|
|
|
الملَكُ عَبدُ العَزِيز ِآل سُعود |
|
(3) |
|
للشيخ إبراهيم محمد حسن جمل |
|
المدرس بالمعهد الثانوي للجامعة |
|
|
|
|
|
كان الملك عبـد العـزيـز دائم الشكر لله سبحانه وتعالى على تأييده له في كل مواقفه، وكان دائما يفيض في الحديث بنعمة الله عليه، وبتوفيقه في جميع أموره، قال رحمه الله: "التوفيق... والتوفيق لا يكون إلا بالله... {وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللَّهِ}. (هود: 88). والإنسان بلا توفيق لا يستطيع أن يعمل شيئا... نسأل الله أن يوفقنا لما فيه الخير لهذا الوطن العَزيز... إن توفيق الله هو المقدم والنافذ... وأمره بين الكاف والنون {كُنْ فَيَكُونُ}. (يس: 82) والقدرة وحدها لا تنفع ما لم تكن مؤيدة من الله سبحانه وتعالى... نسأل الله التوفيق، وأن ينصر دينه، ويعلى كلمته، ويعز الإِسلام والمسلمين. |
|
ونسأله تعالى العناية والتوفيق
وإصلاح النية، وأن يوفقنا إلى ما فيه الخير و الفلاح"[1]. |
|
ولقد قالوا: |
|
"التـوفيق قوة من عالم الغيب، يؤمن بها من تتبـع أمثال سيرة
عبـد العزيز. خطـط الحرب فن، والتغلب أو بسط السيطرة فن،
والسياسة والإدارة وما إليها من شئون المجتمع، كل منها فن له قواعـده ومـدارسـه.
ومن المـدارس التجـارب والمِران وطول المـمارسـة. أما
"التوفيق" فأمر فوق ذلك كله. لا فائدة له، ولا مدرسة، ولا سابقة ينسج على منوالها. |
|
وفى الناس من يُسعف بالحظ
مرة أو مرات، فيقال: قد وفُقّ، ولكنه لا يكون "موفقا" مادام يتأرجح
أحيانا بين التوفيق ونقيضه. أما الموفق- حقا- فذلك
الذي تجري الأحداث، أو تكاد تجري متتابعة متجانسة، على وفق غرضه، وعلى مدى
مصلحته"[2]. |
|
وإن جليل توفيق الله
على الملك عبد العزيز، أن أيده في كل ما قام به من عمل، فهو سبحـانـه وتعـالى
موفقـه ومـؤيده، ومؤازره في كل خطوة خطاها، فقد فتح الرياض، وضم الخرج،
والمحمـل، والشعيب، والوشم، وانتصـر على الأعـداء
فخلّص القصيم، وفتـح الأحساء،
وضم عسير، وفتح حائلا، والجوف، وكان توفيق الله في أسمى صورة حينما ضم الحجاز،
ووجه كل اهتمامه وعنايته إلى الحرمين الشريفين. |
|
وهكـذا فقد خلّص- رحمـه
الله- البلاد والعبـاد مما دهـاهم مئات السنن، واجتمع الناس عليـه، فأصبح
مسئـولا عنهم أمـام الله سبحانه وتعالى، فعليه أن يرعى الله فيهم، فيسلك بهم
طريق النجاة للدنيا والآخرة. |
|
كان الملك عبـد العـزيز آل
سعـود صادقا مع نفسه، وما عاهد الله عليه من التمسك بالمنهـج الإلهي، والـدستـور
السماوي القرآن الكريم، وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وطريق السلف الصالح
من الصحابة والتابعين بلا تأويل، أو ابتداع، أو تغيير. |
|
كان أول ما نادى به،
إخـلاص التـوحيـد لله، وممـا علق به من كل شائبة، وجعله لله وحده، فلا يشرك به،
منفردا بالعبادة والقصد. |
|
وهذا هو الأساس المتين الذي
يجتمع عليه المسلمون، حتى يثبت الإيمان، ويرسخ في الصدور، وبعده يهون كل شيء. |
|
{إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ
بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاء}. (النساء:
61). |
|
وما ترك- رحمه الله-
مناسبة ولا اجتماعا، دون أن يذكرّ الناس بالتوحيد الخالص لله، فهو يعرف أن
التوحيد إذا علق به شيء ضعفت النفوس، وأصبح من السهل أن تنقاد لغير الله، قال
رحمه الله: |
|
"هذه هي العقيدة التي قام شيخ الإسلام محمد بن عبد
الوهاب يدعو إليها، وهذه هي عقيدتنا، وهي عقيدة مبنية على توحيد الله عز وجل خالصة
من كل شائبة، منزهة من كل بدعة، فعقيدة التوحيد هذه، هي التي ندعو إليها، وهي
التي تنجينا مما نحن فيه من محن و أوصاب"[3]. |
|
"إن المسلمين في خير ماداموا على كتاب الله، وسنة رسوله،
وما هم ببالغين سعادة الدارين إلا بكلمة التوحيد الخالصة "[4]. |
|
"وقد نصرنا الله بقوة التوحيد الذي في القلوب، والإيمان
الذي في الصدور، ويعلم الله أن التوحيد لم يملك علينا عظامنا وأجسامنا فحسب، بل
ملك علينا قلوبنا وجوارحنا، ولم نتخذ التوحيد آلة لقضاء مآرب شخصية، أو لجر
مغنم، وإنما تمسكنا به عن عقيدة وإيمان قوي، ولنجعل كلمة الله هي العليا"[5]. |
|
ثم ينطلق الملك عبد
العزيز بالـدعوة إلى التوحيد من محيط الجزيرة العربية، فيتخذ موقف الداعي إلى
الله، ليبلغ ما يجب عليه تجاه نشر الدعوة، فيدعو المسلمين جميعا في أنحاء الأرض
إلى التوحيد الصحيح، وينطلق بهم إلى العمل بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه
وسلم، وحينما يرى المسلمين قد نفذوا ذلـك، واتحـدوا على العمل بما يدعو إليه،
سيجدون أنه واحد منِ المسلمـين يسعى لخـيرهم، ويسهر على راحتهم، لا بصفته ملكا
أو زعيما أو أميرا، بل فردا من عامة المسلمـين، وليس هو وحـده فحسب بل ومعـه
أولاده وجيشه وقومه، ثم يشهد الله على قوله وتبليغه للمسلمين فيقول: |
|
"إن المسلمين بخير إذا اتفقوا، وعملوا بكتاب الله وسنة رسوله... ليتقدم
المسلمون للعمل بذلك، فيتفقوا فيما بينهم على العمل بكتاب الله وسنة نبيه، وبما
جاء فيهما، والدعوة إلى التوحيد الخالص فإنني- حينذاك- أتقدم إليهم فأسير وإياهم
جنبا إلى جنب في كل عمل يعملونه، وفي كل حركة يقومون بها... والله
إني لا أحب الملك وأبهته، ولا أبغي إلا مرضاة الله، والدعوة إلى التوحيد... ليتعاهد المسلمون فيما بينهم على التمسك بذلك، وليتفقوا،
فإنني أسير وقتئذ معهم لا بصفة ملك أو زعيم أو أمير، بل بصفة خادم... أسير معهم
أنا وأسرتي وجيشي وبنو قومي؟ والله على ما أقول شهيد، وهو خير الشاهدين"[6].
