طباعة

 توثيق النص

 

 

 

ذَمّ الفرقة وَالاخْتِلاَف في الكتاب والسنة

للشيخ عبد الله بن محمد الغنيمان

رئيس قسم الدراسات العليا

 

 

الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، الذي أنعم على عباده المؤمنين بالهداية والاعتصام بحبله المتين, وجمعهم على الحق، ووقاهم شر التشاحن، وذل التخاذل، ومنَّ عليهم بالإخاء والألفة، وجنبهم الاختلاف والفرقة.

أحمده أن هدانا لمعرفة الحق، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له. وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله لبيان سبيله الموصلة إليه، والتحذير من سلوك سبل الضلال، فجمع به القلوب بعد الفرقة، وأعز به بعد الذلة صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليما كثيرا.

وبعـد فإنـه لا يستقيم للناس حال في دنياهم، ومـآلهم إلا بالاتفاق والائتلاف, واجتناب التنابذ والاختلاف.

ولابد أن يكون الاجتماع والاتفاق على أمر عام، يشتركون في نفعه، ويؤملون جميعا عائدته وفضله، في عاجل أمرهم وآجاله.

ولا يحصـل الاتفاق الكـامـل، الذي تكون فيه المحبة والألفة، إلا مع اتفاق الدين والعقيـدة، فإذا كان الـدين حقـا، والعقيـدة صافية من الشوائب، وسالمة من الانحرافات, والغوائل فهناك يقوى الاتفاق ويتم, وتتأصل الرابطة، ويحصل البذل والإيثار، ولهذا أمر الله تعـالى عباده بتقـواه المستلزم لحصـول الإيمان، وفعل المأمور، واجتناب المحظور، ثم أمر بالاعتصام بحبله جميعـا ونهى عن التفـرق والاختلاف، فقال تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ، وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ، وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُون، وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ، يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ، وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُون}[1].

قال ابن جرير: "{وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا} المعنى وتعلقوا بأسباب الله جميعا، يريد بذلك أن تمسكوا بدينه الذي أمركـم به، وعهده الذي عهده إليكم، في كتابه من الألفة والاجتماع على كلمة الحق، والتسليم لأمر الله".

والاعتصام: هو الامتناع بالشيء والاحتماء به، والعصم: هو المنع، فكل مانع شيئا فهو عاصمه، والممتنع به معتصم به، ومن ذلك قول الفرزدق:

أنـا ابـن العاصمين بــني

                      تمـيم إذا ما أعظم الحُـدْثـان نابـا

والحبل: هو السبب الذي يُوصل إلى المراد، ولذلك سمي الأمان حبلا، لأنه يوصل إلى زوال الخوف، والنجاة من الفزع والذعر، ومنه قول أعشى بني ثعلبه:

وإذا تُجوِّزها حبـال قبـيـلة

أخذت من الأخرى إلـيك حبـالها

ومن ذلك قول الله تعالى: {إِلا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ}[2].

وقد فسر حبل الله بأنه الاجتماع على الحق.

وفسر بأنه القرآن وعهد الله الذي عهده إلى عباده فيه.

وفسر بأنه التوحيد وإخلاص العمل لله تعالى.

روى ابن جرير بسنده إلى ابن مسعود، قال: "حبل الله الجـماعة"[3].

وروى عن قتادة قال: "حبل الله المتين الذي أمر أن يعتصم به: هذا القرآن".

وكذا قال مجاهد والضحاك وعطاء.

ورُوي عن ابن مسعـود، قال: "إن الصـراط محتضـر، تحضـره الشيـاطين، ينادون: يا عبد الله هلم هذا الطريق، ليصدّوا عن سبيل الله، فاعتصموا بحبل الله فإن حبل الله هو كتابه"[4].

وقال مجاهد: "حبل الله عهده وأمره".

وفي مسند الإمام أحمد والترمذي قال: "حسن غريب" عن أبى سعيد قال: "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كتاب الله هو حبل الله الممدود من السماء إلى الأرض"[5].

وروى ابن جرير عن أبى العالية: قوله تعالى: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً} قال: "الإخلاص لله وحده"[6].

وهذه الأقوال كلها حق، وليس فيها اختلاف، فحبل الله هو كتابه، ودينه وأمره الذي أمر به عباده، وعهد إليهم به، وهو الذي أمر بالاجتماع عليه، ونهى عن التفرق فيه.

والمقصـود من ذلـك كله أن يوحـدوا الله تعالى بالطاعة والعبادة، ويخلصوا له العمل، والاعتصـام بحبـل الله يتضمن الاجتماع على الحق، والتعـاون على البر والتقوى والتناصر على أعداء الله وأعداء المسلمين، والأمر بالمعروف، والنهى عن المنكر ولذلك بعد أن أمر الله تعالى بالاعتصام بحبله، وهو الاجتماع على دينه والاحتماء به، أكد ذلك بالنهي عن الفرقة، فقال تعـالى: {وَلا تَفَرَّقُوا} قال ابن جرير: "يعني ألا تفرقوا عن دين الله وعهده إليكم في كتابه، من الائتلاف والاجتماع على طاعة الله، وطاعة رسوله  - صلى الله عليه وسلم - والانتهاء إلى أمره"، ثم روى عن قتادة، قال: إن الله تعـالى كره لكم الفرقـة، وقـدم إليكم فيهـا، وحذركموها، ونهاكم عنها ورضي لكم السمـع والطاعة والألفة والجـماعة, فارضوا لأنفسكم ما رضي الله لكم إن استطعتم، ولا قوة إلا بالله.

وروى عن ابن مسعـود قال: "يا أيها الناس عليكم بالطاعة والجـماعة، فإنها حبل الله الذي أمر به، وإن ما تكرهون في الجـماعة والطاعة هو خير مما تحبون في الفرقة"[7].

ومن الأمـور المسلَّم بها أنـه لابـد للناس من أمر يجتمعون عليه، يحكم بين المختلفين ويفصل بين المتنازعين إذ الاختلاف من طبيعتهم، ولابد له ممن يلزم من يأبى ذلك، وينفذ الأحكـام، حتى يأمن الناس على أنفسهم، وأموالهم، ويكـون اتجاههم موحدا، كـما قال حسان بن ثابت رضي الله عنه:

وما الدين إلا أن تقام شريعة

وتأمن سبل بيننا وشعاب[8]

ولهذا اتفقت المجتمعات على اختلاف أديانها، ووجهاتها على وضع قانون يرجعون إليه عند الاختلاف، ويحكـمونه عند المنازعات، فهو من الضروريات التي لا تصلح دنياهم إلا به.

ومعلوم أن الإنسـان ظلوم جهـول، فلابـد أن يقع في الجهل والظلم في وضع القانون وغيره، ولذلك أنزل الله تعالى الشرائع من عنده، لتحكم بين العباد بالعدل وأوجب تعالى على عباده الرجوع إلى شرعه، عند الاختلاف، ليحكـم بينهم فيما اختلفوا فيه، وجعل ذلك شرطـا في حصـول الإيـمان، فقال تعالى: {فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً}[9].

ثم لابـد للمجتمـع من رئيس مطـاع ذي قوة وسلطـان حتى يقـوم بتنفيـذ شرع الله تعالى على من يَلْزَمُهُ الحكم ويأباه أو يجهله وأمر الله تعالى عباده أن يكونوا عونا له على ذلـك؛ لأن هذا هو الذي تحصـل به مصالح الدنيا والآخرة وبدونه يعم الفساد والفوضى والظلم فلابـد من إلزام الخلق بالحق ومنعهم من الظلم والتعـدي في الـدمـاء والأموال والأعراض وقطـع السبل، وإلا فسـدت الأمور وانتهكت الأعراض ونهبت الأموال وسفكت الدماء.

