. سورة التوبة 34- ه 3. وحـرّم أكـل أمـوال الناس
بالباطل، ومنع الرشوة. قال تعالى: {وَلا
تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى
الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقاً مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ}. سورة
البقرة: 188. |
|
|
وتكفلت الدولة في الإسلام من لا مال له ولا عمل عنده،
وتتولى إيواء العجزة وذوي العاهات. |
|
|
هذا هو التوازن للنفس والمجتمع والأمة، وليس صحيحاً أن تصرف
فئة من المسلمين ينسحب على الإسـلام نفسـه، وعلى المسلميـن عمومـاً، فالتعميم
العشوائي والقيـاس الشمـولي دون تمَحيص، أسلوب درج عليـه أعـداء الإسـلام
والمسلمين المبهورون بحضارة الغـرب من أبنـاء هذه الأمـة عن قصـد ليحفـروا هوّة
بين المسلمين ودينهم، وأي ظلم أفدح وأعظم من قياس الإسلام على أوضاع المسلمين
الراهنة؟ والأعجب من كل ذلك أن يُتهم المسلم وممن ينتسب إلى الإسلام بأنه في
خصومة مع الناس- فمتى كان ذلك؟!. |
|
|
لقد أرسل الرسول صلى الله عليه وسلم شاهداً ومبشراً ونذيراً
وداعياً إلى الله وسراجاً منيراَ، وجاء يبشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلاَ
كبيراً
[12]. |
|
|
والتحق رسول الله صلى الله عليه وسلم بالرفيق الأعلى-
فورثته الأمة- وعلى المسلم يقع عبء هداية الإنسـانيـة، وتبصـيرهـا بالطـريق
الصحيـح، وعليـه عبء الأخـذ بيد العميان إلى الهدى والسبيـل القـويم، وقـام
المسلمون بهذا التكليف خير قيام فانتشر الإسلام بسرعة عجيبة في أقطار الأرض،
سرعة عجز كثير من المؤرخين عن تفسيرها لعدم إدراكهم روح الإسلام وحركته. |
|
|
لقد انتشر الإسلام بالقرآن الكريم وعمارة الصدور به، كان
المسلم يحمله ويتمثله قولاً وعمـلاً وسلوكـاً وقـانـوناً، فيتحرك بالقرآن، وفي
أقل من قرن من الزمان امتدت دولة الإيـمان والإسلام من حدود الصين شرقا
[13]
إلى المحيط الأطلسي غربا[14]،
ومن جبال البرانس شمالا[15]إلى
الصحراء الكبرى والمحيط الهندي جنوباً، شاملة العالم القديم بأسره[16].
نقل خلالها المسلمـون عقيـدة الإسلام وروحه ومفاهيمه إلى الناس فارتفعوا به
وتساموا... ولم تكن هذه الفتوحات للغلبة أو السيطرة أو الاستعمار بمفهومه
الحديث، بل كانت حركة لنشر عقيدة الإسلام الخالصة، وإزالة الحواجز من طريق هذه
الدعوة، فلم يكن الهدف إزالة ملك أو دولـة، ولـذا فإن من قبل الإسـلام وطبقه من
أهل هذه البلاد وخضع للإسلام ترك وشأنه وأقرّ على حكم بلاده، وكـانت هذه
الفتـوحـات طريقا لتحرر الفكر من القيود التي فرضتها أوضاع الجاهليات التي سادت
والاضطهادات الدينية والاقتصادية والسياسية والاجتماعية- فكان المسلمون كـما قال
ربعي بن عامر لرستم قائد الفرس في القادسية عام 14 هـ: "إن الله ابتعتنا
لنخـرج من شاء من عبـادة العباد إلى عبادة الله، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن
جور الأديـان إلى عدل الإسـلام"[17].
وسرعان ما وجدنا من يشارك من تلك الأمم في حركة المـد الإسلامي شرقـاً وغربـاً
وشـمالاً وجنـوبـاً- فضمت كتـائب الإسـلام العـرب والبربر والعجم... فكيف نفسـر
تخلي أصحـاب العقائـد العـريقة عن عقائدهم واندماجهم في المجتمـع الإسلامي، بل
وتخليهم عن لغـاتهم العـريقة ثم حملهم للإسلام وقبولهم له عقيدة وشريعـة ومنهج
حياة وتكلمهم بلغته- لغة القرآن؟ وكيف يفسر انتشار الإسلام الهادي بعد ذلـك في
إندونيسيا والمـلايـو والفلبـين والصـين وأواسـط إفريقيا وشرقها وجنوبها- وركوب
المسلمين البحر وابتكاراتهم واختراعاتهم وإنجازاتهم العلمية؟ كيف نفسر كل ذلك
إذا كان المسلمون في خصومة مع الناس؟. |
|
|
نعم أصـاب المسلمين انحـراف تدريجي عن منهـج نشر الهدى في
كل الأرض ولكنهم ظلوا قبساً منيراً يُعلمون الناس ويهدونهم إلى سواء السبيل إلى
أن وصلوا درجة انحسروا في داخل أنفسهم وركنوا عن الحركة والانطلاق... وعندئذ
انقضت عليهم الجاهلية تغمرهم بظلالهـا البالـغ في الطغيـان حتى خرج كثير منهم من
دين الله واتبعوا خطوات الشيطان. مصداقاً لقوله سبحانه وتعالى: |
|
|
{إِنَّ
اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ}. سورة الرعد: 11. |
|
|
لم تظهر خصومة المسلم مع الناس إلا
عندما اهتزت عقيدته، وانحط فكره، وضعف تصوره للإسلام ورسالتـه، وهـذا ليس لأنه
مسلم بل هو انحراف عن نهج الإسلام، ومن الظلم أن نطلق ذلك على المسلم الحق أو
على أحد الفقهاء الأجلاء الذين فهموا الإسلام من منابعه الأصليـة ومن خلال
تطبيقاته على أرض الواقع في بلاد الإسلام، وآراء الفقهاء الأجـلاء وتمحيصاتهم هي
