طباعة

 توثيق النص

 

 

 

الوحدة الإسلامية أسسها ووسائل تحقيقها

للدكتور أحمد بن سعد حمدان الغامدي

أستاذ مساعد بكلية الدعوة وأصول الدين

 

 

قال الله تعالى: {وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إلاَّ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ}.

(آية 163 سورة البقرة)

{وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ} .

(آية 52- سورة المؤمنون)

المقدمة:

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسوله الأمن.. وبعد:

فإن إحساس الأمة المسلمة بحاجتها إلى اللقاء والتعاون إحساس منطقي وواقعي.. وذلك لأنها قد أضرت بها الخلافات.. وانهكتها النزاعات التي كانت سببا لضعفها وضياع حقوقها في عصر لم يعد يسمع فيه صوت الضعفاء ولا أنين الجرحى.

قال تعالى: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ}[1].

فارتفاع الأصوات المسلمـة هنـا وهناك تنادى بضرورة وحدة الأمة واجتماع كلمتها أصوات صادقة ينبغي أن تتجاوب لها الأقطار الإسلامية لتنقذ نفسها وتحمى حقها.

قال تعالى: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا}[2].

ولكنـه لابـد للأمـة المسلمـة- وهي تلم شعثها وتوحد صفوفها- لابد لها من إدراك صحيح للأسباب التي كانت وراء هذا الواقع السيئ الذي تعيشه والأسس التي ينبغي أن تلتقي عليها والـوسـائل التي يمكن أن تتحقق بها تلك الأسس، وذلك لئلا تنتقل من واقع منحرف إلى واقع آخر منحرف.

وإنني إذ أكتب هذا البحث لآمل أن ينفـع الله به عز وجـل الأمـة المسلمة وهى تتجه إلى الله عز وجل وتعمل على توحيد كلمتها إنه سميع مجيب.

وعنوان البحث: (الوحدة الإسلامية: أسسها ووسائل تحقيقها)، وقد تضمن أربعة أقسام وخاتمة.. وذلك على النحو التالي:

القسم الأول: واقع الأمة الإسلامية:

أولا: في العقيدة.

ثانيا: في العبادة.

ثالثا: في الشريعة.

القسم الثاني: أسباب هذا الواقع:

أولا: الجهل بدين الله عز وجل.

ثانيا: الغزو العسكري لبلدان المسلمين.

ثالثا: الغزو الفكري.

القسم الثالث: أسس وحدة الأمة الإسلامية:

أولا: وحدة الغاية.

ثانيا: وحدة العقيدة.

ثالثا: وحدة القيادة.

رابعا: وحدة التشريع.

القسم الرابع: وسائل تحقيق أسس الوحدة:

أولا: التعليم الموجه.

ثانيا: الإعلام الملتزم.

ثالثا: الاقتصاد المستقل.

رابعا: العمل على الاكتفاء الذاتي.

خامسا: إيجاد مراكز علمية.

الخاتمـة:

وأخيرا أسأل الله عز وجل أن يهيئ أسباب وحدة الأمة وأن يجمع كلمتها على الحق إنه سميع مجيب.

 

القسم الأول:واقـع الأمـة الإِسلامية

أولا: في العقيدة:

أ- انحرافات إلحادية.

ب- انحرافات في الجانب النظري- العلمي- من العقيدة.

 ج- انحرافات طائفية قديمة.

د- انحرافات طائفية حديثة.

ثانيا : في العبادة:

أ- الغلو المفرط في أدائها.

ب- الإهمال المطلق بها.

ج- عدم الالتزام بالأداء الصحيح لها.

ثالثا : في الشريعة:

أ- محاربة الشريعة واستبدال القوانين الوضعية بها.

ب- محاولة التوفيق بين الشريعة الإسلامية والأنظمة الوضعية.

 

القسم الأول واقع الأمة الإسلامية

واقع الأمة الإسلامية واقع مكشوف لا يكاد يجهله أحد، فقد تعرض لأمراض متعددة وانحرافات متنوعة بحيث لا يكاد يسلم جانب من جوانبه- لا في العقيدة ولا في العبادة ولا في الشريعة-.

وسأحاول فيما يأتي الإشارة إلى هذا الواقع بشيء من الإيجاز.

أولا: في العقيدة:

إن أخطر الانحرافات التي تعرضت لها الأمة المسلمة هي الانحرافات في العقيدة ولا نستطيع هنا استيعابها وتفصيلها ولكنا سنكتفي هنا بالتنبيه على بعضها.

