|
|
|
|
|
أوَّلُ واجبٍ على المكلفِ..
عِبَادةُ الله تَعاَلى |
|
وُضوح ذَلكَ من كِتابِ الله وَدَعواتِ الرُسُل |
|
2 |
|
للشيخ عبد
الله
الغنيمان |
|
رئيس
قسم
الدراسات
العليا |
|
|
|
|
|
|
|
القسم الثاني: توحيـد
التوجه والقصد بالنفس واللسان والقلب رغبة ورهبة بالعبادة لله وحده والخلوص من الشرك جليله ودقيقه،
فإذا نوى المرء بما يأتي وما يترك التقرب إلى الله تعـالى وطلب ما لديـه صار
موحدا له وبصرفه شيئاًَ من ذلك لغير الله يكون مشركاً علم أنه شرك أولم يعلم إذ
أسـاس العبادة سواء كانت لله أو لغيره هو توجه القلب بالذل والخضوع التام المستولى
على الخاضع من القوى الغيبية والأمور الخفية التي يرهبها ممن يذل له أو يطمع
فيها على غير الأسباب التي يجري عليها نظام الكون على الدوام سواء كانت تلك
القوى الخفية وهمية أو حقيقية، هذا هو باعث العبادة في الغالب، والذي يحمل
العابد عليها بالتوجه إلى معبوده بالدعاء وما يتبعه
من الأعمال والأقوال، فرع عن وجودها ودليل على عبودية من صدرت منـه، لأن
التوجّـه إليه شاهد على اتخاذه إلها، والأعمال هي شواهد لله ولعباده على الخلق،
ودليل على صدق ما ادعى أو كذبه مع أن الله لا يخفى عليه خافية. |
|
ومـا كان من هذا
الـذل والخضوع خال عن المحبة والتعظيم، وبدافع الأمور الظاهرة التي تجري عليها
السنن الكونية والأسباب التي ربطها الله بمسبباتها ونتائجها مما يدخل تحت مقدور
من يخافه العباد، أومن يرجونه من الخلق فهو من تتمة العبادة غير أن ما كان جارٍ
منها على الطبائع لا يقدح في إخلاص من داخله شيء منه، لأن الأنبياء فمن دونهم
كانوا يخافون من عدوهم، ومن يقدر على أذاهم، ويرجـون من يملك أن ينفعهم ويعاونهم
من أتباعهم وغيرهم، مع اعتمادهم على الله في حصـول مطلوبهم
وهـذه من الأسباب التي جعلها الله مقتضية وجود مسبباتها. |
|
ولم يسجل التاريخ
نبأ كائن ينكر وجود إله عليٍّ قدير، حتى العقائد
الوثنية التي كانت ومازالت تؤمن بآلهة متعددة، حتى هذه تدين بالتقديس لإله واحد
من آلهتها وتؤمن بأنه فوق الكل عزة وعظمة وقدرة، وهو مالك الملك رب السماوات
والأرض وأنه رب الأرباب، ومالك كل شيء، إلا أنهم أشـركـوا بعض عباده معه في
الدعاء والتوجه إليهم بصفتهم مقربين إليه ملكهم ما يطلب منهم، بزعمهم ولكن الذي
وقف في وجه دعوة الرسل أمم كانت تعبد مع الله آلهة أخرى. |
|
ولهذا لم تكن
رسالة الرسل في دعوة الناس إلى الإيمان بوجود الله أو ربو بيته، إذ كان هذا
مستقراً في القلوب وإنما كانت دعوة الرسل إلى توحيد الله في إلهيته
بأن يعبد وحده لا شريك له والتخلي عما اتخذوه معبوداً من دون الله تعالى،
وأولياء يلجأون إليهم وشفعاء يعبدونهم بالحب والدعاء
والخوف والرهبة والرجاء قال الله تعالى: {وَلَقَدْ
بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا
الطَّاغُوتَ}. والطاغوت كل
من أضلك عن سبيل الله، أو صرفك عن طريق الحق، أو احتكمت إليه في دينك بحكم يحكم
فيه بالهوى أو عبدته من دون الله، قال تعالى:{وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ
رَسُولٍ إِلا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدُونِ}.لم يقل لا رب سواي لأن الناس
جميعاًَ يوحدون الله في ربو بيته ولم يقل إني إله لأنهم جميعاًَ يؤمنون بذلك
ولكنه قال: {لا إِلَهَ إِلا أَنَا} وأمر
بعد ذلك بعبادته ليوحده الناس في الألوهية ويعبدوه وحده وهذه رسالة الرسل وهى
توحيد الله في إلهيته بأن يعبدوه وحده لا شريك له،
وفى يوم النداء من الطور، في تجلي النور، كان أول ما أمر به موسى أن يسمعه
ويطيعه، ويبلغـه {إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا
إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي} (سورة
طـه:14). وملاك ذلك أن لا يعبد إلا الله، وأن لا يعبده إلا بما شرع، فمن
ابتغى بعمل غير وجه الله، فهو مشرك، ومن عَبَدَ الله وحده، بما لم يأذن به الله
ولم يشرعه فهو مبتدع ضال، ولا يكون الدين لله خالصا إلا إذا كان كل ما نعمله
ونقوله هو لله خالصا وسواء كان من شئون الدين أومن شئون الحياة مادمنا نرجو
الثواب من الله تعالى عليه، قال صلى الله عليه وسلم يقول الله عز وجل: "من عمل عملا أشرك معي فيه غيري تركته وشركه"[1]
فذكر العمل مطلقاًَ غير مقيد بكونه عمل ديني أو دنيوي، ليكون وجود العبد كله في الحياة
والاتجاه وغيره لله وحده، وقال صلى الله عليه وسلم:
"ألا
أخبركم بما هو أخوف عليكم من المسيح الدجال قالوا بلى يا رسول الله؟. قال: الشرك
الخفي يقوم الرجل فيزين صلاته لما يرى من نظر
رجل"[2] فمجرد تزين الصلاة لأجل ملاحظة
عيون الناس بالإعجاب شرك بالله، فتوحيد الله لا يتحقق إلا أن يكون ظاهر الإنسان
وباطنه سره وعلانيته عمله وقوله دينه ودنياه كله لله
وحده، فيجب أن يكون هوى قلبك وباعث عملك وغاية جهادك في الحياة لله وحده، وقد
يكفر الإنسان بمعبود في لسانه وقلبه مستكين له ومملوك عليه، وتشهد عليه أعماله
بأنه عبد الدينار وعبد الدرهم، أو عبد الشيطان، ألم تر إلى قول إبراهيم عليه
السلام: {يَا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ} وما
كان آزر يسمى معبوده شيطاناً ولا يؤمن بأنه شيطان،
ولكن الذي يصده عن عبادة الله هو الشيطان، أو ولي الشيطان، فهو عونه وأخوه قال
الله تعالى:{أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي
آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ}
(يس: 60). |
|
|
|
وأنواع العبادة كثيرة متعددة: |
|
"وهي اسم لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال
والأعمال الظاهرة والباطنة"[3]
وتكون في القلب كالإخلاص في الأعمال، واليقين بالأمور الغيبية، والخوف
والرجاء، والتوبة، والندم على ما صدر من سيئ الأعمال، ومنها ما يدفعه قلب العبد
على اللسان من الـدعاء، والنداء والاستغاثة ممن يرجو ويتوكل عليه لقضاء حاجة، أو
تفريج كربة، ومنها ما يكون باللسان والقلب والجوارح، كالمحبة، فمن أشرك في الحب
الذي لا يصلح إلا لله، مع الله غيره، فقد جانب التوحيد، وأتى بما يضاده، قال تعالى:{وَمِنَ
النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ
الله}، (سورة البقرة: 165). ومنها الصلاة والركوع والسجود والذبح قال تعالى: {فَصَلِّ
لِرَبِّكَ وَانْحَرْ}. (سورة الكوثر: 2). وقال جل وعلا:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا
وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ}، (سورة الحج: 77)، ومنها الطواف، فلا يطاف إلا في بيت الله، ولله وحده، قال تعالى: {وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ}،
(سورة الحج:29)، وأنواعها كثيرة يصعب حصرها جدا. |
|
وضد التوحيد
الشرك وهو أقسام ثلاثة شرك أكبر بأن يجعل شيئاً من العبادة لله وغيره وهذا
فاعله إذا مات ولم يتب منه يخلد في النار، كما قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ
مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ}. (سورة
النساء: 48) |
|
والثاني
شرك أصغر مثل
يسير الرياء وقوله لرجل ما شاء الله وشئت والحلف بغير الله وما شابه ذلك، ولو
كان المحلوف به خاتم النبيين، وأشرفهم صلى الله عليه وسلم. |
|
الثالث الشرك الخفي
وهذا قد يكون أكبر وقد يكون أصغر، حسب الباعث عليه والاسترسال معه، ومن أنواع
الشرك أن يتوجه الإنسان بالدعاء إلى الله تارة وإلى غيره أخرى سواء قصد ذلك على
سبيل الوساطة، أو طلب منه أي من غير الله- غرضه، بالنداء والاستغاثة واللجاء إليه والتمسكن له، فمن
فعل ذلك فقد جعل لله عديلا، ومساويا، سواء سمى ذلك
توسلا أو شفاعة، وسواء كان المتوسل به نبيا، أو وليا،
أو عدوا طريدا، فكل ذلك شرك ينافى التوحيد، ومن الأعمال القبيحة سؤال الله بجاه
مخلوق، أو بحقه وعمله لأن من سأل الله بذلك فقد اعتقد أنه يؤثر على الله، كالشفاعة على الرؤساء، ولهذا لا يتوسلون ويسألون الله إلا
بجاه من يعتقدون له الجاه العريض، والمكانة الحاملة لله على أن يعطيهم حاجتهم
بزعمهم والجـاه والمنـزلة أصبحت في عرف الناس ولغتهم هي النفوذ والقوة المؤثرة،
على من يتوجه إليه لتحصيل خيره، أو دفع شره، فعلى هذا ما يسميه توسلا وزوراً معيدوا الوثنيـة، من منتحلي الإسلام، وهو على لغة القرآن
والعرب، العبادة بعينها، فإذاًَ التوسل الذي يعنونه هو الشرك |
|
الأعظم وهو يشمل عندهم. |
|
أولاً: الطواف عنـد قبور من يقدسونهم، وتقبيلها وأخذ
ترابها للاستشفاء به والتبرك بها، وذبح الذبائح لهم، لأنهم يرجون بذلك أن
يعطوهم، أضعاف ما قدموا لهم. |
|
الثاني:
ما ينفقـونـه
في هذا السبيل، من الحـرث والأنعـام، طمعا أن يبارك لهم بدعواتهم،
وأسرارهم ونفحاتهم الإلهية في أموالهم وأنفسهم وذرياتهم. |
|
الثالث: عمارتهم
قبـورهم، بالبنـاء العالي، والقباب المزخرفة، والستائر الفاخرة، والإِضاءة عليها
وبذل المال في هذا السبيل، وتحمل مشقات السفر إليها. |
|
الرابـع: الحلف بهم، والخـوف منهم، والتخـويف بهم، وتحذير
بعضهم بعضا من عقابهم، لاعتقادهم أنهم يقـدرون على ذلك، كـما يعتقدون فيهم النفع
لمن يحبهم، ويفي لهم بالنذور، ويزور أوثانهم. |
|
الخامس: توجههم إليهم بالـدعـاء والنـداء والاستغاثة
والاستعانة بهم إذا نزل بهم ضر، أو مسهم كرب. |
|
السادس: سؤالهم الله بحقهم، وتوسلهم إليه بجاههم ومنزلتهم،
وما لهم عنده من الدرجات. |
|
السابع: تعبـدهم وصلاتهم عنـد قبـورهم، وتفضيل البقاع التي
يوجدون فيها، اعتقادا منهم أن الدعاء عندهم مقبول، ومستجاب لما لهم من القداسة.
وهذا كله شرك بالله وخروج عن دينه الذي جاءت به رسل
الله كلهم. |
|
الثامن: السفر إلى
مشـاهـدهم، قصدا للعبادة عندهم، لاعتقادهم أنها في تلك الأمـاكن أفضل منها في المساجد،
وهذا كله مناقضة لشرع الله، الذي جاء به خاتم الرسل صلوات الله وسـلامـه عليه،
وإعادة لدين الوثنية، ومن المؤسف أن تصدر مثل هذه الأفعال من خريجي الجامعات،
والمتصدرين للفتوى والتوجيه. |
|
|
|
ومما يتعلق به
المشركون قديما وحديثا الشفاعة: |
|
الشفاعـة: لقـد كانت الشفاعة في
قديم الـزمـان وحديثه طريقا إلى الشرك، ثم أصبحت تطلق على الشرك بعينه كـما قال
الله تعالى: {وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ
مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا
عِنْدَ اللَّهِ}، والشفاعة مأخوذة من
الشفع، وهى ضم طلب الشافـع إلى طلب المشفـوع له، ومـا عبد المشركون في كل عصر
صالحيهم إلا بحجة أنهم يشفعـون لهم عنـد الله، وعملهم لهذه الغاية صادر بلا ريب
عن اعتقادهم في أوليائهم أنهم يملكـون الشفاعة، ولـو
كان عنـدهم عقـل لأخلصوا العبادة لله وحده، لأن الشفاعة
وغـيرهـا ملكـه لا يشاركه في ذلك أحد، وهو الرحمن الرحيم الغفور الودود، وهؤلاء
يدعون العبيد الأموات، أن يمنحـوهم ما يملكـه الله وحده، ولا يسألون مالك الملك
بدل إذلالهم أنفسهم لأصنامهم وطواغيتهم، وإذا كانوا لا يؤمنـون بالقرآن، أيجوز
في عقل الإنسان أن يطلب الشيء ممن لا يملكـه، إنّ عقل المشـركـين هو الذي أباح
للعبيد أن يسألوا الصخرة الصماء رحيق الجنة والميت إمداد البركات، في الحياة،
والعاجز الضعيف الفقير أن يهب لهم القدرة، والقوة والغنى، وزين الشيطان لهم، أن
رحمة القبور، أقرب إليهم من رحمة الخلاق الرحيم، فاستجاروا بمن لا يجير نفسه، من
دود الأرض، واسترحموا من لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا. |
|
إن الشفاعة ملك خاص لله وحده، فمن الشرك القول: "نسألك الشفاعة يا رسول الله " لأن السـائـل ذلـك يسألـه ما
يملكـه الله وحـده، فيحبب أن يقول: اللهم اجعلنا ممن يستحق شفاعـة
نبيك. بيـد أن الشيطان زين لعباده أنه لا فرق بين الأمرين، وأن التفريق بينهـما تزمت وتنطـع، في الـدين قال الله تعـالى: {قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا
يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ وَمَا
لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ}. نفى
الله عمن سواه كل ما يتعلق به المشركون، نفى أن يكون لغيره ملك أو قسط من الملك،
أو يكون عوناًَ لله، فلم يبق إلا الشفاعة، فبين أنها
لا تنفع إلا لمن أذن له الرب كـما قال: {وَلا
يَشْفَعُونَ إِلا لِمَنِ ارْتَضَى} فالشفاعة
التي يظنها المشركون، منفية{مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلا بِإِذْنِهِ}.
وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه لا يبدأ بالشفاعة
أولا، بل يسجد لله ويحمده ثم يأذن له في الشفاعة بقول
الله له اشفع. وقال أبو هريرة: من أسعـد النـاس بشفاعتك يا رسول الله؟ قال: "من قال لا إله إلا الله خالصا من قلبه"[4]
فتلك الشفاعة لأهل الإخلاص وهي محرمة على المشرك،
وحقيقتها تفضل الله سبحانه على أهل الإخلاص بمغفرتـه بواسطـة دعـاء من أذن له أن
يشفـع ليكـرمـه، وينال المقام المحمود، فالشفاعة التي
نفاها القرآن ما كان فيها شرك، والتي أثبتها هي ما كانت بإذنه، ولمن رضي عنه،
وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم أنها لا تكون إلا لأهل التوحيد والإخلاص. |