|
|
|
الإمداد
بأحكام الحداد |
|
للدكتور فيحان شالي المطيري |
|
أستاذ مساعد بكلية الشريعة |
|
|
|
الحمد لله الكريم المنّان المتفرد بصفات الكمال والجلال
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له القوي المتعال وأصلّي وأسلّم على خاتم
الأنبياء والمرسلين محمد بن عبد الله أكرم من مشى على وجه الأرض وتحت أديم
السماء. |
|
أما بعد: فقد كرم الله ابن آدم وميز بينه وبين سائر
الحيوانات بنعمة العقل التي يفرق بها بين الخير والشر, والضار والنافع, فالإنسان
يفكر ويتفكر ويأخذ ويعطي على حسب ما يراه من المصلحـة, ونتيجـة لهذا العقل فهو
يتفاعل مع المجتمع, ويقيم الروابط بينه وبين الآخرين, ومن أهم هذه الروابـط
وأجلها رابطة الزوجية التي قال عنها القرآن الكريم: {وَجَعَلَ
بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَة} (الروم:21). فأيّ نعمة أعظم من هذه
النعمة؟. التي تكون بين الزوجين بسبب الـرابطة الزوجيـة ولهـذا فإن الشـارع
الحكيم جعل لكل منهما حقوقا على صاحبه؛ فالزوجة لها حقوق على الزوج عظيمة لا
يسمح له الشرع بالإخلال بشيء منها والانتقاص منها, وكذلك الزوج له حقوق عظيمة
على زوجته لم يجعل الشارع سبيلا للزوجة كي تعبث بها, وهي لا تستحق الإكـرام إلا
إذا قامت بهذه الحقـوق خير قيـام, وهـذا كله دليل على سماحة الشريعة الإسلامية وحرصها
على جمع الكلمة وتقوية الروابط الفردية والاجتماعية وتأسيس الحياة الزوجيـة على
أسـاس قوي يكتب له البقاء ردحاً من الزمن, وفي هذا سعادة المجتمع وسعـادة الفرد,
ولهـذا وغـيره من الأسباب أوجب الله الحداد على المرأة في حق زوجها المتوفى إظهـاراً
لحق الزوج ووفـاءً بالعهـد الذي كان بينهما على حد قوله تعالى: {وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ}.
(البقرة: 237). |
|
نعم إنّ الفضل لا ينسى بين المسلمين وإنـما يذكر أصحاب
الفضل بالفضل, فالزوجة لا تنسى فضـل زوجها ومـا كان بينهما من المحبة والمودة
والعشرة الطيبة, فمن الوفاء كل الوفاء القيام بحقه حياً وميتاً. |
|
ومن هذا المنطلق فقـد ساهمت بهذا الجهد المتواضع خدمة
للشريعة الإسلاَمية, فطالما كنت أفكِّر في الكتابة في هذا الموضوع لما له من
الأهمية في حياة الفرد المسلم اليومية, والموت سنة إلهية لا ينكرها أحد حتى
أولئك الذين لا يعترفون بالإسلام ديناً، نجد أنهم لا ينكرون هذه السنة الإلهية,
فربّـما فقدت المرأة زوجها قبل الـدخـول أو بعده فتكون محتاجة إلى معرفة الأحكام
المتعلقة بالإحداد ولا تجد ما يحقق رغبتها اللهَّم إلا ما كان مبعثراً في
المصادر القديمة مما يتعلق بالحـداد. وقَـد عزمت على الكتـابـة في هذا الموضوع
تيسيراً وتسهيلاً على من يحتاج إلى ذلك مسترشداً بأفكار المتقدمين على ضوء
الدليل والاستدلال والمناقشة, وقد زادني رغبة سؤال أتاني من فتاة تدرس في معهد
التمريض للبنات مفاده أنّ زوجها توفي عنها في حادثة سيارة قبل الـدخول, فهل يجب
عليها الإحـداد؟ ثم إذا كان يجب عليها فهل يجوز لها الخروج للدراسة وتأدية
الامتحان. بالرغم من أنه لا يوجد لها عائل يعولها؟ فأجبتها حسب علمي وأحلتها على
شيخنا سماحة الوالد عبد العزيز بن عبد الله بن باز ليطمئن قلبي وقلبها وبحمد