أ- انحرافـات إلحـادية:

هدف أصحـابها استبدال المبادئ الكـافرة بعقيدة الإسلام، وهم طوائف متعددة وسلكوا طرقاً متنوعة يقول الأستاذ مصطفي صبري: "ومن البلية أن الحركات التي تثار في الأزمنة الأخيرة ترمى إلى محاربة الإسلام في بلاده بأيدي أهله والتي لاشك أنه الكفر وأخبث أفانين الكفر..."[3].

ويقـول في مكـان آخر: "لكن البلاد الإسلامية عامة ومصر خاصة مباءة اليوم لفئة تملكـوا أزمة النشـر والتأليف ينفثـون من أقـلامهم سموم الإلحـاد غير مجاهرين بها وربـما يتظاهرون بالدين"[4].

ويقـول الـدكتور محمـد محمـد حسين بعـد عرضه للدعوات الهدامة: "كانت هذه الـدعـوات تسلك إلى أهـدافها مسالك متباينة وتلبس أثوابا مختلفة ولكنها جميعا ترمى في آخر الأمر إلى توهين أثر الإسلام في النفوس وتفتيت وحدته التي استعصت على القرون الطوال"[5].

ب- انحرافات في الجانب النظري- العلمي من العقيدة:

وذلك فيما يتعلق بأسماء الله وصفاته وأفعاله.

فقد وجـدت الاتجـاهات المنحـرفـة التي تتنكر لهذا الجانب أو لبعضه فأولت الآيات القرآنية والأحاديث المتواترة وردت الأحاديث الأخرى والتي تعرف الناس بربهم عز وجل.

 وكـان أول من أظهر هذه البدعة الضـالـة- بدعة الحديث في أسـماء الله وصفاته وتأويلها- الجعـد بن درهم فأول الاستـواء والكـلام لله عز وجل[6] وتبعه على ذلك المعتزلة الذين أصبحوا فيما بعد فرقة مستقلة في منهجها وفهمها تقابل أهل السنة.

قال الشهرستاني: "الفريقان من المعتزلة والصفاتية متقابلان تقابل تضاد"[7].

وقـد أتى القـوم من ضلال عقولهم القاصرة وظنهم أن إثبات تلك الصفات الواردة في كتاب الله عز وجل وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم -يقتضي التشبيه بالمخلوق.

وينتـج عن هذا المذهب أن القرآن الكريم والسنة النبوية لم يستطيعا بيان مراد الله عز وجل من خلقه من أقرب الطرق.

فتعـددت بذلـك الفرق وانقسم المسلمون إلى متابع لهذه الطائفة ومخالف لها وحدثت في تاريـخ الأمة الإسلاميـة بسببه وحدثت ومشكلات، ولازالت آثار هذه الطائفة قائمة في المجتمع الإسلامي إلى اليوم.

جـ- انحرافات طائفية قديمة:

لازالت قويـة ونشطـة رغم انحـرافها وفساد معتقداتها.

 ومن تلك الطوائف: (طائفتا الشيعة والصوفية).

فالأولى تقوم على عقيدة تخالف عقيدة الإسلام التي جاء بها رسول اللهّ صلى الله عليه وسلم.

 فمن ذلك إسباغ صفات الألوهية على أئمتهم وادعاؤهم أنهم يعلمون الغيب وأنهم يتلقون الوحي من السماء وفي كلا الأمرين إساءة إلى الله عز وجل وتكذيب لدينه.

وأخـيراً فإنهم يتهمون أصحـاب رسـول الله له بالخيانة والردة عن الإسلام، وهذا يؤدى إلى إبطال الإسلام.

فأما ادعـاؤهم علم الغيب لأئمتهم فقـد ورد في أهم مصادرهم بألفاظ صريحـة في أبواب مستقلة.

فقد ورد في كتاب: (أصول الكافي)- وهو أهم كتاب عندهم- [8] عناوين تؤكد ذلك.

منها: (باب أن الأئمة يعلمون متى يموتون وأنهم لا يموتون إلا باختيارهم) [9]

ومنها: (باب أن الأئمة إذا شاءوا أن يعلموا علموا)[10].

ومنها: (باب أن الأئمة عليهم السلام يعلمون ما كان وما يكون وأنه لا يخفى عليهم الشيء صلوات الله عليهم)[11].

وأمـا ادعـاء نزول الوحي على الأئمة فيـذكـرون عن جعفر الصادق أنه قال- وهو يتحدث عن مصادر علم الأئمة-: "وأما النقر في الأسماع فأمر الملك"[12]أي صوت الملك.