أجـل وأعظم ما أنجزته الحضارة الإسلاَمية في ميادينها- وهى شاهدة على حيوية
الأمة الإسلامية وعلى قدرتها على العطاء وعلى قيادة العالم إلى الخير، وشاهـدة
على ما في الإسلام نفسـه من حركة وحيوية قادرة على أن تحرك هذه الأمة في كل وقت
وحين، حركته حركة نابعة من القرآن والسنة الشريفة. قال صلى الله عليه وسلم: "تركت فيكم شيئين لن تضلوا بعدهما: كتاب الله وسنتي ولن
يتفرقا حتى يردا الحوض"[18]. |
|
|
وقـد أشار الإمام الشافعي للسنة "بالحكمة"[19].في
قوله تعالى: {وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ
وَالْحِكْمَةَ}. سورة الجمعـة: 2. ولقـد حفظ الله سبحانه وتعالى
كتابه في ألفاظه وكلماته منقـولا بالتواتر مدوناً على أسلم ما يكـون النقـل
والتدوين. قال تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا
الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُون}. سورة الحجر: 9. وكذلك حفظ
بيانه بما كان من عمل الفقهاء والمحدثين، حتى اختصت الأمة الإسلامية دون غيرها
بالإسناد فكان اجتهاد الفقهاء من خلال النصوص، وإذا كان النص قطعي الثبت لا شبهة
فيه فليس عندهم اجتهاد يصيب ويخطئ بل هو التسليم إذ: "لا اجتهاد في موضـع
النص". ولم يذكر أحـد من الفقهاء أن المسلمين صنف متميز ومتفوق من البشر
لمجرد كونهم مسلمين، ولكن الإسلام أعطى بحق أفضلية للملتزم به، والإسلام ليس
لطبقة ولا لجنس فهو دين للناس كافة تتساوى فيه سائر الأجناس في الحقـوق والواجبات،
لا يعترف بطبقية ولا عنصرية ولا كهنوتية. قال تعالى: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ}. سورة
الحجرات: 13. "فلا فضل لعربي على عجمي ولا لعجمي على عربي إلا بالتقوى".
وهذه دعوة للمساواة بين بني البشر. طبق المسلمون ذلـك طيلة فترة دولتهم التي
استمرت عشرة قرون الـدولـة الأولى في العـالم. فبلال العبد الحبشي يعتلى ظهـر
الكعبـة ليؤذن للصـلاة[20]،
وسليـمان الفارسي يتولى المدائن[21]،
وطارق بن زياد البربري يقود جيش الإسلام فيفتح الأندلس[22]،
وكافور الأخشيدي يتولى مصر[23]،
والمماليك يحكمون في مصر والشام[24].
والهند[25].
وآل عثمان يتولون الخلافة الإسلامية[26]
والموحدون[27]،
والغزنويون[28]
وغيرهم، وغيرهم يقودون حركة الجهاد. |
|
|
والناس شئنا أم أبينا مؤمن وكافر، والكفر
نكران لنعمة الله وهديه، وأي شيء أفظع من إنكار رسالة الإسلام والدين عند الله
الإسلام؟ والتنكر لرسول الإسلام- "محمد رسول الله"[29]،
والإسلام أجلّ نعم الدنيا يتمناه الكافر يوم القيامة- قال تعالى: {رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا
مُسْلِمِينَ}. سورة الحجر: 3. ويشترك المؤمن والكافر في الإنسانية وهي
ليست ديناً وليست مبـدأ ينبثق منها عقيـدة أو نظام حياة، بل هي بحاجة إلى تهذيب
وإلى مقياس عادل صحيـح، وليس ما يهذبها كالإسلام!!. ولـو نحينا الإسلام جانباً
ونادينا بالإنسـانية فقط كـما يحلو لكثير من الناس فهل نصبح نحن وأصحاب العقائد
الأخرى على قدم المساواة؟ إن من يفعل ذلك كمن يلقى سلاحه أمام عدوه الحاقد
ليتحكم فيه بما يشاء. |
|
|
فالقضية أساسا قضية عقيدة،
وجهة نظر في الإنسان والكون والحياة وما قبل الحياة وما بعدها، ولا تؤخذ الحضارة
إلا من منبعها و إلا انحرفت أو ذابت واضمحلت، ومنبع الحضارة الإسلامية: كتاب
الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم مبنية على عقيدة التوحيد،- والحضارة غير
المدنية التي كثـيراً ما يخلطها الكتـاب بالحضارة المدنية - هي المظهر المادي
منها المكيفات الأمريكية ولمبات تونسجـرام الهنجـارية، ومكبرات الصوت الهولندية،
والأقمشة الإنجليزية، والحرير الياباني، والساعات السويسرية، والأحذية
الإيطالية- والطائرات والسيارات... وما إلى ذلك من مظاهر مدنية من مبتكرات العلم
وهي ملك عام لجميع البشر بـما ركـب الله فيهم من قدرة على الابتكار والاختراع
الصناعي، يستوي في الاستفادة منها المسلم وغير المسلم، ولا يجوز احتكارها، كما
لا يجوز الانزواء عنها- ولا شأن للمخترعين واختراعاتهم بالجنة والنار، بالإسلام
والكفـر، فمن يكفر بالخالق الذي يستحق العبادة وحده لا يمكن أن يبتغى بعمله خدمة
الإنسانية حقاً، ولن ينفع المشتغلين بالبحث العلمي يوم القيامة علمهم إذا كانوا
كـفاراً ولن يضر الجاهلين بالعلم يوم القيامة جهلهم إن كانوا مؤمنين. |
|
|
ومن الغـريب العجيب أن يدعي بعض الكتاب أن هناك خللاً في
علاقـة المسلمين بغـيرهم، وأن يزعم أن المسلمين اتخـذوا من الآية الكـريمـة: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ}.