ولابـد من العـدل في ذلك، وهو الميزان الذي أنزله الله على رسله، قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ}[10] وقـال تعـالى: {وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ}[11] وقال تعالى: {وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى}[12] وقد جاء عن رسول الله - صلى الله عليه سلم - أنـه قال: "لا تزال هذه الأمـة بخـير ما إذا قالت صدقَت، وإذا حكـمت عدلت وإذا استرحمت رحمت"[13] ومفهوم ذلك أنها إذا لم تكن كذلك فهي في شر. قال الحسن: "إن الله أخـذ على الحكـام ثلاثـا، أن لا يتبعـوا الهوى، وأن يخشوه ولا يخشوا الناس، وأن لا يشتروا بآياته ثمنـا قليـلا" قال تعـالى: {يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ}[14] وقـال تعـالى: {فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ}[15].

والمقصـود أن الله تعـالى أوجب على المسلمين أن يجتمعـوا على دين الحق الـذي هو الإسـلام وأن يعتصمـوا بكتـاب الله تعـالى، وأن تكـون وحدتهم عليه، فعليه يجتمعون وبه يتحـدون، لا بالقـوميـات والجنسيـات، ولا بالمـذاهب والأوضاع السياسية التي اخترعوها بأفكارهم القاصرة.

ونهـاهم تعـالى عن التفرق والانقسام، بعد الاجتماع والاعتصام بكتاب الله تعالى في التفرق من زوال الوحدة التي هي معقد العز والقوَة فبالاجتماع تقوى الأمة، وبالقوة يعتز الحق فيعلو على البـاطـل، ويحفـظ من هجـمات المواثبين، ويحمى من كيد الكائدين، قال تعـالى: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ}[16] فالإسلام هو سبيله، والعصبيات والقوميات هي السبيل المشتتة التي تؤدي إلى الضعف والهلاك.

والإسلام يأمر بالوفاق، والاتفاق، بين كل من تحكـمهم شريعته، وأن يعتصموا بحبل الله جميعا، وقد بددت العصبيات القبلية العرب قبل الإسلام، فلم يكن لهم شريعة تجمعهم ولا نظام يحكمهم، وحيفي لجئوا إلى الإسلام نالوا به العزة والسيادة، والسعادة ولما سرى سمَّ العصبيات المـوبوءة التي نقلهـا متفرنجة المسلمين إليهم، يخادعون بذلك قومهم موهمين، بأنهم يريـدون النهوض بأوطـانهم، وإعلاء شأنهم، أصبح الأمر معكوسا فلم يجنوا من ذلك سوى الضعف والتفكك، والتفرق الذي مهد السبيل أمام أعدائهم للاستيلاء على خيرات بلادهم، وعلى أفكـارهم، وفي النهاية أصبح أعداؤهم يتحكمون فيهم، وان أوهموهم بأن الأمر بأيديهم.

فالإسـلام وحـده هو الأسـاس الذي ينبع منه إيجاد المجتمع المتكامل، المتساند الذي يعمل من أجـل خير الجميـع، لأن الإسـلام يعتبر الفرد هو النواة للجـماعة، ولا يعترف بالجماعة إلا إذا كانت لا تعمل على ضمان صالح الفرد.

ومن المتيقن أن المسلمين لن تقوم لهم دولة عزيزة قوية إلا إذا اجتمعوا على ما اجتمع عليه أوائلهم وأسلافهم، الذين فتحوا البلاد بعدل الإسلام وعزته، وفتحوا القلوب لعبادة الله وحده لا شريك له، وبذلك صاروا هم القادة.

ولتكن دويلة اليهـود في فلسطـين معتـبرا لمن يعقل ويعتبر، كيف أصبحت تتحداهم وتهـددهم، ولا يستطيعـون الإمتناع منها، وليس لذلك سبب سوى انصراف المسلمين عن د ينهم الذي هو مصدر عزهم وقوتهم.

فبالإسلام وحـده استطاع أجدادنا لما كان إمامهم رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وقائدهم القرآن أن يكونوا أكبر دولة وأعظمها، لا تستطيع القوى المادية مجتمعة إيجاد مثلها.

وقـد علم لكـل من يقرأ التاريخ أن المسلمين كلما حادوا عن دينهم، حاق بهم ما وقع بهم في الأنـدلس، وغـيره، أن ما وقـع للمسلمين قديـما وحـديثا كله بسبب انصرافهم عن دينهم، فيجب أن يكـون ذلـك لهم عبرة، فقـد أبيدت أمم من المسلمين وسلبت بلادهم، وسبيت نسـاؤهم وأولادهم، وارتـد من بقي منهم في تلك البلاد عن الإسلام كـما حصل في الأنـدلس، بسبب التفكـك والاختلاف الذي نهاهم عنه دينهم وحذرهم الله منه على لسان رسوله- صلى الله عليه وسلم -، كما في حديث ثوبان "وأني سألت ربي أن لا يهلك أمتي بسنة عامة، وأن لا يسـلط عليـهم عدوا من سوى أنفسهم فيستبيـح بيضتهم وإن ربي قال: "يا محمـد إني إذا قضيت قضاء فإنـه لا يرد، وإني أعطيتـك لأمتـك أن لا أهلكهم بسنـة عامة، وأن لا أسلط عليهم عدوا من سوى أنفسهم فيستبيـح بيضتهم ولو اجتمع عليهم من في أقطـارهـا حتى يكون بعضهم يهلك بعضا"[17].

ولما كانوا مجتمعين، تسودهم روح الإسلام، ويلتزمون أحكامه، لم يكن العدو يطمع بهم وليس له فيهم منفذ، حتى صاروا هم يدمرون أنفسهم وبلادهم، بتفرقهم، واختلافهم.

وقد اتفق أهل النظر وعلماء التاريخ والاجتماع من المسلمين وغيرهم من الأمم المختلفة أن العـرب ما قامـوا ببناء حضارتهم، ومدنيتهم الواسعة الأرجاء إلا بتأثير الإسلام، في جمع كلمتهم، وإصلاح شئونهم النفسية، والعلمية، والخلقية.

ولهذا لما رأى الكفار قوة المسلمين، ووحدة صفهم على عدوهم، عملوا على تمزيق هذه الـوحـدة، بوسـائـل متعـددة، منها تقسيم بلادهم إلى دويلات متعددة، وجعلوا لكل دويلة حدودا، ونظـامـا، وأمورا قد يحصـل بسببها القتال بينها وبن جارتها وبذلك أمكنهم السيطرة على المسلمين، من نواحي متعددة.

ومعرفـة الجـماعـة وأهميتهـا في الـدين، وكذلك معرفة حكم الفرقة وعظيم ضررها مما ينبغي الاعتناء به، وكـذلـك معـرفـة منشأ الفرقـة وأسبابها، فإن بالفرقة يحصل التلاعن والتبـاغض والتقاطـع، ثم القتـال، وهذا أصل محرم في الشرائع كلها التي أنزلها الله على رسله، وإنما ترتكب بظلم الناس وجهلهم.

وكذلك تمييز السنة من البدعة مما يجب الاعتناء به، إذ السنة ما أمر الله به والبدعة ما لم يشرعه الله من الدين.

وقـد كثر اضطراب الناس في ذلـك قديـما وحديثا، وحصل بسبب ذلك من التفرق والتبـاعـد والتبـاغض شر عظيم، وضعف كبير، وتبـاعـد شاسـع، إذ كل فريق يزعم أنـه المهتدي، والسنـة معـه، والفريق المخالف له ضال أو ربما كافر، فينشأ عن ذلك من التفرق والشرور ما الله به عليم.

وقـد ذم الله تعـالى الاختلاف ونهى عند أشد النهي، قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ}[18].

وقـال تعـالى: {كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ}[19]

فأخبر تعالى عن اتفاق الناس في الأصل، وأنهم كانوا جماعة متحدة، ثم اختلفوا.

وهـذا الاختلاف في الـدين، هو الاختلاف الذي يكـون به تضليل بعضهم بعضا ومعاداة بعضهم لبعض، ثم بعد ذلك يكون القتال وشدة التفرق.