 فعلم الغيب لا يظهر الله عز وجل عليه إلا أنبياءه ورسله كـما جاء ذلك في كتاب الله عز وجل حيث يقول: {عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً. إِلاَّ مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً}[13].

ولكن الشيعة تعتقد أن الأئمة يأتيهم خبر السماء كـما روى ذلك الكليني مؤلف أصول الكـافي فقال: "إن المفضـل سأل أبـا عبد الله- أي جعفر الصادق- بقوله: جعلت فداك بفرض الله طاعة عبد على العباد ويحجب عنه خبر السماء".

قال: "لا: الله أكـرم وأرحم وأرأف بعبـاده من أن يفرض طاعـة عبد على العباد ثم يحجب عنه خبر السماء صباحا ومساء"[14]ويعلق الشارح على هذا القول فيقول: "ولذلك الإمامية ذهبوا إلى أن الإمامة لا تصلح إلا لمن له منزلة النبوة"[15].

هذه بعض عقائدهم المنحرفة والتي تجعل لهم اتجاها آخر ودينا يخالف دين المسلمين.

وأمـا الصـوفية فقـد ابتدعت تقديس الأفراد ورفع التكاليف عن بعض الناس كـما أعادت إلى الأذهان تلك الطقوس الكنسية التي أفسدت الدين النصراني حيث اتخذت من البشر وسائط عند الله بها تقضى الحاجات وتغفر الزلات إلى عشرات أخرى من ا لا نحرا فات.

فأما دعوى سقوط التكاليف فإنهم يزعمون أن للإنسان درجة إذا وصل إليها سقط عنه التكليف.

قال ابن تيميـة رحمه الله: "ومن هؤلاء- أي الصـوفيـة- من يحتـج بقوله تعالى: {وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ} ويقول معناها: أعبد ربك حتى يحصل لك العلم والمعرفة فإذا حصل ذلك سقطت العبادة، وربما قال بعضهم: اعمل حتى يحصل حال فإذا حصل لك حال تصوفي سقطت عنك العبادة"[16].

ويقول عنهم كذلك: "والغالبة  في المشايخ قد يقولون: أن الولي محفوظ والنبي معصوم وكثير منهم إن لم يقل ذلك بلسانه فحاله حال من يرى أن الشيخ أو الولي لا يخطئ ولا يذنب"[17].

ويقـول الـدكتـور إبراهيم هلال وهو يتحدث عن نتائج غلو الشيعة والصوفية في ذكر فضـائـل الأولياء: "ولعل أبرز مظاهر هذا التفضيل ما يدعيه بعض الصوفية من حلول الله فيهم أو اتحادهم به مما يتضمن القول بألوهيتهم وتصرفهم في الأكوان وفي الناس"[18].

ولعل هذا هو السبب وراء التقديس وصرف العبادة إلى الأولياء المتمثل في بناء القباب على قبورهم والطـواف حولها ودعـاء أصحـابها والذبح والنذر لهم إلى غير ذلك من صور العبادات التي لا يكاد يسلم منها بلد من بلدان المسلمين إلا من رحم الله عز وجل.

وقد كان هذا الانحراف في الفكر الصوفي من الأسباب المباشرة لظهور الشرك في الأمة بتقـديس الأموات وطلب الحاجات منهم واتخاذ قبورهم مزارات وأماكن عبادة فزاحم تعظيم الأموات توحيـد الله عز وجل في القلوب، فكثرت الأضرحة وتعددت الفرق والأحزاب لكل حزب ضريح به يستغيثون وعنده ينيخون وإليه عند نزول الحوادث يلجئون.

د- انحرافـات طائفية حديثة:

تتمثل في طوائف مستقلة ـ كالبهائية والقاديانية ـ ونحوها من الطوائف التي خرجت على عقيدة

 الإسـلام بدعوى النبـوة لزعـمائها ونزول الوحي عليهم وهى تتستر في كثير من البلدان باسم الإسلام وهي خارجة عليه لمخالفتها العقيدة (ختم النبوة) التي هي جزء من عقيدته.

فإن زعيم البهائية (حسن علي المازندراني) يزعم أنه نزل عليه الوحي وجمعه في كتاب سماه (الأقدس) [19]وقد ورد في هذا  الكتاب ما يلي: "لا تحسبن إنا أنزلنا لكم الأحكام بل فتحنـا ختم الـرحيق المختـوم بأصابـع القدرة والاقتدار يشهد بذلك ما نزل من قلم الوحي تفكـروا يا أولى الأفكـار"[20]فهو يزعم بهذا أنـه قد فتـح باب النبوة وفض ختمها ليوحي إلى البهاء وهو ما صرح به في كتاب آخر من كتبه حيث ذكر انه: "فك ختم النبيين"[21].

