|
|
||
|
القُرْآن الكَرِيْم مَصْدَرٌ لِلتَّاريخ |
||
|
للدكتور بشير كوكو حميدة |
||
|
أستاذ مساعد بكلية الدعوة وأصول الدين بالجامعة |
||
|
|
||
|
|
||
|
القرآن الكريم، كتاب الله المبين، والتنزيل الحكيم، لم ينزل
ليكون سفرا في التاريخ أوفي العلوم أوفي الأدب أوفي غيرها من المعارف الإنسانية،
وإنـما جاء لهداية البشرية جمعاء. فهذه هي طبيعة القرآن التي ينبغي علينا أن
نعيها. مصداقا لقوله تعالى في أول سورة البقرة المباركة: {آلم ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ}.
فهو هداية الله وهديته إلى خلقـه[1]
قال تعـالى:{... قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ
نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ
السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ
وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ}. المـائـدة 15-16. ومن هنا
فإن القرآن الكريم كتاب دين وليس كـتاب علم أرضي بمعنى أنـه لا يشـرح نظـريـات
الهنـدسة أوقوانين الطب[2]،
ولنا أن نتساءل إذن عن مدار البحث الرئيسي في هذا الكتاب الحكيم، وعن موضوعه. |
||
|
حقيقـة الأمر أن موضـوع القرآن هو : |
||
|
أولاً: الإنسـان وحيـاته التي تفضي به إما إلى عيشـة راضيـة أو إلى نار حاميـة.
|
||
|
وثانيا: فإن بحثـه هو إجلاء الحقيقة ودعوة البشر إليها. |
||
|
وثالثا: فإن هدفه دعوة الإنسان إلى الحق
المبـين والنهج القويم[3]. |
||
|
على أن القـرآن يحوي بين دفتيـه الكثير من العلوم والمعـارف
المختلفة. قال تعالى: {مَا فَرَّطْنَا فِي
الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ}. الأنعام:38 وقال جل شأنه: {َنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ
شَيْءٍ}. النحل:89 وعن ابن
مسعود رضي الله عنه أنه قال: "من أراد العلم فعليه بالقرآن فإن فيه خبر
الأولين والآخرين"[4].
وفي ما أخرج البيهقي عن الحسن أنه قال "أنزل الله مائة وأربعة كتب وأودع
علومها أربعة منها التوراة والإنجيل والزبور والفرقان، ثم أودع علوم الثـلاثـة
الفرقان"[5].
إذن فالقرآن العظيم هو الجامع الشامل لكامل الدين. قال تعالى: {شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً
وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى
وَعِيسَى...} الشورى: 13. |
||
|
وفي تقديري... أنه ليس على المؤرخ حرج في أن يستنبط حقائق
التاريخ من آيات الله البينـات. فالقـرآن مأدبـة الله، وهو أدسم الموائد قاطبة.
ويمكن لكل من أوتى حظا من العلم أن يتناول ما يناسبه من هذه المائدة الدسمة علما
بأن فريقا من العلماء قد جوز استعمال بعض آيات القرآن في التصانيف والرسائل
والخطب[6].
والتاريخ علم ويمكن أن نأخذه من القرآن. وعلى حد تعبير الزركشي: "وكل علم
من العلوم منتزع من القرآن، وإلا فليس له برهان"[7]. |
||
|
وفي المبتـدأ ينبغي لي أن أثبت حقيقـة
ناصعـة لا تقبـل الشـك ألا وهي أن ما ورد في القـرآن الكـريم من التـاريـخ حق لا
ريب فيه. وآية ذلك أن القرآن كتاب عزيز: {لا
يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ
حَكِيمٍ حَمِيدٍ}. فصلت:46. فلم يتصد للقرآن بالنقد والرفض في مطلع
الدعوة الإسلامية إلا المشركون من أهل مكة الذين لم يؤمنوا بآيات الله سبحانه
وتعالى وهي القرآن ومحمد - صلى الله عليه وسلم- ، فقالوا إن محـمدًا كان يتلقى
القرآن من قـين (حـداد) نصراني كان النبي عليه الصلاة والسلام يدخل عليه[8].
علماً بأن ذلك النصراني كان أعجميا لا يعـرف العـربيـة أو على الأقل لا يجيدها
وفي هذا الصدد يقول الله تعالى: {وَلَقَدْ
نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي
يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ}.النحل:103. |
||
|
ولا نزاع في أن زعماء المشركين بمكة كانوا يعلمون أن ما جاء
به النبي الكريم - صلى الله عليه وسلم - حق قال تعـالى: {… فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ
بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ}.الأنعام: 33. فها هو أبو جهل- أحد
صناديد قريش وسادتها- يقول قولته المشهورة حينما سئل عن محمد أصادق هو أم كاذب؟
فقال: "واللّه إن محمدًا لصادق، وما كذب محمد قط". |
||
|
ولكن إذا ذهبت بنو قصي باللواء والسقـاية والحجابة والنبوة
فـماذا يكون لسائر قريش!؟"[9].
إذن فإن أبا جهل إنما كان ينطلق من منطلق النعرة الضيقة والتفاخر بين الأسر
القرشية. فلم يعجب بعض القرشيين أن يكون من الهاشميين نبي يأتيه الوحي من
السماء، وهم لا يدركون ذلـك. فأقسمـوا بالله ألا يؤمنـوا بالنبي – صلى الله عليه
وسلم - ولا يصـدقـوه[10].
هذا بالطبـع أحـد الأسباب الأخرى التي جعلت المشركـين يقفون موقف العداء من
الدعوة الإسلامية. |
||
|
أما في العصر الحـديث فقـد تصـدى للقرآن ونبي الإسلام بعض
المستشرقـين ومن ورائهم الكنيسـة التي أشـاعت بين الأوروبيين أن القرآن لم يأت
بغير أساطير أستمد أصولها من المـدراش والتلمود وبعض ما ذهب إليه الفكـر
المسيحي. بل إن التحـريف قد أصاب القرآن في أكثر من موضـع !![11].