سورة آل عمران من الآية 115. شهادة بالفوقية للمسلمين، في الوقت الذي لم يذكر
أحد من المسلمين لا من المفسرين ولا من الفقهاء الإجلاء ولا من غيرهم من علماء
هذه الأمة مثل ذلك، ولا يستشهد بالآية إلا مرتبطة بأسسها الثلاثة: الأمر
بالمعروف، والنهى عن المنكـر، والإيـمان بالله، وحينئـذ تصبـح الأمـة الإسلامية
فعلاً خير أمة أخرجت للناس لأنها تكـون قائـدة وهـادية، فهي تكليف قبل أن تكونَ
تشريفا. قال تعالى: {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً
مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ
الْمُسْلِمِينَ}. سورة فصلت: 33، فالمسلم داعية إلى الله يعمل صالحاً
فينال التكريم. |
|
|
ويعلق بعـض الكتـاب على الفقهـاء الأجـلاء من استنباطـاتهم
في الآية الكريمة: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لا
يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ
اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا
الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ}.
سورة التـوبـة: 29، وهى آيـة واضحـة المعنى بينة ليس فيها من المتشابه شيء، فقد
قامت دعوة الإسـلام على الجهـاد بمعنى بذل الجهد مطلقا في حرب وغـير حرب في
التبشـير بالرسالة الإسلاميـة وتأييدهـا ونشرهـا والـدفـاع عنها حربـاً وسلماً،
والجهاد كلمة إسلامية خاصة بالمسلمـين ولا يصـح إطلاقها إلا على ما كان في سبيـل
الله- وهـو ذروة سنـام الإسلام[30]
وأفضل العبادات[31]و"من قاتل لتكون كلمة
الله هي العليا فهو في سبيل الله"[32].
وقد قال أحـد الفقهاء: "اعلم أن الجهاد إنـما يتحقق إذا كان خالصاً لله تعالى
ويكون لإعلاء كلمة الله عز وجـل وإعزاز الـدين ونصرة المسلمين، أما من جاهد وغزا
لحيازة الغنيمَة واسترقاق العبيد واكتساب اسم الشجاعة وتحصيل الصيت، أو طلب دنيا
أو امرأة، فإنه تاجر أو طالب وليس بمجـاهـد"[33].
فالقتال في الإسـلام نوع من الجهاد في سبيـل الله وليس من أجـل الاستيطان أو
إبادة الغير كالاستعمار الأوروبي الذي واكب حركة الكشوف الجغرافية[34]،
ولا هو من أجل السيطرة والاستعلاء واستعباد الغير وإذلالهم واستغلال خيراتهم
ونهب ممتلكاتهم كما هو واقـع الاستعـمار الأوروبي الحـديث الذي رافق حركة الثورة
الصناعية[35]
ولا لاحتكار الخيرات واستغلالها كالاستعمار المعاصر اليوم[36]،
الجهاد إنقاذ للبشرية من ضلالها، وتحريرها من طواغيتهـا المـاديـة والمعنـويـة-
حتى يصبـح النـاس أمام دعوة الإسلام وجها لوجه، ولا يستهـدف أبدًا إكـراههم على
الدخول فيه واعتناقه، ولا يستهدف الغنائم والإسلاب، بل يترك الخيـار لكـل
إنسـان. قال تعـالى: {فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ
وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ}. سوره الكهف: 29، فلا إكـراه ولا عنت ولا
مشقـة ولا محاكم تفتيش[37]،
ولا خطف أطفال[38]،
ولا تضييق في المعـاش، ولا فرض لغـة أوتشـريد وتهجير وتجويع[39].
قال تعالى: {أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى
يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ}. سورة يونس: 99. |
|
|
ومن مبادئ الحـرب في الإسلام أن يعرض المسلمون على الأعداء
أحد أمرين قبل القتال: الإسلام أو الجزية، فمن أجاب للجزية قبل الحرب فليس هناك
ذل أو صغار، أما من حارب حتى رضخ للجـزيـة فهـو الصغار الذي هو الخضوع لحكم
الإسلام. قال الإمام الشافعي: "وسمعت عدداً من أهل العلم يقولون: إن الصغار
أن يجري عليهم حكم الإسلام"[40]. |
|
|
وهـذا هو محتـوى الآية
الكريمة. فالجزية في أبسط مفاهيمها في الإسلام ضريبة على الذمي من رعـايـا
الـدولـة الإسلامية مقابل ضريبة الجهاد المفروضة على المسلم، وهى في مقابل
حمايته، وإذا عجز المسلمون عن حمايته سقطت الجزية- فعندما صالح خالد بن الوليد
أهل الحيرة قال: |
|
|
"إني
عاهدت على الجزية والمنعة... فإن منعناكم فلنا الجزية وإلا فلا"[41].
وتسقط هذه الجـزيـة عن الـذمي إذا قام بواجب الـدفـاع عن دار الإسلام[42]،
ودليل ذلك ما صنعه عتبة بن فرقد مع أهل أذربيجان: "عليهم أن يؤدوا الجزية
قدر طاقتهم إلا من حشر منهم في سنـة فيوضـع عنه جزاء تلك السنة"[43].