|
|
ثم يذهب رحمه الله إلى
أبعد من ذلك، فيرى أن كلمة التوحيد الصحيحة ونشرها، والعمل بها بين المسلمين، لو
تمت على يد أعدائه، لكان فرحا بذلك، ولاتحد معهم،
وسار في طريقهم، وإن تمت على يده اعتبر ذلك منّة، وفضلا من الله سبحانه وتعالى. |
|
"وإني أجاهد لإعلاء كلمة التوحيد، والحرص عليها، وأحب أن
أراها قائمة ولو على يد أعدائي، وإن تمَت على يدي فذلك من فضل الله"[7]. |
|
* * * * * * |
|
كان رحمه الله في كل
اجتـماعاتـه الخـاصة والعـامة، بين أهله وخاصته، أوبين أهل البلاد، حينما يلتقي بهم في كل مناسبة، أوفي اجتماعاته
الدولية بين عامة المسلمين، يوصي بالتمسك بالكتاب والسنة، وأن يجتمع الناس عليهما وأن يعملوا بما فيهما، فليس في الحياة أمر إلا وتعرض
له القرآن الكريم {مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ
مِنْ شَيْءٍ} والسنة الشريفة، وليس هناك خصلة مفيدة ونافعة إلا
يدعوان إليها. خطب يوما أهل مكة فكان مما قاله: |
|
"ولكن هناك نعمة حقيقية لا تزول، وخزينة لا ينضب معينها، هي الاعتقاد بأن لا إله إلا الله، وهذه النعمة مشروعة في كل مكان،
ولكنها لهذه البقعة المباركة ألزم، لأن الحسنات والسيئات تتضاعف فيها،
ولأن الله أختارها لتكون مهبطا للوحي، وجعل زيارة حرمها من أركان الإسلام". |
|
وقال رحمه الله حينما جاء
إلى المدينة المنورة، وسلم على رسول صلى الله عليه وسلم، وصلى بالمسجد النبوي،
ثم خطب الناس فكان مما قاله: |
|
"وإن خطتي التي سرت، ولا أزال أسير عليها، هي إقامة
الشريعة السمحاء، كما أنني أرى من واجبي ترقية
جزيرة العرب، والأخذ بالأسباب التي تجعلها في مصاف البلاد الناهضة، مع الاعتصام
بحبل الدين الإسلامي الحنيف". |
|
وخطب يوما في حجاج بيت
الله الحرام فقال في خطبة طويلـة: |
|
"والمقصود من هذا الاجتماع هو أن نحدد اسم الإسلام، ونعمل
بمعناه، والإسلام معناه: الاستسلام لله تعالى، والطاعة له، والإيمان بكتابه
ورسله، وقواعد الإسلام قائمة على كتاب الله، وسنة رسوله، وأعمال الخلفاء
الراشدين، وما اتفق عليه الصحَابة الكرام، وما جاء به فيما بعد الأئمة الأربعة
فهو حق لا نحيد عن ذلك قط"[8]. |
|
ولقد ظهر جماعة من
المتفرنجـين من المسلمين، يدعون إلى ما يسمونه بالتجديد، و إلى الأخذ بكل ما في
الغرب، ونادوا بالخروج على تقاليد الدين الإسلامي الحنيف، ودعوا الشرق بأن يسير
وراء الغرب، وكانوا مغرضين في ذلك، فانبرى لهم الإمام رحمه الله، ففند مزاعمهم،
وسفـه أحـلامهم، ورد عليهم بالحجـة والـدليل والمنطق في كَثير مما قاله في خطبه
ومجالسه ومنتداه. |
|
قال رحمه الله: |
|
"يقول كثير من المسلمين: يجب أن نتقدم في مضمار المدنية والحضارة،
وإنّ تأخُرَنا ناشئ من عدم سيرنا في هذا الطريق، وهذا ادعاء باطل، فالإسلام قد
أمرنا بأخذ ما يفيدنا ويقوينا على شرط أن لا يفسد علينا عقائدنا وشيمتنا، فإذا
أردنا التقدم يجب أن نتبع الإسلام، وإلا كان الشر كل
الشر في اتباع غيره"[9]. |
|
"يقولون: (الحرية) ويدعي البعض أنها من أوضاع الأوربيين،
والحقيقة أن القرآن الكريم قد جاء بالحرية التامة الكافلة لحقوق الناس جميعا،
وجاء بالإخاء والمساواة المطلقة التي لم تحلم بها أمـة من الأمم، فآخى بين
الصغير والكبير، والقوي والضعيف، والغني والفقير، وساوى بينهم[10]. |
|
ويقولون التمدن
والمدنية الأوربية هي الغاية القصوى، وهذا وهم باطل،
فإن الله جعل من كل شيء أفضله مباحا لنا، وأحب شيء إلينا هو العمل الخالص،
والنية الحسنة"[11]. |
|
"إننا لا نبغي التجديد" الذي
يفقدنا ديننا وعقيدتنا... إننا نبغي مرضاة الله عز وجل، ومن عمل ابتغاء مرضاة الله،
فهو حسبه، وهو ناصره، فالمسلمون لا يعوزهم التجديد، وإنما تعوزهم العودة إلى ما