وقـد بعث الله تعـالى إلى العبـاد النبيين مبشرين من أطاعهم واجتمع على الهدى الذي جاءوا به، بالسعـادة والسيادة، ومنذرين من عصاهم, بالعذاب في الآخرة والعقوبة في الدنيا، بما ينغص عليهم حياتهم، أو يهلكهم بعذاب متصل بعذاب الآخرة.

ولمـا كان عقـل الإنسـان وفكره قاصرا عن الوصول إلى كل ما فيه مصلحته، وهدايته من العدل في حقه وحق غيره، ولتفاوت عقول الناس، وإدراكا تهم، فلابد من اختلافهم، مع ما فيهم من النقص، لذلـك أنزل الله الكتـاب ليحكـم بينهم فيـما اختلفوا فيه من العلم والاعتقاد، والعمل والحكم.

لأن الاختلاف إما أن يكون في الأقوال، كاختلاف الفقهاء الذين يتكلمون في مسائل العلم، ولا يدعـون إلى أقـوال مبتـدعة فهؤلاء أهل اجتهاد، إذا أخطأوا فخطأهم مغفور، وهم مثابون على اجتهادهم.

وإما أن يكون الاختلاف في القول والعمل، غير أن الأقوال مبنية على تأويل فاسد، إتبـاعـا للهوى، ويـدعون إليهـا، ويحـاربـون عليها، ويوالون ويعادون فيها كفعل الخوارج، والـروافـض، والمعتـزلة، ونحوهم، ويدخل في ذلك من يقاتل لأجل الملك والدنيا والرئاسة، فهؤلاء ما بين معتـد ظالم أو مفرط ضال أو عابـد لهواه وشهـوته، فهؤلاء هم أهل الضلال، والخذلان، وهم الذين توجه إليهم الذم في الكتاب والسنة.

وأول هؤلاء هلاكـا هم الخـوارج المارقـون عن الحق، حيث حكمـوا لنفوسهم بأنهم المتمسكون بكتاب الله وسنة رسوله-صلى الله عليه وسلم - وأن علي بن أبي طالب، ومعاوية وعسكريهما هم أهل المعصية، والبدعة، فاستحلوا ما استحلوا من دماء المسلمين بسبب ذلك.

وفى صحيح مسلم، عن أبي هريرة، عن النبي- صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "وإن الله يرضى لكم ثلاثـا، ويكـره لكم ثلاثـا، يرضى لكم أن تعبدوه، ولا تشركوا به شيئا، وأن تعتصموا بحبل الله جميعـا، ولا تفـرقـوا، وأن تناصحـوا من ولاه الله أمركم[20]، ويكره لكم قيل وقال وكثرة السؤال وإضاعة المال"[21]

وروى ابن أبي شيبة، عن حذيفة قال: "من فارق الجـماعة شبرا، فارق ا لإسلام"[22].

وروى عن علي قال: "الأئمة من قريش، ومن فارق الجـماعـة شبرا، فقد نزع ربقة الإسلام من عنقه "[23]. والمقصود بالجـماعة أهل الحق الذين اجتمعوا عليه، ولم يخالفوا ما جاء به رسول الله- صلى الله عليه و سلم- بحسب الاستطاعة.

وهـذه النصـوص وأمثالها تدل على وجوب جمع كلمة المسلمين واجتناب كل ما يكون سببا للخلاف، حتى مسائل العلم الاجتهادية التي ينشأ عنها تفرق ومعاداة.

فإنـه قد يكـون في مسـائل الاختلاف اعتقاد وجوب بغض المخالف في تلك المسألة أو تفسيقه، أو لعنه وتكفيره، أو قتاله، ويكون ذلك في حق المبغض المفسق أو المكفر المقاتل بلاء ومحنة وفتنة، كـما هو حال البغاة المتأولين، مع أهل الحق والعدل من أهل الأمر والنهى أو أهل العلم والعمل، يعني الأمراء والعلماء والعباد.

ولكن الاجتهاد السـائـغ لا يبلغ له مبلغ الفتنة والفرقة، إلا مع البغي والعدوان، ولهذا قال تعـالى: {وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ}[24]. وذكر هذا تعالى في آيات أخر، كقوله تعالى: {وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ}[25]. وقولـه تعالى: {فَمَا اخْتَلَفُوا إِلا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ}[26]. فبين تعالى أن الاختلاف الموجب للفتنة والفرقة إنما هو بغي، وعدوان، فلا تكون فتنة وفرقة مع الاختلاف السائغ في الشرع.

ولهذا نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن القتال في الفتنة، وصار هذا من أصول أهل السنة التي تذكر في العقائد لأهميته.

وان كان بعض العلماء يرى إذا كانت إحـدى الطـائفتين لديهـا العلم التام بأحكـام الشـرع، والأخرى باغيـة أنـه يجب القتـال مع الطائفة العادلة العالمة وحكموا بأن الأصوب القتال مع علي بن أبي طالب في قتال الفتنة، وأن ذلك أولى من اعتزال القتال.

ولكن النصـوص الكثـيرة دلت على أن الصـواب اعتزال القتال، كـما فعله أكثر الصحابة، كقوله - صلى الله عليه وسلم - فيما رواه ابن أبي شيبة عن محمد بن مسلمة قال: أعطاني رسول الله –صلى الله عليه سلم - سيفا فقال: "قاتل به المشركـين، فإذا رأيت الناس يضرب بعضهم بعضا، فأعمد به إلى صخرة فأضربه بها حتى ينكسر، ثم أقعد في بيتك حتى تأتيك يد خاطئة أو منية قاضية".

وكـما في سنن أبي داود والترمذي عن أبي موسى الأشعـري، أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال: في الفتنة: "كسروا فيها قِسيكم، وقطعوا أوتاركم، والزموا فيها أجواف بيوتكم، وكونوا كابن آدم".

وفي الصحيحين عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "ستكون فتن القاعد فيها خـير من القائم، والقائم فيها خير من المـاشي، والماشي فيها خير من الساعي، من تشرف لها تستشرفه، ومن وجد ملجأ أو معاذا فليعذ به".

وفي صحيح مسلم عن أبي بكرة قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: "أنها ستكون فتنة، ألا ثم تكـون فتن القـاعـد فيهـا خير من الماشي، والماشي خير من الساعي إليها، فإذا وقعت، فمن كان له إبـل فليـلحـق بإبـله، ومن كان له غنم فليلحق بغنمـه، ومن كانت له أرض فليلحق بأرضـه، فقال رجـل: يا رسول الله، أرأيت من لم تكن له إبل ولا غنم، ولا أرض؟ قال: يعمد إلى سيفه فيدق على حده بحجر، ثم لينج إن استطاع النجاة، اللهم هل بلغت اللهم هل بلغت اللهم هل بلغت, فقـال رجـل: يا رسـول الله، أرأيت إن أكرهت حتى ينطلق بي إلى أحد الصفين أو إحـدى الطائفتـين، فضـربني رجل بسيفه، أو يجيء سهم فيقتلني؟ قال: يبوء بإثمه وإثمك ويكون من أصحاب النار".

وفي الصحيحين من حديث أبي بكرة أنه سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "إذا تواجه المسلمان بسيفيهـما فالقاتـل والمقتول في النار، فقيل: يا رسول الله هذا القاتل، فما بال المقتول؟ قال: إنه أراد قتل أخيه".

وفيهـما عن أبي سعيد أن رسـول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "يوشك أن يكون  خير مال المسلم غنم يتبع بها شعف الجبال ومواقع القطر، يفر بدينه من الفتن ".

والأحـاديث عن رسـول الله - صلى الله عليه وسلم - بالأمر بالكف عن القتال في الفتن، واعتزال المقـاتلين كثيرة جدا، وواضحـة جلية، وهي من الأمـور المـانعـة من التفرق، لأن هذا هو العـلاج في مثـل تلك الحـال، فإذا لم تمنـع بالكليـة فبها العمل على تقليلها، ولو باعتزال أصحابها ومن الأصول المتفق عليها عند أهل السنة، ودلت عليه النصوص الكثيرة، أنه إذا كان للنـاس إمـام جائـر ظالم، فإن الناس يؤمرون بالصبر على جوره وظلمـه، وبغيه ولا يقاتلونه وأن مجرد وجود البغي من إمام، أو من طائفة لا يبيح قتالهم.