 وكـذلـك زعيم القـاديـانيـة (غلام أحمد بن غلام مرتضى) له كتاب اسمه (تذكرة وحي مقـدس)[22]يزعم أنـه أوحي إليه وقد كتب بأربع لغات وهي: العربية، والفارسية، والأردية، والإنجليزية.

وقـد ورد فيـه ما يلي: "إنـا أرسلنا أحمد إلى قومه فأعرضوا وقالوا كذاب أشرا"[23] و "هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق وتهذيب الأخلاق"[24].

وليست هاتان الطائفتان هما الوحيدتين في ادعاء نزول الوحي بل هناك طوائف أخرى وأشخاص آخرون ادعوا نزول الوحي كزعيم البلاليين: (اليجا محمد علي) في أمريكا وغيره.

ثانيا: في العبادة

لقد تعرضت العبادات إلى انحرافات أخرى متعددة نورد طرفا منها:

أ- الغلو المفرط في أدائهـا:

والذي كان يتمثل فيـما سبق في طائفتي الخـوارج والصوفية حيث كان لكل منهما غلو مفرط  في جانب أو جوانب منها.

فالخوارج شددوا على أنفسهم وحملوها فوق طاقتها من قيام بالليل وصيام بالنهار حتى ظهر ذلك على ملامح وجوههم ومظاهر أجسادهم.

وقـد وصفهم ابن عباس بعـد زيـارة لهم فقال: "فدخلت على قوم لم أرقط أشد منهم اجتهادا، جباههم قرحة من السجود وأياديهم كأنها ثفن[25] الإبل وعليهم قمص مرحضة [26] مشمرين مسهمه [27] وجوههم من السهر.."[28]

وقد أشار النبي -صلى الله عليه وسلم - إلى هذه الطائفة بقوله: "يخرج قوم من أمتي يقرؤون القرآن ليس قراءتـكم إلى قراءتهم بشيء ولا صلاتكم إلى صلاتهم بشيء ولا صيـامكم إلى صيـامهم بشيء يقرؤون القرآن يحسبـون انـه لهم وهـو عليهم ولا تجاوز صلاتهم تراقيهم يمرقون من الإسلام كـما يمرق السهم من الرمية…" رواه مسلم  وأبو داود[29].

وأمـا الصـوفية فقد بالغوا في الذكر والزهد وعاشوا في ظلمات الخلوات للوصول إلى (درجة اليقين) التي تسقط عندها عنهم كل التكاليف الشرعية- بزعمهم-[30].

وقد أنكر ابن عقيل رحمه الله عليهم هذه الأهواء والبدع فقال: "ما أعجب أموركم في المتدين: إما أهواء متبعة أو رهبانية مبتدعة"[31].

ب- الإهمال المطلق للعبادات والاكتفاء بالتلفظ بالشهادتين:

وهذا الانحراف كان من ثمرات الإرجاء الذي لا يعطي للعمل اهتماما إذ أن الإيمان يثبت عند المرجئة بالقول فقط- عند بعضهم- وبالاعتقاد عند البعض الآخر.

وكـان جهم بن صفـوان هو أول من زعم أن: "الإيـمان هو المعـرفـة بالله تعـالى فقط والكفر هو الجهل به فقط"[32].

وذكر البغدادي أن المرجئة: "إنما سموا مرجئة لأنهم أخروا العمل عن الإيمان".

ج- عدم التزام كثير من المسلمين بالأداء ا الصحيح للعبادات:

فترى أحدهم يؤدى هذه العبادات ولا يلتزم فيها بشروطها وواجباتها وأوقاتها.

ثالثا: في الشـريعة:

لم تقتصر الانحـرافـات على الجـانبين السابقين بل شملت- كذلك- حتى جانب الشريعـة حيث تعـرضت في الآونة الأخـيرة التي تمزقت فيها الأمـة وتحطمت فيها الخلافة الإسـلاميـة- تعـرضت إلى انحـراف وفسـاد بل إلى حرب وعـداء في كثير من البلدان الإسلامية نعرض طرفا منها:

أ- محاربة الشريعة واستبدال القوانين الوضعية بها:

وهذا من آثار الاستعمار العسكري والفكري الذي فرق الأمة وأفسد عقليتها بحضارته وصناعته وكفره وجحوده. فوجد في المسلمين من يتحمس لقوانينه وفكره ويدعو إلى تطبيقها ومتابعتها.