كان عليه السلف الصالح"[12]. |
|
ولقـد بدأ رحمه الله
بالـدور العملي في تنفيذ حدود الله في جميع مناحي الحياة، وعلى الجميع، لا فرق
بين غني وفقير، وأمير وغير أمير، وأصبح الناس كلهم سواء أمام القانون السماوي،
وهدد أولئك الذين قد تحدثهم أنفسهم بالفوضى، والمضاربة بالأقوال، والتلاعب
بالكلمات والألفاظ، ويظهرون الأمور على ما ليست عليه، لقد حذرهم فكان مما قاله: |
|
"إن البلاد لا يصلحها غير الأمن والسكون، لذلك أطلب من
الجميع أن يخلدوا للراحة والطمأنينة، وإني أحذر الجميع من نزعات الشيطان،
والاسترسال وراء الأهواء التي ينتج عنها إفساد الأمن في هذه الديار، فإني لا
أراعي في هذا الباب صغيرا أو كبيرا، وليحذر كل إنسان أن تكون العبرة فيه لغيره"[13]. |
|
لقد شغـل بال الملك عبد
العـزيز الأمن والسكينة في هذه البلاد المترامية
الأطراف، الواسعة المساحة، وللبادية وسكانها خطرهم، فهم منتشرون في مساحات شاسعة
بين الخليج العربي والبحر الأحمر، وما بين خليج عدن، وما يقابله في الشمال. |
|
هذه المساحة الكبيرة لم
تر الأمن والسكينة من زمن بعيد، فقد رجعت عناصر الشر
إلى عاداتها وطبائعها،
إذا استثنينا فترات قصيرة، كانت بمثابة هدنة. وفي العهد التركي وعهد الشريف
أصبحت أشد خطرا، وأعظم فتكا، فليس هناك ما يردعهم، أو يقلم أظافرهم، ولأن البلاد
ممزقـة بسبب الثأرات بين القبائل، فكانت الإغارة
والسلب والنهب والقتل من المهن المعترف بها، وكان أهل البادية دائما يتربصون
بالقوافل وقطعان الماشية الدوائر. |
|
ولكي يأمن التاجر على نفسه وما معه إذا كان يجتاز الصحراء، عليه
أن يدفع الإتاوات على طول الطـريق الذي يمر به، فالتاجـر الذي يجيء من البحرين
مثلا يدفع قبل أن تطأ رجله العقير إتاوة للعجمان، ومن العقير إلى النخل
خمسة أميال، أتاوة للمناصير،
وكذلك أم الذر وبني هاجر... |
|
وإذا فاز التاجر بحياته
وبقى شيء في كيسه فمن المؤكد أن أحماله لا تصل كلها إلى المكـان الذي يريده.
وكان في عهد الترك إذا خرج العسكر لتأديب جماعة من هؤلاء البدو، يطاردهم البدو،
فيغلبونهم، ويأخذون خيلهم وثيابهم، ويرجعونهم إلى مكان إقامتهم حفاة عراة. |
|
والأدهى والأمر ما كان يصنـع
بحجاج بيت الله الحرام، كانوا عرضة للسلب والنهب والقتـل، وكـان الحجـاج يخرجـون
من بلادهم، ولا أمـل لهم في العودة، وقـد حملوا معهم أكفانهم، فكـانـوا في جهاد
وقتال مع أهل البادية الذين يأخذون منهم ما يطلبون، ولم يكونوا يكتفون بما
أخـذوا بل كانـوا يغيرون على مؤخـرات القـوافـل يسلبون ويقتلون، ولا أحد يستطيع
أن يغير شيئا مما كان يحدث. |
|
حتى أرض الحجاز لم تسلم
من بطش أهـل البادية في معظم جهاتها، والعلة في ذلك أن حكام الحجاز لم يكونوا
على كثير من الحكمة والسياسة التي تلائم العرف عند القبائل، أو لم يكونوا
متفرغين للأمن، ولم يكن يجدي ما يدفعون من أموال، فقد كانت القبائل تأخذ
الأموال، ولا تمتنـع عن السلب والنهب، ولم يخطر على بال أحـد منهم أن يحكم
الشريعـة الإسـلاميـة، لذلك فإن الفـوضى الأمنية قد عمت جل البلاد، فمثلا طرق
المدينة المنورة لم يكن في الاستطاعة أن يقام فيها الأمن وأن يستتب، فكانت مسرحا
لحوادث جسام، فالقبائل تعتدي على الحجاج، وتسلب ما معهم، وقد تفرض عليهم إتاوات
كبيرة. |
|
يقول الصحفي المصري
محمود أبو الفتح- رحمه الله- في صحيفة الأهرام عام
1930 م: |
|
"كـان بعض الأعراب يذبحون الحاج وإن كان فقيراً لاستلاب ما
معه، وكانوا يذبحون الحاج في رابعة النهار، ولم يسلم من أذاهم أحد، ولمَ يجدوا
من يردعهم، فعاثوا فسادا، حتى كان المسلم يخرج وهو لا يدري أيعود إلى وطنه أم
يقتله السفاحون"[14].