فدفع البغي لم يأذن الشرع به مطلقا بالقتال، بل إذا كان فيه فتنة، ويترتب عليه ضرر أعظم منه وجب الكف عنه، وأمر بالصبر والاحتمال؛ لأن الشريعة مبناها على دفع أعظم المفسدتين بالتزام أقلهما ضررا إذا لم يمكن دفع الفساد مطلقا.

والنبي- صلى الله عليه وسلم - إذا وصف طائفة بأنها باغية ليس معنى ذلك أنه أمر بقتالها بل ولا مبيحاً له، سواء كان بغيها بتأويل أو بغير تأويل.

وكل ما أوجب فتنة أو فرقة بين المؤمنين فليس هو من الدين، سواء كان قولا أو فعلا. والفتنة والفرقة لا تقعان إلا مِن تَرْك ما أمر الله به، والله تعالى أمر بالحق والعدل وأمر بالصبر، والفتنة تكون من ترك الحق أومن ترك الصبر.

فالمظلوم إذا كان على حق فإنه يؤمر باحتمال الأذى والصبر على البلوى، فإذا ترك الصبر فإنه يكون تاركا لما أمر الله به.

وإن كان المظلوم مجتهـدا في معرفـة الحق ولم يصبـه، ثم لم يصبر على البلوى، كان مقصـرا في معـرفـة الحق وآثـما بترك الصـبر، ولكن قد يؤجر على اجتهاده ويعفى له عن تقصيره، وأما ترك الصبر فعليه إثم ذلك.

وأما إذا كان غير مجتهـد في معـرفـة الحق ولم يصبر، فإنه يجتمع عليه ثلاثة ذنوب، الأول لتركـه الاجتهاد في طلب الحق والثاني لتركـه الصـبر على البلوى والثالث لعدم إصابته الحق ووقوعه في الخطأ.

والمقصـود أنـه لا يحل دفـع الأذى الذي يكون في دفعه فتنة بين الأمة، أو ينتج عنه شر عظيم أو أعظم من الأذى المطلوب دفعه، أو يكون في دفعه ظلم وعدوان، بل المتعين حينئذ الصـبر والاحتمال وضبـط النفس، فإن ذلـك في حق المظلوم ابتلاء وامتحان، وإذا صبر واحتسب كانت العاقبة له، وقد قال الله تعالى: {وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيراً} أي يبتلى بعضكم ببعض لينظر من يصبر فيستحق الجزاء الأوفى، في الدنيا والآخرة.

وأخـبر تعـالى عن رسله أنهم قالوا لقـومهم: {وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ} وقال تعالى: {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآياتِنَا يُوقِنُونَ} فجعلهم أئمة بالصبر واليقين، فبذلك تُنال الإمامة في الدين.

والخطأ يحصل في هذا إمـا بسبب جزع المظلوم أو بسبب قلة صبره أو ضعف رأيـه فإنـه قد يظن أن القتـال أو نحـوه في الفتنـة يدفع الظلم عنه ولا يدري أنه يضاعفه ويزيد الشر كما هو الواقع.

والمظلوم وإن كان مأذونا له في دفع الظلم عنه، كـما في قوله تعالى: {وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ}  فذلك مقيد بشرطين .

أحدهما القدرة على ذلك؛ فإنه إذا كان غير قادر زاد ظلمه.

والثـاني أن لا يتعـدى، كـما قال الله تعـالى: {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ، وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلا بِاللَّهِ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ} فأخبر تعالى أن الانتصار جائز لمن يقدر عليه ولا يعتدي وأن الصبر أفضل، فإذا لم يتوافر الشرطان لم يجز.

وهذا كله إذا لم يكن الباغي الظالم هو الإمام الذي له قوة وأتباع، فإذا كان هو لم يجز الانتصار والانتقام، لما يـترتب على ذلـك من الشـر العريض والفتنة التي فيها من الضرر والفساد أضعاف ما في الانتصار من المصلحة ودفع الظلم.

ولهذا جاء ت النصوص عن النبي- صلى الله عليه وسلم- في النهي عن قتال الأئِمة الجائرين الظالمين.

ففي صحيح مسلم والترمذي أن سلمة بن يزيد الجعفي سأل رسول الله- صلى الله عليه وسلم - قال: "يا نبي الله أرأيت إن قامت علينا أمراء يسألون حقهم ويمنعوننا حقنا فما تأمرنا، فأعرض عنه مرارا- وهو يعيد السؤال - ثم قال: اسمعوا وأطيعوا، فإنما عليهم ما حملوا وعليكم ما حملتم".

وفي الصحيحين عن ابن مسعود، قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم -: "إنها ستكون أثرة وأمـور تنكـرونها، قالوا: يا رسول الله كيف تأمر من أدرك ذلك منا؟ قال: تؤدون الحق الذي عليكم، وتسألون الله الذي لكم".

وفيهـما أيضـا عن ابن عمر، أن رسـول الله-صلى الله عليه وسلم - قال: "وعلى المرء المسلم السمع والطاعة فيما أحب أو كره، إلا أن يؤمر بمعصية فإن أمر بمعصية، فلا سمع ولا طاعة". وفي صحيـح مسلم والنسائي عن أبى هريرة، قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم -: "عليك السمع والطاعة، في عُسرك ويُسرك، ومَنشطك ومَكرهك، وأثرة عليك".

وفي الصحيحين، عن ابن عباس أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم - قال: "من كره من أميره شيئا فليصبر، فإنه من خرج من السلطان شبرا مات ميتة جاهلية".

وهـذا كله محافظـة على الاجتماع وخـوفـا من التفرق الذي يضعف الأمـة أمام هجمات الأعداء ومحافظة على دمَاء المسلمين وأعراضهم وأموالهم؛ لما يحصل في الخروج على الإمـام من الفتن وسفـك الـدمـاء وذهـاب الأموال وهتك الأعراض؛ كـما جرب النـاس ذلـك وعـانوا منه العنت والشر الكثير، والشرع جاء باحتمال أقل الأمرين ضررا؛ لدفـع ما هو أعظم؛ ولهذا جاءت النصـوص عن رسول الله- صلى الله عليه وسلم - بالأمر بقتـل من خرج بطلب السلطة، والمسلمون لهم سلطان قائم لما في ذلك من الفتن والتفرق، كـما في صحيح مسلم عن عوف بن عرفجـة قال: سمعت رسـول الله- صلى الله عليه وسلم - يقـول: "ستكـون هنات وهنات فمن أراد أن يفرق أمر هذه الأمة وهي جميع فاضربوه بالسيف كائنا من كان". وفي النسائي، عن أسامـة بن شريـك، قال: قال رسـول الله- صلى الله عليه وسلم -: "أيـما رجـل خرج، يفرق بين أمتي فاضربوا عنقه".

وفي صحيح مسلم والنسائي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم -: "من خرج من الطـاعـة وفـارق الجـماعـة، فـمات مات ميتة جاهلية، ومن قتل تحت راية عُمِّيّة يغضب لعصبيـة أو يدعو إلى عصبيـة فقُتـل فقِتلةً جاهليـة، ومن خرج على أمتي يضرب برها وفاجرها لا يتحاشى من مؤمنها ولا يفي بعهد ذي عهدها فليس مني ولست منه".

 فحـذر- صلى الله عليه وسلم - مما يفرق ويـوهن الجماعة وأمر بقتل من يريد أخذ السلطة ممن هي بيده واجتمع عليه المسلمون سواء كان برا أو فاجرا وأخبر أن من قتل تحت راية عُمِّيّة أن قتلته جاهلية ومن قاتل لعصبية أنه كذلك وتبرأ ممن يفرق بين أمته.