بيـد أن الكنيسـة التي أعـماهـا التعصب ضد الإسلام والبغض له، لم تستطـع أن تبين
موقفـا واحـدا حدث فيـه تحريف أو تغيـير في القرآن، ولن تستطيع أن تفعل ذلك لأن
القرآن محفوظ بعناية الله وما ينبغي لبشر أو شيطان أن يعبث فيه. وكـان حريـا
بالكنيسـة أن تتذكر أن التوراة والإنجيل هما اللذان أصابهما التحريف. وفي هذا
الصدد يقـول الطبيب الفرنسي والعالم المستشرق موريس بوكاي في كتابه التوراة
والإنجيل والقـرآن والعلم في ضوء المعـارف الحـديثة لما ما نصه: "لا يستطيع
أحد أن يقول كيفَ كانت النصـوص الأصلية، ومـا نصيب الخيال والهوى في عمليـة
تحريرها أو ما نصيب التحريف المقصود من قبل كتبة هذه النصوص أو ما نصيب
التعديلات غير الواعية التي أدخلت على الكتب المقدسة"[12]. |
||
|
أمـا أعـداء الله من المستشرقين الـذين هاجموا القرآن فمنهم
من البريطانيين: الفرد جيـوم (A.Geom) وهـ. أ. ر.
جِبْ (H.A.R.Gibb) ومن الفرنسيـين: لوى ماسينيون، ومن المجريين: جولد تسيهر وهو
يهودي أصلا، ومن الأمريكيين: كينيت كراج. ثم يأتي أعداء الإسـلام من العـرب
المسيحيين أمثال: فيليب حتى المؤرخ اللبناني، وعزيز عطية سوريال المصري، ومجيد
قدوري العراقي. وكل أولئك قد تميزوا بحقدهم على الإسلام والمسلمين. |
||
|
ويتبـع هذه القائمـة تلاميذ المستشرقين من المسلمين
الضالعين في ركابهم الآكلين من شتات موائدهم وعلى رأس هؤلاء الدكتور طه حسين في
كتابه "الشعر الجاهلي" "مسألة الانتحال والـوضـع في الشعر
الجاهلي" تأكيدًا لنظرية الشك في كل ما جاء بالعربية من شعر ونثر ومن ذلك
القرآن الكريم. فهو يرى أنه يتعين على الباحث أن يخضع كل ما ورد من أخبار الأمم
السابقة وقصصهم في القرآن إلى هذا المنهج وهو الشك ويخلص من ذلك إلى أن القرآن
ليس وحيا الهـي وبذلك حقق هدفا من أهداف الاستشراق وهو أن القرآن موضوع وليس
وحيا من الله، سبحـانـه وتعـالى[13].
وفي هذه الضلالـة التي تردى فيها طه حسين زعم أنه كان يحكم منهج ديكارت الفيلسوف
الفرنسي. فضل الطريق وضلل تلاميذه[14].
وجدير بالذكر أن الإمـام الغزالي قد سبق ديكـارت لهذا المـذهب. وما قرره ديكارت
هو أنه يجب علينا ألا نقولَ عن شيء أنه
حق إلا إذا قام البرهان على أنه كذلك. ومن الحقائق التي وصل إليها ديكارت في
فلسفته: "أن ما وجد في الدين واضحا جليا فهو حق يجب أن يسلم به
تسليما"[15]
. |
||
|
ومن هنـا نستطيـع القـول بأن طه حسـين لم يكن دقيقا فيـما
ذهب إليـه عن مذهب ديكـارت. وقـد تبين لبعضهم أن الدكتور طه حسين كان واقعا تحت
عبودية فكرية تمثلت في كتـابـه "الأدب الجاهلي" الذي كان ترديـدا
لآراء غلاة المستشرقين المتعصبين ضد العرب والإسـلام أمثـال: مرجيليوث الذي نقـل
طه حسين آراءه كلها في كتابه الأدب الجاهلي ونسبها إلى نفسه[16]،
وكتاب مرجليوث هذا هو "أصل الشعر العربي". |
||
|
هذا، وقد رميت من هذا الاستطراد إلى أن القرآن حق لا يتطرق
إليه الشك. وأن ما ذكره المستشرقون ومن سار في ركابهم لا يمس كتاب الله في قليل
أو كثير على حد قول الشاعر: |
||
|
كناطـح صخـرة يومـا ليـوهـنهـا |
فلم يضـرهـا وأوهى قرنـه الـوعـل |
|
|
وعلى ذلك فما على المؤرخ إلا أن يعد عدته ويأخذ من القرآن
ما يحتاج إليه في تدوين الأحـداث التـاريخيـة موقنـا بأن هذا الكتاب أصـدق
وثيقـة على وجه الأرض، وأنه قد سما بنظراته العلمية والتاريخية عن الارتباط
بحوادث تاريخية أو قضايا علمية مشكوك في صحتها
[17].
|
||
|
على أن القرآن لم يفصل كثـيرا من الحقـائق عن المسـائـل
الشـرعيـة إذ ترك مسألـة التفاصيل للرسول - صلى الله عليه وسلم - ليوضح ما غمض،
وليفصل ما أجمل وليحلل ما أوجز. ومن هنا تأتى أهميـة السنـة المطهـرة في
التشريـع الإسلامي. فإذا كانت هذه هي حال القرآن تجاه الأمور الشرعية، فمن
الأولى أن يكون ذلك كذلك بالنسبة للتاريخ. |
||
|
ولنا أن نتساءل لماذا لم يتناول القرآن الأحداث التاريخية
بالأسلوب التاريخي المعهود؟ وفيما قدمت آنفا فإن من أهداف التنزيل دعوة البشرية
إلى الحق وإلى سلوك النهج القويم. فالقرآن يتنـاول الأحـداث بأسلوب إجمالي
لأغراض الدعوة والإنذار والتبشير. ويتبع نفس الأسلوب وهو الإشارات الإجمالية في
ذكر آيات الكون التي تشير إلى حكمة الله وراء خلق العالم
[18]. |
||
|
هذا ويمكن أن نقسم هذا الموضوع إلى فترتين متميزتين: الأولى
عن القرآن وتاريخ الأمم السابقة، والثانية عن القرآن والحقبة الإسلامية. ولأن
الحقبة الإسلامية قريبة منا نسبيا إذا ما قارنـاهـا بتـاريـخ الحضارات
السـابقـة، وأن تاريخها قد سجل في كتب السيرة وكـتب التـاريـخ الإسلامي عامـة،
فإني سأكتفي بالحـديث في هذا المقـام بـما تيسـر لي عن العهود القديمة السَابقة
للإسلام. |
||
|
أما عن الفترة الأولى فإن القرآن الكريم، فيما نعلم، قد
تضمن قصـص الأنبياء وأشار إلى أخبار الأمم السابقة. ويطلق بعضهم على هذا الجزء
"أيَام الله"[19].
