طباعة

 توثيق النص

 

 

 

عُقُود الزّبَرجَدِ عَلىَ مُسنَد الإمام أَحمد في إعرَاب الحَدِيث

(1)

تأليف:                                                     تحقيق:

جلال الدين السيوطي                        الدكتور حسن موسى الشاعر

                                                           أستاذ مساعد بكلية اللغة العربية بالجامعة

 

 

تمهيد:

أوَّلا: جلال الدين السيوطي[1]:

لقد أعاننا السيوطي في معرفة سيرة حياته وشيوخه ومؤلفاته، إذ ترجم لنفسه في كتابه حُسن المحـاضـرة، عنـد الكـلام على من كان بمصر من الأئمـة المجتهدين. قال: "وإنما ذكرت ترجمتي في هذا الكتاب اقتداء بالمحدثين قبلي، فقلَّ أن ألفّ أحد منهم تاريخاً إلاّ ذكر ترجمته فيه...".

حياتـه وشـيوخه:

هو أبو الفضل جلال الـدين عبـد الرحمن بن كـمال الدين أبي بكر بن محمد بن سابق الدين... الخضيري الأسيوطي الشافعي.

نسب إلى أسيوط، مدينة معروفة بمصر. وأما نسبة "الخضيري" فيرجح السيوطي أنها نسبة إلى محلة ببغداد، وقد قيل إن جدّه الأعلى كان أعجمياً أومن الشرق.

ولـد السيـوطي بعـد المغـرب ليلة الأحـد مستهل رجب سنة 849هـ وتوفي والده سنة 855هـ ولـه من العمر خمس سنـوات وسبعة أشهر، وكان قد وصل في حفظ القرآن الكريم إلى سورة التحريم، فنشأ يتيماً، وأسندت وصايته إلى جماعة منهم كـمال الدين بن الهمام.

حفظ القرآن الكريم وله دون ثماني سنين، ثم حفظ العمدة، ومنهاج الفقه والأصول، وألفية ابن مالك.

وشرع يشتغـل بالعلم من مستهلّ سنة 864 هـ فلازم كثيراً من شيوخ عصره، وأجيز بتدريس العربية في مستهل سنة 866هـ وبدأ بالتأليف في هذه السنة، فكان أول شيء ألفه شرح الاستعاذة والبسملة، وأوقف عليـه شيخـه علم الـدين البلقيني فكتب عليه تقريظاً، ولازمه في الفقه إلى أن مات سنـة 868هـ ولزم في الفقـه أيضاً شيخ الإسلام شرف الدين المناوي آخر علماء الشافعية المتوفى سنة 871هـ وقرأ على الشمس السيرَامي صحيح مسلم إلاّ قليلاً منه، والشفا، وألفية ابن مالك، وقطعة من التسهيل وأجازه بالعربية وغيرها.

 ولزم في الحديث والعربية شيخه تقي الدين الشمنيّ الحنفي المتوفى سنة 872هـ فواظبه أربع سنين وكتب له تقريظا على شرح ألفية ابن مالك "البهجة المرضية" وعلى تأليفه "جمع الجوامع في العربية".

ولزم شيخه العلامة محي الدين الكافيجي أربع عشرة سنة حتى مات وذلك من سنة 65 8ـ 879هـ وأخذ عنه التفسير والأصول والعربية والمعاني.

وقد سافر السيوطي إلى بلاد الشام والحجاز واليمن والهند والمغرب، ولما حجّ شرب من ماء زمزم لأمور: منها أن يصل في الفقه إلى رتبة الشيخ سراج الدين البلقيني وفي الحديث إلى رتبة الحافظ ابن حجر.

ولما بلغ السيـوطي أربعين سنة ترك التدريس والإفتاء وتجردّ للعبادة، وشرع في تحرير مؤلفاته، ثم قطع صلته بالحياة العامة واعتكف بمنزله في جزيرة الروضة بالمنيل، ولم يتحول عنها إلى أن مات في سحر ليلة الجمعة تاسع عشر جمادى الأولى سنة 911هـ رحمه الله تعالى.

مصنفاتـه :

قضى السيوطي حيـاتـه في تحصيل العلم والدرس والتصنيف، وتنوعت ألوان ثقافته حتى صار إماماً في كثير من العلوم.