وأمـا قولـه تعـالى: {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} فليس فيـه الأمر بالقتال ابتداءً ولكن إذا حصل القتال بين طائفتين من المؤمنين يجب الإصلاح بينهما بدون قتال ما أمكن ذلك امتثالا لأمر الله تعـالى، ويكـون الإصلاح بالعدل والإنصاف وقد تكون إحدى الطائفتين أقرب إلى الحق، فتعـان على الحق ويحـال بين الأخرى وبين البغي والظلم، فإن أبت إحداهما قبول الصلح والحكم بينهـما بالحق، وأبت إلا البغي وركـوب العسف والتـمادي في البـاطل، فعند ذلـك تقـاتـل تلك الطائفة منعا للقتال الذي هو أعظم من قتالها لأنها إذا لم تقاتل حتى تفيء إلى أمر الله بل تركت حتى تتقاتـل هي والأخرى صار الفساد أعظم، ثم إن الذي يقاتل الطائفة الباغية غير الطائفة المبغي عليها، فهذا من نصر المظلوم ودفع الفساد العظيم بما هو أقل منه فسادا.

قال ابن جرير: "يقول جل ذكره: وإن طائفتان من أهل الإيـمان، اقتتلوا، فأصلحوا أيهـا المؤمنون بينهـما بالـدعـاء إلى حكم كتاب الله، والـرضا بما فيه لهما وعليهما وذلك هو الإصلاح بينهما بالعدل، فإن بغت إحداهما على الأخرى، يقول: فإن أبت إحدى الطائفتين الإجـابـة إلى حكم كتاب الله لها أو عليهـا، وتعدت ما جعل الله عدلا بين خلقه وأجابت الأخـرى منهـما، فقـاتلوا التي تبغي؛ أي التي تعتـدي وتأبى الإجـابة إلى حكم الله حتى تفيء إلى أمر الله، أي حتى ترجع إلى حكـم الله الذي حكـم في كتابه بين خلقه، فإن فاءت {فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ} يقول: فإن رجعت الباغية بعد قتالكم إياهم إلى الرضا بحكم الله في كتابه فأصلحوا بينها وبين الطائفة الأخرى بالعدل يعني الإنصاف بينهما وذلك حكم الله في كتابـه جعله عدلا بين خلقـه" وهـذا ليس فيه قتال الأئمة الـذين بأيـديهم السلطـة، بل هذا نوع آخـر وإنما المأمـور به في هذه الآية دفع الفتنة وتقليلها ما أمكن بالإصـلاح أو بالقتال إذا لم يمكن بدونه، فتقاتل الفئة الباغية على الأخرى، حتى تذعن لحكم الله، ويصير الدين كله لله وكلمة المسلمين مجتمعة.

والمأمور بالقتال هم المؤمنون الذين ليسوا من إحدى الطائفتين، أمر الله تعالى بأن يقاتلوا من بغى على أخيه، وتعدى بقتال، ولم يقبل الصلح بالعدل، فقتال مثل هؤلاء من باب الجهاد، ونصر المظلوم.

أما إذا وقع بغي ابتداء بغير قتال مثل أخذ المال أو رئاسة بظلم فهذا لم يأذن الله تعالى بقتـالهم على ذلـك بل أمر الرسول- صلى الله عليه وسلم - مع ذكره لظلمهم بالصبر وإعطائهم حقـوقهم وأن يطلب المظلوم حقـه من الله تعالى ولم يأذن للمظلوم المبغي عليه بقتال الباغي في مثـل هذه الصـور التي يكـون القتال فيها قتال فتنة وحذر من الخروج على الأئمة؛ وإن كانوا ظلمة وجائرين يضربون الظهور ويأخذون المال ويمنعون الحقوق؛ بل نهى عن معصيتهم حينئذ ونزع يد الطاعة منهم ما لم يأمروا بمعصية الله تعالى, فعند ذلك لا طاعة لهم ولا يسمع لقولهم وكذلك إذا ارتدوا عن الإسلام وكفروا به صراحة فلا يجوز أن يكونوا حينذاك أئمة على المسلمين، فطاعتهم مقيدة بأن لا يأمروا بمعصية الله تعـالى, فهم لا يطـاعـون في كل شيء وإنما يطـاعون إذا أمروا بطاعة الله أو بما ليس فيه معصية لله تعالى، أما إذا أمروا بمعصية الله تعالى فلا سمع لهم ولا طاعة.

وكذلك النهى عن الخروج عليهم مقيد بكونهم مسلمين مصلين، أما إذا كفروا كفراً صريحا وارتدوا ردةً واضحة جلية فلا يجوز حينئذ أن يكونوا ولاة على المسلمين وعلى هذا دلت النصوص عن رسول الله- صلى الله عليه وسلم -.

جاء في صحيح مسلم عن علي بن أبي طالب قال: "بعث رسول الله- صلى الله عليه وسلم - سرية واستعمل عليهم رجـلا من الأنصار وأمرهم أن يسمعوا له ويطيعوا، فأغضبوه في شيء فقال: أجمعوا لي حطبـا، فجمعوا له ثم قال: أوقدوا نارا، فأوقدوا ثم قال: ألم يأمركم رسول الله- صلى الله عليه وسلم - أن تسمعوا لي وتطيعوا ؟ قالوا: بلى، قال: فأدْخلوها، قال: فنظر بعضهم إلى بعض، فقالـوا: إنما فررنـا إلى رسـول الله- صلى الله عليه وسلم - من النار، فكـانوا كذلك، وسكن غضبه وطفئت النار، فلما رجعوا ذكـروا ذلك للنبي- لصلى الله عليه وسلم - فقال: "لو دخلوها ما خرجوا منها، إنما الطاعة في المعروف"[27].

وفيـه أيضا عن أم سلمـة أن النبي- صلى الله عليه وسلم - قال: "سيكون أمراء تعرفون وتنكرون فمن عرف برئ ومن أنكر سلم، ولكن من رضي وتابع قالوا: أفلا ننابذهم؟ قال: لا ما صلوا".

وفيه أيضا عن عوف بن مالـك سمعت رسـول الله- صلى الله عليه وسلم - يقـول: "خيار أئمتكم الـذيـن تحبـونهم ويحبـونكم ويصلُّون عليكم وتصلُّّون عليهم، وشـرار أئمتكم الـذين تبغضـونهم ويبغضـونكم وتلعنـونهم ويلعنونكم قال: قلنا: يا رسول الله، أفلا ننابذهم عنـد ذلـك؟ قال: لا ما أقـامـوا فيكم الصلاة، لا ما أقاموا فيكم الصلاة، لا ما أقاموا فيكم الصـلاة، إلا من ولى عليه والٍ فرآه يأتي شيئا من معصية الله، فليكره ما يأتي من معصية  ولا ينزعن يداً من طاعة".

قال النـووي: "أجمـع العلماء على وجـوب طاعة ولاة الأمور من غير معصية وعلى تحريمها في المعصيـة، نقـل الإجماع القاضي عياض وآخرون" قال: "وتجب طاعتهم فيما يشق على النفـوس وما تكـرهـه وغيره فيما ليس بمعصية، فإن كانت لمعصية فلا سمع ولا طاعة، كـما صرح به في الأحاديث، فتحمل الأحاديث التي فيها إطلاق السمع والطاعة على المقيدة، وفي حديث عبادة قال: "بايعنا رسول الله- صلى الله عليه و سلم - فكان فيما أخذ علينا أن بايعنا على السمع والطاعة، في منشطنا ومكرهنا وعسرنا ويسرنا وأثرة علينا، وأن لا ننازع الأمر أهله، قال: إلا أن ترون كفرا بواحا عندكم من الله فيه برهان".

ونقل النـووي عن عياض أنـه قال: "أجمع العلماء على أن الإمامة لا تنعقد لكافر وعلى أنـه لو طرأ عليـه الكفر انعزل "إ.هـ يعني انعزل حكما، لأنه لا يجوز أن يتولى الكافر على المسلمـين، فولي الأمور هو الذي يقيم الحـدود ويقـود المسلمين في جهاد أعدائهم ويذود عن بلادهم، فإذا لم يكن على دينهم لا يتوقع منه فعل ذلك.