كـما يعفى منها من لا يستطيع القتال كالمرأة والصبي والشيـخ الكبير ورجـل الـدين
فمن من الفقهاء والحال هذه استدل أن هذا فوقية للمسلم على غيره؟ {كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ
يَقُولُونَ إِلاَّ كَذِباً}, الكهف: 5. |
|
|
لقد بلغ تسـامـح المسلمـين مبلغاً لم يمر ولن يمر من غيرهم
في تاريخ البشرية فلم يضيقوا على المخـالفـين[44]فيـما
يعتقـدون حتى فيـما اعتقـده المسلمـون حراما، فسمحوا للنصارى بالخمر والخنزير-
قال الشافعي أحد الفقهاء : |
|
|
"علينا
أن نمنع أهل الذمة إذا كانوا معنا في الدار وأموالهم التي يحل لهم أن يتموّلوها
مما نمنـع منـه أنفسنا وأموالنا من عدوهم إن أرادهم، أو ظلم ظالم لهم، وأن
نستنقذهم من عدوهم لو أصابهم، وأموالهم التي يحل لهم، فإذا قدرنا استنقذناهم وما
حل لهم ملكه ولم نأخذ لهم خمراً ولا خنزيرا"[45]. |
|
|
وعلى من يريـد التلاعب
بالألفاظ أن يدرك أن الإسلام هو سنة الله في الكـون، والفطرة التي فطر النـاس
عليها، أمـا أن الإسلام يتغير بتغير الزمان والمكان فإنه براء من ذلك- فالإسلام
لا ينحني لا لزمان ولا لمكان، فالزمان والمكان يخضعان للإسلام ولا يخضع لهما- هو
طراز خاص في الحياة متميز عن غيره من خالق الزمان والمكان يعالج ما يجدّ من أمور
من خلال الخطوط العريضة التي جاء بها كتاب الله وجاءت بها سنة رسول الله، وهي
معانٍ عامـة تعـالـج جميـع مشـاكـل الإنسان في الحياة في كل زمان ومكان، يستنبط
منها كل مسألة إنسانية بحيث تجعل العلاج في مستنداً إلى قاعدة متينة تندرج تحتها
جميع الأفكار عن الحياة، وتكـون مقياسا تبُنى عليه جميـع الأمور الفرعية، وكل
المعالجات والمعاني منبثقة من عقيدة التـوحيد، مستنبطـة من خطوط الشريعـة
العريضة. وقد حدد الإسلام للإنسان القواعد الأساسيـة ولكنه لم يحدّ عقله بل أطلقه،
وقيد سلوكه في الحياة بوجهات نظر معينة، فجاءت نظرة المسلم للحياة الـدنيا نظرة
أمل باسم وجدّية واقعية، كـما جاءت نظرة تقدير لها مفصلة على قدرها من حيث أن
يجب أن تنال ومن حيث أنها ليست غاية، يبتغى بها وجه الله والدار الآخرة التي هي
دار البقاء والخلود. |
|
|
وكـما أن رسالة الإسلام
شاملة لجوانب التنظيم التي تستند إليها المجتمعات الصحيحة وتقوم على أساسها
الحياة الإنسانية الكاملة مما ينظم شئون الأفراد والمجتمع والأمة، فإنها عنيت
بمطالب الروح والجسَـد، ولبت رغبات البطن والعقـل والفرج بالقسطاس والعدل على
أساس من الحق والخير والتوازن مما يكفل سعادة الإنسان في السلم والحرب[46]،
ومن هنا تنزل القرآن الكريم منجماً، فلكل حادث حديث، فالآية الكريمة: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ
الدِّينُ لِلَّهِ}. سورة الأنفال: 39. "وهي التي حاول بعض
الكتاب أن يضـع حول معانيها الشبهات". نزلت في شركي مكة والجزيرة العربية-
ولكن ماذا نقول اليوم في عالمنا المعاصر عن مذابح المسلمين في فلسطين ولبنان
وأفغانستان وإريتريا والفليبين وفطاني؟ وماذا نقـول لما يصيب المسلمين في الهند
ونيبال والصين وروسيا وجنوب إفريقية؟ بل ماذا نقول لما يصيب المسلمين من اضطهاد
في أرض المسلمين نفسها؟ وهل زال الجـرح العميق الذي أحـدثـه أعداء المسلمـين في
الـذاكرة الإسلامية؟ الذي ابتدأ بتدبير المؤامرات لتقويض الدولـة الإسلامية من
داخلها تلك التي بدأها يهود المدينة ونصاراها بالاشتراك مع المجوس[47]-
وبقيت تسير في مسلسلات دامية إلى أن قضى يهود الدونمة على الخلافة العثمانية[48]-
والدول الأوروبية الصليبية التي قادت الهجمات الشرسة على المسلميـن[49]
وتكـالبت عليهم وأبادتهم في الأندلس وصقلية وجنوب إيطاليا وسردينيا والبلقان
والقرم وشاشان وشـركسيا وفنزويلا وقبرص- وهل انتهت هذه الهجمات حتى يزول هذا
الجرح الغائر؟! وبماذا نردّ على اللورد ويفل من كبار القواد الإنجليز وساستهم
الذي نقل عن إحـدى المجـلات الإنجليزية صورة رمزية للقائد الإنجليزي للنبي في
عودته من الحرب في فلسطين وقـد كتب تحتها: "العودة من الحروب الصَليبية"
. ولأسقف نيويورك الذي أرسل إلى رئيس أساقفـة كانتربري برقيـة من مائـة أسقف
وشكـره على المساعي التي يبذلها في الحـروب الصليبيـة التي تبـذل ضد بقاء
الأتراك في الآستانة[50].