قال في كتاب حسن المحاضرة[2]: "ورزقت التبحر في سبعة علوم: التفسير والحديث والفقـه والنحو والمعاني والبيان والبديع، على طريقة العرب والبلغاء لا على طريقة العجم وأهـل الفلسفة، والذي أعتقده أن الذي وصلت إليـه من هذه العلوم السبعة سوى الفقه والنقول التي اطلعت عليها فيها، لم يصل إليه ولا وقف عليه أحد من أشياخي، فضلاً عمنّ دونهم. وأما الفقه فلا أقول ذلك فيه، بل شيخي أوسع نظراً وأطول باعاً. ودون هذه السبعة في المعـرفـة: أصـول الفقه والجدل والتصريف، ودونها الإنشاء والترسل والفرائض، ودونها القراءات- ولم آخـذها عن شيـخ- ودونها الطب. وأمـا علم الحساب فهو أعسر شيء عليّ وأبعده عن ذهني، وإذا نظرت في مسألة تتعلق به فكأنما أحاول جبلاً أحمله.

"وقد كملت عندي آلات الاجتهاد بحمد الله تعالى، أقول ذلك تحدّثاً بنعمة الله تعالى لا فخـراً، وأي شيء في الـدنيا حتى يطلب تحصيله بالفخـر، وقـد أزف الـرحيل، وبـدأ المشيب، وذهب أطيب العمر. ولو شئت أن أكتب في كل مسألة مصنفاً بأقوالها وأدلتها النقلية والقياسية، ومداركها ونقوضها وأجوبتها، والموازنة بين اختلاف المذاهب فيها لقدرت على ذلك من فضل الله، لا بحولي ولا بقوتي فلا حول ولا قوة إلاّ بالله، ما شاء الله، لا قوة إلاّ بالله.

"وقـد كنت في مبادئ الطلب قرأت شيئاً في علم المنطق، ثم ألقى الله كراهته في قلبي، وسمعت أن ابن الصلاح أفتى بتحريمه فتركته لذلك، فعوّضني الله تعالى عنه علم الحديث الذي هو أشرف العلوم".

وقد ترك السيوطي عدداً ضخماً من المصنفات في أكثر الفنون ما بين مجلدات ورسائل صغيرة وقـد ذكـر في كتابه حسن المحاضرة أن مؤلفاته إلى ذلك الوقت بلغت ثلاثمائة كتاب سوى ما غسله ورجع عنه[3].

وللسيـوطي رسالـة خاصة فهرس فيها مؤلفاته ورتبها على الفنون[4]. وقد أحصيت مؤلفاته فيها فبلغت 552 مؤلَفاً.

وقـد عمـل الأستاذ أحمد الشـرقـاوي إقبال كتاباً ضخماً لمؤلفات السيوطي رتبه على حروف المعجم وسماه "مكتبة الجلال السيوطي" قال في مقدمته: "أحصيت في هذا الفهرست التآليف السيوطية، فكانت 725 عدداً، أخرجت منها الطباعة نيفاً ومائتين..."

ثانيا: الكتب المصنفة في إعراب الحديث:

النحاة والحديث:

الحديث النبوي أصل من أصول النحو، ومصدر من مصادره السماعية، ولكن الناظر في كتب النحو يتملكه العجب وهو يرى قلة احتجـاج النحـاة بالحديث وكثرة استشهادهم بالشعـر. وقـد غلب هذا الاتجاه على النحاة الأوائل، وقلّدهم من جاء بعدهم. ثم اختلف موقف النحاة بعد, فمنهم من قويت عنايته بالحديث والاحتجاج به كابن الطراوة (528هـ) والزمخشري (538 هـ) والسهيلي    (581هـ) وابن خروف (0 61 هـ) وابن يعيش (643 هـ)، وبلغ الاهتمام بالحديث أوجَّهُ عند ابن مالك الأندلسي (672هـ) الذي يعدّ إمام الاحتجاج بالحديث النبوي.

وقـد لخصّ السيـوطي مذهب ابن مالـك في الاحتجـاج فقال: "كان أمة في الاطلاع على الحـديث، فكـان أكثر ما يستشهد بالقرآن، فإن لم يكن فيه شاهد عدل إلى الحديث، فإن لم يكن فيه شاهد عدل إلى أشعار العرب"[5].

وهكـذا مهّـد ابن مالـك السبيل لمن جاء بعده، فسار على دربه ابن هشام (761هـ) والدماميني (827 هـ) والأشموني (929هـ) وغيرهم.

ومن النحـاة من تزعّم منـع الاحتجـاج بالحـديث، وأشهرهم اثنان: ابن الضائع (680 هـ) وأبـو حيان الأنـدلسي (745هـ)، وذلك لأمرين: أحدهما أن الرواة جوّزوا نقل الحديث بالمعنى، والثاني أن كثيراً من رواة الحديث كانوا غير عرب بالطبع فوقع اللحن في نقلهم[6].

وقـد رجَّـح معظم المتأخرين مذهب ابن مالك في الاحتجاج بالحديث، وذلك لشدّة عناية المحدثين برواية الحديث وورعهم في نقله، وتمييز الأحاديث الصحيحة من غيرها، بعد الجهد العظيم الذي بذله علماء الحديث.