والمقصود أن النبي- صلى الله عليه وسلم - حذر من الخروج عن الطاعة ومفارقة الجماعة وذم ذلك وجعله من أمـر الجـاهليـة، لأن أهـل الجاهلية لم يكن لهم رئيس يجمعهم وشأنهم التفرق والاختلاف، ويرون السمع والطاعة مهانة وذِلَّة والخروج عن الطاعة وعدم الانقياد عندهم فضيلة يمتدحون بها.

فجـاء الإسـلام مخالفا لهم في ذلك آمرا بالصبر على جور الولاة والسمع والطاعة لهم في غير معصيـة والنصـح لهم، وبـالـغ صلوات الله وسلامه عليه في ذلك حتى قال فيما أوصى به في حجة الوداع: "اسمعوا وأطيعوا لمن ولاه الله أمركـم، وإن كان عبدا حبشيا مُجْدِع ا لأطراف ".

مع أنـه- صلى الله عليه وسلم - كان دائـما يأمر بإقـامة رئيس حتى في الجـماعة القليلة والمدة القصيرة ويحث على طاعتـه، كـما أمر المسافرين إذا كانوا ثلاثة أن يؤمروا أحدهم، مبالغة في طلب الاجتماع وحرصا على عدم الفرقة ومخالفة لأمر الجاهلية وتقدم الحديث الذي في صحيح مسلم: "إن الله يرضى لكم ثلاثا، ويكره لكم ثلاثا، فيرضى لكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا، وأن تعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا، ويكره لكم قيل، وقال :وكثرة السؤال وإضاعة المال " وهذه أصول الإسلام فإنه بني على عبادة الله وحده، والجن والإنس خلقوا لذلك.

ولهذا صار من أصول أهل السنة صلاة الجمع وغيرها خلف البر والفاجر، ويرون أن ترك الصـلاة خلفهم من سنـة المبتدعين، وإذا كان الإمام مستورا فإنه يصلى خلفه بالاتفاق من أئمة المسلمين، ومن زعم أنهـا غير جائزة فقد خالف الإجماع من أهل السنة وقد كان الصحابة يصلون خلف الفسقة والظلمة بل ومن كان متهما بالإلحاد كابن أبي عبيد وكان داعيا إلى الضلال، ولم يكونوا يعيدون الصلاة وقد أنكر الإمام أحمد على من يعيدها إنكارا شديدا وعد ذلك من البدع.

والاعتصـام بحبل الله يتضمن الاجتماع على الحق والتعـاون على الـبر والتقوى والتناصر على أعداء الله وأعداء المسلمين والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأكـد ذلك بقوله: {وَلا تَفَرَّقُوا}.

وفى الحديث الذي أخرجه الترمذي وصححه، قوله- صلى الله عليه وسلم -: "وأنا آمركم بخمس أمرني الله بهن، السمع والطاعة والجهاد والهجرة والجماعة، فإن من فارق الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه".

وفى خطبة عمر رضي الله عنه المشهورة التي ألقاها في الجابية، قوله: "عليكم بالجماعة وإيـاكم والفـرقة، فإن الشيطان مع الواحد وهو من الاثنين أبعد" وفيها: "من أراد بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة".

والمراد بالجماعة أهل الحل والعقد من كل عصر.

وقال البخاري: "الجـماعة هم أهل العلم"، وهذا لا يخالف قول الجمهور من العلماء لأن أهل العلم، يقولون بمقتضى أحاديث رسول الله- صلى الله عليه وسلم - التي تنص على وجوب طاعة الأمـراء الـذين يتـولون أمور المسلمين، وإن كانوا فجرة ماداموا على الإسلام لم يخرجوا إلى الكفـر الصريـح كـما في صحيـح مسلم من غير وجـه أن رسـول الله- صلى الله عليه وسلم - قال : "من أطاعني فقـد أطـاع الله، ومن يعصني فقـد عصى الله، ومن يطـع الأمير فقد أطاعني، ومن يعـص الأمير فقد عصاني".

وفيـه عن ابن عبـاس، قال: "نزل قول الله تعـالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ} في الإسراء.

وفي صحيـح مسلم عن حذيفـة، قال: "قلت يا رسـول الله، إنـا كنـا في جاهلية وشر فجَاءنا الله بهذا الخير، فهل بعد هذا الخير من شر؟ قال: نعم. قلت: فهل بعد ذلك الشر من خير؟ قال نعم وفيـه دخن, قلت: ومـا دخنـه؟ قال: قوم يستنون بغير سنتي ويهتدون بغير هدي تعرف منهم وتنكر, قلت: فهل بعد ذلك الخير من شر؟ قال: نعم دعاة على أبـواب جهنم من أجـابهم إليهـا قذفوه فيها فقلت: صفهم لنـا؟ قال: نعم، قوم من جلدتنا، ويتكلمون بألسنتنا, قلت: يا رسول الله فـما ترى إن أدركني ذلك؟ قال: تلزم جماعة المسلمـين وإمـامهم, قلت: فإن لم يكن لهم جماعـة ولا إمـام؟ قال: فأعتزل تلك الفـرق كلها ولو أن تعض على شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك".

وفي لفـظ آخـر: "قلت: وهـل وراء ذلـك الخير شر؟ قال: نعم. قلت: كيف؟ قالت: يكـون بعـدي أئمة لا يهتدون بهدي ولا يستنون بسنتي، وسيقوم فيهم رجال قلوبهم قلوب الشيـاطـين في جثـمان الإنس. قال: قلت: كيف أصنع يا رسول الله إن أدركت ذلك؟ قال: تسمع وتطيع للأمير، وإن ضرب ظهرك، وأخذ مالك فأسمع وأطع".

وفي رواية قال عن الخـير الثاني: "صلح على دخن وجماعة على أقذاء فيها وقلوب لا ترجع إلى ما كانت عليه".

فالخير الأول: النبوة وما اتصل بها من خلافة ليس فيها فتنة، والشر هو ما حصل من الفتنـة بسبب مقتـل الخليفـة الثـالث عثـمان رضي الله عنه وتفرق الناس حتى صار حالهم شبيهـا بحـال الجـاهليـة يقتل بعضهم بعضا، ولهذا قال الزهري: "وقعت الفتنة وأصحاب رسول الله- صلى الله عليه وسلم - متوافرون فأجمعوا على أن كل دم أو مال أو فرج أصيب بتأويل القرآن فهو هدر، أنـزلـوهم منـزلة الجاهلية" فيبين أنهم جعلوا ذلك غير مضمون كـما أن ما يصيبه أهل الجاهلية بعضهم من بعـض غير مضمون، لأن الضمان إنما يكون مع العلم بالتحريم فأما مع الجهل كحالة البغاة من أهل القبلة والكفار فلا ضمان، لهذا لم يضمن النبي- صلى الله عليه وسلم - أسـامـة دم الذي قتله بعـد ما قال: لا إله إلا الله "، مع تغليظه- صلى الله عليه وسلم - في ذلك، وردد عليه قوله: أقتلته بعد أن قال: لا إله إلا الله، ثلاث مرات حتى قال أسامة فتمنيت أني لم أسلم قبل ذلك.

والخـير الثـاني: اجتماع الناس على معاوية بعد أن تنازل الحسن له عن الأمر، وكان ذلك صلحا على أقذاء، ودخن في ذلك الاجتماع حيث لم ترجع القلوب إلى ما كانت عليه  زمن النبي- صلى الله عليه وسلم – وخلفائه قبل الفتنة.

