|
|
|
عقود التأمين |
|
للدكتور حمد حماد عبد العزيز الحماد |
|
الأستاذ المشارك بالدراسات العليا |
|
|
|
إن الحمد لله نحمده وستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور
أنفسنا ومن سيئات أعـمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادى له وأشهد أن
لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه
وعلى آله وأصحابه وسلم تسليماً كثيراً. |
|
أمـا بعـد فإن موضوع التأمين قد طرق كثيراً وكتبت فيه عدة
كتب وأبحاث ونوقش في أكثر من مؤتمر وقـد لاحظت أن الباحثين فيه قسموه إلى نوعين
تجاري وتعاوني وأٍن كثيرًا منهم قد انتهوا إلى القـول بجـواز التعاوني دون أن
يقـدمـوا له تكييفا فقهياً واضحا أو فارقاً معتبراً بينه وبـين ما يسمـونـه
تجارياً لذا أحببت المشاركة في هذا المجال مبيناً رأيي في حقيقة عقـود التأمين
وحكمها في الشرع وفق الأدلة الشرعية والقواعد المرعية
والله المسئول أن يوفق للصواب ويهدى للرشاد وأن يجعله خالصاً لوجهه وذخرا ليوم
المعاد إنه ولي ذلك والقادر عليه. |
|
مبدأ عقود
التأمين وأصلها: |
|
إن أصل عقود التأمين ينبع من عقود ربوية
مبنية على الغرر والمقامرة ويذكر الباحثون في التأمين أن فكـرتـه موجودة في كثير
من النظم القديمة تمتد إلى ألفي عام قبل الميلاد وربما أكثر من ذلك إلا أن أول
وثيقة تأمين بحري عرفت كانت سنة 1347م وهى المعروفة بالوثيقة الإيطالية ومنذ ذلك
الوقت بدأ تنظيم التأمين في أوربا إلى أن وصل إلى ما وصل إليه في عصرنا[1]. |
|
وإثر حريق هائل شب في لندن سنة1666م نشأ التأمين البري حيث
بدأ التأمين من خطر الحريق[2]. |
|
ثم توالت بعد ذلك صور التأمين
المختلفة مثل: التأمين من حوادث العمل، والتأمين من المسئـولية، والتأمين على
الحياة، والتأمين من تلف المزروعـات، والتأمين من موت المواشي، والتأمين من
السـرقـة والتبديد، والتأمين من حوادث النقل الجوى... إلى غير ذلك من الصور المختلفة[3]. |
|
تعـريف عقـد التأمين: |
|
ويعرف عقد التأمين بأنه عقد يلتزم المُؤَمن بمقتضاه أن يؤدي
إلى المُؤَمن له مبلغاً من المـال أو مرتبـاً أو أي عوض مالي آخـر في حالـة
وقـوع الحـادث أو تحقق الخطر المبين في العقد وذلك نظير قسط أو أية دفعة مالية
أخرى يؤديها المُؤَمن له للمُؤَمن[4]. |
|
ويعتبر ابن عابدين (ت1252 هـ) من أول من تكلم عن التأمين
وحكمه في الشريعة الإسلامية وأطلق عليه اسم (سوكرة) وانتهى إلى أنه عقد لا يحل حيث قال: "مطلب مهم فيـما
يفعله التجـار من دفـع ما يسمى سوكـرة وتضمين الحربي
ما هلك في المركب وبما قررناه يظهر جواب ما كثر السؤال عنه في زماننا وهو أنه
جرت العادة أن التجار إذا استأجروا مركبا من حربي يدفعـون له أجرتـه ويدفعون
أيضاً مالاً معلوماً لرجل حربي مقيم في بلاده يسمى ذلك المال سوكرة على أنه مهما هلك من المال الذي في المركب بحرق أو
غرق أو نهب أو غيره فذلـك الـرجـل ضامن له بمقابلة ما يأخذه منهم... والذي يظهر
لي أنه لا يحل للتاجر أخذ بدل الهالك من ماله لأن هذا التزام ما لا يلزم "[5]. |
|
وفي العصـر الحـديث انتشرت شركـات التأمـين في بعض بلدان
المسلمـين واجتهد المروجـون لها في سبيـل استصـدار فتـوى شرعيـة بجـوازه من بعض
المحسـوبين على الفقه والفقهاء من ذلك ما جاء في جواب محمد عبده لسؤال أحد مدراء
شركات التأمين عن رجل اتفق مع جماعة على أن يعطيهم مبلغاً معلوماً في مدة معينة
على أقساط معينة للاتجار به فيما يبدو لهم فيه الحظ والمصلحة وأنه إذا مضت المدة
المذكورة وكان حياً يأخذ هذا المبلغ منهم مع ما ربحـه من التجـارة في تلك المـدة
وإن مات في خلالها تأخـذ ورثته... المبلغ المذكور مع الربح الذي نتج مما دفعه. |
|
فأجاب بأن ما ذكر يكون من قبيل شركة المضاربة وهي جائزة
[6]... |
|
وواضـح من السؤال أن المسئـول عنه عقد تأمين ليس من باب
المضاربة في شيء فهو يدفـع أقسـاطا معينـة هي أقساط التأمين وقول السائل للاتجار
به إنما هو للتمويه والتضليل، وقولهم: "إذا مضت المدة المذكورة وكان حياً
يأخذ هذا المبلغ منهم مع ما ربحه من التجارة في تلك المدة "هذا هو مبلغ التأمين
وهو هنا لا يذكر إلا الربح فقط[7]،
ومن المعلوم أن المال في المضاربة خاضع لمبدأ الربح والخسارة. |
|
وقولهم: "وإن مات في خلالها تأخذ ورثته... المبلغ
المذكور" ظاهره أنه يأخذ الوارث أومن يقوم مقامه المبلغ كاملا مع أن الرجل
قد مات في خلال المدة قبل أن يوفي جميع الأقساط وهذه حقيقة التأمين المبني على
الغرر والمقامرة حيث يأخذ الورثة مالا لم يدفعه مورثهم. |
|
وقد علق الدكتور
عيسى عبده على السؤال ببيان المكر في صياغته حيث أنه لم يعرض للعناصـر الأساسيـة
للتأمين التي منها أنه في التأمين على الحياة تلتزم الشركة المُؤَمنة بدفع رأس
مال العقد كاملا إن حصلت الوفاة أثناء سريان العقد وإن كان المستأمن قد دفع قسطا
واحداً من عشرات أو مئات الأقساط التي كان سيدفعها لو امتد به الأجل، وأيضاً لم
يعرض السؤال لنوع الربح الذي يعوِد على المستأمن أهو جزء من الربح الذي تحققه
الشركة بتشغيل أمـوالـه أو هو قدر محدد سلفاً... والـواقع
أن جميع شركات التأمين تحسب الربح على جملة الأقساط وجملة الفترات الزمنية...