|
|
وحتى أهـل البـاديـة،
لم يكونوا في صفاء مع أنفسهم، كانوا متفرقين مختلفين، تزداد العـداوة والبغضاء
بينهم نُمـوا يومـا بعد يوم، يقتـل بعضهم بعضا لأتفه الأسباب، ويأكل القـوي منهم
الضعيف، تنشب المعـارك الضاريـة، فيقتـل منهم العشرات، لا ينامون على خير، بل
يعـدون للشر والانتقام، وينـدفعـون للتخـريب لذلك لم يهدأوا
ولم يأمنوا، وكانوا يسـيرون في جماعـات حاملين
السـلاح، وكأنـما رجعت الجاهلية الأولى فاشتعلت نار الفتن، وتقطعت الأرحام وتواثبوا
في الأسواق، وعلى حدود القبائل، وخاف بعضهم بعضا، فحملوا السلاح ليلا ونهارا. |
|
يقول صاحب كتاب "عنوان المجد": |
|
"كانت الفتن مستمرة، والغارات دائمة بين القبائل ففي 1239
هـ وقعت فتن وقتل رجال، وأخذت أموال من كل بلد وناحية من القصيم
والعارض والخرج والجنوب وغير ذلك. |
|
وكان بعض القَبائل يغير
على القرى والمدن ففي 1237 هـ مثلا أغارت بوادي سبيع
على- قرية- منفوحة، وأخذوها عنوة ونهبوا وسلبوا النساء، وقطعوا الثمار واستولوا
على البلد... وعم القتل في هذه السنة في القصيم وسدير والوشم والعارض والخرج والجنوب"[15]. |
|
وهكذا فقد ساد الجزيرة فوضى،
رجع الناس بسببها إلى ما كان قبل بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم. |
|
استرشد الملك عبد
العزيز برأي الدين في معالجة كل أموره، وبما هداه الله إليه من عمل، ووهبـه من
ذكاء وخبرة، لم يلجأ رحمه الله في أول الأمر إلى القوة واستخدام السيف للخارجين
على الـدين، والعابثين في الأرض فسادا، وكان الخطر الداهم
على البلاد من الباديـة، لأن أهلها جُبلوا على عادات وطباع خاصة، هم في حاجة إلى
علاج ناجع يحسم الداء، ويجعل منهم مجتمعا صالحا للحياتين. |
|
لقد رأى أن هذا الأمر لا
يصلح إلا بما صلح به أوله، وأن لهذا الدين سحراً عجيباً في قيادة الناس على
اختلاف مشاربهم وحياتهم، وأنه هو الذي صنع من أهل البادية أعظم أمة عرفها
التاريخ، وأن الناس حينما تخلوا عن مبادئ هذا الدين الحنيف، تخلى الله عنهم
فتاهوا في الظلمات سنين طويلة، أما وقد وفق الله لإقامة شعائر هذا الدين، فقد
رأى الإمام والملك المصلح- رحمه الله- تبصير أهل البادية بأمر دينهم، وجمع
كلمتهم على هدى الإسلام. |
|
لقـد أرسـل إليهم من يبصـرهم
بأمر دينهم، ويرشدهم إلى الطاعات، فكان في كل قبيلة من قبائل البدو الرحالة
والمستقرة من يعلم الناس أصول هذا الدين القويم، ويوجههم إلى ما ينفعهم في
حيـاتهم، ويجيب عما يسألـون عنـه في أمـور الدنيا والآخرة، فالتفوا حوله، وشغلوا
بالعمـل الصـالح، وأصبح له مكانة كـبيرة في نفوسهم، وصار يخطب لهم يوم الجمعة
وكـل المنـاسبـات الـدينيـة كالعيـدين والاستسقاء وغيرهما،
ويصلي بهم، ويعلم أبناءهم، ويفتي كبارهم، ويعقد الزواج، وبقسم المواريث، ويتوسط
في حل المشاكل. |
|
ورأى الملك عبـد
العـزيـز- رحمـه الله- أن عامـل الحالة الاجتماعية يساعد كثيرا على الاستقرار
ويقوي الناحية الدينية، ويسد الطريق على من تحدثه نفسه بأن يسلك طريقا غير
مشـروع لجلب الـرزق، فأراد أن ينتقـل بالبدو من حياة البادية المتنقلة، إلى حياة
الهِجَر، ليتركوا حياة السفر والتنقل من مكان إلى آخر قد يجدون فيه ما يسد
رمقهم، وقد لا يجدون، فيميلون إلى السطو والنهب أراد أن ينتقل بهم إلى حياة
السكون والاستقرار، وليتركوا حياة الرعي إلى حياة الزراعة والرعي. وأنشئت الهجرة
الأولى على آبار الأرطاوية على طريق بين الزلفي والكـويت عام 1330 هـ، وأصبحت خلال بضـع سنـوات مدنا
فيها من السكان ما يزيـد على العشـرين ألفـاً، ثم تلي الأرطاويـة
حركـة عامة بين البدو لترك حياتهم البدوية والسكنى في قرى جديـدة، كانـوا ينشئـونهـا
بمعونة من بيت مال المسلمين، تحفر البئر ويبنى المسجد الذي هو مجتمع القرية
ومدرستها، وكانت السرعة هي الرائد في كل ما يقومون به من أعمال. |
|
وهكـذا فقد أصبحت المسـاجـد
غاصـة بأهلها ممن تركوا الخرافات والبدع وعادات الجـاهليـة، وواظبوا على الصلاة
في أوقاتها، وتواصوا بالأخلاق الإسلامية الصحيحة التي تحث على الفضيلة
والإيـمان. |
|
وأصبحت الـزراعة هي
موردهم الذي منـه يأكلون ويتاجرون ويربحون، فتكونت عنـدهم الثـروات والمال
الكثير، وفي نفس الـوقت فقـد انتشرت المعسكرات، ليكوّنوا من الشباب أمة مسلمـة
تدافـع عن مبادئها، وترد كيد كل من يحاول أن ينال من دولتهم الفتية بقيادة قائدهم
الأعظم عبد العزيز آل سعود، وهم على استعداد للقتال معه في أي وقت. |
|
لقد كانت خطة الإمام
عبد العزيز منذ تولى إمارة الرياض، أن ينفذ حكم الله في كل من خرج على حدوده، فَكـان
يتتبـع الجـرائم الكبيرة بنفسه، ويتعقبها، ويحث جهات الاختصـاص على رفـع نتائـج
الحـوادث وتطـورهـا إليه أولا فأولا، ويصدر أوامره بشأنها، ويشفـع كل ذلـك
بالحـزم والدقة حتى تنكشف الجناية، وكان إذا عرضت عليه قضية درسها من جميـع
الـوجوه بما له من علم ومعـرفة وخبرة وذكاء مبينا ما جاء في الكتاب والسنة وما
كان عليه السلف الصالح من الصحابة والتابعين ثم يصدر حكمه. |
|
وكان كثيرا ما يقرأ
ظروف وملابسات كل قضية يطلب منه التصديق عليها، وقد
يعيد الحكم فيها، من ذلك ما رفع إليه من قضية طُلِبَ منه التصديق على حكم أصدرته
إحدى المحاكم الشـرعيـة، بإعدام جندي قتل زوجته وجنديا آخر، وكان تنفيذ الحكم معلقا
على موافقة الإمام. |
|
درس- رحمه الله- القضيـة،
فظهر له أن الزوجـة كانت قد غابت عن بيتها أياما، وبحث عنها زوجها فوجدها عند
أحد الجنود، فأطلق عليها الرصاص وسألته المحكمة، فأقر بالقتل، ولم يحسن الدفاع
عن نفسه فحكمت المحكمة بإعدامه. |
|
ولم يكد ينتهي من القضية،
حتى دعا رئيس المحكمة إليه فقال له: |
|
"ألم تقرأ الحديث الذي فيه "إنني
أغيركم، والله أغير مني""[16]. |
|
ثم أطلق القاتل لأنه
كان يدافع عن عرضه. وهذا من توفيق الله[17]. |
|
ولما اتسعت البلاد، جعل
لكـل ناحيـة أميرا، وكان على كل أمير أن يجمع رؤساء القبائـل والعشائر، ويؤمنهم
على أنفسهم ومعيشتهم، ويشترط عليهم أن يكونوا قادرين على حفـظ الأمن في حدود
أراضى قبيلتهم، وكـل حادثـة تحدث في منطقـة أحـدهم يكون مسئولا عنها هو وقبيلته،
سواء أكانت بين بعضهم أو حوادث لأجانب من التجار أو الحجاج أو غيرهم. |
|
علم أمير الطـائف في
أوائـل ضم الحجاز أن البـدو اختطفوا اثنين من حجاج الهند وقتلوهما، وأخذوا
أمتعتهما، فأمر بإحضار كبار القبيلة التي حصل في حدودها الحادث، وحدد لهم ثلاثـة
أيـام لإحضار المسروقـات، والإرشـاد عن جثث القتلى، وأقسم أنه إذا انقضى
الميعـاد المضروب دون نفاذ المطلوب، ليبيدن القبيلة
بأكملها، وقبل مضي الميعاد، أحضر رجـال القبيلة المسـروقـات، وأرشدوا إلى جثث
القتيلين، وأخـيرا أرشدوا إلى اثنين اعترفا بالقتل، فأمر بقطع رقبتهما. |
|
وفى هذه المرة اعتداء
على السعوديين فقد جاء إلى القصر في الرياض بضعة رجال من إحـدى القبائـل، يطلبون
عيشا وكسوة، فكان لهم ما ابتغوا، ثم ارتحلوا، فمروا في طريقهم ببعض الجـمال
والنـوق، فسـاقـوها أمامهم، فشكاهم أصحابها إلى السلطان عبد العزيز، فبعث
السلطان من يحمـل الخبر إلى أمير الاحساء، فـما وصل
إليه الخبر، حتى تحرك رجال الـدولـة يبحثـون عن اللصـوص، ومـا هي إلا أربـع
وعشرون ساعة حتى جيء بهم وبالمسروقات ولقوا جزاءهم. |
|
{إِنَّمَا جَزَاءُ
الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً
أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ
مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأَرْضِ}. (المائدة:
33). |
|
لقد ألقى الله في قلب
كل من تُسوّل له نفسه السير في طريق العدوان والفساد وسادت الـرغبـة في الحفـاظ
على حقـوق الله وحقـوق العباد، فكـان يُرَدَد في كل مكـان: "الحكم للشـرع"، "السـارق تقطـع يده"،
"القـاتـل يقتل" "دل عبد العزيز"، "التمسك بشريعة الإسلام" "الصلاة الصلاة" . |
|
كلمات تسمع في البادية، وفي
القرى والمدن، وفى البر والبحر، وفى الأماكن المقدسة، يرددها الناس فتزلزل
القلوب، وتخيف النفوس المريضة، وتزيد المؤمنين إيمانا وطمأنينة. |
|
بل لقد انتقلت هذه
الكلمات إلى عامـة المسلمـين في جميـع البـلاد الإسـلامية، في الصحراء وفى
المـدن والـدساكر، في أعماق بلاد المسلمين، يهنيء بعضهم بعضا، بسبب ما وصل إليه الأمن والأمان في
البلاد المقدسة، وبنجاح التجربة الإسلامية، وعودة بلد من بلاد المسلمين إلى
الحكـم بكتـاب الله، ويتمنى أن تنـال هذه التجـربـة الناجحة بلاد المسلمين
فيرجعوا إلى كتاب الله. |
|
لقد شجع بعضهم بعضا على
أداء الحـج والعمرة، وغاب عامل الخوف والرعب، فكانوا يقولون: |
|
هيا إلى الحـج، هيا إلى
العمرة، إلى الأمـاكن المقـدسـة، إلى مكة وإلى المدينة، الطريق آمن، ابن سعود
يحكـم بالشرع، عبد العزيز قضى على القتلة والسفاحين،
سنرجع بسلامة الله. |
|
كلمات لا يزال يحكيهـا
المعمرون في أقاصي البـلاد الإسـلامية، الذين رأوا بأعينهم الأعمال العظيمة التي قام بها عاهل الجزيرة
الملك عبد العزيز آل سعود، فكانت خير شاهد على توفيق الله له. |
|
ولقـد جاء في الحـديث الصحفي
الذي نشره محمـود أبو الفتح- رحمه الله- وقد زار البلاد، ورأى بعينيه ما وصلت
إليه البلاد منذ أكثر من خمسين سنة ما يأتي: |
|
"وجاء ابن سعود، فضرب أمثلة... كان يأمر بالسارق فتقطع يمناه، وبالقاتل فيجز رأسه في السوق العامة... تلك أمثلة...
ولكنها كانت درسا نافعا، فقد قطع ابن سعود عشرات من رءوس اللصوص والقتلة، وأنقذ
بذلك رءوس الألوف من حجاج بيت الله الحرام". |
|
ثم يكمل حديثه فيقـول: |
|
والآن تسير الفتاة من طرف
الجزيرة الغربي إلى طرفها الشرقي، تحمل الذهب، فلا يتطلع إليها أحد، بل يرى
الناس قطعة الذهب أو الفضة ملقاة على الأرض، تسقط من بعض المارة، فلا يقربونها،
وإنما يبلغون عنها الشرطة. |
|
ويحدثني المعتمد
البريطاني في جدة عن حالة الأمن فقال: |
|
"إنها إن دامت سنوات بلغت البلاد
درجة عظيمة من الرقي. إنّ الأمن في الحجاز، لا مثيل له في أي بلد من بلاد العالم
الآن"[18]. |
|
وقال محمد بن عبد الله
الأنصاري الاحسائي: |
|
"والمملكـة العربية السعودية تتقدم من حسن إلى أحسن، قد
عمها الأمن، وشملها العدل، واتسع الرزق، وكثرت موارده، وعم اليسار معظم طبقات
الشعب بما أجرى الله في جهات الاحساء من ينابيع الزيت
بحكمة هذا الملك المصلح فقد طبق في مملكته الأحكام الشرعية التي جاء بها القرآن
ونطقت به سنة النبي الكريم محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم، فقتل القاتل،
وقطع يد السارق، وجلد شارب الخمر، ورجم الزاني المحصن، وشدد العقاب على المعتدين
والعابثين بالأمن، فنعمت البلاد بأمن لم تكن تحلم به، ولم يحصل لغيرها من رعايا
الدول الكبيرة المتمدينة، وأقام الدليل الواضح على أن شريعة الإسلام هي الشريعة
الكفيلة لسيادة البشر في كل زمان ومكان، فجزاه الله عن المسلمين خيرا"[19]. |
|
والحمد لله، لقد أصبحت
حدود الله، والمحافظة عليها قائمة إلى وقتنا هذا، وستظل دائـما إن شاء الله،
بفضل الله، ثم بفضـل أولئك الذين وفقهم الله، لإقامة حدود الله، وإن شريعة الله
تتفق مع فطرة الله التي فطر الناس عليها، ففيها الأمن والأمان والهدوء
والاطمئنان. |
|
لقد أرسى أَسَاسًا متينا للإصلاح الاجتماعي الذي هو الغاية العظيمة من جهاد تلك
السنين الطـويلة الشـاقـة، والمتاعب الجسـام. التي وفقه الله فتغلب عليها، فلم
يهن، ولم يضعف، بل ظل على حيـويتـه ونشـاطه، وابتساماته العريضة التي يقابل بها
جميع الناس، وصـدره الذي شرحـه الله دائـما فهو الهاش الباش لجميع الذين يلقاهم
ويلقونه، فإذا رأيته لحظات غاضبا، فإنما غضبه لله وفي الله. |
|
والحمـد لله لقـد تخطى
عقبتـين كؤدين ومشكلتـين عظيمتين هما الهجر والأمن
والاطمئنان، فاستحق عن جدارة أن يلقب بالمصلح والرائد الاجتماعي في العصر
الحديث. |
|
ولقد واصل الإصلاح بتفكـيره
المنطلق، وعقله الواعي، وإيـمانـه الأكيد، وآماله العريضة، لجلب كل مَا يدخل
السعادة على هذه الأمة التي قاست مئات السنين، فكانت ريادته للنهضة الاجتماعية
والعمرانية والاقتصادية والثقافية. |
|
كان- رحمه الله- في أول
الأمر يفكـر من أين يبـدأ؟ وما الطريق الذي يسلكه؟ ومن
أين له بالمال الكثير الذي به يبني وعليه يقيم ما يرجو ويتمنى. |
|
لقـد أدى ما وجب عليـه
تجاه الله سبحـانـه وتعالى، وأن الله لن ينساه أبدا، فقد كان دائم التوكل عليه،
وسيظل مادام فيه عرق ينبض، وأنه مازال يذكر فضله ونعمته عليه، ولا ينسى حينـما
كان في مكـة، وهو مخيم في محلة "الشهداء" وقد فقد ما ادخر من مؤن
وأقوات، ولاح شبح الجوع أو كاد، وأحس من معه بما عليه الحال، فضاقت صدور الرجال،
حـين قلّ المال، أما عبد العزيز فكان مطمئنا إلى أن الله لن ينساه، وسيرزقه من
حيث لا يعرف ولا يفكر، فكان حينما يسأل عن هذا، يقول: |
|
"المؤن متوفرة في نجد، غير أن الجـمال مشيها وئيد... من شاء الرحيل فليرحل أما أنا فمقيم. والفرج من عند الله". |
|
لقد كانت ثقته بالله
عظيمة، وتوكله عليه أقوى وأشد، فلم يأت المساء، حتى وصلت قافلة يتقـدمها إسماعيل بن مبيريك أمير
رابغ. وكان الشريف حسين قد قتل أخا له، فلما علم بما
صارت إليه الأمور في مكـة، وإقـامة عبد العزيز بها،
جاءه بفروض الطاعة، ومعه عشرون جملا تحمل التمر والسمن والبرّ وكان هذا رزقاً
ساقه الله إليه[20]. |
|
إن الله لا ينسى عباده
المخلصين، وقد كان عبد العزيز من أخلص الخلق لله تعالى، فهو يتوكل عليه حق
توكله، ولابد أن الله سيرزقه من حيث لا يعلم، وسوف تفتح له أبواب من الرزق ليس
عليها بواب. |
|
وقد كان، فقد فتحت له كنوز
الأرض، على حين كان يشغله أمر البلاد والعباد. |
|
{وَيَرْزُقْهُ مِنْ
حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ
اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً}. (الطلاق:
2-3). |
|
{وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ
أَمْرِهِ يُسْراً. ذَلِكَ أَمْرُ اللَّهِ أَنْزَلَهُ إِلَيْكُمْ وَمَنْ يَتَّقِ
اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْراً}. (الطلاق:
4- ه). |
|
{لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ
عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ
نَفْساً إِلاَّ مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً}. (الطلاق:
7). |
|
فكانت سعادته الفائقة في أن
يصرف كل ما يصل إليه على هذه الأمة، فقد زاد المال ونـما، وأدخل الله الخير على
هذه البلاد، وقد يكون كل هذا بسبب دعاء رجل واحد. |
|
ولكن الملك عبـد العزيز لم
يغير شيئا من عاداته، ولا من مأكله ومشربه وملبسه حتى آخر نفس من حياته المباركة. |
|
قال طبيبه أمين رويحـة: "لقد اشتدت عليه أزمة المرض في أواخر أيامه- رحمه
الله- ورضي عنـه: طلبنا إلى جلالتـه أن يستلقي في سريره
للاستراحة، لأن بقاءه مستويا على الكرسي لا يُؤمّن له الراحة الضرورية للقلب. |
|
أجاب ابن سعود على
طلبنا بقوله: "ما يخالف هاتوا السرير". |
|
فتـوجـه الخـادمان
اللذان يتوليان خدمته الخاصة... فجلبا السرير... سرير
الملك العظيم، فنصبـاه في الغـرفـة، ويا لعظمة ما رأيت!! إنه
سرير من خشب عادي متواضع، وفراش محشو بالقش صلب قاسي، وفوقه غطاء صوفي، ووسادة
من النوع ذاته. |
|
ذلك هو مضجع ذلك البطل
الكبير الذي لا يكتسي إلا بثوب بسيط من القطن، وقد كان يستطيـع بما وهبه الله من
جاه ومـال ومنزلـة في القلوب ألا يكتفي بتوسد الفراش الوثير فحسب، بل حبات
القلوب أيضا، وأن يحوط نفسه بالخدم والحشم والممرضات ليلا ونهارا، ولكنه عبد
العزيز المتقشف الذي لا تأخذه بهارج الحياة"[21]. |
|
راح- رحمه الله- يبحث
عن وسـائـل الرقي والنهوض بهذه الأمة، فـما عرف شيئا فيه مصلحة إلا دعا إليه،
ولا عرض عليه أحد رجالاته موضوعا صالحا إلا ناقشه ونفذه، ولم يكن متعجلا في
طريقة الإصلاح، بل كان كعادته يفضل التؤدة والتأني وتعرف استعداد الشعب لما يريد
من الإصلاح. |
|
كان يعتقد أنـه بهذه
الطـريقـة سيأتي اليوم الذي تبلغ به الجزيرة أسمى آيات التقدم والـرقي في ظل
عقيـدة التوحيـد، وقـد كان... فما نرى شيئا. من النهضة العظيمة في جميع
المجـالات إلا وهو يدين بالفضل لبانيها ومؤسسها المصلح العظيم- رحمه الله-. إن
النهضة الإصلاحية التي قام بها هذا الرجل الكبير تحتاج إلى مجلدات ضخمة ولكن
نورد بعضا منها لنَستـدل به على العقليـة الموهوبـة، والمتفتحـة على كل معـالم
الحياة بلا حدود، والضاربة بعمقها في كل المجالات، والمحوطة
بالرعاية والتوفيق من الله. |
|
كانت البلاد مترامية الأطراف،
بعيدة الأماكن والبلاد، ووسائل الاتصال بها بطيئة، فأمر رحمه الله بربط أجزاء
البلاد بعضها ببعض بشبكة من المحطات اللاسلكية فكانت وحدة متقاربة الأطراف
والثغور، يستطيع أن يتصل بها في أي وقت بالليل أو النهار، وفي دقائق معدودة. |
|
وقد سمح- وهو راض مسرور-
للرعية بأن يستعملوا السيارات، وأن يقتنوها ويسيروا بها في طول البلاد وعرضها
ولقد كانت من قبل ذلك محرمة، فلم يسمح لأحد من أفراد الرعية باقتنائها أو
الاستفادة منها. |
|
وكان- رحمه الله- قد
ركب السيارة لأول مرة عام 1344 هـ. ورأى
فوائدها في تقريب المسـافـات، فلم يستقـل بها، بل سمح لجميع أفراد الشعب
باستخدامها، فدخل في البلاد السيارات بأنواعها وأحجامها. |
|
ولقـد أنشئت في عهـده
إدارات عامـة للصحـة والشرطـة والأوقـاف والبريد والبرق واللاسلكي، وأنشئت كذلـك
مديـريـة للشئـون العسكـرية، ومديرية للشئون الخارجية، والمـديريـة العـامـة
للزراعـة، وشكلت المحـاكم الشـرعية، وبيوت المال، وكتاب العدل، والمجالس
التجارية وكذلك مؤسسة للنقد العربي السعودي. |
|
أعفى جميع المواد
الغـذائية، ومواد البناء وغيرهما من الرسوم الجمركية،
وقام بشراء الآلات الزراعية الحديثة، ووزعها على الفلاحين للنهوض بالزراعة، ولقد
اهتم بالتعليم، ففتح كثيرا من المدارس المتنوعة، واهتم بالمعاهد الدينية،
والمكتبات العامة، وأرسل البعثات العلميـة إلى الخـارج، للإسهام في النهضـة
التعليميـة، وأنشأ- رحمه الله- المستشفيات والمستوصفات
في المـدن الكبـيرة، وأنشأ المراكـز الصحية في طريق الحجاج، وأدخل نظام التطعيم،
وصرف الدواء بالمجان[22]. |
|
هذا قليل من كثير في
داخل البلاد، فقد عاش لخدمة شعبه ورعايته، ولم يمر يوم إلا وفيه جديد، مما يعود
على البلاد بالخير العميم. |
|
ولقـد نادى الملك عبـد
العزيز بتأليف لجنة عام 1937 م تضم عدة شخصيات عربية مخلصـة، تعمـل على وضـع
الأسس لتوحيد الجهود لما فيه خير الأمة العربية، وطالب بإنقاذ فلسطين، وله في
ذلك مواقف حاسمة، وآراء ناضجة، ووسائل سليمة. |
|
ولقد أسهم في تأسيس
جامعة الدول العربية، ونادى بالتضامن الإسلامي، واشترك في منظمة الأمم المتحدة
عام 1945 م، وعاون كذلك في حل كثير من المشكلات في الشرق الأوسط. |
|
هذه لمحات من حياة رجل من رجال الإسلام، ضرب الله لنا به مثلا
أعلى في عصرنا الحاضر، وبعد مضي أكثر من أربعة عشر قرنا من الزمان على رسالة
سيدنا محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم، ضرب به المولى سبحانه وتعالى مثلا
على دوام صحة التمسك بشريعته الغراء، وعلى إمكان تنفيذ
حق الله وحق العباد كـما جاء به إمام المرسلين صلى الله عليه وسلم، والله خلق
عباده وهو أعلم بـما ينفعهم، ويعـود عليهم بالخـير العميم،
فكـان ذلك خير شاهد، وأنصع دليل على أن هذا الدين صالح لكل زمان ومكان. |
|
ومازال- ولا يزال- إن
شاء الله- ما وضع أساسه الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن بن فيصل آل سعـود
واستمـده من كتـاب الله وسنـة رسوله شامخ البنيان، واضح المعالم، جزل العطاء،
مضاعف الثمرات، من الراحة والاطمئنان والهدوء النفسي والرزق الرغد، والتقدم في
جميع المجالات، وفوق كل هذا، إخلاص العبادة لله ومضاعفة الشكر والحمد لله المنعم
الوهاب. |
|
فهلا قرأ حكـام
المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها تلك السيرة العطرة، ووعوا ما قام به صاحبهـا
رحمـه الله، وهـلا تدبروا إخـلاصـه وحبـه لله، فاقتدوا به في أقواله وأفعاله، وسلكـوا
طريقـه، واهتـدوا بـما اهتـدى به مما جاء في كتاب الله سبحانه وتعالى، وسنة
رسوله صلى الله عليه وسلم، وعمل به الصحابة والتابعون رضي الله عنهم أجمعين. |
|
هلا عرفوا ذلك؟ وفعلوا مثل ما فعل هو ومن سبقه
على هذا الدرب!! |
|
لو عرفـوا ذلـك، لكـان
فيه قوة للمسلمين في هذا الـزمـان المملوء بالكيد للإسلام، ولأصبحنا قوة
يقدرها الناس حق قدرها. |
|
فبدل أن يشرق بعضنا،
ويغرب آخرون. ونجري وراء السراب ونتوه في دروب التبعية والاستغلال، الأمر الذي
جر علينا الوبال، وبؤنا فيه بالخسران، وأصبحنا قنطرة يعبر فوقها أعداء الإسلام
إلى ما يريدون تحقيقه، وهذا ضد أهدافنا وآمالنا وديننا ودنيانا، بدل كل هذا
الضياع أَمامنا كتاب الله وسنة رسوله قيل فيهما كل ما نريد، ولا فائدة أن نخترع
كتبا تستمد من الأفكار المجردة، البعيدة عن الكتاب والسنة، وليست إلا سراباً
بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا. |
|
لقد كان الملك عبد العزيز
رحمه الله عنوانا لهذا الدين بما علم وعمل وقدم، فجزاه الله خير الجزاء، ورفع
منزلته مع النبيين والصديقين والشهداء، وحسن أولئك رفيقا. |
|
المراجع |
|
ا- القـرآن
الكريم. |
|
2- مع عاهل الجزيرة لعباس محمود العقـاد. |
|
3- حياة محمد. لمحمد حسين هيكل دار المعارف بمصر الطبعة الثالثة
عشر. |
|
4- سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم للإمام
محمد بن عبد الوهاب. |
|
5- شبه الجزيرة العربية في عهد الملك عبد العزيز آل سعود لخير
الدين الزركلي. |
|
6- كتاب آل سعود لأحمد علي. دار العباد
بيروت 1957 م. |
|
7- صقر الجزيرة لأحمد عبد الغفور عطـار. |
|
8- المصحف والسيف جمع وإعداد محي الدين القابسي-
الرياض المطابع الأهلية. |
|
9- المتوكل على الودود عبد العزيز آل سعود. لمحمد منير البديوي. الرياض 97 13 هـ. |
|
10- الإصلاح الاجتماعي في عهد الملك عبد العـزيز. د. عبد الفتاح
حسن أبو عيلة. مطبوعات دارة
الملك عبد العزيز 1396 هـ. |
|
11- الإمام العـادل الملك عبـد العزيز
بن عبد الرحمن آل سعود- السيد عبد الحميد الخطيب. مصطَفى البابي
الحلبي مصر 1 195م. |
|
12- نجـد وملحقاتهـا.
لأمين الريحاني. |
|
13- تاريخ الحجاز. لحسين محمد نصيف. القاهرة. مطبعة خضير. |
|
14- عنوان المجد في تاريخ نجد. لعثمان
بن بشر. مطابع القصيم بالرياض. |
|
15- تحفة المستفيد في القديم والجديد.
مطابع الرياض 1379 هـ. |
|
16- عبد العزيز للمؤرخ ا. افون ميكوس. ترجمة أمين رويحة. |
|
17- الأمن في المملكة العربية
السعودية. لواء يحي عبد الله المعلمي. 1398 هـ. |
|
18- تاريخ المملكة العربية السعودية
في ماضيها وحاضرها. ج 2 بيروت مكتبة – الحياة. |
|
19_ المملكة العربية السعودية بقلم
خالد السديري دار الكتاب العربي. بيروت
1907 م. |
|
20- تاريخ ملوك آل سعود... سعود بن هذلول. |
|
21- تاريـخ المملكـة العـربية السعـوديـة للدكتور حسن سليـمان محمود. دار الثناء للطباعة مصر. |
|
|
|
[1]مختارة من كلمات وخطب الملك عبد العزيز ( أنظر المصحف والسيف ). |
|
[2]شبه الجريرة في عهد الملك عبد العزيز. ج 2 ص 581. |
|
[3]من خطبة ألقاها جلالته، بمكة في ذي الحجة 1347 هـ (المصحف والسيف ص 85_86). |
|
[4]من خطبة ألقاها جلالته بمكة في ذي الحجة 1347 هـ (المصحف والسيف ص ه8 _ 86). |
|
[5]من خطبة ألقاها جلالته بمكة بمناسبة سفره إلى المنطقة الوسطى من المملكة في محرم 1348 هـ (المصحف والسيف ص 89). |
|
[6]المصحف والسيف ص 87. |
|
[7]الإمام العادل جـ ص 132. |
|
[8]المصحف والسيف ص 93. |
|
[9]المصحف والسيف ص 123. |
|
[10] المصحف والسيف ص 93 . |
|
[11]المصحف والسيف ص 93. |
|
[12] المصحف والسيف ص 86. |
|
[13]المصحف والسيف ص 217. |
|
[14]صحيفة ا الأهرام في 6 1/ 11/ 1930 م. |