وقـد حظيت هذه الفئـة بعناية الاستعمار ورعايته وسلم له زمام المجتمعات التي كان يسيطر عليها فخلفه فيها وقام على تطبيقها وتنفيذها بكل دقة.

ولعل الشروط التي فرضتها دول الاستعمار على مصطفي كـمال أتاتورك تبين المخطط الاستعماري لحرب الإسلام ومحاولة فصل الأمة عنه.

يقـول الأستاذ محمد محمـود الصـواف: "وهـذه هي الشـروط الأربعة المشئومة التي فرضتها دول الاستعمار على تركيا:

ا- إلغاء الخلافة الإسلامية نهائيا من تركيا.

2- أن تقطع تركيا كل صلة مع الإسلام.

3- أن تضمن تركيا تجميد وشل حركة جميع العناصر الإسلامية الباقية في تركيا.

4- أن يستبدلوا الدستور العثماني القائم على الإسلام بدستور مدني بحت.

فقبل مصطفي كـمال هذه الشروط ونفذها بحذافيرها فتركته دول الاستعمار"[33].

ب- محاولة التوفيق بين الشريعة الإسلامية والأنظمة الوضعية:

فيؤخذ من الشريعة ما يتعلق بالأمور الشخصية وتكمل بقية الجوانب من القوانين الوضعية.

وقد ذكر الأستاذ محمد الخضر الحسين[34]عن أسلوب دعاة هذا المبدأ فقال: "فاخترع هؤلاء طريقا حسبوه أقـرب إلى نجـاحهم وهو: أن يدَّعوا أن الإسلام: توحيد وعبادات ويجحدوا أن يكون في حقائقه ما له مدخل في القضاء والسياسة وجمعوا على هذا ما استطاعوا من الشبه لعلهم يجدون في الناس جهالة أو غباوة فيتم لهم ما بيتوا"[35].

ويقـول الأستـاذ مصطفي صبري[36] عن هذه المحـاولـة والتي تعني فصل الدين عن الحكم والسياسة: "لكن حقيقة الأمر أن هذا الفصل مؤامرة بالدين للقضاء عليه وقد كان في كل بدعة أحدثها العصريون المتفرنجون في البلاد الإسلامية كيد للدين ومحاولة الخروج عليه لكن كيدهم في فصله عن السياسة أدهى وأشد من كل كيد في غيره وهو ثورة حكومية على دين الشعب"[37]

هذا عرض موجز لواقع المسلمين الذي قد أصيب في كل جانب من جوانبه مما كان له أسوأ الأثر على وحدة الأمة واجتماع كلمتها.. فقد أصيبت الأمة في عقائدها.. وعباداتها.. وشريعتها..

ومـا لم يصحـح هذا الـواقـع على ضوء التوجيهات الواردة في كتاب الله عز وجل وسنة

رسوله - صلى الله عليه وسلم -فلن تقوم للأمة قائمة ولن تجتمع لها كلمة.

 

القسم الثاني :أسباب هذا الواقع

أولا: جهل الأمة بدينها.

ثانيا: الغزو العسكري.

ثالثا: الغزو الفكري.

 

القسـم الثاني: أسباب هذا الواقـع

لقد كانت هناك أسباب متعددة وراء ذلك الواقع نذكر أهمها:

أولا: جهل الأمة بدينها:

فقد انتشر الجهل  في الأمة قيادات وشعوبا حتى أصبح كثير منهم لا يعرف من دينه إلا اسمه فلا يعرف أحكامه وعقائده ولا أخلاقه وآدابه فسهل على أعداء الله عز وجل أن ينشروا ضلالهم وأن يبثـوا سمـومهم بل وسهـل عليهم أن يصنعـوا لهم عمـلاء من أبناء المسلمين يحاربون عقيدة المسلمين وينشرون الضلال في صفوفهم.

قال الأستاذ محمد كرد علي: "أصبح الناس بعد المائة السادسة تفتر هممهم شيئا فشيئا في طلب العلم ورغبـوا عن الافتنـان بفنـونـه وحصـروا نطاقه وعفوا بعض معالمه فأصبحت مجاهل وكثرت البدع وكثر الدعاة إليها والتعويل عليها "[38].