أما السؤال ففيه إبهام مقصود وتلويح بـما يشبه المضاربة
الشرعية
[8]. |
|
هذا وقـد تبـع محمد عبده في فتواه عدد من المحْدثين فقالوا
بجواز التأمين ومن هؤلاء الدكتور محمد يوسف موسى[9]
والشيخ على الخفيف[10]
والدكتور محمد البهى[11]
ومصطفى الزرقا ومحمد سلام مذكور وعبد الرحمن عيسى.. وغيرهم[12]. |
|
وقـد أبـدى بعضهم تحفظـات على شيء من فروع التأمين وجزئيا
ته فاشترط محمد يوسف موسى أن تخلو المعاملة فيه من الربا ورد عبد الرحمن عيسى
على بعض صور التأمين على الحياة كـما رد محمد سلام مذكور بعض الشروط التعسفية[13]..
إلا أن هذا لا ينافي أن الرأي عندهم حل التأمين في
الجملة.. |
|
ويستـدلـون لقـولهم بجـوازه بقياسه
على بعض العقود الجائزة ولو عند بعض الفقهاء وسنعرض لذكرها والرد عليها في
المباحث التالية: |
|
حكم عقود التأمين. |
|
عقود التأمين تشتمل في جوهرها على أمور تجعلها
عقوداً محرمة من هذه الأمور ما يلي: |
|
أولا: الغرر: |
|
والنهي عن الغـرر أصل عظيم من أصـول البيـوع يدخـل تحته
مسائل كثيرة مثل بيع المعـدوم وبيع المجهول وبيـع ما لا يقـدر البـائـع على
تسليمه وبيع ما لم يتم ملك البائع له والأصل في هذا حديث أبي هريرة رضي الله عنه
قال: "نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن
بيع الحصاة وعن بيع الغرر"رواه مسلم[14]
. الغرر: الخطر. |
|
والغرر مناط البطلان عند جميـع العلماء[15].
وهو متحقق في عقود التأمين بشكلٍ ظاهر لا يجادل فيه
عاقل, فكل واحد من المتعاقدين لا يدرى كم يعطي ولا كم يأخذ فهو إذا عقد على مجهول
فيه مخاطرة عظيمة. |
|
وقد أورد التقنين المدني عقد التأمين ضمن العقود الاحتمالية
أو عقود الغرر وبيان ذلك أن المُؤَمن والمُؤَمن له لا يعرفان وقت إبرام العقد
مقدار ما يأخذ كل منهما ولا مقدار ما يعطي كل منهما إذ أن ذلك متوقف على وقوع الكارثة أو عدم وقوعها[16]. |
|
من هنا نعلم أن وجود الغـرر والمخاطرة في عقود التأمين من
الأمور الواضحة وضوح الشمس في رابعة النهار بل إن الغرر والمخاطرة فيها أبين
وأظهر من مثل صورة بيع الحصاة[17]وبيع
المنابذة[18]
وبيع الملامسة[19]
وغيرها مما ورد فيه النهى الصريح لما فيها من الغرر الظاهر. |
|
ومن الغـرر أيضـاً في عقـد
التأمين الجهـل بأجل العقد وذلك أن الخطر وهو محل عقد التأمين لا يعلم هل يقـع
أم لا؟ وإن وقـع فلا يعلم متى يقـع؟ وعدم العلم بوقوعه
ووقت وقـوعه من شروط العقد الواجبة في التأمين وهو أن يكون الخطر غير محقق
الوقوع وهذا هو العنصر الجوهري في عقد التأمين[20]..
فأي غرر أكثر وأشد مما في هذا العقد.. |
|
ومن العجيب أن يغـالـط بعض المنتسبين إلى الفقـه فينازع في
أن التأمين من العقود الاحتمالية كـما فعل مصطفى الزرقا[21]
مع وضوحه كـما تقدم. |
|
شبه المخالفين في الغرر في عقد التأمين والرد
عليها: |
|
ا- قال بعضهم أنه ليس من عقود
الغرر المحرمة بدعوى أن ما ألفه الناس وتعارفوا عليه دون ترتب نزاع يكون غير
منهي عنه[22] |
|
وهـذه دعوى باطلة فإن التراضي بين المتعاقدين لا يصير
العقود المحرمة حلالاً وقد كانت كثير من صور عقود الغرر مألوفة في عهد الجاهلية
ومع ذلك نهى الشرع عنها لأنها من أكل أموال الناس
بالباطل كـما قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ
آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَنْ
تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُم}[23].