والمقصـود أن النبي- صلى الله عليه وسلم - أخـبر بأنه يكون أئمة لا يهتدون بهديه- صلى الله عليه وسلم - ولا يستنون بسنتـه وأخـبر أن فيهم رجـالا قلوبهم قلوب الشياطـين في جثـمان الإنس، ومـع ذلـك أمر بالسمـع والطـاعـة للأمـير، وإن ضرب الظهر وأخـذ المـال وفي ذلك بيان وجوب طاعة السلطان، سواء كان عادلا أو ظالما جائرا وهـذا حماية منه- صلى الله عليه و سلم - للأمة من التفرق، الذي يضعفها ويجعلها نهبة للأعداء، كـما هو الواقع من حال المسلمين اليوم لما تفرقوا وأصبحوا دويلات لكل دويلة حدودها واتجاهاتها.

وعلاقتها مع أعدائها أوثق من علاقتها مع الدول الإسلامية، وبذلك صار المسلمون غثاء كغثاء السيـل ذهبت مهابتهم من قلوب أعدائهم وقذف في قلوبهم الوهن فوصلوا إلى حالة من الشقاق والاختلاف وصاروا فيها من أبعد الناس عن الاتفاق الائتلاف. والواجب عليهم الحذر مما وقع فيه من قبلهم من الاختلاف في دينهم أشد الحذر وقد أكثر الله ورسوله في تحذيرهم من ذلك ورتب تعالى العذاب على الاختلاف.

وهم قد جربوا ذلك بأنفسهم فلما كانوا ممتثلين لأمر ربهم بالاتفاق والاعتصام بكتاب الله تعـالى، منتهـين عن التفرق والاختلاف، كانوا خير أمة أخرجت للناس، فحصل لهم الخـير العظيم الذي لم يطـرق العـالم مثله، من كثرة الإيمان بالله وانتشار العدل بين الناس وقوة المسلمين وسيطرتهم على معظم الأرض وقمع الباطل وحزب الشيطان، فلما سلكوا مسالك من تقدمهم من التفرق في الدين وتقليد أعدائهم ذهبت ريحهم، ثم لم يزل النقص فيهم إلى أن صاروا أذلـة يستجـيرون بأعـدائهم، مع كثرة عددهم، والله تعـالى جعل الاختلاف من طبيعـة البشـر فلذلـك بين علاجـه بيـانا واضحاً بأن نرد ما اختلفنا فيه إلى كتَابه، وسنة رسوله، وبذلك يحصل الاتفاق والاعتصام بحبل الله.

والمقصـود أن الله تعـالى لم يأذن بقتـال الأمراء والولاة، والخروج عليهم لما في ذلك من الفتن والفساد الكبير، والواقع أكبر شاهد لذلك.

وأما إذنه بدفع الصائل بالقتال كـما في الحديث: "من قتل دون ماله فهو شهيد، ومن قتل دون عرضـه فهـو شهيد، ومن قتل دون دينه فهو شهيد" ونحو ذلك، فهذا ليس فيه فتنة ولا هو من دواعي التفرق والاختلاف، فهو مثل قتال اللصوص وقطاع الطرق فليس قتالهم فتنـة، إذ الناس كلهم أعوان على قتالهم، فلا يكون في قتال هؤلاء ضرر عام يشمل الظالم والمظلوم وغيرهما، كقتال ولاة الأمور، فإن فيه فتنة وشرا عاما أعظم من ظلمهم، فالمشروع فيه الصبر والاحتمال.

وبهذا تجتمع النصوص وتتفق، ويزول التعارض الذي يتوهمه بعض الناس.

وهـذا الأمر مما ينبغي الاهتمام بفهمه، فإن خطره عظيم، والنصوص التي تقدم ذكر بعضها تدل على وجوب الكف عن القتال في الفتنة، ولكن إذا كان الخارج مارقا من الدين ظاهر الضـلال ويتـدن بقتال المسلمين كالخوارج والروافض الذين يرون قتل المسلمين من فضائـل الأعـمال، فإنهم يُقـاتلون وُيرغب في قتالهم، كـما أمر الرسول - صلى الله عليه وسلم - بقتال الخوارج ورغب فيه والروافض أشر من الخوارج.

ومـا قالـه بعض العلماء من وجـوب القتـال مع من هم أولى بالحق، فالصواب خلافه- أي وجوب الكف عن القتال - لأن القتال فيه من الشر العظيم والفتنة والفساد أعظم مما في ترك القتـال كـما هو الواقع، لأن القتال في مثـل ذلك لأجل ترك واجب مثل الامتناع من طاعة معين والدخول في الجـماعة، وفي قتال الممتنعين ما فيه من سفك دماء المسلمين والفتن العظيمة أعظم مما يحصل بتركه، وإن كان غيرهم أولى بالطاعة والمقصود أن الله تعالى نهى عن التفرق وعن أسباب الفتن، مما يضعف الأمة ومن تتبع تاريخ المسلمين عرف أن أكثر الاختلاف والتفـرق حصـل في مسـائل الصفات والقدر والإمامة وغالب ذلك مما يدخله الاجتهاد، فهم في ذلك ما بين مجتهد مخطئ ومخطئ باغ وباغ من غير اجتهاد أو مقصر فيما أمر به من الصبر والاحتمال، فحصل بسبب ذلك من القتال والشرور ما هو معلوم لمن نظر في التاريخ والواقع.

وقـد قال تعـالى: {لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيراً وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ} فأمر تعالى بالصبر على أذى الكفار من اليهود والنصارى والمشركـين مع التقوى.

وفي هذا تنبيه على وجوب الصبر على أذى المؤمنين بعضهم لبعض متأولين كانوا أو غير متأولين.

والله تعـالى قد أمـر بالعـدل مع الكفـار وغـيرهم كـما قال تعـالى: {وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى}.

فنهى تعالى أن يحمل المؤمنـين بغضهم للكفار على عدم العدل فيهم، فكيف إذا كان البغض لفاسق مؤمن أو مبتـدع متأول، فهـو أولى بوجوب العدل معه وأن لا يحمل بغضه على ظلمه.

والإسلام جاء بتأليف القلوب وجمعهـا على الحق ومنـاصرة المؤمنين ومعاونتهم على الـبر والتقـوى قال تعـالى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} فأمر بتنميـة الخـير وتكثيره وبإماتة الشر وتقليله، وأمر بالأسباب التي تجلب الخير ومودة المسلم لأخيه، ونهى عن الأسباب التي تجلب العداوة والبغضاء، مما يدل على أن الإسلام مبني على وجوب التآلف بين أهله والاجتماع عليه، وتحريم الفرقة والاختلاف.

فلهـذا حرم السب والسخـرية واللمز والتنابز بالألقاب، وما أشبه ذلك مما يسبب الفرقة بجلب العداوة والبغضاء وتنافر القلوب.

وحرم الأفعال الداعية إلى ذلك ففي الصحيحين عن ابن مسعود أن النبي- صلى الله عليه وسلم - قال: "سباب المسلم فسوق وقتاله كفر".

وقال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ وَلا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْراً مِنْهُنَّ وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلا تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} فهذه الأمور التي نهى عنها وهي السخـريـة واللمز والتنابز بالألقاب, هي مما يوغر الصدور ويحدث البغضاء الداعية إلى التقاطع والاختلاف وتفرق القلوب والأفكار ثم تفرق الأبدان.

وأمر بعكس ذلـك مما يدعو إلى الألفة والمحبة كطيب الكلام، ولين الجانب وإفشاء السـلام، والـدعـاء بأحسن الأسـماء وأحبها إلى المـدعو، والهدية، وما أشبه ذلك مما يجلب المحبة، ويجمع القلوب، ويشعر بالأخوة الصادقة.

وهـذا لا ينـافي لزوم الأمـر بالمعـروف والنهي عن المنكـر، فإن المقصود منه رحمة الخلق وامتثال أمر الله تعالى وقد قال تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} قال أبو هريرة: "كنتم خير أمة أخرجت للناس، تأتون بهذا في الأقياد والسلاسل تدخلونهم الجنة".