ومن العجيب أن الإمـام السيـوطي، وهو صاحب المصنفـات الكثـيرة في الحديث، ذهب إلى عدم الاحتجاج بالحـديث فيـما خالف القواعـد النحـويـة، وصحح مذهب ابن الضـائـع وأبي حيان. فقال في كتابه الاقتراح: وأما كلامه صلى الله عليه وسلم فيستدل منه بما ثبت أنه قاله على اللفظ المرويّ، وذلـك نادر جدا، إنما يوجد في الأحاديث القصار على قلة أيضا فإن غالب الأحـاديث مرويّ بالمعنى، وقـد تداولتها الأعاجم والمولدون قبل تدوينها، فرووها بما أدّت إليـه عباراتهم، فزادوا ونقصـوا، وقـدمـوا وأخروا، وأبدلوا ألفاظاً بألفاظ. ولهذا ترى الحديث الواحد في القصة الواحدة مرويّاً على أوجه شتى بعبارات مختلفة، ومن ثَمّ أنكر على ابن مالك إثباته القواعد النحوية بالألفاظ الواردة في الحديث"[7].

وكرر السيوطي هذا الرأي في كتابه همع الهوامع فقال:

"... وقد بيّنت في كتاب أصول النحو من كلام ابن الضائع وأبي حيان أنه لا يستدل بالحديث على ما خالف القواعد النحوية، لأنه مروي بالمعنى لا بلفظ الرسول، والأحاديث رواها العجم والمولدون لا من يحسن العربية، فأدوها على قدر ألسنتهم"[8].

كـما ذكر السيوطي هذا الرأي أيضا في كتابه عقود الزبرجد حيث قال:

"اعلم أن كثيراً من الأحاديث روتها الرواة بالمعنى، فزادوا فيها ونقصوا، ولحنوا وأبدلوا الفصيح بغـيره، ولهذا تجد الحـديث الـواحد يروى بألفاظ متعددة، منها ما يوافق الإعراب والفصيح، ومنها ما يخالف ذلك".

ثم ينقل السيوطي كلام ابن الضائع وأبي حيان في هذا المجال.

التصنيف في إعراب الحديث:

لقد كان لهذه المواقف المتضاربة من النحاة أن قلّ التصنيف في إعراب الحديث، فلا نجـد كتباً متخصصـة في إعراب الحديث غير ثلاثة كتب: الأول للعكبري، والثاني لابن مالك، والثالث للسيوطي.

قال السيوطي في مقدمة كتابه "عقود الزبرجد":

"... وبعد فقد أكثر العلماء قديماً وحديثاً من التصنيف في إعراب القرآن ولم يتعرضوا للتصنيف في إعراب الحديث سوى إمامين: أحدهما الإمام أبو البقاء العكبري... والثاني الإمام جمال الدين ابن مالك... وقد استخرت الله تعالى في تأليف كتاب في إعراب الحديث مستوعب جامع..."

وفيما يلي وصف لهذه المصنفات:

(1) إعراب الحديث النبوي- للإمام العكبري (538-616هـ):

أبو البقاء محب الدين عبد الله بن الحسن العكبري الأصل، البغدادي المولد والدار، الفقيه الحنبلي الحاسب الفرضي النحوي الضرير[9].

برع أبـو البقاء في فنـون كثـيرة وله مصنفات عديدة منها: إعراب القرآن واللباب في علل البناء والإعراب، وشرح الإيضـاح والتكملة لأبي علي الفارسي، وشـرح المفصـل للزمخشري وغيرها.

وقـد صنف أبو البقاء العكـبري أول كتاب في إعراب الحديث[10]، وأعتمد في أخذ الأحـاديث على كتـاب جامـع المسانيد  لابن الجوزي (597هـ) الذي جمع فيه مصنفه غالب مسند أحمد وصحيح البخاري ومسلم والترمذي.

قال أبو البقاء في مقدمتـه:

"أمـا بعـد فإن جماعة من طلبة الحـديث التمسـوا مني أن أملي مختصراً في إعراب ما يشكل من الألفاظ الـواقعـة في الأحـاديث، وأن بعض الرواة قد يخطئ فيها، والنبي صلى الله عليه وسلم وأصحـابـه بريئون من اللحن، فأجبتهم إلى ذلك، واعتمدت على أتمّ المسانيد وأقربها إلى الاستعياب وهو جامع المسانيد للإمام الحافظ أبي الفرج عبد الرحمن بن الجوزي، رحمه الله، مرتّبة على حروف المعجم، والله الموفق للصواب".