وتعني عند بعض المفسرين وقائع الله بأعدائه[20].وعند
آخرين معناها "نعم الله"[21].ومهما
يكن من شيء فإن تلك الأحـداث والـوقـائـع التـاريخيـة عن الماضين من الأمم لتثبت
أن للكون إلها واحدا أرسـل رسله بالهدى ودين الحق. وهـو الذي يحدد مصـير الشعوب
وأقدار الحضارات[22]. |
||
|
ولهـذه الأحـداث التـاريخيـة أهميتهـا إذ بين الله في
القرآن أخبار الأمم الماضية وما فعله بها لكي يفهموا أمر الله وتوحيده[23]. |
||
|
ولعله من المهم في عصرنـا هذا تدوين علم الآثار القرآني بصورة
أكبر لتصبح الرؤية بالنسبـة للباحثيـن والدارسين واضحة. فالمؤرخون القدامى لم
يستطيعوا تسجيل الأحداث بأسلوب التدوين التاريخي السليم. و الآن، وبعد أن تم
اكتشاف سجلات ووثائق كثيرة عن تلك الأحداث بدراسة الآثار ونتائج الحفريات، أضحى
من اليسير شرح الإشارات القرآنية حول أيام الله وتوثيقها تاريخيا، وبالتالي
تدوين الدعوة القرآنية بلغة التاريخ[24].
|
||
|
إذا التفتنـا بعـد ذلـك إلى تاريـخ الأمم السـابقـة للإسلام
في القرآن وبدأنا بالحضارة العربية في اليمن، ألفينا القرآن يشير إلى مملكة سبأ
في سورة سبأ المباركة حيث يقول تعالى، وهو أصـدق القـائلين: {لَقَدْ كَانَ لِسَبَأٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ
عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ
طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ} سبأ: 15. |
||
|
وبالرجوع إلى التفسير يتبين لنا أن سبأ أرض باليمن. ويقال
إنها كانت قبيلة سميت باسم جدهـا من العـرب[25].
ويقـال إنها سميت بهذا الاسم لأنها كانت منازل ولد سبأ بن يشجب ابن يعرب بن
قحطان[26]. |
||
|
ومهـما يكن من شيء
فإن أقـدم الحضـارات بالجـزيرة العربية قد وجدت- فيما يبدو- باليمن حيث قامت
الـدولـة المعينيـة وحـاضرتها معين (1300-.65 ق. م) ثم ورثتها الدولة السبئيـة
(950-1115 ق.م) وعـاصمتهـا مأرب. وكـان للسبئيـين أعمال عمرانية منها السدود
كسـد مأرب الذي بنى من الحجـارة، وهو أعظم سد في الجزيرة العربية. وكان أشبه
بخزان عظيم لميـاه السيـول التي تتكـون من الأمطـار السـاقطـة من الجبال. وثمـة
"قنـاطر وسدود وأحواض تدل على نبوغ أهل اليمن في فن العمارة وهندسة المباني
ومعرفتهم بأنظمة الـرى"[27].
فلا غرو فقد أشـار القـرآن الكـريم إلى "الجنتين" ويعني بذلك البساتين
التي كانت تحف جانبي الطـريق أو عن يمين واديهم وشـمالـه. وهما رمز الخصـوبـة
والنماء. فقد وجـدت في آثـار سبأ لوحـات وتمـاثيـل من المـرمر والـرخـام والـبر
ونز لسنـابل القمح والبقر والخيـل[28].
فضلا عن نقاء هواء سبأ الذي بينـه القرآن في قوله تعالى: {وبلدة طيبة}.ووفق
تفسير الجلالين فإن معنى طيبة "أنه ليس فيها سباخ ولا بعوضة ولا ذبابة ولا
برغوث ولا عقرب ولا حية ويمر الغريب وفي ثيابه قمل فيموت القمل لطيب
هوائها"[29]. |
||
|
ولم يكن اقتصاد سبأ زراعيا فحسب، بل كانت منفتحة على العالم
الخارجي ومزدهرة تجاريـا إذ كان من أهم أعـمال السبئييـن الملاحة في المحيط
الهندي والبحر العربي حيث كانوا يسيرون سفنهم فيها حسب الرياح الموسمية[30]. |
||
|
وعلى الرغم من كل هذه النعم التي تمثلت في أوجه التطور
المتعددة، والرخاء، وهناءة العيش إلا أن مدن سبأ وقراها كفرت بأنعم الله ولم
تستجب لدعوة أنبيائه الذين بعث بهم إليهـا، والـذين بلغت عدتهم ثلاثـة عشـر نبيا
دعوا أهل سبأ لتوحيد الله الواحد الأحد الفرد الصمـد. ولكنهم أعرضـوا عن الإيمان
وإجابة الرسل، ولم يشكروا لله أنعمه[31].
وآية ذلك أنهم كانـوا يصـرون على عبـادة آلهتهم المتعـددة ومنها عثتر (الزهرة)
وذات حميم (الشمس) وذات بعـدان (القمر). قال تعالى على لسان هدهد سليمان عليه
السلام عن بلقيس ملكة سبأ: {وَجَدْتُهَا
وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ
الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ}.
النمل24. |
||
|
ومما يفسر إشارات الله تعالى هنا ما اكتشفه علماء الآثار عن
هذه المعابد الكثيرة التي مازالت آثارها باقية تدل عليها بمأرب وغيرها[32]. |
||
|
على أن بلقيس، ملكة سبأ، قد آمنت بالله وبرسوله سليمان عليه
السلام. وحين آبت من أورشليم إلى بلادهـا شيـدت هيكـلا بمـدينة مأرب لعبـادة
الله وحده. وقد أطلق عليه "هيكـل سليـمان" وترى منه الآن أعمدته
الجرانيتية الضخمة وأسس من بقاياه مسجد يعرف الآن بمسجـد سليـمان عليـه السلام
بمدينة مأرب الحديثة التي تشغل الآن جانبا من المدينة الأثرية القديمة. |
||
|
وأكـبر الظن أن السبئيين لم يواصلوا عبادة الله على دين
سليـمان عليـه السـلام، بل ارتـدوا إلى تقـديس آلهتهم المتعـددة القـديمـة وكـان
من الطبيعي أن يلقوا الجزاء وفاقا على كفرهم وصدهم عن سبيل الله إذ أرسل إليهم
سيل العرم. فجرف ديارهم وجناتهم وبدلهم أشجارا ذوات ثمر مر لا يسمن ولا يغنى من
جوع، ومن ذلـك الخمط وهو الأراك، والأثل وهو نبات الطـرفاء والسدر. قال تعالى: {فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ
وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ
وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ. ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ
نُجَازِي إِلاَّ الْكَفُورَ}. سبأ: 6 ا-17. |
||
|
وبعـد أن تصدع بناء سد مأرب في القرن الثاني من الميلاد،
بعد أثنى عشر قرنا من الزمان، حلت الكوارث بالبلاد، وأصبح من العسير العيش فيها،
فلم يملك الناس إلا أن يهاجروا إلى بلاد أخرى ويتفرقوا أيدي سبأ[33].
وقد نظمت أشعار في هذا الحدث التاريخي الكبير أذكر منها قول الأعشى: |
||
|
وفي ذاك للمؤتسي أســوة |
ومأرب
عفا عليـهـا الـعـرم |
|
|
رخـام بنـتـه لهــم حمير |
إذا جـــاء مــواره لم يـرم |
|
|
فأروى الـزرع وأعنابهــا |
على سعـتـه ماؤهـم إذ قسـم |
|
|
فصـاروا أيادي ما يقـدرون |
منـه على شرب طفـل فطــم
[34] |
|
|
تلك إذن كانت حال الجنوب العربي فيما يتعلق بمعتقدات الناس. |
||
|
أما في شمالي الجزيرة العربية فقد وجدنا ثمود- قوم صالح
عليه السلام - بوادي القرى الذي ذكر في الشعر حيث يقول الشاعر: |
||
|
ألا ليت شعري هل أبـيتن ليلة |
بوادي الـقرى إني إذن لسعـيد |
|
|
ويسمى ذلـك الوادي وادي الحجر الذي ورد في القرآن الكريم قال تعالى: {وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ}.
الفجر: 9,0ويقع في شمال غرب المدينة المنورة بين خيبر وبحر القلزم. وفيه ديار
ثمود[35].
وفي قرية الحجر بئر ثمود التي مر بها النبي- صلى الله عليه وسلم - مع أصحابه في
طريقه إلى غزوة تبوك (رجب سنة 9 هجرية) فنهى أصحابه عن شرب مائها والوضوء منه
للصلاة. وما كان من عجـين عجنوه أمرهم أن يعلفوه الإبل ولا يأكلوا منه شيئا[36]
ومن البين أن الـرسـول- صلى الله عليه وسلم - خشي أن تحل لعنـة ثمود على
المجاهدين في سبيل الله فأمرهم بقوله: "لا تدخلوا
مساكن الذين ظلموا أنفسهم إلا أن تكونوا باكين أن يصيبكم ما أصابهم"[37]. |
||
|
وفيـما ورد من أخبـار
ثمـود أنهم ورثوا أرض عاد التي أهلكها الله بذنوبهـا فعمروا الأرض، وفجـروا
العيـون، وغرسـوا الحـدائق والبسـاتين، وشـادوا القصـور في السهول (للصيف)،
ونحتـوا من الجبـال بيـوتـا للشتـاء، وتمتعوا بسعة العيش. بيد أنهم لم يحمدوا
لله فضله عليهم، إذ أشـركـوا به، وعبـدوا الأوثـان[38].
ومن أصنامهم ود، وشمس، ومناف، والـلات وغـيرهـا[39].
وكـما نعلم أن قريشـا وغـيرهـا كانت في الجـاهليـة تعبد بعض هذه الأصنـام. وقـد
أرسـل الله تعـالى نبيه صالحا إلى ثمود ليوحدوا الله ولا يشركوا به شيئا. قال
تعالى: {وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحاً قَالَ
يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ
بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا
تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ
أَلِيمٌ}. الأعراف: 73. |
||
|
غير أن أصحاب الحجر قد كذبوا رسولهم صالحا، وأعرضوا عن آيات
الله وهي الناقة وغـيرهـا. بل عقـروا النـاقـة وعتـوا عن أمر ربهم. فما هي إلا
أن أهلكهم الله بذنوبهم. قال تعالى: {فَأَخَذَتْهُمُ
الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ}. الأعراف: 78. |
||
|
ويهمنـا الآن أن آثـار ثمـود المتمثلة في بيـوتهم المنحوتة
في الجبال مازالت باقية إلى يومنا هذا ماثلة للعيـان وهي تتفق مع ما ورد في كتاب
الله الكـريم حيث يقـول تعالى: {وَكَانُوا
يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتاً آمِنِينَ}. الحجر: 82. ويطلق
على هذه الآثار اليوم "مدائن صالح ". بيد أن قصورهم التي شادوها في
السهول ظلت مطمورة تحت أطباق الثرى بعد أن مرت عليها الدهور الطويلة. |
||
|
والمأمول اليوم في الأوساط العلمية أن يوجه المسؤولون من
العرب عنايتهم ويستثمروا جزءا من أموالهم في عمليـات التنقيب عن آثـار ثمـود
وغيرها سيما وأن صالحا عليه السلام وقومه كانوا عربا. فصالح أحد أنبياء العرب
الأربعة وهم هود وصالح وشعيب ومحمد عليهم السلام[40].
وتحضرني بهذه المناسبة حقيقة وهي أن قصة هود عليه السلام وقومه، قبيلة عاد التي
وردت في القرآن (الأعراف وهـود والشعراء) قد صدقتها المكتشفات الأثرية الحديثة
في منطقة الأحقاف[41].التي
تقع في شمال شرق حضرموت قرب البحر العربي. |
||
|
ومن القصـص القرآني قصـة قوم لوط عليـه السلام- أهل سدوم-
القرية التي كانت تعمل الخبائث وعلى رأسها ممارسة اللواط، ذلك الشذوذ الجنسي الذي
لم يسبقهم أحد على مدار التـاريـخ الماضي إلى ممارستـه. ولم تكن أفعـالهم
الخبيثة مقصورة على تلك الفاحشة فحسب، بل كانوا يفعلون المنكر علانية في ناديهم
فلا يستترون. فلا غرو فقد تفشت فيهم الموبقات[42].
وما هي إلا أن أوحى الله إلى لوط عليه السلام أن يدعوهم إلى عبادة الله،
وينهـاهم عن ارتكاب الكبائر حتى صموا آذانهم، واستكبروا، وتحدوه أن يأتيهم
بالعذاب من الله إن كان صادقا، بل توعدوه بالنفي من بلدهم[43].
فما كان من لوط إلا أن سأل ربه أن يوقـع بهم العـذاب الأليم على كفرهم وفجـورهم.
فسلط الله على مدنهم زلـزالا جعل عاليها سافلها، وأتبع ذلك بوابل من الحجارة
دمرتها تدميرا. قال تعالى: |
||
|
{لَعَمْرُكَ
إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ. فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ
مُشْرِقِينَ فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ
حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ. إِنَّ فِي ذَلِكَ لآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ}. الحجر: س3 7-75. |
||
|
ويعتقد بعضهم أن البحر الميت، المعروف الآن ببحر لوط
وبحـيرة لوط لم يكن موجودا قبل الزلزال الذي دمر سدوم وغيرها حتى صارت أخفض من
سطح البحر بنحو أربعمائة متر! وقد جاءت الأخبار في السنين الماضية بأن المهتمين
بالحفريات في الأردن قد اكتشفوا آثار مدن قوم لوط على حافة البحر الميت[44].
وليس ذلك بمستغرب فالله سبحانه وتعالى قد بين في كتابه العزيز أن تلك المدن تقع
في طريق دائم يمر عليها الناس، حيث يقول: {وَإِنَّهَا
لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ}. الحجر: 76. |
||
|
ولا نزاع في أن هذا الاكتشـاف العظيم الذي قام به المهتمون
بالآثار في الأردن حديثا يؤيد ما ورد في القرآن الكريم عن المؤتفكات أو
المنخسفات وهي مدن قوم لوط. ولعل أعمال الحفـر والتنقيب تسـير قدمـا في هذا
الحقـل حتى تميط اللثام عن كـثير من الحقائق التي أشار إليها الله تعالى في
كتابـه المبين، فتقنـع المرتابين المتشككيـن في آيات الله البينات، وتزيد
المؤمنين إيمانا على إيمانهم. |
||
|
بعد هذه الإلمامة بشيء عما ورد في القرآن الكـريم من إشارات
عن تاريخ جزيرة العـرب والشام، نتجـه شطر العراق القديمة لنقف على بعض الإشارات
القرآنية الخاصة بذلك البلد. والحديث عن العراق القديمة يجرنا بالضرورة إلى أن
نتطرق إلى قصة إبراهيم عليه السلام. |
||
|
فالخليل عليه السلام من أرض بابل. وبلدة أور الكلدانية التي
تقع بين دجلة والفرات والتي تعرف اليـوم باسم مغير هي مهـده[45].
وكانت أور أعظم مدن السومريين وقد وجد علماء الآثار بها بقايا مملكة ازدهرت حول
عام 2900 ق. م. وقد اكتشفوا من الكنوز والنفائس ما يرقى إلى مستوى المدنية
المصرية القديمة. ومما يؤكد أن إبراهيم نشأ بأور أن المستر وولى المبعـوث من
قبـل المتحف البريطاني في الأعـوام 1922-1934 م قد وجـد رقيـما طينيا في
حفريـاته بإحدى دور السكن بأور مكتوبا عليه اسم إبراهيم، فسمى الشارع باسم
إبراهيم الذي يقال إنه نشأ في ذلك الحي سنة 2000 ق.م[46]. |
||
|
ولعل في هذا الاكتشاف، وهو برهان مادي، عن نشأة إبراهيم
عليه السلام في مدينة أور ما يكفي للرد على تشكك الدكتور طه حسين وإلى ما ذهب
إليه في كتابه الأدب الجاهلي حيث قرر أنه لم يقم دليل تاريخي وفق الطرق الحديثة
بوجود إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام وقصـة هجـرتـه إلى مكـة وبناء الكعبـة.
حيث يقـول: "للتـوراة أن تحدثنا عن إبراهيم وإسماعيل، وللقرآن أن يحدثنا
عنهما. ولكن ورود هذين الاسمين في التوراة والقرآن لا يكفي لإثبات وجـودهما
التاريخي، فضلا عن إثبات هذه القصة"[47].
ويخلص الدكتور طه حسين إلى نتيجـة عبر عنهـا في ما نصـه: "أمر هذه القصة
إذن واضح فهي حديثة العهد، ظهرت قبيل الإسلام واستغلها الإسلام لسبب ديني"[48]. |
||
|
وكـان قوم إبـراهيم عليـه السـلام أهل أوثـان وكـان أبوه
آزر نجـارا ينحت الأصنام ويبيعها. أمـا إبراهيم فقـد أنـار الله بصـيرته وهداه
إلى صراط مستقيم[49].