والمعنى تجارة لا غرر فيهـا ولا مخاطرة ولا قـمار وهـذا أمر متفق عليه عند أهل العلم
[24].. |
|
ومن المعلوم أن اتفاق المتعـاقدين على المعاملات الربوية وتراضيهما عليها وكون
ذلك لا يؤدى إلى نزاع بينهما لا يجعل هذه المعاملات
مشروعة فكذا هنا. |
|
2- دعوى أن عقـود التأمـين من قبيل التعـاون بين مجموعة من
الناس وفي التعاون والتبرع يغتفر الغرر الكثير استنادا لقول مالك رحمه الله في
تصرفات الإحسان الذي لا يقصد به تنمية المال كالصدقة والهبة والإبراء[25]. |
|
وبناء على ذلك حاولوا أن يجعلوا عقد التأمين من هذا الباب
كـما فعل السنهوري حيث ذكـر أن التأمين لا يفهم على الـوجـه الصحيـح إلا إذا
نظـر إلى الجـانب الآخر وهو جانب العلاقة بين المُؤَمن ومجموع المُؤَمن لهم حيث
يكون المُؤَمن وسيطاً بينهم ينظم تعاونهم جميعاً على مواجهة الخسارة التي قد
تصيب بعضهم
[26]. |
|
يقـول السنهوري عن الجـانب الآخر من عقد التأمين - على حد
تعبيره- "إنه يبر ز التأمين في ثوبه الحقيقي ويبين أنه ليس إلا تعاوناً
منظما تنظيماً دقيقاً بين عدد كبير من الناس معـرضين جميعاً لخطر واحـد حتى إذا
تحقق الخطر بالنسبة إلى بعضهم تعاون الجميع على مواجهتـه بتضحيـة قليلة يبـذلها
كل منهم يتلافون بها أضرارًا جسيمة تحيق بمن نزل الخطر به منهم لولا هذا التعاون,
وشركة التأمين ليست في الواقع من الأمر إلا الوسيط الذي ينظم هذا التعاون على
أسس فنية صحيحة... فالتأمين إذاً هو تعاون محمود,
تعاون على الـبر والتقوى يبر به المتعاونون بعضهم بعضاً ويتقون به جميعاً شر
المخاطر التي تهددهم فكيف يجوز القول بأنه غير مشروع؟ "[27]. |
|
وقد استند على قول السنهوري هذا كل المشاغبين على مسألة
وجود الغرر في عقود التأمين. |
|
فهذا مثلاً علي الخفيف يقرر نفس المعنى في بحثه عن التأمين[28].
وكذا محـمد سلام مدكـور حيث يقـول: "إن شركـات التأمين
تقـوم بدور الـوسيـط بين الأفـراد المتعاونين"[29].
و الـزرقـا حيث يقـول: "إن التأمـين قائم على
فكـرة التعـاون على جبر المصـائب والأضرار الناشئة من مفاجآت الأخطار"[30]. |
|
ولو سلمنـا القـول بـما ذهب إليه الإمام مالك رحمه الله فلا
يصلح مستنداً لما ذهبوا إليه البتة لأنها لا تصح أبداً دعواهم أن عقد التأمين من
قبيل التبرعات بل هو عقد معاوضة محضة
ويتضح ذلك من التعريف القانوني لعقد التأمين[31].فليس
هناك شك أن عقد التأمين عقد معاوضة بين متعاقـدين
يلتزم بمقتضـاه كل منهما بعوض مقابل ما يلتزم به
الآخر وإذا كان كذلـك فلا يجوز في مذهب من المذاهب الفقهيـة ما في عقـد التأمـين
من غرر كثير وكبير ولا تعدو هذه الدعوى أن تكون مغالطة بعيدة عن الواقع الحقيقي
لعقد التأمين. |
|
ولا يجادل عاقل في أن مقصد
شركات التأمين إنـما هو تحقيق الربح الوفير لها من جراء
اتجارها بدعوى توفير الأمن للمتعاقدين معها فلا يصح بحال دعوى أن هذه الشركات
ليست إلا الوسيط الذي ينظم التعاون... إنها مغالطة للواقع. |
|
3- حاول الزرقا دفـع الغـرر عن
عقد التأمين بدعوى أن في عقد التأمين معاوضة محققـة
النتيجـة فور عقـده.. وأن الاحتـمال فيـه بالنسبة
للمُؤَمن إنما هو بالنظر إلى كل عقد على حدة وأمـا بالنظـر إلى مجمـوع العقود
فإن التأمين يعتمد على أساس إحصائية تنفي عنه الاحتمال عادة.. وأما بالنسبة إلى
المستأمن فإن الاحتمال معدوم؛ ذلك لأن المعاوضة
الحقيقة في التأمين بأقسـاط إنـما هي بين القسط الذي يدفعه المستأمن وبين الأمان
الذي يحصل عليه وهو حاصل بمجرد العقد لأنه بهذا الأمان لم يبق بالنسبة إليه فرق
بين وقوع الخطر وعدم وقوعه[32]. |
|
وهذه المحاولة غير صحيحة أما بالنسبة للمُؤَمن فكل عقد
يجريه فيه غرر كبير يوجب بطـلانـه والتحـايل بلفت النظر إلى مجموع العقود لا يصح
فإنه ليس له وجود في الخارج وإنـما الذي له وجود هو العقد الغرر وهو يتضمن غرراً
كبيراً من الجانبين. |
|
ومقتضى قوله بالصحة بالنظر
إلى مجموع العقود يلزم منه أن العقد الباطل في ذاته إذا انضم إليـه غيره مما
يشبـه في البطـلان صار بهذا الانضمام صحيحاً وهو لازم باطل لا وجه له عند أحد من
فقهاء المسلمين. |
|
على أن دعوى زوال احتمال
الغرر من مجموع العقود مغالطة ظاهرة فشركات التأمين لا يمكن أن تعرف مجموع ما
سوف تأخذ وما تعطى وإنما تستعين بالإحصائيات لمعرفة صورة تقريبيـة وهـذا لا ينفي
عنهـا عنصـر الاحتمالية... هذا وهناك أحداث وأخطار غير
متوقعة تقلب كل توقعات المُؤَمنين فكيف يقال إنه يعتمد على أسس إحصائية تنفي عنه
الاحتمال؟ وحاصل ما تقدم أن الغرر الكبير في عقود التأمين موجود رغم كل ما قالوه
حتى بالنسبة لمجموع العقود وهذا يقتضي بطلانها على أية حال. |
|
وأما بالنسبة للمُؤَمن له فالغرر متحقق
لديه وقت العقد في أنه لا يدرى ماذا سيعطى ومـاذا سيأخـذ وهذا كاف للحكم