ومجموع الأحـاديث التي تعرّض العكبري لإعرابها نحو 430 حديثاً، كان يستشهد عليها بالقرآن والشعر، وقد يتعرض للخلافات النحوية، وقد يذكر العكبري للرواية أكثر من إعراب. وإذا خرجت الروايـة عن المألوف في كلام العرب ولم يجد لها وجها في قواعد النحاة حكم العكبري عليها باللحن.

(2) إعراب الحديث- للإمام ابن مالك الأندلسي (600-672 هـ):

أبو عبد الله جمال الـدين محمد بن عبد الله بن مالك الطائي الجياني النحوي اللغوي المقريء المحـدث الفقيـه الشافعي[11]. من أشهر مصنفاته: الكـافية الشافية وشرحها، التسهيل وشرحه- لم يتم-، الخلاصة الألفية في النحو والصرف، شرح عمدة الحافظ وعدة اللافظ.

وقـد صنف ابن مالـك كتاباً في إعراب الحديث سماه: "شواهد التوضيح والتصحيح لمشكـلات الجـامـع الصحيـح"[12]. وهو يقوم على إعراب مشكـلات وقعت في صحيـح البخـاري. ويتضـح فيه منهج ابن مالك في الاحتجاج بالحديث النبوي، واستنباط القواعد النحوية منه، ويستدل للأحاديث بالقرآن والشعر، ويخطِّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّيء النحوِيين في عدد من المسائل. وهو بذلك يتميز عن منهج العكبري الذي كان يلحّن الرواية أحيانا لمخالفتها قواعد النحاة.

(3) إعراب الحديث- للإمام السيوطي (849 ـ ا 91هـ):

صنف السيوطي كتاباً ضخماً في إعراب الحديث سماه: "عقود الزبرجد على مسند الإمام أحمد" اعتمد فيه غالباً على مسند الإمام أحمد، وضمّ إليه كثيرا من كتب الحديث.

 قال في مقدمتـه:

"... وقـد استخـرت الله تعـالى في تأليف كتاب في إعراب الحـديث، مستوعب جامـع... وأجعله على مسنـد أحمد مع ما أضمـه إليه من الأحاديث المزيدة، وأرتبه على حروف المعجم في مسانيد الصحابة، وأنشيء له من بحار كتب العربية كل سحابة..."

وهكذا رتّب السيوطي كتابه على الطريقة التي رتب فيها العكبري كتابه. والسيوطي مطّلع على إعراب الحديث للعكبري وإعراب الحديث لابن مالك فينقل أقوالهما في إعراب الحديث ويزيد عليها بما يعنّ له وما يراه من الأقوال الأخرى. فيقول:

"قـد أوردت جميـع كلام أبي البقاء معزوًّا إليه، ليعرف قدر ما زدته عليه، وتتبعت ما ذكره أئمة النحو في كتبهم المبسوطة من الأعاريب  للأحاديث فأوردتها بنصهّا معزوّة إلى قائلها".

والسيوطي- كعادته- جمَّاعة للآراء لا يكاد يغفِل عن نقل رأي منها له قيمته في إعراب الحديث، ولا نكاد نجد له دوراً في الإعراب إلاّ نادراً.

وأهم المصادر التي اعتمد عليها السيوطي في إعراب الحديث:

1- إعراب الحديث للعكبري، وقد صرّح بنقله جميع كلامه.

2- إعراب الحديث لابن مالك.

3- شرح الطيبي على مشكاة المصابيح للتبريزي.

4- شروح صحيح البخاري للكرماني، والزركشي، والخطابي، وابن حجر.

5- شروح صحيح مسلم للقاضي عياض، والقرطبي، والنووي.

6- شرح الكافية الشافية لابن مالك.

7- أقـوال النحـاة واللغويين في مصنفاتهم كالزمخشري في المفصل، والرضي في شرح الكـافيـة، والأنـدلسي في شرح المفصل، وابن يعيش في شرح المفصـل، والجـوهري في الصحاح، والزمخشري في الفائق، وابن الأثير في النهاية في غريب الحديث.

وقـد اعتمدت في تحقيق هذا الكتاب على ثلاث نسخ خطية، الأولى في دار الكتب المصرِية، والثانية في أيا صوفيا، والنسخة الثالثة في الخزانة العامة بالرباط. وقد بذلت جهداً كبيرا في تقويم النصّ والتعليق عليه، وتوثيق الآراء والنقول، وتخريج الأحاديث.

وقـد آثرت تقديم مادة الكتاب على طريقة النص المختار، واستبعدت الفروق بين النسخ، لعدم حاجة القاريء إليها، إلى أن يأذن الله بإتمام الكتاب، وإعادة طبعه كاملاً.

ومن الله العون وبالله التوفيق...

* * *

كتاب  عقود الزبرجد على مسند الإمام أحمد في إعراب الحديث

بسم الله الرحمن الرحيم

 

[ مقدمة الكتـاب]

ربّ يسـر وأتمم بخير فأنت كريم...