قال تعالى: |
||
|
{وَلَقَدْ
آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ. إِذْ
قَالَ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا
عَاكِفُونَ. قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ. قَالَ لَقَدْ
كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ}. الأنبياء: 51-54 |
||
|
هذا ولعله من الأوفق أن نرجع مرة أخرى للذين في قلوبهم مرض،
والذين لا يؤمنون بما جاء في القرآن العظيم إلا بعد ثبوت الدليل التاريخي
القاطع. فنقرر أن بلاد ما بين النهرين القديمة بابل، وأور، ونينوى، وآشور،
ونمرود وغيرها لتزخر بالمعابد التي خصصت لعبادة آلهة متعددة كالإله شمش وهو
الشمس، والقمر (نانار)، والزهرة (عشتار)، والمريخ (مردوخ) ونابو (إله الكتابة)
وغيرهم[50].
وكل هذه المعابد كانت تزخر بالأوثان وهي التماثيل التي كان الناس يعكفون لها
ويقدسونها. الشيء الذي دفع إبراهيم
عليه السلام ليحطم بعضها وفق ما ورد في القرآن الكـريم. قال تعـالى: {وَتَاللَّهِ لأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ
تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ. فَجَعَلَهُمْ جُذَاذاً إِلاَّ كَبِيراً لَهُمْ
لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ}.الأنبياء: 57ـ 58. |
||
|
وفيـما نعلم أن إبراهيم عليـه السـلام كان يغتنم الفرص
ويحـاور قومه ويجـادلهم في معبوداتهم ليصـل بهم إلى حقيقة أو نتيجـة هي أن
المعبود بحق هو الله وحده لا شريك له. فقد جاء في القرآن: |
||
|
{فَلَمَّا
جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَباً قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ
قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ. فَلَمَّا رَأى الْقَمَرَ بَازِغاً قَالَ هَذَا
رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأَكُونَنَّ مِنَ
الْقَوْمِ الضَّالِّينَ. فَلَمَّا رَأى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي
هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا
تُشْرِكُونَ. إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ
وَالأَرْضَ حَنِيفاً وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ}. ا لأنعام: 75-79. |
||
|
وهكذا تبرأ إبراهيم من شرك قومه بعد أن قال لهم إن الكوكب
ثم القمر ثم الشمس ربى. قال ذلـك على معنى الاستهزاء لهم لأنهم كانوا يعبـدون
الشمس والقمر والنجوم. فأنكر عليهم، فاستهزأ بهم، وقال لهم: أمثل هذا يكون الرب؟[51]. |
||
|
ومن آثـار العـراق القـديمة التي وردت الإشـارة إليها في
كتاب الله الكريم تل النبي يونس بن متى، ذي النون، صاحب الحوت عليه السلام. وهذا
التل الذي يطلق عليه الآن "تـل التـوبـة" يقـوم اليـوم في داخـل أسوار
مدينة نينـوى القديمة من أرض الموصل، وهي العاصمة الثانية بعد آشور[52].
ولعلنا نذكر ما ورد في سيرة النبي محمد- صلى الله عليه وسلم - أنه سأل عداسا
النصراني، غلام بنى ربيعة بالطائف الذي أحضر له قطفا من العنب حـين جلس يستريح
في ظل حائط مما عاناه من آلام الضرب بالحجارة من سفهاء الطائف وصبيانها وعبيدها.
من أي البلاد هو؟ فقال عداس من نينوى. فقال عليه الصلاة والسلام: "أمن قرية الرجل الصالح يونس بن متى؟ قال له: وما يدريك
ما يونس؟ قال رسول الله –صلى الله عليه وسلم - : ذلك أخي يونس كان نبيا وأنا
نبي"[53]. |
||
|
ولعل آخر ما هدى إليه البحث الأثري في أيامنا هذه ما وافق
القرآن الكريم في سورة الكهف. وقصـة أهـل الكهف معـروفـة. فأولئـك الفتية الـذين
آمنوا بربهم ووحدوه، نأوا بأنفسهم عن قومهم المشركـين الـذين عبـدوا آلهـة
متفرقـة، وآووا إلى ذلـك الكهف. قال تعالى: وهو أصدق القائلين: |
||
|
{أَمْ
حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا
عَجَباً. إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا
مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَداً}. الكهف: 9-.1). وفي
هذه السورة المباركة يقول تعالى: |
||
|
{سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْماً بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ فَلا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِراً وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَداً}. الكهف: 22. |
||
|
وفي تفسـير هذه الآية قال عبـد الله بن عباس رضي الله عنهـما: "أنا من القليل هم ثمانية
سوى كلبهم"[54].وقد
ثبت بالدليل القاطع صحة هذا الرأي إذ كشف الدكتور معاوية إبراهيم، عميـد كلية
الآداب بجامعة اليرموك بالأردن، في حفريات جامعة الأردن، كشف أهـل الكهف في
مدينـة أفسـوس القديمة حيث عثر في كهف قديم على ثمانية هياكل بشرية ومعها هيكـل
كلب، وهو كلبهم قطمير وقـد تم هذا الكشف العظيم منـذ خمس أو ست سنين. ولعل
الدكتور معاوية إبراهيم يستقصي كل ما يمكن استقصاؤه في هذا الشأن، ومن ثم ينشـر
نتيجـة اكتشـافه هذا في الأوساط العلمية العالمية، فيلقى بذلك ضوءاً ساطعا على
هذا الموضوع. |
||
|
هذا... ومن تحصيـل الحـاصل أن أقـرر أن القـرآن العظيم أدق
وثيقـة على وجـه البسيطة. فلا يرقى التوراة والإنجيل إلى دقة القرآن وآية ذلك أن
هذين الكتابين قد عهد الله بحفظهـما للبشر. وهؤلاء إمـا نسـوا حظا مما ذكروا به،
وإما كتموا بعض ما لم ينسوا أو حرفـوا فيـه، وزعمـوا أنـه من عنـد الله تعـالى[55].
فالرسل السابقون كانوا يتلقون الكتب السماوية وهي التوراة والإنجيل والزبور في
حالة الوحي معاني، ويعبرون عنها بعد رجوعهم إلى الحـالـة البشـريـة بكـلامهم
المعتاد لهم. ولذلك لم يكن فيها إعجاز[56].