الله أفتاها بمثل ما أفتيتها به, ومن هنا عقدت العزم على الكتابة وبدأت في جمع
المادة من مصادرها وتقريبها في هذا البحث, راجيا الله عز وجل أن ينفع به كل من
قرأه واطلع عليه، إنه على ذلك قدير، وبالإجابة جدير. |
|
أما أسلوب البحث فهو يتلخص في ما يأتي: |
|
1ـ أذكـر مذاهب الفقهاء الأربعـة ما وجـدت إلى ذلك سبيلا
معتمداً على المصادر المشهورة في كل مذهب ثم أعرّج على المذاهب السنية الأخرى
تتميما للفائدة. |
|
2 ـ أعرض المسألـة ومـا فيها من الاختلاف فأذكر القول
ودليله ومناقشة أدلة القول المرجوح ثم أخلص إلى الراجح حسبما يظهر لي, ولا أعتمد
في القول الراجح على ترتيب معين. |
|
3 ـ أعزو الآيات والأحـاديث والآثار إلى مصادرها, فالآيات
أعزوها إلى سورها في المصحف الشـريف, والأحـاديث أعزوهـا إلى كتب المحدثين,
والآثار إلى كتب المحدثين, وقد أكتفي بعزوها إلى كتب الفقه أحياناً. |
|
4 ـ أجعل الفصل على مباحث, والمبحث على مطالب, والمطلب إلى
فروع ما وجدت إلى ذلك سبيلا حسبما يتطلبه ذلك الفصل. |
|
5 ـ اقتبست أكثر أحكام الإحداد من الأدلة التي تفيد إيجاب
العدة على المتوفى عنها واستفـدت من أقـوال الفقهاء في هذا البـاب وإلا
فالأحكـام التي ذكرت عن الإحداد قديـماً |
|
قليلة جداً لا تتجاوز عشر صفحات في المطوّلات، وإنما فعلت ذلك لكون
الحداد وعدة المتوفى عنها- شقيقتين- فهو يجب حيث تجب وينعدم حيث تنعدم، ولم أجد
من أفرده بالتأليف قبلي وأحسب أن هذا البحت باكورة ما كتب فيه. |
|
أمـا الخطـة فبنيتها على ستة فصول وخاتمة : |
|
الفصل الأول: معنى الإحداد. |
|
الفصل الثاني: حكم الإحـداد. |
|
الفصل الثالث: شروط الإحداد، وفي هذا الفصل
المباحث آلاتية: |
|
المبحث الأول: كون الحـادة عاقلة. |
|
المبحث الثاني: في اشـتراط البلوغ. |
|
المبحث الثالث: في شرط الإسلام. |
|
المبحث الرابع: هل من شرط وجوبِ الحداد كونه من الوفاة؟ |
|
المبحث الخامس: هل من شرط وجوب الحداد كون النكاح
صحيحاً؟ |
|
الفصل الرابع: في أقسام الحداد، والكلام فيه في مبحثين: |
|
المبحث الأول: في الحداد الجائز . |
|
المبحث الثاني: في الحداد الممتنع, وقسمت كل مبحث
إلى قسمين. |
|
الفصل الخامس: في زمن الحداد وفيه مبحثان: |
|
المبحث الأول زمن الحداد على القريب الميت. |
|
المبحث الثاني رمن الحداد على الزوج، وفيه
مطالب: |
|
المطلب الأول عدة غير ذات الحمل وفيه مسائل مبيّنة في موضعها. |
|
المطلب الثاني في سبب وجوب الحداد. |
|
المطلب الثالث: في شرط وجـوب عَدة المتوفى عنها. |
|
المطلب الرابع: في وجوب الحداد على المطلّقة إذا
مات زوجها قبل انقضاء عدّتها من الطلاق. |
|
المطلب الخامس: في إحداد المتوفى عنها الحامل. |
|
الفصل السادس: الآثار المـترتبـة على الحـداد، وفيـه مباحث: |
|
المبحث الأول: في الطيب. |
|
المبحث الثاني: عدم تزين المرأة في نفسـها. |
|
المبحث الثالث: في زينة الثياب. |
|
المبحث الرابع: في منـع الحـادة من الحلي. |
|
المبحث الخامس: في سكنى الحـادة وفيه مطالب:
|
|
المطلب الأول: في مبيت الحادة في منزلها ليلا. |
|
المطلب الثاني: خروج الحادة من منزلها نهاراً. |
|
المطلب الثالث: في وجوب السكنى وعدمها سكن
الحادة. |
|
المطلب
الرابع: في نفقة الحادة. |
|
الخـاتمـة: فقد تكلمت فيها على النتائج التي ظهرت لي من خلال
البحث. |
|
وإليك تحرير
المقام في ذلك كله. |
|
الفصل الأول: معنى الإحداد: |
|
الإحداد له معنى في اللغة ومعنى في الاصطلاح، أما معناه
لغة: فهو المنع لأن الإحداد صفة تتعلَّق بالمرأة المحدة فهو يمنعها من كثير
مما كان مباحاً لها قبله، قال في القاموس: "الحاد والمحدة تاركة الزينة
للعدة تقول: حَدَّتْ تَحِدُّ وتَحُدُّ حَداً وحداداً وأحدّت"[1]،
ومنه سمي البواب حداداً لمنعه الداخل، وسميت العقوبة حداً لأنها تمنع عن المعصية.
وأما معناه في الاصطلاح: فهو أن تجتنب المرأة المعتدة المتوفى عنها زوجها
كل ما يدعو إلى نكاحها ورغبة الآخرين فيها من طيب وكحل ولبس ومطيّب وخروج من
منزل من غير حاجة. |
|
قال ابن درستوية: "معنى الإحـداد منـع المعتـدة نفسها
الزينة وبدنها الطيب ومنع الخطّاب خطبتها والطمع فيها كـما منعَ الحد
المعصية"[2]. |
|
وقال الزيلعي: "وهو -أي الإحداد-: ترك الزينة
والطيب"[3]. |
|
ونشـير هنـا إلى أن الإحـداد فيه لغتان وهما أحدّت إحداداً
فهي محدّة فهذا من باب إفعال، والثاني: تحدّ من باب ضرب يضرب، ونصر ينصر، حدّاً
فهي حادّ[4]. |
|
هذا ما يمكن أن يقال عن معنى الإحداد، ومنه يتبين ما بين
المعنى اللغوي والمعنى الاصطلاحي من العلاقة، فالمعنى اللغوي أعم من المعنى
الاصطلاحي لأنه يراد به المنع مطلقا، أمـا المعنى الاصطلاحي فيراد به منـع
المعتدة من أمور خاصة إلى غاية معينة محدودة وهي مدة العدة. |
|
فالعـلاقـة بين المعنيـين علاقـة عمـوم وخصـوص كـما ترى
وهـذا هو الشأن في معظم الأحكام التي لها معنى في اللغة ومعنى في الاصطلاح إن لم
نقل كلها... |
|
الفصل الثاني: في حكم الإحداد: |
|
هذا وبعـد عرض المعنى اللغوي والاصطلاحي للإحداد نرى أنه من
المفيد أن نذكر حكمه لأن ذلك هو الهدف الأول من دراسة ما يتعلق به من أحكام
بالنسبة للمرأة إذا توفرت شروطه فنقول: اتفق كل من يعتد بقوله من أئمة الفتوى
على وجوب الإحداد على المرأة التي مات زوجها من غير فرق بين ما إذا كانت مدخولاً
بها أو غير مدخول بها بل هو واجب على الكـل فلو أرادت المتوفى عنها زوجهـا تركـه
لم يكن لها ذلـك لأن الواجب هو ما يثاب فاعله ويعاقب تاركه في اصطلاح الأصوليين،
فالمرأة التاركة للإحداد آثمة ولاشك لما ستعرف قريبا من المنقـول والمعقـول و
إجماع الصحـابـة على وجوب الإحداد ولم أجد في هذا المعنى خلافا اللهّم إلا خلافـا
شاذاً مرويـا عن الحسن البصري والشعبي وسنـذكـر هذا الخـلاف تتميـما للفائدة
وتبييناً للحق، إذن المنقول في ذلك من مذهبان: مذهب الجمهور وهو المعتمد
والمشهور والمعمول به، ومذهب الحسن البصري والشعبي. ولنبدأ بمـذهب الجمهـور
ونذكر أدلتهم ونثنِّي بالمذهب المخالف مع الإشارة إلى أدلة هذا المذهب وما أورد
عليها من المناقشات. |
|
فنقول وبالله التوفيق: ذهب جمهور الفقهاء قديما وحديثا
من الصحابة والتابعين ومن بعدهم إلى وجوب الإحداد على المرأة المتوفى عنها زوجها
على تفصيل في ذلك نذكره قريبا إن شاء الله تعالى[5].