الحمد لله الذي خصّ هذه الأمة بالإسناد والإعراب، وصلى الله على سيدنا محمد والآل  والأصحاب.

وبعد:

فقد أكثر العلماء قديماً وحديثاً من التصنيف في إعراب القرآن، ولم يتعرضوا للتصنيف في إعراب الحـديث سوى إمامين: أحدهما الإمام أبو البقاء العكبري، فإنه لما ألّف إعراب القرآن المشهور[13] أردفه بتأليف لطيف في إعراب الحديث، أورد فيه أحاديث كثيرة من مسند أحمد وأعربها، إلاّ أنه لاختصاره، ونزرة ما أورده فيه من النزر القليل، لا يروي الغليل، ولا يشفي العليل.

والثاني الإمـام جمال الـدين بن مالـك، فإنـه ألّف في ذلـك تأليفـاً خاصـاً بصحيـح البخاري، يسمى "التوضيح لمشكلات الجامع الصحيح".

وقـد استخـرت الله تعـالى في تأليف كتاب في إعراب الحـديث، مستوعب جامع، وغيث على ريـاض كتب المسـانيـد والجوامع هامع[14]، شامل للفوائد البدائع شافٍ . كافلٍ بالنقول والنصوص كاف، أنظم فيه كُلّ فريدة، وأسفر فيه النقاب عن وجه كل خريدة[15] وأجعله على مسند أحمد مع ما أضمّه إليه من الأحاديث المزيدة، وأرتّبه على حروف المعجم في مسانيد الصحابة، وأنشيء له من بحار كتب العربية كلَّ سحابة.

واعلم أن لي على كلّ كتاب من الكتب المشهورة في الحديث تعليقة ، وهي الموطأ[16]، ومسند الشافعي[17]، ومسند أبي حنيفة[18]، والكتب الستة[19] ولم يبق إلا مسند أحمد. ولم يمنعني من الكتابـة عليه إلاّ كبر حجمه جداً، وعدم تداولـه بين الطلبة كتداول الكتب المذكـورة، وقـدّرت التعليقة عليه تجيء في عدة مجلدّات، والتعاليق التي كتبتها لا تزيد التعليقة منها على مجلد.

فلما شرح الله صدري لتصنيف هذا الكتاب، عرّفته بمسند أحمد، عوضاً مما كنت أرومه عليه من التعليقة، ولكـونـه جامعاً لغالب الحديث المتكلّم على إعرابه. فإن شئت فسّمه "عقود الزبرجد على مسند أحمد" وإن شئت فقل "عقود الزبرجد في إعراب الحديث" ولا تتقيدّ.

والله أسأل أن يجعله خالصاً لوجهه الكريم، موجباً للفوز بجنات النعيم، إنه البرّ الرحيم...

 

مقدمة [ في الاستشهاد بالحديث]

اعلم أن كثيراً من الأحـاديث روتها الرواةُ بالمعنى، فزادوا فيها ونقصوا، ولحنوا، وأبـدلـوا الفصيـح بغيره، ولهذا تجد الحديث الـواحد يروى بألفاظ متعددة، منها ما يوافق الإعراب والفصيح،

ومنها ما يخالف ذلك[20].

وقد قال الحافظ فتح الدين بن سيد الناس[21]: "إذا ورد الحديث على وجهين ما يوافق الفصيح وما يخالفه، فالموافق للفصيح هو لفظ النبي صلى الله عليه وسلم لأنه لم يكن ينطق إلاّ بالفصيح".

وقد نقل هذا الكلام عن المزني[22].

قال أبو عاصم العبادي[23]- من متقدمي أصحابنا- في طبقاته: "قال المزني: لا يروى في الحديث خطأ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم أفصح العرب، فلا يجوز أن يروي خطأ".

وقال أبو الحسن بن الضائع[24]- بالضاد المعجمة- في شرح الجمل[25]:

"تجويز الرواية بالمعنى هو السبب عندي في ترك الأئمة كسيبويه وغيره الاستشهاد على إثبات اللغـة بالحديث، واعتمـدوا في ذلـك على القرآن وصريح النقل عن العرب. ولولا تصريـح العلماء بجـواز النقـل بالمعنى في الحـديث لكان الأولى في إثبات فصيح اللغة كلام النبي صلى الله عليه وسلم، لأنه أفصح العرب".

قال: "وابن خروف[26] يستشهد بالحديث كثيراً فإن كان على وجه الاستظهار والتبرك بالمروي فحسن، وان كان يرى أن من قبله أغفل شيئاً وجب عليه استدراكه فليس كما رأى".