وللقائد الفرنسي بييركيلر الذي صرح بالدوافع الصليبية فقال في كتابه عن
"القضية العربية في نظر الغرب" صفحة 119: |
|
|
"إن
مصـالـح فرنسا في الشرق الأوسط هي قبل كل شيء مصالح روحية، وتعود هذه العلاقات
إلى عهد الصليبين حيث وقعت معاهدات لحفظ الأماكن المقدسة، وجددت هذه المعاهدات
على مرّ القرون، وتحملت فرنسا مهمة حماية نصارى الشرق[51]،
وللجنرال غورو الذي قصد قبر صلاح الـدين عنـد دخـوله دمشق بعد ميسلون[52]
عام 1920م فقال: "قم يا صلاح الـدين- نحن أبناء غودفـرى عدنـا إليـك
منتصرين". وغودفرى كان أبرز القادة الصليبين الذين نكلوا بالمسلمين في
الحملة الصليبية الأولى[53]. |
|
|
لقـد تخلىّ العربي بالإسلام عن عصبيتـه القبلية
وآمن بقوله تعالى: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ
اللَّهِ أَتْقَاكُمْ}. سـورة الحجرات: 13. فسالم مولى أبي حذيفة
المجهول الأب يؤم المسلمين في هجرتهم إلى يثرب وفيهم الصحابة منهم- عمر بن
الخطاب- لأنه كان أقرأهم[54].
وأمـا من بقي على عصبيته فقد عد جاهليا، إذ لما تقاول أوسي وخزرجى بفعل الـدسائس
اليهـوديـة تنادى الأوس والخزرج: السلاح- السلاح فبلغ ذلك رسول الله – صلى الله
عليه وسلم - فقال غاضباً: "الله الله أبـدعوى
الجـاهليـة وأنا بين أظهركم بعد أن هداكـم الله للإسلام وأكـرمكم به..."[55].
فذاك الذي بقيت لديـه عنجهيـة العصبيـة والتفاخر بالآباء لا يجوز قياس الإسـلام
عليـه أو اعتباره حجـة على الإسلام، بل الإسلام حجة عليه. فقد كان عمر بن الخطاب
يقول: "أبو بكر سيدنا اعتق بلالا سيدنا"[56].
|
|
|
وأما تعصب المسلم للإسلام فلأنه على حق وعلى قناعة جازمة،
فلا يجوز أن يتهم في تعصبـه بأنـه ذو اعتقـاد باطل ينحاز إلى موقف الجـماعة دون
اختيار ودون تفكير وأنه يستعلي على الآخرين كـما وصفه أحد الكتاب ظلماً وعدواناً،
إن التعصب للحق موقف الشرفاء من البشر أصحاب العقائد القوية- والتعصب للباطل
موقف الجهلة أعداء الإنسان- التعصب الأول فضيلة وواجب، والتعصب الثاني رذيلة
ومنكـر، التعصب للإسلام {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ
اللَّهِ الإِسْلامُ}[57]
هو لسعادة البشر وهو واجب على كل إنسان مستنير عرف الحق، لأن الحق إن لم يجد من
ينصره ويعززه فسيجد الباطل المدعم بالقوة الفرصة أمامه لكي يسيطر ويضرب بجرّانه
في أعماق الأرض، والتعصب العنصري والقومي والوطني والقبلي يقف ضد إنسانية الإنسان. |
|
|
إن الصـراع بين الإسـلام وغـيره في حقيقتـه صراع عقائدي
بدأه أعداؤه من أول ظهوره، والواقع الشرعي يؤكد أن عداء الكفر للإسلام مستمر.
قال تعالى: {وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ
وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ}[58]
وهم صف واحد في مهاجمة الإسلام. قال تعالى: {بَعْضُهُمْ
أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ}[59].
والرسول –صلى الله عليه وسلم - يؤكد أن الجهاد ماض في أمته إلى يوم القيامة[60]
وليس من سبيل إلى عزة المسلمين إلا بالتفاقهم حول عقيدتهم وفهمهم أبعاد الصراع
لا بالتنازلات التي تتلوها تنازلات. |
|
|
وإن تحجب فعجب قول أحـد الكتاب المسلميـن ضمن حملته على
الفقهاء الإجلاّء وعلى المسلمين: |
|
|
"ولكن
المقطـوع إن أكثر الكتب الفقهية تعـامل غير المسلميـن عندما يتعلق الأمر بأحكـام
المعـاملات- دعك عن العقائـد والعبادات بقدر من الدونية لم يعد يليق بكرامة
الإنسـان". فهـل أراد بقولـه هذا أن يفتح المسلمون مساجدهم لغيرهم وأن
توحّد المساجد والمعابد والكنائس والكنس؟ وهل أراد أن يجمع بين الوحدانية
والثالوث، وبين المساواة بين بنى البشر وفكرة شعب الله المختار[61]،
وبين من يعتقد توحيد الربوبية والألوهية لله وحده ومن يقول: "لا إلـه
والحياة مادة
[62]؟!