أما القرآن فقد تكفل الله تعـالى بحفظـه حيث يقـول: {إِنَّا
نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}. الحجـر: 9.
ولا نزاع في أن القرآن قد مزق حجـاب الماضي وروى لنـا تاريـخ الرسل، وحـوادث
الأمم السـابقـة[57]. |
||
|
.. بل أكـد القرآن صدق القصص
القرآني، وأنه رواية لأخبار حدثت في الـواقـع دون إضـافة أي خبر لم يحدث بقوله
تعالى: {لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ
لأُولِي الأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثاً يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي
بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ
يُؤْمِنُونَ}. يوسف: 111 . |
||
|
ومـادام القرآن قد تفـرد بهذه الصفات العظيمة فإن ما جاء
فيه من قصص الأولـين أمما وأفـرادا، تاريـخ لا يتطـرق إليه الشك، وإن هدف من ذلك
إلى الاعتبار والاتعاظ عسى أن يتطهر الناس من الأرجـاس والفسـاد[58].
فضلا عن أن الله سبحانه وتعالى اتخذ من أنباء الغيب وأخبـار الرسـل والصالحـين
من عباده وأحاديث الأقوام الغابرين وسائل لشرح عقيدة التوحيد التي هي جوهر
الدين، وما لقيه الأنبياء والمرسلون في سبيل بيان هذه العقيدة للناس من العنت
والمتـاعب والبـلايـا[59] ولا ننسى أن في قصص الأنبياء، ومـا لاقوه من
إيـذاء أقوامهم، وما تم لهم من نصر الله تعالى، تثبيتا للنبي محمد- صلى الله
عليه وسلم - ، وتسرية عنه، وتأكيدا له أن نصر الله قريب[60].
|
||
|
ولعله من الأوفق أن أشير هاهنا إلى الاختلاف بين القرآن
والإنجيل فما يتعلق باحتواء الكتابين المقدسين على التاريخ. فالإنجيل يحوى بين
دفتيه قسما يسمى "الأسفار التاريخية"، وهي خمسـة أسفار تشتمل على قصص
تاريخية منها قصة حياة المسيح عيسى بن مريم عليه السـلام، وتـاريخـه وعظاتـه
ومعجزاته. وثمة سفر أطلق عليه "رسالة أعمال الرسل" وتشمل قصص معلمي
المسيحية لاسيـما بولس[61].
أما القـرآن، وإن لم يكن كتاب تاريخ، إلا أن الأحـداث التـاريخية التي تضمنتها
قصصه إن هي إلا وقائع تاريخية لا ريب فيها، ويستحيل ألا يتفق معها التاريـخ
الصادق الذي كتبه الثقات من المؤرخين. وآية ذلك أن علم القرآن "يقيني"
في حين أن علم البشر لاسيما في مجال التاريخ علم "ظني"[62].
|
||
|
إجمال القول إن القرآن الكريم أدق وثيقة سماوية بين يدي
المجتمع البشرى. وبالتالي فهو أصدق مصدر للتاريخ ومن هنا ففي وسع المؤرخـين على
مر العصور أن ينهلوا من معينه الثر الذي لا ينضب. كيف لا وهـذا الكتاب الحكيم
الذي لا تحصى عجائبه قد حوى بين دفتيه عيون أخبار الأمم السالفة. وفي هذا قال
النبي عليه الصلاة والسلام: "ستكون فتن قيل وما
المخرج منها؟ قال كتاب الله فيه نبأ ما قبلكم وخبر ما بعدكم وحكم ما بينكم
"[63]. |
||
|
وإذا كانت إشارات القرآن إلى الأمم السالفة
بحاجة إلى مزيد من الشرح والتفصيل، فإن الكشـوف الأثريـة مازالت تتمخض من حـين
إلى آخر عن بعض الحقائق التي من شأنها أن تلقى أضـواء ساطعـة على ما ورد في
القرآن الكريم. وغني عن البيان أن أعمال المنقبين عن آثار الماضي ذات أهمية كبرى
ليس في كشف النقاب عن التاريخ القديم فحسب، بل لأنها تعيننا أيضا على فهم معاني
القرآن. وحقيقة الأمر أن علم الآثار وأعمال الحفريات، وإن حققت بعض الإنجـازات
في هذا الحقـل، إلا أنها لازالت تقصـر عن عرض أخبار الماضين بصـورة متكـاملة.