وقال أبو حيان[27] في شرح التسهيل[28]:

"قد أكثر ابن مالك من الاستدلال بما وقع في الأحاديث على إثبات القواعد الكلية في لسـان العرب، وما رأيت أحداً من المتقدمين والمتأخرين سلك هذه الطريقة غيره. على أن الـواضعين الأوّلين لعلم النحو المستقرئين للأحكام من لسـان العرب كأبي عمرو بن العلاء[29]، وعيسى بن عمر[30]، الخليل، وسيبويه من أئمة البصريين، والكسائي[31]، والفراء[32]، وعلي بن المبارك الأحمر[33]، وهشام الضرير[34] من أئمة الكوفيين، لم يفعلوا ذلك. وتبعهم على هذا المسلك المتأخرون من الفريقين وغيرهم من نحاة الأقاليم، كنحاة بغداد وأهل الأندلس. وقـد جرى الكـلام في ذلـك مع بعض المتأخرين الأذكياء فقال: إنما ترك العلماء ذلك لعدم وثوقهم أن ذلك لفظ الرسول صلى الله عليه وسلم، إذ لو وثقوا بذلك لجرى مجرى القرآن في إثبات القواعد الكلية. وإنما كان ذلك لأمرين:

أحدهما: أن الرواة جوّزوا النقل بالمعنى فتجد قصة واحدة قد جرت في زمانه صلى الله عليه وسلم تقل بتلك الألفاظ جميعها. نحو ما روي من قوله "زوجتكها بـما معك من القرآن" "ملكتكها بما معك", "خذها بما معك" وغير ذلك من الألفاظ الواردة في هذه القصة، فنعلم يقيناً أنه صلى الله عليه وسلم لم يلفظ بجميع هذه الألفاظ، بل لا نجزم أنه قال بعضها. إذ يحتمل أنه قال لفظاً مرادفاً لهذه الألفاظ غيرها، فأتت الرواة بالمرادف، ولم تأت بلفظه صلى الله عليه وسلم، إذ المعنى هو المطلوب، ولاسيما مع تقادم السـماع، وعدم ضبطه بالكتابة، والاتكال على الحفظ، والضابط منهم من ضبط المعنى، وأمـا ضبـط اللفـظ فبعيـد جداً، لاسيـما في الأحـاديث الطـوال. وقـد قال سفيـان الثوري: إن قلت لكـم إني أحدثكم كـما سمعت فلا تصدقوني، إنـما هو المعنى. ومن نظر في الحديث أدنى نظر علم العلم اليقين أنهم إنـما يروون بالمعنى.

الأمر الثاني: أنه وقع اللحن كثيراً فيما روي من الحديث، لأن كثيراً من الرواة كانوا غير عرب بالطبع، ولا يعلمون لسان العرب بصناعة النحو، فوقع اللحن في كلامهم، وهم لا يعلمون ذلك. وقد وقع في كلامهم وروايتهم غير الفصيح من لسان العرب، ونعلم قطعا غير شك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أفصح الناس، فلم يكن ليتكلم إلاّ بأفصح اللغات وأحسن التراكيب وأشهرها وأجزلها, وإذا تكلم بلغة غير لغته فإنما يتكلم بذلك مع أهل تلك اللغة على طريق الإعجاز، وتعليم الله ذلك له من غير معلم.

وابن مالك قد أكثر من الاستدلال بما ورد في الأثر، متعقباً بزعمه على النحويين، وما أمعن النظر في ذلك.

"وابن المصنف رحمه الله كأنه موافق لأبيه في استدلاله بما روي في الحديث، فإنه يذكره على طريقة التسليم".

وقد قال لنا قاضي القضاة بدر الدين بن جماعة. وكان ممن أخذ عن ابن مالك- قلت له: يا سيدي هذا الحديث رواية الأعاجم، ووقع فيه من روايتهم ما يعلم أنه ليس من لفظ الرسول. فلم يجب بشيء.

قال أبو حيان: "وإنـما أمعنت الكـلام في هذه المسألة لئلا يقول مبتديء: ما بال النحـويـين يستدلون بقول العرب وفيهم المسلم والكافر، ولا يستدلون بما روي في الحديث بنقل العدول كالبخاري ومسلم وأضرابهما. فمن طالع ما ذكرناه أدرك السبب الذي لأجله لم يستدل النحاة بالحديث". انتهى كلام أبي حيان.

وقال القاضي عياض[35] في شرح مسلم: قال الشعبي[36]: "إذا وقع في الحديث اللحن البينّ يعرب". وقاله أحمد بن حنبل. قال: "لأنهم لم يكونوا يلحنون". وقال النسائي:[37] "إن كان شيئاً تقولـه العرب فلا يغـيّر، وإن لم يكن من لغة قريش، لأنه عليه الصلاة والسلام كان يكلم الناس بألسنتهم، وإن كان لا يوجد في كلام العرب فرسول الله صلى الله عليه وسلم لا يلحن".