لقـد حاول أحد المتحذلقين أن يوفق بين الإسلام والبوذية قبل خمسـمائـة عام في
الهند فماذا كانت النتيجة؟ مخلوق مسخ عجيب وغريب لا ينتمي إلى هذا ولا إلى ذلك
سمي دين السيـخ[63]
أنـدحر معزولاً في بعض جهات الهند ونيبال... والكل يعرف ما آلت إليه البهائية[64]. |
|
|
لقـد التـزم الفقهاء الأجلاء بالنصوص في معاملة غير
المسلمين- وآراؤهم في جملتها إسلامية عادلـة- درسوا كل قضية على حدة في ظل أوضاع
إسلامية تطبق فيها أحكام الشـريعـة. وفي تطبيق أحكـام الشـريعـة ككل تبدو الهنات
باهتة كليلة يرتضيها غير المسلم ويأنس بها ويسعـد، وهمسة في أذن المتحـاملين:
كيف عاشت فئات غير إسلامية في المحيط الإسلامي الكبير طيلة عهد الدولة الإسلامية
بين الغالبية المسلمة، في حـين لم يستطع مسلم واحـد العيش في ظل غير المسلميـن
في الأنـدلس وصقليـة وجنـوب إيطاليا وسردينيا وجنوب فرنسا وروسيا الأوربية
وأمريكا الجنوبية؟ هل هناك من جواب؟ |
|
|
لقد حافـظ الإسلام على كرامة الإنسان- أي
إنسان - مهما يكن لونه وجنسه ودينه ولغته ووضعه الاجتماعي، ففي الوقت الذي كان
الرسول الله صلى الله عليه وسلم يهاجم عقائد اليهود والنصارى بسبب اتخاذهم
أحبارهم ورهبـانهم أربـاباً من دون الله يحلون ويحرمون[65]
كان يوصي بهم خيراً، ويزورهم ويكـرمهم ويحسن إليهم ويعـود مرضـاهم، ويأخـذ منهم
ويعطيهم، فقـد استقبل وفد نجران في مسجده بحضرة المسلمين[66]
وأجرى الصدقة على أهل بيت من اليهود[67]
ومات صلى الله عليه وسلم ودرعه مرهونة عند أبى الشحم اليهودي[68]
وكان في وسعه أن يقترض من أصحابه ولكنه أراد أن يعلم أمته، وقد وقف لجنازة يهودي
مرتّ به[69].
وسار أصحابه رضوان الله عليهم والمسلمون من بعـدهم على هديـه، فعمر بن الخطـاب
يمّر على يهودي يتسوّل فيبكى ويقول: "أكلناه في شبيبته، وخذلناه عند هرمه،
ويفرض له ولأمثاله من بيت مال المسلمين"[70]،
وطعنـه أحـد أهـل الـذمة بالتآمر مع اليهود والنصارى[71].
وقال وهو في النزع الأخـير: " أوصى الخليفـة من بعـدى بأهل الـذمة خيرا، أن
يوفي بعهدهم وأن يقاتل من ورائهم وألاّّ يكلفهم فوق طاقتهم"[72].
فهل هنـاك جسور فوق هذه الجسور يجب مدّها بين المسلمـين وبين غير هم؟ إنها جسـور
قائمة ولا تنقطـع- لأن انقطاعها يعني انقطاع دعوة الإسلام- التي حفظها الله من
الانقطاع- نعم ما انقطعت هذه الجسور منذ أن ظهر الإسلام وظهرت دولته وطبقت
أحكـامه على أرض الواقع، وما وهنت إلا عندما انحسرت أحكامه على أرض الواقع،
ولكنه بقى على النطاق الفردي يهذب الإنسان. أما في مجال العقيدة- فما هي الجسور
التي يمكن مدها بين عقيدة "لا إله إلا الله" وعقيدة تقول: إن الله ثالث
ثلاثة[73].
أو عقيدة تقول الله خاص بنا ونحن أحباؤه وأبناؤه وما خلق الله البشر (في زعمهم) إلا لخدمتهم
كالحيوانات (الجوبيم)[74]
أو عقيدة مادية ملحدة مبنية على صراع الطبقات تقول الحياة مادة والدين أفيون
مخدّر للشعوب[75]. |
|
|
وعلينا في هذا المجال أن نتـذكـر أن هناك دينا وشريعة- وقد
تشابهت دعوات الرسل جميعا: {لا نُفَرِّقُ بَيْنَ
أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ}. سورة البقرة الآية: 285، وفي الحين الذي
يعتقـد المسلمون ذلـك ولا يفرقـون بين أحد من الرسل لا نجد عقيدة من العقائد
الأخرى تعترف بالإسلام أو برسـول الإسلام محمـد صلوات الله وسلامه عليه... وقد
اختلفت شرائع الرسل- قال تعالى: {لِكُلٍّ
جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً}. سورة المائدة: 48،
وكـانت شريعـة الإسـلام بما انطـوت عليه من أحكام ينحني لها الزمان والمكان
نهاية المطاف وخـاتمته في تدرج الشرائـع نحـو الكمال-. إذن فالأولى أن يركز
الكتاب على وجوب تركيز العقيدة في نفوس المسلمين- وعلى وجوب تطبيق شريعة الله في
الأرض ليستريح برّ ويُستراح من فاجـر، الأولى أن يبرزوا التعصب اليهودي
وشوفينيته[76]
والصهيونية وأهدافها وأساليبها في محاسبة الإسـلام والمسلمـين، والغرب المستعمر
وتمييزه العنصري واستغلاله واحتكاراته، الأولى أن يبرزوا خصـومـة المعسكـر
الليبرالى مع الإنسـان في تمييزه بين البيض والسود في أمريكا وفي جنوب إفريقيا
وغيرهما، ومع الحياة التي تبرز في القلق وكثرة حوادث الانتحار، وأن يبرزوا خصومة
المعسكر الاشتراكي مع الإنسان في عمله على خلق التناقضات بين بني البشر وتقسيمهم
إلى طبقات متصارعة متعادية متنافرة باسم التطور والديالكتيك، ومع الحياة حين
خالفت هذا المعسكـر الفطـرة ففقدت الحياة معناها وخضعت للآلة- الأولى أن يبرزوا
مذابـح المسلمـين في الهنـد والفليبين وإرتيريا وجنـوب إفريقيا وتايلاند وأن
يدعو المسلمين للالتفـاف حول عقيـدتهم ليقـودوا العـالم إلى الهدى فهذا دورهم
بعـد أن أعلنت الحضارة الغـربيـة الشرقية والغربية عن خوائها الإنساني وفراغها
بأن كبلتها المادية وأعمتها الشوفينية فآذنت شمسها بالغروب[77].