ببطلانه.. ودعوى أن القسط في مقابل الأمان دعوى غير
صحيحة ذلك أن عقد التأمين مذكور فيه أن القسط في مقابل مبلغ والتأمين هكذا يقول شراح القانون[33]. |
|
وأمـا الأمان فلا يقـدر عليه
إلا الله وشركات التأمين لا تستطيع أن تضمن عدم وقوع الخطر وإنما تعوض عن بعـض
آثاره بعد وقوعه. |
|
وقول الزرقا: "لم يبق
بالنسبة إليه- أي المُؤَمن له- فرق بين وقوع الخطر وعدمه…الخ " مغالطة
ظاهرة وهل يعقل ذلك فيمن يُؤَمن على حياته أو على أعضائه؟ أيستوي عنده أن يفقد
حياته وأعضاءه أو أن يبقى حياً معافى؟ لا يستويان فكل
هذا إنـما هو تحايل ومغالطة لنفي الغرر من عقود التأمين وهو متحقق
فيها على أية حال. |
|
ومن خلال النظر إلى أركان
هذا العقد وشروطه كـما تقدم تصويره لا يراودنا أدنى شك في بطلانه.. ولا اعتبار بعد ذلك لأي دعاوى تتعلق في أمر خارج عن هذه
الأركان والشروط لأن العبرة في الحكم على العقود إنما هو بالنظر إلى ما تضمنته
من أركان وشروط. |
|
ثانيا: الربـا: |
|
عقد التأمين يتضمن الربا بنوعيه أما النسيئة فدائماً وأما
الفضل فغالباً وذلك أنه عندما يضع الخطر المُؤَمن منه وتسلم شركة التأمين مبلغ التأمين
المتعاقد عليه فإنه لا يخلو في الغالب من أن يكـون أقـل أو أكثر مما دفعـه المُؤَمن
له وفي هذه الحالة يتحقق ربا الفضل بسبب عدم تسـاوى البد لين وكذا ربا النسيئة
لتأخر أحد البد لين وإن كان المبلغ مساوياً- وهذا نادر- تحقق ربا النسيئة لتأخر
أحد البد لين لأن عقود التأمين لا تخرج عن الصرف إذ هي نقد بنقد وهذا واضح من
تعريفه حيث أن المُؤَمن يلتزم بدفع مبلغ من المال في نظير قسط مالي
وعقد الصرف يشترط فيه التقابض مطلقاً سواء اتحد الجنس
أو اختلف ويشترط أيضاً التماثل عند اتحاد الجنس وهـذا كله متحقق
بين مبلغ التأمين وقسطه وبهذا يتبين أن عقود التأمين تشتمل على نوعي الربا. |
|
والنصـوص الـواردة في طلب التـماثـل والتقابض
في مبادلة المال الربوي بجنسه متواترة وقد أجمع
المسلمون على مدلولها[34]. |
|
شبه المخالفيـن في تضمن التأمين للربا والرد
عليها: |
|
ا- كـما ادعوا في باب الغـرر أن عقـود التأمين من قبيل
التعاون الذي يغتفر فيه الغرر ادعوا هنـا أيضـاً أن التأمين من أساسه قائم على
فكرة التعاون على جبر المصائب فيغتفر ما فيه من ربا أو شبهة ربا
[35]. |
|
وهي دعوى مردودة كـما تقـدم فعقـود التأمـين ليست من قبيل
التعاون وإنما هي عقود معاوضة وتجارة فلا يمكن حملها
على تصرفات التبرع والإرفاق التي يغتفر فيها ما لا يغتفر في عقود المماكسة التي يقصد منها الربح. |
|
2- حاول بعضهم أن يحصر شبهـة الربـا في بعض صور التأمين وهو
ما يحصل في التأمين على الحياة حيث يشـترط فائدة ربوية
علاوة على مبلغ الأقساط التي يستفيدها إذا ظل حياً
بعد مدة العقد ومن ثم يحكم على هذا الشرط وحده دون الحكم على نظام التأمين في
ذاتـه ولـذا يقترح الزرقا إلغاء شرط الفائدة في هذه
الصورة من التأمين بحيث يرد مبلغ الأقساط بعينه دون فائدة[36]. |
|
والجواب عن هذا أن جوهـر عقـد التأميـن لا يخلو من شبهة
الربا حتى لو خلا من مثل هذا الشرط فإنه وإن انتفى التفاضل فإن النَسَاء متحقق على أية حال. |
|
ثالثا: ا لقمـار: |
|
عقـد التأمين يتضمن شبهـة القـمار وذلك أنه معلق على خطر قد
يقع وقد لا يقع فهو يشبه في معناه معنى ميسر القمار وهو ما يتخاطر
الناس عليه. قال ابن عباس: "كان الرجل في
الجـاهلية يخاطر الرجـل على أهله وماله فأيهما قامر
صاحبه ذهب بماله وأهله فنزلت الآية: |
|
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا
الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلامُ
رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ
إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ
وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ
وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ}
[37]. |
|
وأي مخاطرة ومقـامرة أشد
من دفع مبلغ التأمين كاملاً مقابل قسط واحد فيما إذا وقع الخطـر المُؤَمن عليـه
ففي مقابـل ماذا دفـع المُؤَمن هذا المبلغ الكبير؟ وكيف تكون
المخاطرة والمقامرة إذا لم تكن هذه مخاطرة ومقامرة؟ |
|
والحقيقـة أننا لو نظرنا إلى عناصر عقد المقامرة عند شراح القانون لوجدناها متوفرة في عقود التأمين ولذا قال
السنهوري إنه إذا نظرنا إلى عقد تأمين بمفرده لم يعدُ أن يكون عقد مقامرة
[38]. |
|
شبه المخالفـين في تضمن عقد التأمين
للمقامرة والرد عليها: |
|
وقـد حاول الزرقا ومن على
شاكلتـه إيجاد فروق بين عقد التأمين وبين القمار سوف أذكرها حسب ورودها في بحثه
وأجيب عليها. |
|
أ- يقـول: "إن القـمار لعب بالحظـوظ ومقتلة للأخلاق...
فأين القمار الذي هو من أعظم الآفات... من نظام يقوم على أساس ترميم الكوارث الواقعة
على الإنسان في نفسه أو ماله...