|
|
وإنـما ذهب الفقهاء هذا المـذهب للمنقـول والمعقـول وإجماع
الصحابة. |
|
أما المنقول فنورد منه ما يأتي: |
|
أ ـ عن حميد بن نافع عن زينب بنت أم سلمة أنها قالت: دخلت
على أم حبيبة حين توفي أبوها أبو سفيان فدعت أم حبيبة بطيب فيه صفرة خلوق أو
غيره فدهنت منه جارية ثم مست بعارضيها ثم قالت: والله مالي بالطيب من حاجة غير
أني سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول على المنبر: "لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر تحدّ على ميت
فوق ثلاث إلا على زوج أربعـة أشهر وعشراً"، قالت زينب: ثم دخلت على
زينب بنت جحش حين توفي أخـوهـا فدعت بطيب فمسّت منه ثم قالت: والله مالي بالطيب
من حاجة غير أني سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول على المنبر: "لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحدّ على
ميت فوق ثلاث إلا على زوج أربعـة أشهر وعشراً"، قالت زينب: وسمعت
أمي أم سلمة تقول: جاءت امرأة إلى رسـول الله -صلى الله عليه وسلم- فقـالت: يا
رسـول الله إن ابنتي توفي عنها زوجها وقـد اشتكت عينهـا أفَنُكَحِّلُها؟ فقال
رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "لا، مرتين أو
ثلاثا، كل ذلك يقول: "لا "، ثم قال: "إنما هي أربعة أشهر
وعشراً". متفق عليه مختصراً. |
|
ب ـ عن أم سلمة أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحدّ فوق
ثلاثة أيام إلا على زوجها أربعة أشهر وعشراً"[6]. |
|
فقـد دلّ هذان الحـديثـان ومـا في معناهما على وجوب الإحداد
على المرأة المتوفى عنها زوجها وهما نص في الموضوع ووجه الاستدلال من ذلك هو
قوله -صلى الله عليه وسلم-: "إلا على زوج أربعة أشهر
وعشراً" وهذا على معنى الإيجاب لا على معنى الإباحة لأن ذلك مستثنى
من التحريم وهـو قولـه -صلى الله عليه وسلم-: "لا
يحـل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحدّ" وهذا يقتضي أن لفظة (افعل)
وهـو قوله: "أربعـة " تكـون بعد
الحظر على بابها وهو الإيجاب فالحظر هنا التحريم فاستثنى منه الإيجاب كـما نرى
خلافاً لمن قال من الفقهاء إنها تقتضي الإباحة. |
|
فإن قيل الاستثناء في الحديث وهو قوله -صلى الله عليه وسلم-:
"إلا على زوج.." الخ قد وقع بعد النفي فيدل على الحل فوق
الثلاث على الزوج لا على الوجوب قيل إن الوجوب استفيد من دليل آخر بالإضافة إلى
ما قلنا وهذا الدليل هو الإجماع وهو ما سنبيِّنه فيما يأتي. |
|
وأمـا الإجماع فإنـه روي عن جماعـة من الصحـابـة
منهم عبد الله بن عمر وعائشة وأم سلمة وغيرهم -رضي الله عنهم- القول بوجوب الإحداد
ولا يعرف لهم مخالف في عصرهم فكان إجماعا من الصحابة- رضي الله عنهم[7] |
|
ومستند الإجماع هو ما ذكرناه من النصوص الدالة على وجوب
الإحداد. |
|
وأمـا المعقـول فهـو يفيـد إيجاب الإحـداد على
المعتدة من الوفاة أيضاً لأن الحداد إنما وجب إظهاراً لحق الـزوج على زوجتـه
تأَسُّفاً على ما فاتها من حسن العشرة ودوام الصحبة إلى وقت المـوت زد على هذا
أنّ الحـداد يكـون واجبا لسبب آخر وهو فوات النكاح الذي هو نعمة في الدين خاصة
في حقها لما فيه من قضاء لشهوتها وعفتها عن الحرام وصيانة نفسها عن الهلاك بدرور
النفقة وقد انقطع ذلك كله بالموت فلزمها الإحداد إظهاراً للمصيبة والحزن[8]. |
|
فهذا هو النص
والإجماع والمعقول كلها قاضية بإيجاب الحداد إذا وجد سببه وهو بّين كـما ترى
والله أعلم. |
|
ثانيا: ذهب الحسن البصري والشعبي إلى عدم وجـوب الإحـداد على
المعتدة من الوفاة وهو قول شاذ مخالف لإجماع أئمة المسلمين ولهذا رده بعضهم فإنّ
الخلال نقل بإسناده عن أحمـد عن هشيم عن داود عن الشعبي أنـه كان لا يعـرف
الإحـداد قال أحمد: "ما كان بالعـراق أشـد تبحراً من هذين- يعني الحسن
والشعبي- " قال أحمد: "وخفي ذلك عليهما". قال ابن حجر في الفتح:
بعد إيراده ما ذكر "ومخالفتهما لا تقدح في الاحتجاج وإن كان فيها ردّ على
من ادّعى الإجماع"[9]. |
|
وقال ابن قدامة في المغني بعد أن ذكر خلاف الحسن لأئمة
الفتوى: "وهو قول شذ به عن أهل العلم وخالف به السنة فلا يُعرَّج
عليه"[10]. |
|
هذا ما أورده أهـل الـعلم على هذا القـول الشـاذ وعلى فرض
التسليم بثبـوتـه فالاستدلال له بما يأتي: |
|
1 ـ ما روي عن عبد الله بن شداد بن الهاد عن أسماء بنت عميس
قالت: لما أصيب جعـفـر بن أبـي طالب قال لي رسـول الله -صلى الله عليه وسلم-: " تسلبي[11]ثلاثـا ثم اصنعي ما شئت"[12].