فصل [في عزو الأقوال إلى أصحـابها]

قد أوردت جميع كلام أبي البقاء معزوّا إليه، ليعُرف قدر ما زدته عليه، وتتبعت ما ذكـره أئمة النحـو في كتبهم المبسوطة من الأعاريب للأحاديث، فأوردتها بنصهّا معزوّة إلى قائلها، لأن بركة العلم عزو الأقوال إلى قائلها، ولأن ذلك من أداء الأمانة، وتجنب الخيانة، ومن أكـبر أسباب الانتفاع بالتصنيف، لا كالسارق الذي خرج في هذه الأيام فأغار على عدة كتب من تصانيفي، وهي المعجزات الكـبرى ، والخصائص الصغرى، ومسالك الحنفاء، وكتاب الطيلسان وغير ذلك، وضمّ إليها أشياء من كتب العصريين، ونسب ذلك لنفسه من غير تنبيه على هذه الكتب التي استمد منها، فدخل في زمرة السارقين، وانطوى تحت ربقة المارقين، فنسأل الله تعالى حسن الإخلاص والخلاص، والنجاة يوم يقال للمعتدين لات حين مناص.

وقد رمزت على كل حديث رمز من أخرجه من أصحاب الكتب الستة المشتهرة، وإن لم يكن فيها ولا في المسند صرّحت بذكر من أخرجه من أصحاب الكتب المعتبرة.

فائـدة[هل يتعدى "سمع" إلى مفعولين؟]

يتكرر كثيرا في الحديث قول الراوي "سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " وقد اختلف هل يتعدّى "سمعت"[38] إلى مفعولين؟

فجّوزه الفارسي[39]، لكن لابد أن يكون الثاني مما يُسْمَع، نحو: سمعت زيداً قال كذا. فلو قلت: سمعت زيداً أخاك، لم يجز.

والصحيح تعدّيه إلى مفعول واحد، وما وقع بعده منصوباً فعلى الحال، والأول على تقدير مضاف، أي سمعت قول رسول صلى الله عليه وسلم، لأن السمع لا يقع على الذوات، ثم بيّن هذا المحذوف بالحال المذكور، وهي يقول، وهي حال مبيّنة، ولا يجوز حذفها.

وقال الزمخشري[40] في قوله تعالى: {سَمِعْنَا مُنَادِياً}[41]: تقول سمعت رجلاً يتكلم، فتوقع الفعل على الرجل، وتحذف المسموع، لأنك وصفته بما يسمع، أو جعلته حالا منه، فأغناك عن ذكره. ولولا الوصف أو الحال لم يكن منه بدّ وأن يقال: سمعت كلامه.

 وقـال الطيبي[42]: الأصل في "سمعتُ رسـول الله صلى الله عليه وسلم يقول ": سمعتُ قول رسـول الله، فأخّر القول وجُعل حالاً ليفيد الإبهام والتبيين. وهو أوقع في النفس من الأصل.

فائـدة [ في قولنا "رضي الله عنه" و"رضوان الله عليه"]

سئل الإمام أبو محمد بن السِّيد البَلْيوسي[43] عن قولنا: "رضي الله عنه ورضوان الله عليه  هل "عليه" هنا مبدلة من "عنه" كـما يتبدل بعض الحروف من بعض، فيسوغ فيها على وعن، أم ليست مبدلة؟

فأجـاب: ليست "على" هاهنا ببدل من "عن" التي حكم "رضي" أن يتعدى بها، بدليـل أن "عليـه" قد صارت خبراً عن المبتدأ، ولـو كانت بدلاً من "عن" لكـانت من صلة الـرضـوان، ولم يصـح أن يكون خبرا عنه، وعن مضمنّة في الكلام، كأنه قال: رضوان الله عنه سابغ عليه، أو واقع عليه، ونحو ذلك.

فائـدة [ في إعراب غـير]

سئل ابن الحـاجب[44] عن إعراب "غير" في قولهم: هذا الحديثُ لا نعلمُ أحداً رواه عن فلان غير فلان؟ أينصب غير أم يرفع؟.

فأجـاب بما نصّه: إن جعلت "نعلم" متعـدياً إلى مفعولين أحدهما "أحداً" والثاني "رواه"، كـما نقول: ما أظن أحداً رواه غيرُ فلان، وهو الظاهر، فالفصيح الرفع على البدل من الضمير المرفوع المستتر في "رواه" العائد على أحد، لأنه المنفي في لا نعلم.

ويجوز نصبه على الاستثناء، وهي قراءة ابن عامر[45]، ولا يجوز أن يرفع على أن يكون فاعلاً برواه، لأن في "رواه" ضمير فاعل عائد على أحد، فلا يستقيم أن يرفع به فاعل آخر.

فإن جعلت "نعلم" بمعنى نعـرف المتعدي إلى واحـد، كان "رواه" صفة له، كأنك قلت: لا نعـرف راويـاً غير فلان، تعـينّ النصب، جعلتـه بدلاً أو استثناء، كقـولك: ما أكرمت أحداً راوياً غير زيد. فلا يجوز في "غي" إلاَّ النصب.

نقلته من خط ابن الضائع في تذكرته، وهو نقله من خط ابن الحاجب.

 

 

 

 

 


[1]انظر ترجمة السيوطي ومؤلفاته: حسن المحاضرة للسيوطي1 /335-344.

ترجمة جلال الدين السيوطي لتلميذه الداودي/ مخطوطة بمكتبة عارف حكمت رقم 173 مجاميع.

البدر الطالع للشوكاني1/ 328.

الضوء اللامع للسخاوي 4/ 65.

الكواكـب السائرة للغزي 1/ 226.

شذرات الذهب لابن العماد 8/ 51.

السيوطي وجهوده في الدراسات اللغوية- رسالة ماجستير أعدها الأستاذ محمد يعقوب تركستاني بجامعة أم القرى.

فهرست مؤلفات السيوطي/ مخطوطة بمكتبـة عارف حكمت رقم 173 مجاميع.

مكتبة الجلال السيوطي- تأليف أحمد الشرقاوي جلال الدين السيوطي- بحوث ألقيت في النـدوة التي أقامها المجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب والعلوم الاجتماعية/ الهيئة المصرية العامة للكتاب بالقاهرة 1978 م.

الأعلام للزركلي 4/ 71.

معجم المؤلفين- عمر كحالة5 /128.

تدريب الراوي للسيوطي/ المقدمة.

[2]حسن المحاضرة 1/ 338.

[3]حسن المحاضرة1 /338.

[4]فهرست مؤلفات السيوطي/ مخطوط بمكتبة عارف حكمت رقم 173 مجاميع.

[5]بغية الوعاة بتحقيق محمد أبو الفضل1 /134.

[6]راجع موقف النحاة من الاحتجاج بالحديث في الفصل الثاني من كتابنا النـحاة والحديث النبوي.

[7]الاقتراح ص 16.

[8]همع  الهوامع2 /42بتحقيق د. عبد العال سالم.

[9]أنظر ترجمته في: الذيل على طبقات الحنابلة لابن رجب 2/ 109، نكت الهميان للصمدي 178، الذيل على الروضتين لأبي شامة 199، أنباه الرواة للقفطي 2/ 116 ، وفيات الأعيان لابن خلكان 3/ 100،  بغية الوعاة 2/ 38، شذرات الذهب5/ 67 معجم الأدلاء6/ 46، البداية والنهاية 13/ 85، الأعلام 4/ 208.

[10] حققت هذا الكتاب مع دراسـة لعنـوان " النحـاة والحـديث النبوي " وحصلت بهما على درجة الدكتوراه من جامعة الأزهر لإشراف أستاذنا الدكتور أحمد كحيل. وقد طبعت الكتابين في عمان.

[11]انظـر ترجمتـه في. بغيـة الـوعـاة 1/ 130، البـداية والنهاية 13 /267، نفح الطيب بتحقيق محمد محي الدين 2/ 421، طبقات النـحاة واللغويين لابن قاضي شهبة 133، التسهيل/ التمهيد.

[12] حققه محمد فؤاد عبد الباقي، وطبع في القاهرة 1376  هـ 1977م.

[13] مطبوع باسم "إملاء ما منّ به الرحمن". وقد حققه علي البجاوي وطبعه باسم "التبيان في إعراب القرآن".

[14]هامع أي ماطـر.

[15]الخريدة: البكر التي  لم تمسس. “القاموس).

[16] للسيوطي “تنوير الحوالك على موطأ الإمام مالك) مطبوع.

[17]للسيوطي "الشافي العيّ على مسند الشافعي".

[18]للسيوطي "التعليقة المنيفة على مسند أبي حنيفة".

[19] للسيوطي عليها: التوشيح على الجامع الصحيح، والديباج على صحيح مسلم بن الحجاج، ومرقاة الصعود إلى سنن أبي داود، وقوت المغتذي على جامع الترمذي، وزهر الربى على المجتبى، ومصباح الزجاجة على سنن ابن ماجة.

[20]ذكر السيوطي رأيه هذا في كتابه الاقتراح، ثم نقل فيه كلام ابن الضائع وأبي حيان. انظر الاقتراح ص 16 _19 . وراجع هذه المسألة بالتفصيل في كتابنا "النحاة والحديث النبوي ".