والأولى أن ينادى الكتاب {قُلْ يَا أَهْلَ
الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ
نَعْبُدَ إِلاَّ اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً..}. سورة آل
عمران: 64. |
|
|
وليس غير الإسلام الذي ارتضـاه الله دينا - من عقيدة وتشريع
ومبدأ يرتفع بإنسانية الإنسـان - وهـو وحـده الذي يقضي على عنـاصـر الخـوف
والقلق والتنافس على المصالح والتحـاسـد وحب السيطرة والاستعلاء التي كرستها
الرأسمالية والاشـتراكية المتحكمة في عالم اليـوم- ويوم تعـود قيادة الـدنيا
للإسلام، تسعد البشرية- ولكل ليل فجر باسم بإذن الله، {وَيَوْمَئِذٍ
يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّه} . سورة الروم: ه. {أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ}.سورة
البقرة من الآية: 214. |
|
|
|
|
[1] صحيح البخاري: دار إحياء التراث العربي بيروت. ج7 ص 80 |
|
[2] نفسه ج7 ص 81. |
|
[3] صحيـح البخاري: تحقيق وتعليق محمـود النوادي، محمد أبو الفصل إبراهيم، محمد خفاجىج3 ص 95 كتاب المزارعة صحيـح مسلم. كتـاب المساقـاة- 7، 9، 2 1، أبـو داود- البيوع رقم 67. سلسلة الأحـاديث الصحيحـة ناصر الدين الألباني، منشورات المكتب الإسلامي. الحديث رقم (8). |
|
[4] صحيح البخاري جـ3 ص 1061 الطبعة الثالثة دار ابن كثير اليمامة – بيروت – سنة النشر 1407هـ-1987م تحقيق د :مصطفى أديب البغا. |
|
[5] هو عبـد الرحمن بن عوف القرشي الزهري رضي الله عنه من أكابر الصحابة، أحد العشرة المبشرين
بالجنة، وأحد الستة أصحاب الشورى الذين جعل عمر الخلافة فيهم. |
|
كان أحد أثرياء الصحابة ينفق ماله في سبيل الله وخدمة أزواج النبي صلى الله عليه وسلم بعده. عن الزهري: كان أهل المدينة عيالا على عبـد الرحمن بن عوف: ثلث يقـرضهم مالـه، وثلث يقضى دينهم، ويصل ثلثا. وكـان لا يعرف من بين عبيده (سير إعلام النبلاء للذهبي ج 1ص88 ـ 89) طبقات ابن سعد ج 2 ص 124/ البداية والنهاية ج 7 ص 179). |
|
[6] هو الـزبـير بن العوام بن خويلد القرشي الأسدي رضي الله عنـه، حواري رسول الله مجحف وابن عمتـه صفية بنت عبد المطلب، الصحابي الجليل الشجاع المقدام أحد العشرة المتـرين بالجنة وأحد الستة أصحاب الشورى. كان مؤسراً كثير المتاجر وكان له ألف مملوك يؤدون إليه الخراج فلا يدخل بيته من خراجهم شيئا بل يتصدق بها. قتله ابن جرموز غدرا بعد الجمل بوادي السباع على 7 فراسخ من البصرة سنة 36 هـ. (سير أعلام النبلاء ج ص ا 4-65، البداية والنهاية ج 7 ص 249،). |
|
[7] هو طلحـة بن عبيد الله بن عثـمان التيمى القرشي المدني رضي الله عنه من الأجواد وأحد العشرة المبشرين بالجنة، وأحد الستة أصحاب الشورى- كان يقال عنه: طلحة الجود وطلحة الخير وطلحة الفياض، لكثرة ثرواته وصدقاته وإنفاقه في سبيل الله. استشهد يوم الجمل سنة 36 هـ. بنبل غرب (طبقات ابن سعد ج 3 ص 4 21 0 الإصابة 2/ 1: 229/ تهذيب ابن عساكر ج 7 ص 71). |
|
[8] هو عثمان بن عفان بن أبى العاص بن أمية بن عبد
شمس القرشي الأموي (رضي الله عنه)- الخليفة الثالث من الخلفاء |
|
الراشدين. ذو النورين صهر رسول صلى الله عليه وسلم على ابنتيه- وأحد العشرة المبشرين بالجنة. كان غنياً شريفاً في الجاهلية ومن أعظم أعماله تجهيز جيش العسـرة بماله. تولى الخـلافـة وهـو أكثر المسلمين مالاً- واستشهد وهو أقلهم مالا سنة 35 هـ. أنظر الطبري. تاريخه ج5 ص145 الإصابة ج 2 ص 462. أسد الغابة ج 3 ص 376. |
|
[9] صحيـح البخاري ج 3 ص 50 كتـاب البيوع .. |
|
[10] صحيـح مسلم بشـرح النووي
ج 2 ص 108 ,إيـمان 164، أبو داود بيوع 50، الترمذي بيوع 72 ابن ماجة. بيوع 72. نيل
الأوطار للشوكاني ص 325. |
|
[11] صحيح مسلم بشرح النووي ج 11 ص 43-44 0 المطبعة المصرية ومكتبتها، أبو داود بيوع 47 0 ابن ماجة. تجارات راجع 6 البخاري عن الاحتكار (بيوع) ج 3 ص 0 6 رقم 4 5، وأنظر نيل الأوطار للشوكانى ج ه ص 336، والمنتقى في أخبار المصطفى ج2 ص 353 1 لأرقام: 2947- 2951. |