ويذكر الأستاذ الندوي وهو يتحدث عن الجهل الذي أصاب تركيا "إنه لم يكن الجمود العلمي والكـلال الفكري مقتصرين على تركيا وأوساطها العلمية والدينية فحسب بل كان العـالم الإسلامي من شرقـه إلى غربـه مصابـا بالجدب العلمي وشبه شلل فكرى قد أخذه الإعياء والفتور واستولى عليه النعاس"[39].

ثانيا: الغزو العسكري لبلدان المسلمين:

كانت الأمة الإسلامية أمة واحدة تستظل براية واحدة وتخضع لقيادة واحدة فكانت ذات شوكـة ومنعـة ثم لم تلبث أن سرت فيها أمراض فتاكة خلخلت بناءها وأفسدت أبناءها فضعفت قوتها وذلت عزتها فسهل على أعدائها القضاء عليها وتمزيقها إلى دويلات وإمارات واستولت على كثير منها فترات طويلة استطاعت فيها أن تفسد عقائدها وأخلاقها وتغير ولاءها.

يقـول برنـارد لويس: "وفي أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين تعدلت وتغيرت الـولاءات التي كانت قائمة للخلافة الإسلامية القديمة والتي كانت تحكم العرب والعجم والـترك وحلت محلهـا أفكـار ممزقـة مبعثـرة أوروبيـة هي مزيـج من الوطنية والقومية ونظريات خيالية عن الوطن والقوم حجبت الحقائق القديمة الواقعية في الدولة والعقيدة"[40].

فأصبحت بعـد ذلـك الأمـة الـواحـدة أممـا مختلفة ومجتمعات متعددة لكل منها شعاره ومذهبه فتمزقت وحدة الأمة وتعددت ولاءاتها بحسب شعاراتها ومذاهبها.

وكـان هذا كله بسبب الغـزو العسكري الذي احتل بلاد المسلمين فترات متفاوتة ركز خلالها على إفساد عقيدة الأمة وأخلاقها وقسمها بعد ذلك إلى دول ومناطق أقام لكل واحدة منها حاكـما مستقلا.

ثالثا: الغزو الفكري:

لم يكتف الاستعـمار بتحطيم الخـلافـة الإسـلامية وتفريق الأمة إلى دول وشعوب.. ونهب خيراتها وتشتيت ولاءاتهـا.. بل أضـافـوا إلى ذلـك غزوا للعقول والقلوب بشعارات ومبادئ جديـدة تفسـد العقـول وتخـرب القلوب ليبقى لهم السيطـرة والنفـوذ مادامت هذه الشعارات والمبادئ تحكم هذه البلاد.

وقد ذكر الأستاذ محمد محمود الصواف عن وسائل الاستعمار في غزو المسلمين والجبهات التي تشترك في ذلـك الغـزو، وأكـد أن جميـع تلك الجبهات تعمل: "سرا وجهرا لأهداف الاستعمار التي يرمى من ورائها إلى إيقاف الوعي الإسلامي وصد المسلمين عن دينهم إبقاء لسَيطـرتـه ونفـوذه في بلاد المسلمـين وليتمتـع هو وجنـوده الأبـالسة في خـيرات بلاد المسلمين ويسعى في سرقة ثرواتهم والسيطرة عليهم فكريا وسياسيا واقتصاديا.

لذا أخـذ المستعمرون يبـذلـون كل الجهـود لإشـاعة الفساد في المجتمع الإسلامي العظيم وزرع الشكوك في العقول الإسلامية وقتل الطموح في نفوس المسلمين، وبث الفرقة والشقـاق في الصف الإسلامي حتى تعـاونت جميـع أجهزة الاستعمار من دعـائية وسياسية وفكرية واقتصادية لتحقيق أهداف الاستعمار"[41].

وقـد شارك اليهـود الاستعمار الصليبي في تصدير الأفكار والمذاهب المنحرفة إلى بلاد المسلمين.. بل لعـل اليهود أكـثر حماسا وحقدا على الإسلام، والتاريخ يؤكـد هذه الحقيقة حيث كان اليهود هم أول من وقف في وجه الإسلام وحاولوا القضاء عليه ولكن الله عز وجل رد كيدهم في نحورهم وحفظ دينه وأعلا كلمته.

فعبد الله بن سبأ (يهودي) أظهر الإسلام لإفساد الإسلام، ودعاة الإلحاد وزعماؤه اليوم (يهود) أرادوا إفساد العالم:

كارل ماركس الشيوعي (يهودي)[42]

وفرويد (يهودي)[43]