أخرجه أحمد. |
|
2 ـ عن أسـماء بنت عميس أنها استأذنت النبي -صلى الله عليه
وسلم- أن تحدّ على جعفر وهي امرأته فأذن لها ثلاثة أيام ثم بعث إليها بعد ثلاثة
أيام أن تطهري واكتحلي[13]. |
|
فهـذا دليل على عدم وجـوب الإحداد على المعتدة من الوفاة
أكثر من ثلاثة أيام وهو نص في محل النزاع والجواب عن هذا الاستدلال من وجوه: |
|
الوجه الأول: أنـه شاذ لا يحتج به ولا يصلح عمدة لإثبات
الأحكام، قال ابن المنذر مجيبا عن ذلك: "وقد دفع أهل العلم هذا الحديث
بوجوه، وكان أحمد بن حنبل يقول: "هذا شاذ ولا يؤخذ به" وقاله إسحاق[14]. |
|
الوجه الثاني: أنّ هذا الحديث مخالف للأحاديث الأخرى الصحيحة
ولعلها لم تبلغ القائلين بهذا القول إذ إنها لو بلغتهم لم يسعهم إلا التسليم؛
لأنه لا يصح لمسلم كائنا من كان يبلغـه حديث رسـول الله -صلى الله عليه وسلم-
دالُّ على حكم من الأحكـام إلا القبـول والتسليم قال ابن المنذر: بعـد عرض
المسألـة ومـا فيها من خلاف: "كان الحسن البصري من بين سائر أهل العلم لا
يرى الإحداد، وقد رُدَّ قول الحسن بأن الأخبار قد ثبتت عن النبي -صلى الله عليه
وسلم- بوجوب الحداد وليس لأحد بلغَته إلا التسليم، ولعل الحسن لم تبلغه أو بلغته
فتأولها بحديث أسماء بنت عميس[15]الآنف الذكر. |
|
الوجه الثالث: لو سلّمنا بصحة هذا الحديث فالأحاديث الدالة على
الوجوب مقدّمة عليه لكونها أصح منه ولا ريب في دلالتها على الوجوب فإنّ حديث
التي شكت عينها والذي تم تثبته قريبا يفيد الإيجاب وإلا لم يمتنع التداوي
المباح، وأيضا السياق يدل على الوجوب فإن كل ما منـع منـه ودل دليـل على جوازه
كان ذلك الـدليل دالاً بعينه على الوجوب كالختان والزيادة على الركوع في الكسوف[16]. |
|
هذا ما يمكن أن يستدل به لهذا القول وما يمكن أن يجاب به عن
الاستدلال. |
|
والذي يترجح عندي هو القول بوجوب الإحداد إذا وجد
سببه وتوفرت شرائطه وذلك لدلالة السنة والمعقول وإجماع الصحابة على ما بيَّنا
فهل يقول مسلم يؤمن بالله واليوم الآخر وبرسالـة محمد -صلى الله عليه وسلم-
بعـدم وجوب الإحداد بعد معرفة النصوص النبوية الشريفة التي تفيد بمنطـوقها
ومفهـومهـا إيجـاب ما دلت عليه... لا أعتقد أنّ أحداً يقول بخلاف ذلك ولهذا
انعقـد إجماع الصحـابـة -رضي الله عنهم- على هذا المعنى، وفي ظني أن الحسن
البصري والإمام الشعبي لو بلغتهما هذه النصوص لما أحجما عن القول بوجوب الإحداد
لما عرف عنهما من الفضل والتقـوى وإرادة الحق وهـذا شأن كل مسلم لأن المسلم
إنـما سمي مسلما لتنفيذه الأوامر الربـانيـة واجتنـابـه النواهي السماوية وهو ما
يفيده معنى الإسلام فإن الإسلام: هو الاستسلام لله بالتوحيد والانقياد له
بالطاعة، فإذا كان المسلم قائـماً بما أَمر به مجتنباً لما نهي عنه استحق أن
يوصف بوصف الإسـلام والإيـمان، وإذا لم يكن كذلـك فلا فرق بينـه وبين سائر الناس
الذين لا يؤمنون بالشرائع السماوية. |
|
ونحن لا نقـول إنّ المرأة المتوفى عنهـا زوجها إذا تركت
الإحداد خرجت من الإسلام وإنـما نقـول إنهـا تركت واجباً من واجبات الإسلام يثاب
فاعله ويعاقب تاركه فإن الإيجاب وعدمه لا يعرف إلا من قبل الشارع وهو الذي أوجب
الإحداد على كل من توفي عنها زوجها من غير تفصيل. |
|
الفصل الثالث: في شروط الإحداد: |
|
عرفت في الفصل الآنف الذكر حكم الحداد وأنه واجب في الشريعة