|
[12] قال تعالى:{يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيراً وداعيا إلى الله بإذنه وسراجاً منيرا، وبشر المؤمنين بأن لهم من اللّه فضلا كبيرا}. (الأحزاب: 45-47). |
|
[13] على يد القائد المسلم قتيبة به مسلم الباهلي الذي وصل في فتوحاته كـاشغر وراسل ملك الصين وتهدده وتوعده فان تجاه لطلباته (البداية والنهاية ج 9 صر: 157-159). |
|
[14] على يد القائـد المسلم عقبـة به نافـع الفهري الذي وصل المحيط الأطلسي فاقتحمه بفرسه وقال: "والله يا رب لولا هذا البحر المحيط لمضيت مجاهدا في سبيلك ". |
|
[15] على يد طارق بن زيـاد ومـوسى به نصـير (البداية والنهاية ج 9 ص 96) وقد اخترق المسلمون هذه الجبال ووصلت بقيادة عبد الرحمن الغافقي إلى أواسط فرنسا حيث ارتدوا إلى جنوب فرنسا بعد معركة بلاط الشهداء عام 132 هـ. |
|
[16] وهو المعروف آنذاك من القارات: آسيا وإفريقيا وأوربا. |
|
[17] البداية والنهاية ج 7 ص 44. |
|
[18] كنز العمال ج 1 ص 173. |
|
[19] الإمام الشافعي: الرسالة ص 32. |
|
[20] ابن سعد. الطبقات ج 3 ق ا ص 167/ ابن هشام. السيرة ج 2 ص 413. |
|
[21] والمدائن هي طيسفون وكانت عاصمة كسرى. انظر الطبقات ج 4 ص 221 / الإصابة ج 4 ص 223 |
|
[22] ولا يزال المضيق الذي عبره إلى الأندلس يسمى مضيق جبل طارق إلى اليوم. |
|
[23]ان كافور مولى السلطان محمد بن طغج لأخشيد اشتراه من بعض أهل مصر بثمانية عشر دينارا. كان شهما شجاعا ذكيا جيد السـيرة، توصل إلى حكم الديـار المصرية والشامية والحجازية سنة 355 هـ. مدحه الشعراء ومنهم المتنبي الذي عاد فهجاه (البداية والنهايةج11/266). |
|
[24] خلف المماليك الدولة الأيوبية في مصر والشام والحجاز ودامت دولتهم من 250 ا-1517 م ومن أعظم مآثرهم في بلاد ا لإسلام: |
|
( أ ) رأوا التتار المغول عن ديار الإسلام بعد أن كسروا حدة موجتهم في معركة عين جالوت عام 658 هـ/1260م. |
|
(ب) طهروا بلاد الشام من بقايا الصليبيين على يد الأشرف بن قلاوون سنة1291 م. |
|
[25] حكم المـماليك الهند الإسلامية 602ـ689 هـ/1290م ومن أشهرهم قطب الدين آيبك، والتمش 607-633 هـ الذي لقبه الخليفة العباسي المستنصر بالله ناصر أمير المؤمنين. وبلبن (الشيخ خان أي السيد الأعظم) الذي أشتهر بعدله وتمسكه الشديد بآداب الإسلام (ت سنة 686 هـ). |
|
[26] تنتسب الـدولـة العثـمانية إلى عثـمان بن ارطغرل التركي الذي انتقلت إليه زعامة الأتراك عام 687 هـ/ 1288 م. وأعلن استقلالـه بإمـارته عام 699 هـ/ 1300 م وأصبحت المنفس الوحيد للجهاد في الإسلام اجتذبت كل راغب فيه، وتمكنت من الاتساع وفتح القسطنطينية سنة 857 هـ/1453م. واتخـذتها عاصمة لها. تنازل الخليفة العباسي للسلطان سليم عن الخلافة بعد أن دخل مصر فاتحا سنة 923 هـ/1517م. فأعاد العثمانيون للخلافة هيببتها إلى أن أسقطها كمال أتاتورك من جود الدونمة سنة1924م. |
|
[27] الموحدون: دولة أسسها محمد بن عبد الله بن تومرت من البربر المغاربة سنة 515 هـ وقد خلفت دولة المرابطين في المغرب والأندلس. واستمرت هذه الدولة حتى سنة 668هـ (المغرب الكبير. (2) العصر الإسلامي. د. السيد عبد العزيز سالم ص 767-831). |
|
[28] الـدولـة الغـزنوية: مؤسسها سبكتكـين التركي سنة 367 هـ في غزنة (بأفغانستان)، وأشهر سلاطينها محمود الغزنوي. (387- ا 42) الذي لقبه الخليفة يمـين الـدولة وأمين الملة وقاد سبع عثرة غزوة إلى الهند فقضى فيها على الفرق الضالة من رافضة وقرامطة وغيرهم، ووطد حكم الإسلام في البنجاب ودهلي ولاهور وعمل على نشر الإسلام هناك. واستمرت هذه الدولة تحمل راية الإسلام في المشرق والهند إلى أن سقطت سنة 582 هـ على أيدي الغوربـين الأتراك أيضا. انظر ابن كثير- البداية والنهاية ج 12، وابن الأثير ـ الكامل ج7. |
|
[29] سورة الفتح الآية: 29. |
|
|
|
[30] انظر زاد المعاد لابن القيم ج 2 ص 38. |
|
[31] انظر نيل الأوطار للشوكانى ج 8 ص 62. |