على أن الأمل كبير في أن يتقدم العلم وتتطور وسائل التكنولوجيا الحديثة فتكشف من
الحقائق ما يوضـح للباحثيـن معاني الآيات البينات وما تضمنت من إشارات وقصص،
فتخـرس ألسنة المرجفين والحاقدين على الإسلام والمسلمين والطاعنين في كتاب الله
المبيـن. وتعـين فوق ذلـك على إجـلاء صورة الماضي فنكون على بينة من تاريخ
العالم القديم. وعلى الله قصد السبيل. |
||
|
ثبت المراجـع |
||
|
(1) أبو الأعلى المودودي:
تفهيم القرآن، "الجزء الأول ". تعريب أحمد يونس (دار القلم. الكويت
1398 هـ 1978 م). |
||
|
(2) ابن كثير: تفسير القرآن
العظيم، "الجزء الثالث ". (بيروت 1385 هـ-1966م). |
||
|
(3)
ابن هشام: سيرة ابن هشام، "الجزء الأول ". (القاهرة 383 1 هـ-
1963م). |
||
|
(4)ابن عباس: تنوير المقباس من تفسير ابن
عباس، (بيروت، غفل من التاريخ). |
||
|
(5) ابن خلدون: العبر وديوان
المبتدأ والخبر. (بيروت 1956 م). |
||
|
(6) إبراهيم خليل أحمد: المستشرقون والمبشرون
في العالم العربي والإسلامي، (القاهرة 1964 م). |
||
|
(7) أحمد شلبي (الدكتور): مقارنة الأديان:
المسيحية (القاهرة 1978 م). |
||
|
(8) الجـلاليـن: جلال الـدين
محمد بن على، وجـلال الـدين عبـد الرحمن بن أبى بكـر السيوطي: تفسير الجلالين
(المطبعة الهاشمية بدمشق 1385 هـ). |
||
|
(9)
المعالم الأثرية في البلاد العربية، " الجزء الأول ". أصدرته جامعة
الدول العربية (القاهرة 1970 م). |
||
|
(10) بدر الـدين محمد بن عبـد
الله الـزركشى: البرهان في علوم القرآن، "الجزء الأول "(القاهرة
1376هـ- 1957 م). |
||
|
(11)جامعة الدول العربية: المعالم الأثرية في البلاد
العربية، "الجزء الأول ". (القاهرة 1970 م). |
||
|
(12) جلال الدين السيوطى:
الإتقان في علوم القرآن، "الجزء الثالث". (بيروت 1973 م). |
||
|
(13) طه حسين: في الأدب
الجاهلى. (القاهرة 1958). |
||
|
(14) محمد الغزالي: فقه
السيرة. (القاهرة 1976 م). |
||
|
(15) محمـد أحمـد جاد المـولى،
محمد أبـو الفضل إبراهيم، على محمد البخاري، وسيد شحاته: قصص القرآن (القاهرة
973 1 هـ- 1954م). |
||
|
(16) محمد متولي الشعراوي:
الله والكون (القاهرة 1400 هـ- 1980 م). |
||
|
(17) محمد متولي الشعراوي: معجزة القرآن،
"الجزء الأول " (القاهرة 1401 هـ- 1981 م). |
||
|
(18) محمد فريد وجدي: المصحف
المفسر (القاهرة 1377 هـ). |
||
|
(19) موريس بوكاى: القرآن
الكريم والتوراة والإنجيل والعلم في ضوء المعارف الحديثة، ترجمة دار المعارف، (دار
المعارف. القاهرة 1979 م). ص 13. |
||
|
(20) مصطفى السباعي
(الـدكتـور): الاستشـراق والمستشـرقـون، (مكتبـة دار البيـان. الكويت 387 1
هـ 1968). ص 10. |
||
|
(1 2) أصالة الحضارة العربية،
(بيروت 1395 هـ-1975م). |
||
|
(22) عبد الوهاب النجار: قصص
الأنبياء، (بيروت 1353 هـ-1934م). |
||
|
(23) عبد الحميد كشك: مصارع
الظالمين، (القاهرة. بلا تاريخ). |
||
|
(24) عفيف عبد الفتاح طبارة:
مع الأنبياء في القرآن الكريم (بيروت1980م). |
||
|
|
||
|
دوريـات: |
||
|
مجلة الاعتصام: العدد (9)، شعبان 1398 هـ- يوليو 1978م، ص
17. |
||
|
مجلة الوعي الإسلامي: السنـة الثانيـة عشـرة، العـدد (137)،
غرة جماد الأول 1397 هـ أيار 1976، ص ه
2. |
||
|
مجلة الوعي الإسلامي: العدد (206) 1402هـ- ديسمبر 1981م ص
13 ا-114. |
||
|
مجلة منار الإسلام: العدد الثامن، شعبان 03 4 1 هـ- مايو-
يونيو1982 م، ص 85. |
||
|
|
|
[1] الدكتور عبد المنعم النمر: علوم القرآن الكريم. (دار الكتاب المصري القاهرة 1399 هـ/ 1979 م) ص 3. |
|
[2]محـمد متولي الشعراوي: معجزة القران. "الجزء الأول". (القاهرة 1401 هـ/ 1981 م) 197 ـ 8 0 |
|
[3] أبو الأعلى المودودي: تفهيم القران "الجزء الأول", تعريب أحمد يونس (دار القلم. الكويت 1398 هـ/1978) ص11-12 |
|
[4]جلال الدين عبد الرحمن السيوطي: الإتقان في علوم القرآن ج2 (بيروت1973 م). ص 26 1. |
|
[5] المصدر السابق . |
|
[6] لبدر الدين محمد بن عبد الله الزركشي: البرهان في علوم القرآن. "الجزء الأول ". (القاهرة 376اهـ/1957م )ص 481. |
|
[7] الزركشي المصدر السابق.ج1 ص8 . |
|
[8] تفسير الجلالين: ص 366 |
|
[9] ابن كثير: تفسير القرآن الكريم العظيم.جـ 3 (بيروت 1385 هـ/196م) ص18 . |
|
[10] المصدر السابق . |
|
[11] أحمد البشبيشي : " المستشرقون والإسلام على ضوء التراجم " مجلة الوعي الإسلامي ، السنة الثانية عشرة. العدد"137" . غرة جمادى الأولى 1397هـ أيار 1976م ص25 . |
|
[12] موريس بوكاي : القرآن والتوراة والإنجيل والعلم في ضوء المعارف الحديثة .ترجمة دار المعارف. (دار المعارف القاهرة 1978م) ص13 . |
|
[13]إبراهيم خليل أحمد: المستشرقون والمبشرون العالم العربي والإسلامي. (القاهرة 1964 م). ص 83. |
|
[14]عبد
الجـواد محمد الخضري: (الرافعي: تارخ لن ينسى وذكرى لن تموت). مجلة الوعي
الإسلامي. العدد " 206". |
|
1402هـ ديسمبر 1981م ص 113 ـ114 . |
|
[15]
أنور الجندي: نظرية ديكارت ومنهج الشك الفلسفي في كتاب الأدب الجاهلي مجلة منار
الإسلام. العدد الثامن السنة |
|
الثامنة شعبان 1403هـ- مايو- يونيو 1982. ص 85-86. |
|
[16] الدكتور مصطفي السباعي. الاستشراق والمستشرقون. (مكتبة دار البيان. الكويت
1387 هـ 1968م). |
|
ص10. |
|
[17]الدكـتور السيد الدرش: سبأ في القرآن " مجلة المسلمون " العـدد 42، 24. شوال 1402 هـ-13 آب أغسطس 1982 ، ص 68. |