"
[39]. |
|
والجواب عن هذا أن وجه الشبه بين عقد التأمين وبين القمار
هو عنصر المخاطرة في كل منهـما حيث أن عقـد التأمين
يكـون على شيء غير
محقق الوقوع وهو عنصر أساسي فيه وفي القمار أيضاً وهذا هو مناط التحريم وأما ما
يقر بسبـب القمار من العداوة والبغضاء والصد عن ذكـر الله وعن الصـلاة فهـذا من
حكمة التحريم فإن القمار حرام حتى ولو قدر خلوه من ذلك فكـذا عقد التأمين حرام
لتضمنه مناط التحريم وهو المخاطرة على أن نظام التأمين يقع فيه شيء من العداوة والبغضاء حين يأخذ أحد الطرفين في
عقد التأمين مبلغاً كبيراً دون مقابل. وحتى لو سلمنا بأن القمار يؤدي إلى
العداوة والبغضاء وعقود التأمين لا تؤدى إلى ذلك فإن معنى المخاطرة والمقامرة متحقق فيها على أية حال. |
|
2- يقـول: "إن عقـد التأمين
يعطى المستأمن طمأنينة وأماناً من نتائج الأخطار... فأين
هذا الأمان والاطمئنان لأحد المقامرين في ألعاب القمار التي هي بذاتها الكارثة الحالقة؟"[40].. |
|
والجواب عن هذا أنه لو سلمنا جدلا أن في التأمين أماناً
وطمأنينة لا توجد في المقامرة فإن هذا ليس له أثر في الحكم إذ أن العنصر الذي له
أثر في الحكم هو عنصر المخاطرة في إجراء العقد على واقعة غير محققة في كل من التأمين
والقمار وهذا لا صلة له بـما يصحب العقد من خوف أو أمان فالمقامرة في عقد
التأمين متحققة حتى لو سلمنا بهذا الفارق المزعوم. |
|
3- يقول: "ومن جهة ثالثة عقد التأمين من قبيل المعاوضة وهذه المعاوضة مفيدة
فائدة محققـة للطـرفين ففيها... ربـح اكتسابي للمُؤَمن وفيهـا أمان للمستأمن...
فأين هذه المعاوضة في القمار؟ وما هي الفائدة التي
عادت على الخاسر فيه من ربح الفائز "[41]..
|
|
والجواب عن هذا أن كونه عقد معاوضة
لا يمنع أن يكون فيه معنى القمار وأيضاً فإن مثل هذا الفارق لو سلم بوجوده لا
أثر له في الحكم فعنصر المخاطرة الذي هو مناط التحريم متوفر على أية حال فلا
يفيد بعد ذلك ما قاله الزرقا من أن التأمين معاوضة مفيدة للطرفين فسواء كانت مفيدة أو غير مفيدة فحكمها
لا يتغير طالما اشتملت على عنصر يقتضي تحريمها. |
|
وأخـيراً فإن شراح القـانـون قد
قرروا أنه بالنظر إلى عقد التأمين من جهة العلاقة بـين المُؤَمن وأي من
المستأمنـين لا يعـد أن يكـون عقـد مقامرة كـما في قول السنهوري المتقدم وإذا
تقرر ذلـك فهـو كاف في الحكم عليه بالتحريم ولا تأثير بعد ذلك للفروق التي
ادعوها حتى ولو سلم بشيء منها. |
|
رابعا: بيـع الدين بالدين: |
|
يقـول الـدكتـور محمـد بلتـاجي:
"ويكون قسط التأمين عادة مبلغاً سنوياً والمستأمن لا يدفعه في مجـلس العقد
إنـما يدفعه بعد ذلك على أقساط فهو دين في ذمة المستأمن يلزمه أداؤه حسبـما نـص
على ذلـك في العقـد والذي يقـابله يبلغ التأمين الذي تلتزم الشركة بدفعه إذا حدث
الخطر المُؤَمن منه فهو الآخر دين في الذمة معلق على وقوع الخطر ومن ثم فعقد
التأمين يتضمن بيع دين بدين"[42]. |
|
ومـا ذكـره بلتـاجي متحقق حقيقة في عقد التأمين وقد أجمع المسلمون على تحريم بيع
الدين بالدين[43].. |
|
والخلاصة أنه اجتمع في عقد
التأمين الغرر والربا والقمار وبيع الدين بالدين وواحد من هذه الأمور يكفي للحكم
بتحريمه فكيف وقد اجتمعت كـلها على نحو ما تقدم؟.. |
|
احتجاج المجوزين للتأمين والرد عليهم |
|
حاول المخـالفـون في تحريم
عقـد التأمين أن يطبقوا عليه بعـض القواعد العامة أو أن يقيسوه على بعـض الصور
في الفقه الإسلامي بشكل عام وهذا ما سأتناوله في النقاط التالية: |
|
1- أن عقد التأمين عقد جديد فهو جائز
بناء على أن الأصل في العقود الإباحة إلا ما ورد الشرع
بتحريمه[44]
وأن الشريعة تركـت الباب مفتوحاً للناس أن يحدثوا أنواعاً جديدة من
العقود إذا دعت الحاجة لها بشرط أن تتوفر فيها الأركان والشروط العامة المعتبرة
في العقود وفي هذا الصدد يمثل الزرقا بعقد بيع الوفاء
وأنه أشبه بواقعة عقد التأمين فعقد بيع الوفاء "عقد جديد ذو خصائـص وموضوع
وغاية يختلف فيها عن كـل عقد من العقود المسماة المعروفة قبله لدى فقهاء
الشـريعـة وهـو ينطوي على غاية يراها الفقهاء محرمة لأنه يخفي وراءه أنواعا من الربا المستـور وهو الحصول على منفعة من وراء
القرض حيث يدفع فيه الشخـص مبلغاً من النقود ويسميه ثمناً لعقار يسلمه
صاحبه إلى دافع المبلغ الذي يسميه مشترياً للعقار لينتفع به بالسكنى أو الإيجار
بمقتضى الشراء بشرط أن صاحب العقـار متى وفى
المبلغ المأخوذ على سبيل الثمنية استرد
العقار… ولكل منهما الرجوع عن هذا العقد أي فسخه وطلب الـتراد ولو حددت له المدة"[45]. |
|
وقـد اختلف الفقهاء فيـه
وقت ظهـوره فمنهم من أعتـبره بيعـاً فاسدا لاقترانه بشرط مفسـد للعقـد. ومنهم من أعتبره بيعاً صحيحاً وأبطل الشرط وحده واعتبره
لغوا. ومنهم من نظـر إلى الهـدف من هذا العقـد والشرط