فهـذه الأمـة خير الأمم لبني آدم، فإنهم يعـاقبـونهم بالقتـل والأسـر، وسبي الأموال والأولاد، ومقصـودهم بذلـك الإحسان إليهم، وسوقهم إلى كرامة الله تعالى ورضوانه من دخـول الجنـة، والحيلولـة بينهم وبين النـار، عكس ما يفعله النصارى والملحدون, الذين يجهدون أنفسهم ويبذلون أموالهم يبعدون بذلك الناس عن الله تعالى وهدايته، ويكرهون إليهم  لإسلام بما يظهرونه من تشويه للإسلام وأهله.

وكـذا إذا رد المؤمن على أهـل البدع، فإنه يجب أن يكون مقصوده بيان الحق وهداية الخلق، ورحمتهم والإحسان إليهم، وإذا بالغ في ذم بدعة أو معصية فينبغي أن يكون قصده بيان ما فيها من الفساد، وتحذير الناس من الوقوع فيها.

وكـذا إذا هجـر إنسـانـا أو عزره، أو أقام عليه الحد، فلا يجوز أن يكون ذلك للتشفي والانتقام، بل يكـون للرحمـة والإحسـان، فإن العقـوبات الشرعية إنما شرعت رحمة من الله بعباده، فهي صادرة عن رحمة الله لخلقه، وإرادة الإِحسان إليهم ونفعهم، كـما يقصد الوالد بتأديب ولـده نفعـه والإحسـان إليـه، وكـما يقصد الطبيب بإجراء العملية للمريض شفاءه والإحسان إليه.

ولهذا أمر الله تعالى بالصلاة على من أقيم عليه الحد والاستغفار له، كـما كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يفعله، وأمـر بالصلاة على الأموات من المسلمـين، فكل مسلم لم تعلم ردته، ولا نفاقه فإنه يصلى عليه، ويستغفر له، وإن كان فيه بدعة وفسوق هذا هو مذهب أهل السنة، مخالفـين بذلـك نهج أهل الزيغ من الخوارج والمعتزلة، الذين يكفرون بالذنوب، أو يحكمون على أصحابها بالخلود في النار.

ومن القواعد التي قررها شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره من المحققين، أن المتأول إذا قصد متابعة الرسول- صلى الله عليه وسلم - فاجتهد وأخطأ أنه لا يكفر ولا يفسق سواء كان ذلك في المسائل العملية الفرعية، أو في العلمية الاعتقادية الأصولية.

والتفريق بين مسائل العمل والاعتقاد في ذلك من أقوال أهل البدع.

ولا يعرف عن أحد من الأئمة أنه كفر كل مبتدع، بل المنقول عنهم يخالف ذلك.

ولكن قد ينقـل عن بعضهم أنـه كفر من قال بعض الأقوال، ويكون مقصوده أن هذا القول كفر ليحذر منه، ولا يلزم إذا كان القول كفرا أن يكفر كل من قاله مع الجهل والتأويل  فإن ثبوت الكفر في حق الشخـص المعين، كثبوت الوعيد في الآخرة في حقه، وذلك له شروط وموانع.

وإذا لم يكن الإنسان في نفس الأمر كافرا ولا منافقا فهو من جملة المؤمنين فيستغفر له ويـترحم عليـه، وإذا قال المسلم في دعـائه: "ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيـمان" دخـل في ذلـك كل من سبقـه من قرون الأمـة بالإيـمان، وإن كان قد أخطأ بتأويـل تأولـه فخـالف السنـة، أو أذنب ذنبا، فإنـه من إخوانه الذين سبقوه بالإيمان، فيدخل في العموم، وكـذا الموجـودون ومن يوجـد بهذه الصفة يدخلون في ذلك، وإن كانوا من الثنتين والسبعين فرقـة، فـما من فرقـة إلا وفيهـا خلق كثـير ليسـوا كفـارا، بل مؤمنـين فيهم ضلال، وذنـوب يستحقون بها الوعيد، كـما يستحقه عصاة المؤمنين من غير أهل البدع.

والنبي- صلى الله عليه وسلم -، لم يخرج الثنتين والسبعين من الإسلام، بل جعلهم من أمته، ولم يقل إنهم مخلدون في النـار، فينبغي مراعـاة هذا الأصـل، فإنـه أصل عظيم ومعلوم أن كثيرا من المنتسبين إلى السنة فيهم بدع من جنس بدع الجهمية والمعتزلة، ولا يقول عاقل يعرف شيئا من علم الكتاب والسنة أن مثل هؤلاء كفار، أو أنهم خارجون من الفرقة الناجية مطلقا.

قال شيـخ الإسـلام: "من كفَّر الثنتين والسبعـين فرقـة كلهم، فقـد خالف الكتـاب والسنـة، وإجمـاع الصحـابة، والتابعين لهم بإحسان، مع أن الحديث في ذلك قد ضعفه ابن حزم وغيره، لكن حسنه غيره، وصححه الحاكـم وغيره ورواه أهل السنن من طرق".

وليس قوله في: الثنتين والسبعين "كلها في النار" لما بأعظم من قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً} وقوله تعالى: {وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَاناً وَظُلْماً فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَاراً وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً} وأمثال ذلك من نصوص الوعيد الصريحة بإدخال من فعل ما ذُكر النار، ومع ذلك لا نشهد على معين ممن أكل مال اليتيم ظلما، أو أكـل مالا بالبـاطل، أو ارتكب ما توعد عليه بدخول النار، لا نشهد عليـه بالنار، لإمكـان أنه تاب، أو كانت له حسنات محت سيئاته، أو كفَّر الله عنه بمصائب أصيب بها أو غير ذلك.

والمقصـود أنـه يجب العـدل في الحكم والقـول، وأن يتبـع كتـاب الله تعالى, فإن الله تعـالى قد أغنـانـا به، وبين لنا به ما نحتاجه في جميع شئوننا، وأن نرجع إليه إذا حصل بيننا خلاف، فهو كفيل بحل جميع مشكلاتنا، ففيه الهدى والنور.

وقـد ذكـر الله تعـالى أن المختلفين اختلفوا بعد ما جاءتهم البينات بغيا بينهم فلذلك ذمهم الله، لأن العلم جاءهم من الله واضحا جليا فاختلفوا، قاصدين البغي معرضين عن الهدى، مع علمهم بالحق، ولم يكـونوا باختلافهم مجتهدين مخطئين قال تعالى: {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ} قال الزجاج: "اختلفوا للبغي، لا لقصد البرهان".

وقال تعالى: {كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} يعني أن الـذين اختلفوا في الكتـاب هم اليهـود والنصـارى، الـذين قال رسولنا- صلى الله عليه وسلم - أن هذه الأمة ستسلك مسالكهم فهدى الله المؤمنين من هذه الأمة لما اختلف فيه أولئك من الحق.

وقـال تعـالى: {وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِي إِسْرائيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ فَمَا اخْتَلَفُوا حَتَّى جَاءَهُمُ الْعِلْمُ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ}.

 وقال تعالى: {وَآتَيْنَاهُمْ بَيِّنَاتٍ مِنَ الأَمْرِ فَمَا اخْتَلَفُوا إِلا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ، ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ، إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ} فهـذه الآيات ونظائرها في كتاب الله تعالى، فيها البيـان أن المختلفين ما اختلفـوا حتى جاءهم العلم، والبينات- أي الدلائل الواضحات - بأن ما جاءت به الـرسـل هو الحق، فاختلفـوا للبغي والظلم، لا لأن الحق اشتبـه عليهم بالباطل، وهذه حال أهل البدع، والاختلاف المؤدي إلى الضلال.

فأصحاب الأهواء عامة لا يختلفون إلا بعد ظهور الحق لهم، ووضوح الهدى، فيبغي بعضهم على بعض، فكل فريق منهم له نحلة يضلل من خالفه فيها، ويرد الحق إذا لم يتفق مع باطله، ويكذب به.

وأما رسل الله تعالى فإنهم جاءوا بدين واحد- هو دين الإسلام - وأمرهم أن يدعوا إليـه، ونهاهم عن التفرق فيـه، وهـو في الحقيقة دين أول الرسل وآخرهم، كـما قال تعالى: {شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ}.

وقـال تعـالى: {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ}، وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُ