طباعة

 توثيق النص

 

 

 

الإمدَادُ بأحكاَمِ الحداَدِ

(2)

للدكتور فيحان شالي المطيري

أستاذ مساعد بكلية الشريعة

 

 

الفصل الخامس في زمن، الإحداد

عرفت آنفاً أقسام الإحداد من حيث الجملة وأنها قسمان جائزٌ وغير جائزٍ وأن كل منهما ينقسم إلى قسمين إذا تقرر هذا فاعلم أن كلامنا هنا خاصٌ بزمن الإحداد والجائز في شريعتنا إذ أننا مطالبون بما فيها من أحكام فنقول: الحداد الجائز على ضربين. على ما بينا قريباً، حداد على القريب الميت غير الزوج وحداد على الزوج وطبقا لهذا التقسيم يكون الكلام في المدة الزمنية اللازمة للإحداد.

وقـد رأيت أن أجعل هذا الفصل مبنيـا على مبحثين. المبحث الأولى زمن الإحداد على القريب الميت غير الزوج، المبحث الثاني زمن الحداد على الزوج الميت.

المبحث الأول: زمن الحداد على القريب الميت:

إعلم أن الحـداد على القريب الميت هو ابتعاد المرأة عن كل مظاهر الزينة التي يدعو فعلها إلى الفرح والسرور ويتنافى مع مظاهر الحزن من المرأة على ذلك الميت. ومن المعلوم أن الشـريعـة الإسـلامية قد رسمت الطريق الذي ينبغي أن تسلكه المرأة عند فقد قريبها وبينت المـدة الـلازمـة للإحداد والتي لا ينبغي تجاوزهـا وقد رعت الشريعة في ذلك حق المرأة وحق القريب على حد قولـه: "لا ضرر ولا ضرار" ومقدار هذه المدة ثلاثة أيام بلياليها يوضحه قوله صلى الله عليه وسلم: "لا يحل لامرأة أن تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث إلا على زوج أربعة أشهر وعشرا".

فقوله: "فوق ثلاث" يفيد جواز الثلاث فـما دونها وعدم جواز الزيادة عليها إلا فيما دلّ عليـه الاستثناء. قال ابن حجـر في الفتـح بعـد ما ذكـر الحـديث: "واستـدل به على جواز الإحداد على غير الزوج من قريب ونحوه ثلاث ليال فـما دونها وتحريمه فيما زاد عليه وكأن هذا القدر أُبيح لأجل حظ النفس ومراعاتها وغلبة الطباع البشرية ولهذا تناولت أم حبيبة وزينب بنت جحش رضي الله عنهـما الطيب لتخـرجـا عن عهـدة الإحداد وصرحت كل منهما بأنها لم تتطيب لحاجة إشارة إلى أنّ آثار الحزن باقية عندهما، لكنهما لا يسعهما إلا امتثال الأمر"[1].

 وهـذا الذي ذكـره ابن حجر رحمه الله وما دلت عليه الأحاديث الصحيحة الصريحة الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم والتي تفيد بمنطوقها ومفهومها أن الحد الأعلى في حق المرأة للحداد على قريبها الميت هو ثلاثة أيام بلياليها.

وقـد ذكـر أبو داود في المراسيل بإسناده عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده حديثا يعارض ظاهره هذه الأحاديث ونصه: "أن النبي صلى الله عليه وسلم رخّص للمرأة أن تحد على أبيها سبعة أيام وعلى من سواه ثلاثة أيام"[2]. والجواب عن الاستدلال بهذا الحديث من وجهين: (أ) أنـه ضعيف لا تقوم به حجـة لكونه مرسل قال: فإن عمرو بن شعيب لم يكن من الصحـابـة بل ولا من التابعين، والمرسل في ضعف الاحتجاج به إنما يكون من التابعين فإذا كان الأمر كذلك فلا تعارض به الأحاديث الصحيحة.

(ب) لو سلّمنا بصحتـه وسلامـة الاستـدلال به لم نسلّم بمعارضتـه للأحـاديث الصحيحة بل نقول هو مخصص للأب من عمومها فتحد ابنته عليه سبعة أيام بلياليها على ما هو مبين في الحديث ويبقى ما عداه من الأقارب على العموم الوارد في الأحاديث والذي يتعـين اتباعه والمصير إليه هو ما دلت عليه الأحاديث الصحيحة التي تم ثبتها قريباً أكثر من مرة.

المبحث الثاني: زمن الإِحداد على الزوج الميت

زمن الإحـداد على الزوج الميت هو زمن العِـدة ولهذا نستعرض بشيء من التفصيل لعِدة المتوفى عَنها زوجها لما بين الأمرين من العلاقة ليتّضح المراد وبالتالي نخلص لمعرفة زمن الإحداد.

والمعتدة من الوفاة لا يخلو إما أن تكون حائلا أو حاملا.

والحائل لا يخلو إما أن تكون ممن تحيض أو يئست من الحيض أو صغيرة لم يأتها الحيض بعد وطبقا لهذا التقسيم فقد ضمنت هذا المبحث المطالب التالية:

المطلب الأول: عدة غير ذات الحمل:

غير ذات الحمل وهى الحـائـل التي عرفت براءة رحمها إما بالحيض أو لكونها آيسة أو صغيرة لم تحض وقد أجمع أهل العلم من عصر الصحابة رضي الله عنهم إلى يومنا هذا على أن عدة المرأة المتوفى عنها زوجها غير ذات الحمل أربعة أشهر وعشرا سواء كانت صغيرة أو كبيرة. مدخـولا بها أو غير مدخـول بها وهذا هو الزمن اللازم للإحداد فإذا انقضت عدتها بإتمام هذه المـدة انقضى الإحـداد بانقضائها وإنـما أجمـع أهل العلم على ذلك لما جاء في الكتاب والسنـة. فمن الكتاب قولـه تعـالى: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرا}. ومن السنة قوله صلى الله عليه وسلم: "لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليـوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث إلا على زوج أربعـة أشهر وعشرا". متفق عليه[3]. فهذا الكتاب والسنـة قد اتفقا على بيان الظرف الزمني الذي يجب أن تتربصه المعتدة من الوفـاة ولا تحل قبله للأزواج وهو الظرف الزمني للإحداد إذ أن العدة والإحداد شقيقان في هذا البـاب فإن قيل هذا النص عام شامل لكـل معتدة من الوفاة فتكون عدتها أربعة أشهر وعشرا من غير تخصيص قيـل ليس الأمر كذلك لأننا نقول إن هذا النص في المعتدات من الـوفـاة غير الحوامل والشرع شاهِدٌ بذلك فإن الله تعالى أخرج من عموم هذا النص الحامل المعتدة من الوفاة فإن عدتها تنقضي بوضع حملها وبالتالي يزول عنها حكم الإحداد.

تنبيهان:

التنبيه الأول: لو قيل هذا الحكم خاص بالمدخول بها بمعنى أن المدخول بها هي التي تتربص أربعـة أشهر وعشرا بدليل أن الله تعـالى خصها من عموم قوله تعـالى:  {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ} قلنا الجواب عن ذلك من ثلاثة أوجه:

(أ) أن الله تعـالى خص المطلقة قبل الدخول من عموم آية البقرة فلم يوجب عليها عدة وذلك بآيـة الأحزاب وهي قولـه تعـالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا}[4].

وليس الأمر كذلك في المتوفى عنها قبل الدخول فهي داخلة في العموم وليس ثمة ما يخرجها ولا يجوز إخراجها إلا بدليل ولا دليل.

(ب) قد ورد في السنة ما يفيد صراحة وجوب العدة على غير المدخول بها المتوفى عنها زوجها وذلـك أن عبد الله بن مسعـود "أُتِي بامرأة تزوجها رجل ثم مات عنها ولم يفرض لها صداقـا " ولم يكن دخـل بها قال فاختلفـوا إليه فقـال: أرى لها مثل مهر نسائها ولها الميراث وعليها العدة فشهد معقل بن سنان الاشجعي أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى في بَروَع ابنة واشق بمثل ما قضى". رواه الأربعة وصححه الترمذي[5].

فهـذا الحـديث نص على إيجـاب العـدة على غير المـدخـول بها وبهذا لا يكـون للاعتراض حظّ من النظر.

(جـ) لو سلّمنا بعدم النص وأنّ المعتدة من الوفاة غير المدخول بها مخصصة من عموم آية البقرة وذلك بالقياس على المطلقة قبل الدخول لم نسلّم بهذا التخصيص وذلك لأمرين:

أحدهما: أن النكاح عقد عُمْر فإذا مات أحد الزوجين انتهى والشيء إذا انتهى تقرر أحكامه كتقرر أحكام الصيام بدخول الليل وأحكام الإجارة بانقضائها والعدة من أحكامه.

ثانيهما: أن المطلقة إذا أتت بولـد يمكن للزوج تكذيبها ونفيه باللعان وهذا ممتنع في حق الميت فلا يؤمن أن تأتى بولد فيلحق الميت نسبه وما له من ينفيه فاحتطنا بإيجاب العدة عليها لحفظها عن التصرف والميت في غير منزلها حفظا لها[6].

التنبيه الثاني: فإن قيل قد ورد في الأثر عند أحمد وابن حبان والطحاوي من حديث أسماء بنت عميس قالت: "دخل على رسـول الله صلى الله عليه وسلم اليوم الثالث من قتل جعفر بن أبى طالب. فقال :ٍ"لا تحدى بعد يومك" هذا لفظ أحمد. وفى رواية له ولابن حبان والطحاوي لما أصيب جعفر أتانا النبي صلى الله عليه وسلم تسلّي ثلاثا ثم اصنعي ما شئت"[7].

قال العراقي في شرح جامع الترمذي: ظاهره أنه لا يجب الإحداد على المتوفى عنها بعد اليوم الثالث لأن أسماء بنت عميس كانت زوج جعفر بن أبى طالب بالاتفاق وهي والدة أولاده عبد الله ومحمد وعوف وغيرهم قال: "بل ظاهر النهي أن الإحداد لا يجوز"[8].

قيل الجواب عن هذا الاعتراض من وجوه:

الوجه الأول: ما ذكـره العراقي نفسـه بأن هذا الحـديث شاذ ومخـالف للأحاديث الصحيحة

وقـد أجمعـوا على خلافـه. قال: "ويحتمـل أن يقال إن جعفر قُتِل شهيدا والشهداء أحياء عند ربهم. قال وهـذا ضعيف لأنه لم يرد في غير جعفـر من الشهـداء ممن قطع بأنهم شهداء كـما قطع بجعفر كحمزة بن عبد المطلب وعبد الله بن عمرو بن حرام والد جابر"[9].

فأنت ترى أنه حكم على الحديث بالشذوذ وحديث الشاذ ضعيف لا تقوم به حجة.

الوجه الثاني: ما ذكره الطحاوي من أن هذا الحديث منسوخ وأن الإحداد كان على المعتدة كذلك في وقت ثم أمرت بالإحداد أربعة أشهر وعشرا[10].

وإن كانت هذه دعوى بلا دليل إذ أن النسـخ لا يكـون إلا بمعرفة التاريخ وهو تقدم المنسوخ وتأخر الناسخ إلا أن احتمال النسخ وارد هنا لأن حديث أسماء هذا متقدم في الغالب على أحاديث الإحداد الأخرى. فإن حديث أسماء هذا في غزوة موءته وهي في السنة الثامنة من الهجرة والنبي الكريم توفى في السنة الحادية عشرة لكن دعوى النسخ لا تثبت بالاحتمال.

الوجه الثالث: هو أن المراد بالإحـداد والمقيـد بالثلاث قدرا زائدا على الإحداد المعروف فعلته أسماء مبالغة في حزنها على جعفر فنهاها عن ذلك بعد الثلاث.

الوجه الرابع: هو أن أسماء كانت حاملا فوضعت بعد ثلاث فانقضت العدة فنهاها بعدها عن الإحداد ولا يمنع ذلك قوله في الرواية الأخرى.

الوجه الخامس: يحتمل أنه صلى الله عليه وسلم عَلِم أن عدتها تنقضي عند الثلاث فأمرها بهذا الأمر.

الوجه السادس: يحتمل أن جعفر قد أبانها بالطلاق قبل استشهاده فلم يكن عليها إحداد.

الوجه السابع: ما ذكره البيهقي من أن هذا الحديث منقطع وقال لم يثبت سماع عبد الله ابن شداد من أسماء بنت عميس[11].

وَرُدَّ هذا بأنه تعليل مدفوع فقد صححه أحمد ويجاب عنه بأن أحمد قال أنه -أي حديث أسماء- مخالف للأحاديث الصحيحة في الإحداد قال ابن حجر في الفتح: "وهو مصير منه إلى أنه يعله بالشذوذ وذكر الأشرم أن أحمد سُئلَ عن حديث حنظلة عن سالم عن ابن عمر رفعه لا إحداد فوق ثلاث فقال: "هذا منكر والمعروف عن ابن عمر من رأيه"[12].

قال ابن حجر تعقيبا على كلام أحمد وهذا يحتمل أن يكون لغير المرأة المعتدة فلا نكارة فيه بخلاف حديث أسماء والله أعلم[13].

هذا وبعد عرض ما تقدم تعلم أن الأوجه التي ذكرناها كلها محتملة اللهم إلا ما ذكره العراقي من اعـلال الحديث بالشذوذ والذي ينبغي أن يُعلم هو أن هذا الحديث على فرض صحته معارض لما هو أصحّ منه وأكثر شهرة ومن المعلوم أن الحديث الصحيح إذا تعارض مع ما هو أصح منه وتعذر الجمع قُدم الأصح فإذا كان الحديث في الصحيحين ويعارضه آخـر في أحـدهما قُدم ما كان في الصحيحين والأمر كذلك فيـما كان في صحيـح البخاري  ويعارضه حديث آخر في صحيح مسلم فإن ما كان في صحيح البخاري يقدم على ما كان في صحيح مسلم عند التعارض وعدم إمكان الجمع وما كان فيهما أوفي أحدهما يقدم على غيره عنـد التعارض وعدم إمكان الجمع وهذا الحديث الذي نحن بصدد الكلام عنه على فرض صحته لم يكن في الصحيحين ولا في أحدهما بخلاف الأحاديث التي تعارضه فإنها صحيحة لامطعن لأحد في صحتها لكونها في الصحيحين.

هذا وتجدر الإشارة هنا إلى أن المدة المعتبرة للعدة والإحداد في حق الحائل من النساء هي أربعة أشهر وعشرا ولا يشترط وجود الحيض في هذه المدة وإنما تنقضي عدة المعتدة المشار إليها وإتمـام أربعـة أشهر وعشرا لأن الأدلة التي تفيد هذا المعنى من الكتاب والسنة لم تجعل انقضاء عدتها منـوطا بشرط حيض ولا غيره وإنما الزمن الوحيد لانقضاء هذه المدة هو أربعة أشهر وعشرا ولأنه لو اعتبر الحيض في حقها لاعتبر ثلاثة قروء كالمطلقة[14].

والحـاصـل هو أن زمن الإحـداد في حق المتـوفى عنها زوجها غير الحبلى هو زمن العدة وزمن العدة في حقها أربعة أشهر وعشرا وإنما هو لكون الجنين يجمع في بطن أمه أربعين يوماً نطفة ثم أربعين يوما علقة ثم أربعين يوما مضغة فتلك مائة وعشرون يوماً وهى أربعة أشهر. وهـذا منصـوص عليـه في حديث ابن مسعود الصحيح ولفظه"حدثنا رسول الله وهو الصادق المصدوق: "إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما ثم يكون في ذلك علقة مثل ذلك ثم يكون في ذلك مضغة مثل ذلك ثم يرسل الملك فينفخ فيه الروح ويؤمر بأربع كلمات يكتب رزقه وأجله وعمله وشقي وسعيد..." الحديث[15].

فالحديث دليل على أن النفخ يكون بعد المدة المذكورة في الحديث وهى العشرة التي لم نذكـرهـا هنا فأمرت المعتـدة إلى تربص هذه المدة ليستبين الحبل إن كان ثمة حبل هذا ما يمكن أن يقـال في هذا المقام وقبل أن نترك هذا المطلب يحسن أن نشـير إلى مسألتين لهما علاقة بما نحن فيه.

المسألة الأولى: متى يبدأ الإحداد؟، المسألة الثانية هل المعتبر لخروج المعتدة المتوفى عنها زوجها من عدتها الليالي أو الأَيام في قوله عشراً؟.

فنقول المسألة الأولى متى يبدأ الإحداد اختلف الفقهاء في تحديد الزمن الذي تبدأ فيه المعتدة عدتها وبالتالي إحدادها أهو من وقت موت الزوج أومن وقت علمها؟ على قولين:

القول الأول للجمهور: وهو أن عدة المتوفى عنها تبدأ من حـين موت الزوج وهو زمن وجـوب الإحـداد عليها سواء علمت بذلك حين الوفاة أولم تعلم إلا بعد ذلك ما لم تنقضي أربعة أشهر وعشرا. فإذا انقضت قبل علمها فلا عدة عليها ولا إحداد وذلك لأن المقصود من العـدة هو عدم التزوج وقـد وجـدوا أيضاًَ العـالمـة بالوفاة لو مرت عليها أربعة أشهر ولم تحد خرجت من العـدة اتفاقـا فكـذا هنا[16]. فالعدة هي مضي المدة وذلك يتحقق بدون علمها فهي وعدة الطلاق سواء. غايـة ما في الأمر أنها لم تفعـل الإحداد ولكن ذلك لا يمنع من انقضاء العدة كـما لو كانت عالمة بموت زوجها.

القول الثاني: عن علي رضي الله عنه وهو أن العـدة تبدأ من وقت علمها بالوفاة فعلى هذا لا تجب عليها العدة وكـذلـك الإحداد إلا إذا علمت بوفاة زوجها حتى ولو مرت على وفـاتـه أربعة أشهر وعشرا قبل علمهَا لم تنقضي عدتها لأن عليها الإحداد ولا يمكنها إقـامته إلا بالعلم بموتـه[17]. ولأن هذه العدة تجب بطريق العبادة فلابد من علمها بالسبب لتكون مؤدية للعبادة.

ورد هذا بأن العبادة تبع لا مقصود بدليل أن العدة تجب على الكتابية إذا كانت تحت مسلم وهي لا تخاطب بالعبادات.

وعندي أن العـدة تجب عليها من وقت الوفـاة لما بيّنا ولأن المقصود براءة الرحم وقد وجدت فلا مجال لإيجاب العدة عليها بعد مرور المدة المنصوص عليها.

المسألة الثانية: هل المعتبر لخروج المعتدة المتوفى عنها زوجها من عدتها الليالي أو الأيام في قوله عشراً؟ المدة المنصوص عليها التي تخرج بها المعتدة من عدتها والحال أنها متوفى عنها هي أربعة أشهر وعشرا وهذا لا خلاف فيه لأنه منصوص عليه وإنما اختلف الفقهاء في أمر واحد وهو الاحتمال الوارد في قوله عشراً فإنه يحتمل أن يكون المراد بذلك الأيام وأن يكون المراد بذلك الليالي ولهذا اختلف الفقهاء في ذلك على قولين:

القول الأول للجمهور: وهو أن المعتبر في ذلك الأيام مع الليالي لأن الاستعمال في مثل هذا من ذكر عدة الليالي يدخل ما بإزائها من الأيام على ما عرف بالتاريخ حيث يكتب بالليالي فيقال لسبع خلون مثلا ويراد كون عدة الأيام كذلك[18].

القول الثاني: للأوزاعي وعبد الله بن عمرو بن العاص وهو أن المعتبر في ذلك الليالي دون الأيام فلو تزوجت في يوم العاشر جاز وذلك أخذاً من التذكير[19]. فإن جمع المؤنث يذكر وجمع المذكر يؤنث فيقال عشرة أيام وعشر ليال والعدد المختلف هنا هو قوله عشراً فتذكيره دليل على أن المراد بذلك الليالي دون الأيام وهذا واضح من الكتاب والسنة. فمن الكتاب قوله تعالى:  {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرا}.[20] ومن السنة قوله صلى الله عليه وسلم: "لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاثة أيام إلا على زوج أربعة أشهر وعشراً". كون المعدود الليالي وإلا لأنّثه.

والراجح عندي هو القول الأول صحيح أن العدد يذكر مع المؤنث ويؤنث مع المذكر إلا أن العرب تغلب اسم التأنيث في العـدد خاصـة على المذكر فتطلق لفظ الليالي وتريد الليالي بأيامها كـما قال الله تعالى لزكريا: {آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَ لَيَالٍ سَوِيّاً}[21] يريد بأيامها بدليل أنـه قال في موضـع آخر: {آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلاَّ رَمْزاً} يريد بلياليها ولهذا لو قرر أحد اعتكاف العشر الأخيرة من رمضان لزمه الليالي والأيام معا. ويقول القائل سرنا عشرا يريد الليالي بأيامها فلم يجز نقلها عن العدد إلى الإباحة بالشك[22] هذا إذا كانت عالمـة بوفـاتـه يقينا أما إذا شكت في وقت وفاته فإنها تعتد من الوقت الذي تستيقن فيه بموته لأن العدة يؤخذ فيها بالاحتياط والاحتياط هو الأخذ باليقين وفى الوقت المشكوك فيه لا يقين فلهذا لا تعتد إلا من الوقت المتيقن[23].

المطلب الثاني: في سبب وجوب الإِحداد:

عرفت قريباً أن الفقهاء مختلفون في وجوب الإحـداد على من يجب واختلافهم في الجملة راجع إلى أمرين: المعتدة من الوفاة، والمعتدة من طلاق بائن. فالحنفية يتوسعون في الإيجـاب فيـوجبـون الحداد في الأمرين معاً أعني المعتدة من الوفاة والمعتدة من الطلاق البائن البَينونـة الكـبرى، والجمهور يضيقون دائـرة الإيجـاب فيجعلونـه خاصاً بالوفاة وتبعا لهذا الاختلاف يكون سبب الإيجاب.

فعند الحنفية ومن قال بقولهم يكـون سببه الـوفاة والبينونة الكـبرى، وعند الجمهور يكـون سببه الوفـاة لا غير وإنـما كان سبب الـوفاة لما يأتي. في قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرا} فالآية دليل على إيجاب العدة على المتوفى عنها زوجها ووجوب العـدة عليها يستلزم إيجاب الإحداد وعدم إيجابه على غيرها بدليل قوله صلى الله عليه وسلم: "لا يحل لامرأة تؤمن بالله وباليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث إلا على زوج أربعة أشهر وعشرا" هذا من جهة ومن جهة أخرى فالعدة والإحداد يوجبان إظهارا للحزن بفوت النعمة وتعـريفاً بقدرها والمراد بالنعمة هنا هي نعمة النكَاح. إذ النكاح كان نعمة عظيمة في حقها فإن الزوج كان سبب صيانتها وعفافها وإيفائها بالنفقة والكسوة والمسكن[24]. ولهذا كان لفراق الزوج أثر في نفسها فـما كان من أمر الشارع إلا أن أوجب عليها للزوج حقوقـا اظهاراً للمصيبـة بموته ومن تلك الحقوق العدة والإحداد هذا في المعتدة من الوفاة. وقد عرفت ما استدل به فقهاء الحنفية لإيجاب الحداد على البائن وهو سبب وجوب عندهم.

المطلب الثالث: في شرح وجوب عدة المتوفى عنها:

شرط وجوب العـدة هو النكاح الصحيـح فلا تجب على المنكـوحة نكاحا فاسدا ولا الموطوءة بالشبهة ولا الموطوءة بالزنا وإنما تجب على المتوفى عنها زوجها سواء كانت مدخولا بها أو غير مدخـولٍ بها وسـواء كانت ممن تحيض أو ممن لا تحيض لعمـوم قوله عز وجل:  {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرا} ولما تقدم من أن العدة تجب اظهارا للحزن بفوت نعمة النكاح وقد وجد وإنّـما شرطنا النكاح الصحيح لأن الله تعالى أوجبها على الأزواج ولا يصير زوجاً حقيقة إلا بالنكاح الصحيح وسواء كانت مسلمة أو كتابية تحت مسلم لعموم النص ولوجود المعنى الذي وجبت من أجله وسواء كانت حرة أو أمة أو مُدبِرة أو مكاتبة فإنه لا يختلف أصل الحكم لأن ما وجبت له لا يختلف[25]. ولم أجد في هذا كله خلافا عند أهل العلم إلا ما كان من أمر الحنابلة من تفصيل في ذلك يحسن ذكره وهو أن الرجل لو مات عن امرأة نكاحها فاسد أن عليها عدة الوفاة وهو ما ذهب إليه القاضي من فقهاء الحنابلة وقـد نص على ذلـك أحمد في رواية جعفر بن محمد واختارها أبو بكر وقدمها الأكثر لأنه نكاح يلحق بالنسب فوجبت به العدة كالصحيح وقال ابن حامد من الحنابلة لا عدة عليها للوفاة في ذلك لأنه لا يثبت الحمل فلم يوجب العدة كالباطل[26]

ومن المعلوم أن المنكـوحـة بنكـاح باطل مجمع على بطلانه كنكاح القريبة من النسب ونكـاح المحـرمة بالمصـاهرة أو الرضاع ونحو ذلك لا تجب عليها عدة الوفاة إجماعا[27]. لأن الفقهاء مختلفون في وجـوب عدة الـوفاة على الموطوءة بشبهة وأكثرهم على عدم وجوبها فإذا كان الأمر كذلك فعـدم الـوجـوب في النكـاح الباطل أولى هذا ويشكل على قول الفقهاء القائلين بعـدم وجـوب العـدة على الموطوءة بنكاح فاسد الحكم بوجوب عدة الطلاق على المد خول بها إذ أنـه لا فرق بينها وبين المطلقة في هذا المعنى فالمطلقة إذا كانت ممن تحيض فعـدتها ثلاثـة قروء وإذا لم تكن كذلـك فعدتها ثلاثـة أشهر وهذه مثلها إذا حصلت الخلوة والإصابة وإن كان بعـدهـا قبل الإصابة فالمنصوص عند الحنابلة أن عليها العدة أيضاً لأنه أجري مجرى الصحيح في لحوق النسب فكذا في العدة[28]. لكن يزول الإشكال إذا عرفنا أن عدة الوفاة إنما تجب على الزوجة دون غيرها وهو منصوص عليه في الكتاب والسنة والمنكوحة بنكـاح فاسد ليست بزوجـة في الحقيقة فلا تجب عليها عدة الوفاة وإنما وجبت عليها عدة الطلاق لما بينّا من الدليل هذا في العدة والأمر كذلك في الإحداد والحنفية يستثنون الصغيرة والمجنـونـة والكتابيـة من ذلـك في حين أنهم يرون إيجـابَ العدة على الجميع وقد أسلفنا ما يتعلق بذلك قريبا.

المطلب الرابع: في وجوب الحداد على المطلقة إذا مات زوجها قبل انقضاء عدتها من الطلاق:

المطلقة لا تخلو من أحد أمرين إما أن تكون رجعية أو بائنا والبائن لا تخلو من أن يكون طلاقها في صحـة الـزوج وإمـا أن يكون في حالة مرضه وطبقا لهذا التقسيم يكون الكلام في هذا المطلب ولهذا فقد رأيت أن يكون البحث في جانبين. أحدهما متفق عليه والآخر مختلف فيه.

فأما المتفق عليه فهو قسمان:

(أ) الطلاق الرجعي.

(ب) البينونة في حالة الصحة.

وأما المختلف فيه فهو البينونة في حالة المرض وإليك تحرير المقام والله المستعان.

القسم الأول: من الجانب الأول عدة الرجعية إذا مات زوجها قبل انقضاء عدتها لا خلاف بين أئمة الفتوى في أن الرجعية إذا مات زوجها قبل انقضاء عدتها من الطلاق تنتقل من عدة الطلاق إلى عدة الـوفـاة فيكـون ابتداء عدتها من حـين وفاة زوجها ولا تعتد بالزمن الذي مضى قبل وفاته والحكم في الإحداد هو نفسه لأنه لا يوجد بوجود العدة وينعدم بعدمها وإنما قلنا بذلك لما يأتي:

(1) أن النكـاح قائم بينهـما بعـد الطلاق الرجعى فكان منتهيا بالموت وبانتهاء النكاح بالموت يلزمها عدة الوفاة.

(2) أن العـدة بعـد الطلاق الرجعى تكون بالحيض وهي لا يزول الملك بها إلا بعد تمامها وقد زال بالموت فعليها العدة التي هي من حقوق النكاح وهي عدة الوفاة[29].

(3) أن الرجعيـة زوجـة يلحقها طلاقـه وينالها ميراثه فتعتد للوفاة كغير المطلقة إذ الطلاق الرجعي لا يوجب زوال الزوجية وإنما تزول بالموت أو بالبينونة أو بخروج الرجعية من عدتها ومن المعلوم أن موت الزوج يوجب على زوجته عدة الوفاة لما بيّنا أكثر من مرة فوجوب عدة الوفاة على الزوجة بعد الطلاق الرجعى لا يختلف عنه قبله ولهذا كله قال ابن المنذر: "أجمع كل من نحفـظ عنـه من أهـل العلم على ذلـك"[30]. وهو كما قال فإنني لم أجد خلافا بين أهل العلم في أن المعتدة الرجعية تستأنف عدة الوفاة إذا مات زوجها في عدتها وتكون عدتها أربعة أشهر وعشرا.

القسم الثاني: من الجانب الأول في عدة المبتوتة إذا مات زوجها قبل انقضاء عدتها وكان الفراق بينهما في حالة الصحة إذا أبان الرجل زوجته في صحته ثم مات عنها قبل انقضاء عدتها لم تنتقل إلى عدة الوفاة وإنما تعتد عدة الطلاق لا أعلم في ذلك بين أهل العلم خلافا وذلك لأن النكاح لم ينتهي بالوفاة هنا وإنما زال الملك بالطلاق والسبب الموجب لعدة الوفاة هو الموت لأن الله تعالى قال: {َيَذَرُونَ أَزْوَاجً}وهذه ليست بزوجة له عند وفاته حتى لا ترث منه بالرجعية شيئاً ولا يلزمها عدة الوفاةأيضا[31] فهي أجنبية منه في نكاحه وميراثه وتحل له أختها فلم تعتد لوفاته كما لو انقضت عدتها [32] هذا ما يمكن أن نقوله في هذا الجانب وهو كـما ترى متفق عليه بقسميه على ما بيّنا.

وأما الجانب المختلف فيه وهو في حكم عدة المبتوتة في حالة المرض إذا مات زوجها قبل عدتها فقد اختلف الفقهاء في هذا الجانب على قولين ونحن نذكر آراءهم وما استدل به كل فريق ونخلص إلى القول الراجح حسب الإمكان.

القول الأول: لأبي حنيفة وأحمد ومحمد بن الحسن وسفيان الثوري وهو أن زوج المبتوتة إذا طلقها في مرض موته ثم مات عنها قبل انقضاء عدتها تعتد أطول الأجلين من عدة الوفاة أو ثلاثةقروء[33]  وعلى هذا القول يلزمها الإحداد لأنه تبع لعدة الوفاة وقد وجدت هاهنا وقد استدل أصحاب هذا القول بدليل عقلي وهو أن المبتوتة في مرض الموت ترث زوجها بعد وفاته وميراثها له بعد موته إنما كان بسبب الزوجية وكونه أبانها في مرض موته فهو متهم بحرمانها من الميراث فيلزمها عدة الوفاة كما لو طلقها طلاقا رجعيا وهذا لأنا أعطيناها الميراث باعتبار أن النكاح بمنزلة القائم بينهما حكما إلى وقت موته أو باعتبار إقامة العدة مقام أصل النكاح حكما إذ لابد من قيام السبب عند الموت لاستحقاق الميراث والميراث لا يثبت بالشك والعدة تجب بالشك وإذا جعل في حكم الميراث النكاح كالمنتهي بالموت حكما ففي حكم العدة أولى وسبب وجوب العدة عليها بالحيض متقرر حكما فألزمناها الجمع بينهما[34]

 القول الثاني: للمالكية والشافعية وأبي يوسف من الحنفية وأبي ثور وأبي عبيد وابن المنذر وهو أن المبتـوتـة في مرض الموت تبقى على عدة الطلاق إذا مات زوجها قبل انقضاء عدتها ولا تستأنف عدة الوفـاة[35]، وذلـك لأن حكم النكـاح انقطـع بينهما بالطلاق وسبب وجوب عدة الوفاة انتهاء النكاح بالموت فإذا لم يوجد لا يلزمها عدة الوفاة كـما لو كان الطلاق في صحته وإنما أخذت الميراث بحكم الفرار وذلك لا يلزمها عدة الوفاة بدليل المرتد إذا مات أو قتل على ردته ترثه زوجته المسلمة وليس عليها عدة الوفاة لأن زوال النكاح كان بردته لا بمـوتـه[36]، ورد هذا بأن النكـاح لما بقي في حق الإرث فبقائه في حق وجوب العدة أولى لأن العدة يحتاط في إيجـابها فكان قيام النكاح من وجه كافيا لوجوب العدة احتياطا فيجب عليها الاعتداد أربعة أشهر وعشراً[37].

ولهذا نقول أن الراجح عندنا هو القول الأول لما بيّنا ولأن الزوج لما أبانها في مرض موته كان متهـما بحـرمانها من الميراث فيعاقب بنقيض قصده وهو توريثها من ماله بعد موته فدل على أن علاقـة الزوجيـة لم تنقطـع تمامـاً إذ لو كان الأمر كذلك لما كان لها حق في المـيراث وانقطـاع الزوجيـة بالموت لا خلاف فيه بين أئمة الفتوى فتجب عليها عدة الوفاة لهذا المعنى ويجب عليها الإحـداد وكـذلك لأن الإحداد تابع للعدة وإنما قال من قال بأن البائن تعتد في هذه الصـورة بأطول الأجلين لأن الباَئن وارثـة هنا على ما قلنا فيجب عليها أن تعتد للوفاة ومن حيث أنها مطلقـة يجب عليها أن تعتـد للطلاق فيجب أن تعتد بأطولهما ضرورة فإنها لا تخرج عن العهـدة بيقـين إلا بذلك[38]. هذا وتجـدر الإشارة هنا إلى أن الزوج المريض المطلق لو مات عن زوجتـه بعـد انقضـاء عدتها بالحيض أو بالشهور أو بوضع الحمل أو كان طلاقه قبل الدخول لم تجب عليها العدة لموته وبالتالي لا يجب عليها الإحداد لأن الله تعالى قال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَ}[39]، قال تعالى: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوء}[40]، وقال تعالى: {وَاللاَّئِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللاَّئِي لَمْ يَحِضْنَ}[41] فهذه الآيات كلها تبين عدة المطلقة بيانا شافيا وهي كـما ورد في الآيات على ثلاثـة أقسـام: إمـا أن تكون مطلقة قبل الدخول وهذه لا عدة عليها، إما أن تكون مطلقة بعد الدخول وهي ممن تحيض فعدتها ثلاثة قروء أو تكون آيسة أو صغيرة وهذه عدتها ثلاثـة أشهر وقـد انقضت عدة طلاقها قبل وفاة زوجها فليس ثمة ما يدعو إلى إيجاب عدة الوفاة عليها لأنها أجنبية تحل للأزواج ويحل للمطلق نكاح أختها وأربع سواها فلم تجب عليها عدة موته كـما لو تزوجت ولا يرد عليه ما قررناه قريبا من وجوب عدة الوفاة على المطلقة إذا مات زوجها قبل انقضاء عدتها إذا لم يكن الطلاق في حالة الصحة لأنها لا تحل لغير مطلقها مادامت في عدتها وهذه بخلافها فإنها قد خرجت من عدتها وحل نكاحها لغير زوجها[42].

المطلب الخامس: في إحداد المتوفى عنها الحامل   

عرفت قريبا أن الإحداد يجب على المتوفى عنها زوجها من وقت وفاة زوجها وهذا قول الجمهور وهو ينقضي في حَق الحائل بمرور أربعة أشهر وعشراً كـما تم ثبته آنفا.

والأمر كذلك في الحامل فإن الحامل المتوفى عنها تحتسب لها مدة الإحداد من وقت وفاة زوجها وعلى هذا لا يكون فرقا بين الحائل والحامل في هذا المعنى إذ أن الإحداد تابع للعدة والعـدة تبـدأ من وقت الـوفـاة بيـد أن الحـامل تختلف عن الحائل في انقضَاء العدة والإحداد فالحـائـل تحل للأزواج بعد مرور أربعة أشهر وعشرا على وفاة زوجها وليس الأمر كذلك في الحـامل، وعلى هذا نقول متى تنقضي عدة الحامل المتوفى عنها؟ سؤال اختلفت في جوابه كلمة الفقهاء على قولين:

القول الأول: ذهب الجمهور ومنهم الأئمة الأربعة إلى أن عدة الحامل المتوفى عنها تنقضي بوضـع حملها ولو كان ذلـك بعد وفـاة زوجها بمـدة يسيرة وبالتالي لا يجب عليها الإِحداد بعد وضع حملها لكون وجوب الإحداد تابعا لوجود العدة[43]، الاستدلال بهذا القول من أربعة طرق:

(1) طريق الكتاب.                        (2) طريق السنة.

(3) الآثار المروية عن بعض الصحابة.      (4) المعقول.

وإليك تحرير المقام في ذلك:

(1) الاستدلال بالكتاب: استـدل أصحـاب هذا القول بقوله تعالى: {وَأُولاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ}[44]. فالآية دليـل على أن الحـامل تنقضي عدتها بوضع حملها لأن الأجـل المذكور في الآية هو العدة وهو معلق بغاية وهي وضع الحمل والآية شاملة بعمومها لكل حامل سواء كانت متوفى عنها أو مطلقة وفى هذا يُسر بديع فإن الله تعالى حينما جعل الظرف الزمني لعدة المتوفى عنها أربعة أشهر وعشرا أخرج من هذا العموم بدليل آخر عدة الحـامل فتكـون عدتها بوضـع حملها وهو ما يعرف في علم الأصول بتخصيص العام والقول بقصرها على عدة الحامل المطلقة دعوى بلا دليل كـما سيأتي.

(2) وأما استدلالهم من السنة فقد استدلوا منها بما يأتي:

(أ) ما روى الجماعة إلا أبا داود وابن ماجة عن أم سلمة: "أن امرأة من أسلم يقال لها سبيعة كانت تحت زوجها فتوفى عنها وهى حبلى فخطبها أبو السنابل بن بعكك فأبت أن تنكحه. فقال: والله ما يصلح أن تنكحي حتى تعتدي آخر الأجلين. فمكثت قريبا من عشر ليال ثم نفِست ثم جاءت النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "إنكحي"[45].

وللجماعة إلا الـترمذى في قصة سبيعة قالت: "فأفتاني بأني قد حللت حين وضعت حملي وأمرني بالتزويج إن بدالي"[46].

فهذا الحديث دليل على أن عدة الحامل المتوفى عنها تنقضي بوضع حملها وهو حديث صحيح لا كلام لأحد في صحته وبانقضاء عدتها بوضع حملها يجوز نكاحها وهو ما صرح به في الحـديث فجواز نكاحها دليل على انقضاء عدتها وانقضاء عدتها دليل على عدم وجوب الإحداد عليها بعد وضع حملها فإن قيل الاستدلال بالحديث على محل النزاع فيه نظر وذلك لأَمرين:

الأمر الأول: ما ورد في قصة سبيعة نفسها من مخالفة ظاهرة لهذا الحديث وهي رواية صحيحة لا مطعن في صحتها ولفظها عند البخاري كـما ورد في رواية يونس عن الزهري وهو أن عمر بن عبد الله بن الأرقم كتب إلى عبد الله بن عتبة يخبره أن سبيعة بنت الحرث أخبرته أنها كانت تحت سعد ابن خوله فتوفى عنها في حجة الوداع وهي حامل فلم تنشب أن وضعت حملها فلما تعلّت من نفاسها تجملت للخطاب فدخل عليها أبو السنابل بن بعكك رجل من بني عبد الدار فقال: "مالي أراكِ تجملتِ للخطاب؟ فإنكِ والله ما أنتِ بناكح حتى تمر عليك أربعـة أشهر وعشرا" . قالت سبيعة: "فلما قال لي ذلك جمعت عليَّ ثيابي حـين أمسيت فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألته عن ذلك فأفتاني بأني قد حللت حين وضعت حملي وأمرني بالتزويج"[47].

فظاهر هذه الرواية يخالف ما قبلها وذلك أن ما قبلها يفيد أنها مكثت قريبا من عشر ليال ثم جاءت النبي صلى الله عليه وسلم وظاهر هذه الرواية يفيد أنها توجهت إلى النبي صلى الله عليه وسلم في اليوم الذي قال لها فيه أبو السنابل ما قال فإنها قالت جمعت علي ثيابي حـين أمسيت وهذا يدل على أنها توجهت إلى النبي صلى الله عليه وسلم في اليوم نفسه فإذا كان الأمر كذلك فالحديث لا يكون دليلا على محل النزاع وإنما يصار إلى الأدلة التي تخالفه كـما سيأتي:

والجواب عن هذا الاعتراض بأن الجمع ممكن هنا وهو أولى لأن فيه أخذٌ بالأدلة جميعا وبيان ذلك هو أن نحمـل هذه الرواية وهي قولها: "حين أمسيت" على إرادة توجهها ولا يلزم منه أن يكون في ذلك اليوم الذي قال لها فيه ما قال[48]. بذلك تجتمع الأدلة ويحصل الأخذ بها جميعا.

وما كان في الصحيحين مقدم على غيره عند التعارض وعدم إمكان الجمع.

الأمر الثاني: اختلاف روايات هذا الحديث مما يجعل الناظر فيه يشك في دلالته وذلك أنه ورد بروايات مختلفة في المبنى والمعنى. ففي رواية أنها ولدت قريبا من عشر ليال وفي رواية لأحمد فلم أمكث إلا شهرين حتى وضعت، وفى رواية للبخاري فوضعت بعد موته بأربعين ليلة، وفى أخـرى للنسائي بعشرين ليلة أو خمس عشـرة، وفى روايـة للترمذي والنسائي فوضعت بعد وفـاة زوجها بثلاثـة وعشرين يوما أو خمسة وعشرين يوما ولابن ماجة ببضع وعشرين، وفى ذلك روايات أُخر مختلفة[49].

والجـواب عن ذلـك ما ذكـره ابن حجـر في الفتـح بعـد ذكر هذه الروايات حيث قال: "والجمع بين هذه الروايات متعذر لاتحاد القصة ولعل هذا هو السر في إبهام من أبهم المدة إذ محل الخلاف أن تضع لدون أربعة أشهر وعشرا وهو هنا كذلك فأقل ما قيل في هذه الروايات نصف شهر وأما ما وقع في بعض الشروح أن في البخاري رواية عشر ليال وفى رواية الطبري ثمان أو سبع فهو في مدة إقامتها بعد الوضع إلى أن استفتت النبي صلى الله عليه وسلم في مدة بقية الحمل وأكثر ما قيل فيه بالتصريح شهرين وبغيره دون أربعة أشهر[50].

(2) ما رواه البخاري ومسلم وأبـو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة وغيرهم عن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال: "كنت أنا وابن العباس وأبو هريرة فجاء رجل فقال: افتني في امرأة ولدت بعد زوجها بأربعين ليلة. فقال ابن عباس: تعتد آخر الأجلين. وقلت أنا: وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن. قال ابن عباس: ذلـك في الطلاق. وقـال أبو سلمة: أرأيت لو أن امرأة تأخر حملها سنة فما عدتها. قال ابن عباس: آخر الأجلين. قال أبو هريرة: أنا مع ابن أخي يعنى أبا سلمة فأرسل ابن عباس غلامه كريبا إلى أم سلمة يسألها هل مضت في ذلك سنة؟ فذكرت أن سبيعة الأسلمية وضعت بعد موت زوجها بأربعين ليلة فخطبت فأنكحها رسول الله صلى الله عليه وسلم"[51].

(3) كـما أخرجه ابن أبى شيبة وعبد بن حميد وابن مردويه من حديث أبي السنابل أن سبيعة وضعت بعد موت زوجها بثلاث وعشرين يوما فقال صلى الله عليه وسلم: "قد حَل أجلها"[52].

(4) ما روى البخاري أن عبد الله بن عبـد الله أخـبره عن أبيه أنـه "كتب إلى ابن الأرقم أن يسأل سبيعة الأسلمية كيف أفتاها النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: إذا وضعت أن انكح"[53].

(5) روى البخاري عن المسور بن مخرمة "أن سبيعة الأسلمية نُفِست بعد وفاة زوجها بليال فجاءت النبي صلى الله عليه وسلم فأستأذنته أن تنكح فآذن لها فنكحت"[54].

فهـذه الأحـاديث قاضية بأن عدة الحـامل المتوفى عنها لها غاية وهي وضع حملها فهل لأحد أن يقول بخلاف ما دلت عليه هذه النصوص الصحيحة الصريحة التي تفيد بمنطوقها ومفهومها ما يفيده ظاهر الكتاب وهو انقضاء عدة الحامل المتوفى عنها بوضع حملها.

 (3) الآثـار: 

وأما الآثار المروية عن بعض الصحابة التي تفيد هذا المعنى فنورد منها ما يأتي:

(1)ما روي عن ابن مسعود "أنه بلغه أن عليا يقول تعتد آخر الأجلين فقال: من شاء لاعنته أن الآية التي في سورة النساء الصغرى نزلت بعد سورة البقرة بكذا وكذا شهر" .

(2) أخرج عبد بن حميد عن ابن مسعود أيضا "أن سورة النساء الصغرى نسخت ما في البقرة" .

(3) أخرج ابن مردويه عنه أن سورة النساء الصغرى نسخت كل عدة.

(4) أخرج ابن مردويه عن أبي سعيد الخدري. قال: "نزلت سورة النساء الصغرى بعد التي في البقرة بسبع سنين"[55].

فهـذه الآثار مصرحـة بأن قوله تعالى: {وَأُولاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ}  عامة في جميـع العِـدَدِ وأن عموم آيـة البقرة مخصص بها وهو المراد بالنسخ المذكور في الآثار المذكورة وليس المراد النسخ الاصطلاحي وهو إزالة الحكم الأول وتبديله بحكم آخر بل المراد التخصيص على ما بينا.

(4) وأما استدلالهم بالمعقول فمن وجهين:

الوجه الأول: أن المعتدة المطلقة تنقضي عدتها بوضع حملها إذا كانت حاملا إجماعاً فكـذا المتـوفى عنها قياسا عليها لأن العدة إنما شرعت في الأصل لمعرفة براءة رحمها من الحمل ووضعه أدل الأشياء على البراءة منه فوجب أن تنقضي العدة.

الوجه الثاني: أنه لا خلاف بين أهل العلم في بقاء العدة والمرأة حاملا فإذا كان الأمر كذلك فينبغي أن تنقضي العدة بوضعه كـما لو كانت الحامل المطلقة[56].

القول الثاني مروي عن علي وابن عباس وابن مسعود وأبي السنابل وعبد الرحمن بن أبي ليلى وسحنون من المالكية أن المتوفى عنها الحامل لا تنقضي عدتها بوضع حملها وإنما تعتد أطول الأجلين ومعناه أنها إن وضعت قبل مضي أربعة أشهر وعشر تربصت إلى انقضائها ولا تحل بمجرد الوضع وإن انقضت المدة قبل الوضع تربصت إلى الوضع على اختلاف في نسبة هذا القول إلى هؤلاء الأئمة الأعلام.

وتحرير المقام في ذلك ما ذكـره ابن حجر في الفتح وهو أن هذا القول ثابت عن علي رضي الله عنه بإسناد صحيح كـما أخرجه سعيد بن منصور وعبد بن حميد وليس كـما ذكر بعض الفقهاء من أنه مروي عن علي بإسناد منقطع.

أما ابن عباس فالذي يظهر أنه رجع عن هذا القول يحققه أن المنقول عن تلاميذه وفاق الجـماعة في ذلك.

كذلـك عبـد الله ابن مسعود رجع عن قوله أولاً إلى قول الجـماعة كـما تم ثبته قريبا فإنه قال من شاء باهلته (أي لاعنته) في أن سورة النساء الصغرى نزلت بعد سورة البقرة.

والأمر كذلك عن أبي السنابل فإنه يظهر من مجموع الطرق في قصة سبيعة أنه رجع عن فتواه