فاعتـبره في معنى الرهن الذي يشترط فيه المرتهن الانتفاع بالشيء المرهون فأبطل
شرط الانتفاع بالمرهون وأبقاه رهناً لأن العبرة في التصرفات للمقـاصـد. إلا أنـه استقـرت الفتـوى في المذهب الحنفي بعد ذلك على أنه
عقد جديد ذو خصائـص مختلفة عن هذه العقود الثلاثة لذا قرروا له أحكاماً مستمدة
منها جميعاً. |
|
والمقصود من هذا أن قضية عقد التأمين تشبه بيع الوفاء من
ناحية أن بيع الوفاء شاهد تاريخي واقعي في الفقـه على جواز إحداث عقـود جديـدة
وإن تعـرض في أول نشأته لمثل ما تعرض له اليوم عقد التأمين من اختلاف[46]... |
|
والرد على ذلك أن وجه الحرمة في عقد التأمين ليس لأنه عقد
جديد يختلف عن العقود المعروفة لدى فقهاء الشريعة الإسلامية بل وجه الحرمة فيه
ما يتضمنه من غرر وربا وقـمار وبيع دين بدين كـما تقرر, وبناء على هذا فهذا
العقد الجديد غير جائز لا لأنه جديد بل لأنه تضمن أمورا تقتضي بطلانه. |
|
وليعلم أنه من المتفق عليه عند القائلين إن الأصل في العقود
الإباحة تقييد ذلك بأن لا يرد الشرع بتحريمه وعليه
فقد اشتمل عقد التأمين على عدة أمور ورد الشرع بتحريمها فلا يندرج عقد التأمين تحت هذا الأصل القائل
بأن الأصل في العقود الإباحة حتى على تقدير رجحـانـه على القـول بأن الأصـل فيها
الحظـر إلا ما ورد الشرع بإباحته. وغنى عن البيان
القول بأن عقد الوفاء مختلف عن عقد التأمين في موضوعه وهذا ما سلم به الزرقا نفسه[47]. |
|
على أن الصواب في
بيع الوفاء أنه لا يخرج عن أن يكون بيعاً أو رهنا ا قترن به شرط فاسـد والحكم
فيـه هو إبطـال العقـد بسبب هذا الشرط أو إبطال الشرط وحده على الخلاف المـذكـور
آنفـاً وعلى هذا فليس هنـا عقـد جديـد أصلاً وإنـما
هو عقد قديم- بيع أو رهن- اقترن بشرط. |
|
والحقيقة أن جر الكلام إلى موضوع إيجاد عقود جديدة إبعاد
للمسألة عن مناط الحكم فيهـا فليس المحـذور في عقد التأمين كونه عقداً جديداً-
كـما تقدم - وإنـما لأنه تضمن الغرر والربا والقمار وبيع الدين بالدين وكل هذه
الأمور قد اعتبرها الشارع مبطلة للعقود. |
|
- عقـد الحراسـة: |
|
يقول الزرقا إن المستأجر للحراسة
ليس لعمله نتيجة سوى تحقيق الأمان لمن استأجره باطمئنانه على سلامة الشيء
المحروس... وهكذا الحال في عقد التأمين يبذل المستأمن فيه جزءاً من ماله في سبيل
الحصول على الأمان من نتائج الأخطار[48]. |
|
ويرد عليه بأن عقد الحراسة ليس محل العقد فيه هو الأمان
وإنـما الأجير يستحق الأجرة في مقابل القرار في مكان معـين للقيام بالحراسة وهذا
هو محل العقد وهو المتحقق في الواقع وأما الأمـان
فهـو الهـدف من العقـد والباعث عليه وهذا الهدف قد يتحقق وقد لا يتحقق والأجير
يستحق الأجرة بمجرد قيامه بالحراسة سواء حصل الأمان أولم يحصل وليس عليه شيء إذا
لم يفرط. |
|
فالأمان
إذاً ليس محلاً للعقد وإنما هو أمر معنوي نفسي لا يمكن أن يباع ويشترى بل قد
يأتي بلا ثمن وقد يدفع في طلبه الثمن الكثير ولا يتحقق. |
|
والحقيقة أن عقـد الحـراسـة معاوضة
معلومة من الطرفين فصاحب الشيء المحروس يدفع أجرة معلومة والأجير يقوم بعمل
معـين فليس هناك غرر أو جهالة في هذا العقد. |
|
وأمـا عقـد التأمين
ففيـه جهالـة العـوضين وجهالة مدة العقد فلا وجه
لإلحاقه بعقد الحراسة المعلوم المحدد. |
|
وهذه المقايسة لا تعد أن
تكون وسوسة شيطانية الهدف منها التضليل والمغالطة. |
|
ودعوى أن الأمـان هو محل العقـد في عقد الحراسة وعقد التأمين
دعوى باطلة يكذبها العقل والواقع فليس في مقدور أحد من البشر توفير ذلك وإنما هو
حقيقة بيد الله سبحانه وتعالى. |
|
3- ضمـان خطر الطريق: |
|
ضمان خطـر الطريق هو فيـما إذا قال شخـص لآخر أسلك هذه الطريق فإنها آمنة وإن |
|
أصابك شيء فأنا ضامن حيث يضمن القائل عند بعض
الفقهاء. |
|
يقول الزرقا: "فإني أجد فيه
فكرة فقهية تصلح أن تكون نصاً استثنائياً قوياً في تجويز
التأمين على الأموال من الأخطار"[49].. |
|
والرد على هذا أن
الأصل في ضمان خطر الطريق عند من قال به أن المغرور إنما يرجع على الغار إذا حصل
الغرور في ضمن المعاوضة أو ضمن الغار صفة السلامة للمغرور[50].. |
|
والتنظير بين هذا
وبين التأمين غير صحيح فشركات التأمين لا تغر الناس ولا تضمن صفة السلامة لمن
يتعاقد معها فليس هنا تغرير يشبه التغرير في مسألة ضمان خطر الطريق عند من يقول
به وعليه فلا يمكن قياس عقد التأمين على ضمان خطر الطريق. |
|
وهنا فارق جوهري
آخر وهو أن ضمان خطر الطريق التزام من طرف واحد فلا يمكن أن يقاس عليه عقد
التأمين وهو عقد معاوضة والتزام من الطرفين. |
|
وأخـيراً فإن السـلامـة شأنها
شأن الأمان ليست شيئاً يباع ويشترى لأنها ليست في مقدور البشر فالتلويح بها
مغالطة ظاهرة. |
|
وأما قول الزرقا: "إن
فقهاءنا الذين قرروا هذا الحكـم في الكفالة… لو أنهم عاشوا في عصرنا اليوم… لما
ترددوا لحظة في إقرار التأمين نظاماً شرعياً "[51].
فلا يستطيع أن يقنعنا بصدق قوله إلا أن يعيد أولئك
الفقهاء فيصدقوه فيما زعم وليس بقادر، ومن جانبنا لا نظن في أولئـك الفقهـاء أن
يقروا التأمـين نظـامـاً شرعيـاً وقـد تضمن ما يقتضي بطـلانه من الغرر والربا. |
|
4- إلحاق عقود التأمين بولاء الموالاة عند الحنفية: |
|
وصفة هذا الولاء أن الرجل يوالى رجلا آخر على أن يعقل عنه
إذا جنى ويرثه إن مات وليس له وارث ويمكن أن يشترطا الإرث من الجـانبيـن وهـو
عند الحنفية خاصة والإرث به عندهم مؤخر عن أرث ذوى الأرحام ومن شرط هذا العقد
عندهم أن يكون المعقول عنه حراً مجهول النسب وأن لا يكون عربياً وليس عليه ولاء عتاقة ولا ولاء مولاة مع أحد قد عقل عنه. |
|
وأن لا يكون عقل عنه بيت المال وأن يشترط العقل والإرث في العقد[52].
|
|
وفي صدد القـول بجـواز عقـود التأمين
ينتهي أحـد الباحثين إلى أن أركان عقد ولاء المـوالاة تتفق إلى حد كبـير مع
أركـان عقد التأمين من المسئولية لأن ولاء المولاة رابطة قانونية بين شخصين
بمقتضاها يتعاقدان على أن يعقل أولهـما عن الآخر إذا
جنى فيدفع عنه الدية في مقابل أن يرثه مولى الموالاة إذا توفي غير مخلف وارثاً
قط وهو في هذا يناظر عقد التأمين من المسئولية[53]. |
|
والأصل في عقد ولاء الموالاة قوله تعالى: {وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ}[54]. |
|
والجمهور على القول بعدم صحة
هذا العقد فلا يحـصل به توارث ولا عقل.. والحق في هذا مع الجمهـور لقـول الرسول
- صلى الله عليه وسلم - في الحديث المتفق عليه: "إنـما
الولاء لمن أعتق "[55].
حيث أفاد حصر الولاء في نوع واحد هو العـتق لشخـص واحد
هو المعتق وأما الآية فهذا كان في صدر الإسلام ثم نسخ بآية المواريث. |
|
وقـول الحنفيـة في ولاء
المـوالاة على تقدير التسليم بصحته جدلاً لا يشبه عقد التأمين من المسئولية ذلك
أن الهدف الذي بني عليه ولاء الموالاة ليس هو هدف الذي بني عليه عقد التأمـين..
فولاء المـوالاة بني على النصرة والحـمايـة ولجـوء الضعيف الغـريب إلى القـوى
النسيب ولذا فهولا يعتبر من عقود المعاوضة عند
الحنفية القائلين به وإنـما هو من عقود التبرع التي يغتفر فيها ما لا يغتفر في
غيرها.. أما عقد التأمين فهو عقد معاوضة ظاهرة لا يقصد
منه عند إنشائه إلا الربح والاستغلال فلا يصح أن يقاس على ولاء الموالاة مع وجود
هذا الفارق الجوهري.. على أن قول الحنفية بمشروعية عقد
ولاء الموالاة قول ضعيف مرجوح كما تقدم. |
|
5- إلحاق عقد التأمين بالوعد الملزم عند بعض المالكية: |
|
وخلاصة مسألة الوعد الملزم
عندهم أن الشخـص إذا وعد غيره عدة مما ليس بواجب عليه في الأصل هل يصبح بهذا
الوعد ملزما بالوفاء؟ |
|
من المـالكيـة من يقـول إنـه ملزم مطلقاً ومنهم من يقول إنه
غير ملزم مطلقاً ومنهم من يقـول يلزم إذا ذكـر لها الـواعـد سببـاً وإن لم
يبـاشـر المـوعود ذلك السبب كأن يقول أريد أن أقرضك كذا لتتزوج، والراجح عندهم
أنه يلزم إذا دخل الموعود في سبب ذكر في الوعد[56]. |
|
يقـول الزرقا: "فإنا نجد في قاعدة الالتزامات هذه متسعاً
لتخريج عقد التأمين على أسـاس أنـه التزام من المُؤَمن للمستأمنـين ولو بلا
مقـابل على سبيل الوعد أن يتحمل عنه أضرار الحادث الخطر...
ولا يخفي أن أقل ما يمكن أن يقال في عقد التأمين إنه التزام تحمل
الخسـائـر عن الموعود في حادث معـين محتمل الوقوع بطريق الوعد الملزم نظير
التزام بتحمل خسارة المبيع عن البائع مما نـص عليه
المالكية"[57]. |
|
وقـول بعـض المـالكيـة في
هذه المسألـة على التسليم بصحته جدلاً لا يصح أن يقاس عليه عقد التأمين لوجود
الفارق بينهما.. فالوعد الملزم عند من قال به تبرع
محـض لا معاوضة فيه وهذا أمر واضح لا يحتاج إلى بيان
حيث أن الموعود لا يلتزم بشيء مقابل وعد الواعد أما عقـد التأمـين فمعـاوضـة واضحة والتزام من الجانبين كـما تقرر.. والتبرعات
يغتفر فيها ما لا يغتفر في المعوضات كـما تقرر أيضاً فلا يمكن أن تقاس المعاوضة من الطرفين في عقد التأمين على التبرع من طرف واحد
في الوعد الملزم مع وجود هذا الفارق الجوهري. |
|
6- إلحاق عقد التأمين بمسألة عقل العاقلة:[58] |
|
في هذا الصدد يقول الزرقا:
"إن نظام العواقل أصله عادة حسنة قائمة قبل
الإسلام في توزيع المصيبة المالية... وقد أقر الشرع الفكرة لما فيها من مصلحة... وجعلها إلزامية في جنـايـة
القتـل لأن فيهـا مسئـوليـة متعـديـة بسبب التناصر
وذلك بعد إخراج حالة العمد منهـا... فـما المـانـع من
أن يفتح باب لتنظيم هذا التعاون على ترميم الكوارث بجعله ملزماً بطريق التعاقد
والإرادة الحرة كـما جعله الشرع إلزامياً دون تعاقد
في نظام العواقل؟"[59]. |
|
يقـول الزرقا: "يكفي في القيـاس التشابه بين المقيس و المقيس عليه في نقطة
ارتكاز الحكـم و مناطه وهي العلة و هذا ما رأيناه في
نظام العواقل الإسلامي ونظام التأمين الحديث في بعض فروعه"[60]. |
|
وهـذا القيـاس المزعوم قياس باطل من
أساسه لأن نظام العقل في الإسلام إلزام من الشـارع لمجمـوعة من الناس تربطهم
رابطة معينة بتحمل ما توجبه جنايات بعضهم وليس التزام منهم باختيارهم بتحمل شيء ما مقابل عوض
كـما هو الحال فيعقد التأمين فأين وجه الشبه المزعوم؟. |
|
وأيضا فإن نظام العقل في الإسلام مبنى على التناصر والبر بين أفراد عائلة واحدة وله أهـداف جليلة
وحكـمـة فأين هو من نظام التأمين المبني على التجارة وطلب الكسب والربح واستغلال
الناس؟ ومن أين للزرقاء أن يزعم مع كل ذلك أن نقطة ارتكاز الحكم و مناطه وهى العلة متفقة في النظاميـن؟. |
|
والخلاصة أنه لا يصح هذا القياس
مع وجود هذه الفروق الأساسية في جوهر النظامين. |
|
7- الاحتجـاج بالمصلحـة: |
|
وفي هذا يقول عبد الرحمن عيسى: "إن التأمين التجاري
يحقق مصالح اقتصادية كبيرة للمجتمع.." وبعد سرد شواهد تدل على اعتبار
المصلحة في الشرع يقول: "وقد بينا بوضوح تام أن التأمين يحقق مصالح عامة هامة فيكون حكمه الجواز
شرعاً اعتبارًا لما يحققه من المصالح"[61].. |
|
وبناء الشريعة على مبدأ جلب
المصالح ودرء المفاسد أمر معروف ومسلم به لكن المراد بالمصـالـح ما اعتبرهـا الشرع كذلك وأما المصالح الملغاة في الشرع
فلا اعتبار لها ولو اعتبرها العقـل البشـرى مصـالح. فالأمور
المنهي عنها أو التي تتضمن ارتكاب نهى لا اعتبار لما يزعم فيها من مصالح فهي على
تقدير وجودها مصالح ملغاة. |
|
وما يزعم في نظـام التأمـين من مصـالـح وهي- على تقـدير
وجودها- مصالح ملغاة لتضمن عقـد التأمين أموراً وردت النصوص القطعية بالنهي عنها
والوعيد الشديد عليها من الغـرر والربـا والقـمار وبيـع الـدين بالدين كـما سبق
فإن رأت بعض العقول البشرية في نظام التأمين مصلحة ما فهي مصلحة مهدرة ملغاة شرعا
لما تقدم. |
|
وجميع ما نقل عن الصحابة وفقهاء السلف من تقرير أحكام
استناداً إلى المصلحة إنما كان ذلك في أمـور موافقـة لمقاصـد الشريعة ولم يرد
فيها نص عن الشارع فالمصلحة المعتبرة عندهم ما فهموه من الشرع
اعتباره في اقتضاء الأحكام ولا يستقل العقل بدركه[62].. وبهذا يعلم يقيناً أنـه لا
اعتبار لما يزعم في عقـود التأمـين من مصلحة لعدم موافقتها لمقاصد الشريعة بل
لورود النص بالنهى عما تضمنته هذه العقود من غرر وربا... الخ. |
|
8- الاحتجاج
بأن التأمين ضرورة اقتصادية: |
|
خلاصة الاحتجاج بالضرورة أن حاجة الناس إلى التأمين قد
اشتدت وعظمت وأنه يشق عليهم تركـه خوفـاً من الكـوارث حيث أصبح التأمين ضرورة
لحفظ أموالهم وإن لم يكن من ضروريات الناس فإنه من حاجياتهم التي يترتب على
فقدها الضيق والمشقة حيث أنهم قد ألفوه وتغلل في جميـع نواحي حيـاتهم فلو منعـوا
منـه لوقعـوا في حرج ومعلوم في الشـريعة الإسلامية أن المشقة تجلب التيسير
والضرورات تبيح المحظورات[63].. |
|
وتقريرهم للاحتجاج على النحو السابق يتضمن اعترافهم بأن عقد
التأمين يشتمل على أمور محرمة. |
|
وهـذا الاحتجـاج يدل على جهـل
قائله بأصول الشريعة الإسلامية ومبادئها إذ كيف يتصور أن توجد الضرورة إلى نظام
كنظام التأمين؟ قد توجد الضرورة في حالات فردية تقدر
بقدرها وتقيد بشروطها مثل اضطرار الذي يخشى الهلاك إلى أكل الميتة ومثل هذه
الصورة لا تتصور في نظام كهذا النظام. |
|
وإذا |