الإسلامية وقد دل على وجـوبـه صريـح السنـة وإجمـاع الصحـابة والمعقول على ما تم
ثبته قريباً وبما أن الحكم |
|
الشرعي قد لا يوجد عادة إلا إذا توفرت له شروط خاصة ولكون الحداد من هذا
القبيل كان من الضروري أن نشير إلى الشروط اللازمة لوجوب الإحداد والتي لابد من
وجودها لإيجاب الإحداد على المرأة المحدة، وهذه الشروط ليست محل اتفاق وإنما هي
موضع خلاف عند أئمة الفتوى فـما يراه البعض قد لا يراه البعض الآخر، كذلك وبيان
هذه الشروط على النحو الآتي وطبقاً لما يقتضيه فن التأليف وجودة التنظيم. ونظراً
لتعدد هذه الشروط فقد رأيت أن أجعل هذا الفصل مبنياً على المباحث الآتية. وقبل
أن ندخل في التفصيل نشير هنا إلى أن شروط الحداد على قسمين: قسم متفق عليه وقسم
مختلف فيه. |
|
فالقسم المتفق عليه: هو أن تكـون المعتـدة عاقلة
بالغة مسلمة من نكاح صحيح. وأما القسم المختلف فيه: فهو سوالب هذه
الشروط. وكذلك هل يشترط في الحداد كون المرأة معتدة من وفاة أولا؟ ونحن نشير إلى
ذلك كله بالتفصيل. |
|
المبحث الأول: كون المرأة المعتـدة عاقلة. اتفق الفقهـاء على
وجـوب الحداد على المرأة العاقلة إذا وُجِدَت الشروط الأخرى التي سنذكرها قريبا؛
وذلك لأن العقل نعمة أنعم الله بها على الإنسـان وميزه بها عن سائر الحيوان فهو
يميز بها بين الحلال والحرام، والضار والنافـع، ولـذلـك جعـل الشارع العقل
مناطاُ للتكليف لعلمه أنّ فاقد العقل لا يفرّق بين الضار والنافع, وبالتالي لا
يستطيع القيام بالأحكام التكليفية على الوجه الذي أمر الشارع أن تكون عليه، ومن
هذا المنطلق قالت الحنفية بعدم وجوب الحداد على المجنونة[17]؛
لأن العقل هو مناط التكليف كـما قلنا والمجنـونـة فاقـدة لهذه الـوسيلة فلا
يتـوجـه إليها أمر ولا نهي لأن الشريعة الإسلامية لا تكلف أحداً إلا بما هو في
مقدوره وتحت تصرفه على حد قوله تعالى: {لا
يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا}. (البقـرة: 286)، وقوله
تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ}.
(التغابن: 16). ولا يوجد شيء من ذلك بالنسبة للمجنونة التي ذهب عقلها وحُرمت
تلك النعمـة، ولهذا قالت العلماء إنها غير مخاطبـة بالأحكـام التكليفية، والحداد
من الأحكـام التكليفية فلا يجب عليها، يحقق ذلـك كله قوله -صلى الله عليه وسلم-:
"رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن
الصغير حتى يبلغ وعن المجنون حتى يفيق "[18].
ورفع القلم هنا معناه عدم التكليف لأن من ذكر في الحديث لو كان مخاطباً بالأوامر
والنواهي لكان خطابا بما لا يطـاق، والشـريعـة الإسـلاميـة لا تقر هذا، ولا يظلم
ربـك أحدا. هذا ما رآه الحنفية ولم ير الجمهور هذا الرأي بل قالوا بوجـوب
الحـداد على المجنونة[19]لأنها زوجة ف"لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم
الآخر أن تحدّ على ميّت فوق ثلاث إلا على زوج أربعـة أشهر وعشرا" هي
داخلة تحت عموم قوله صلى الله عليه وسلم:[20]فهذا نص عام يفيد إيجاب الإحداد على كل زوجة من غير فرق بين ما إذا كانت عاقلة
أو غير عاقلة، والقول بعدم وجوب الإحداد على المجنونة يحتاج إلى دليل مخصص لهذا
العمـوم ولم يوجـد فيبقى على عمـومه دالاً على إيجاب الإحداد مطلقا، وستعـرف في
المبحث الآتي مزيـداً من الأدلـة للفريقـين لما بين المبحثـين من العـلاقة وذلك
لاشتراك الجنون والصغر في عدم التكليف. |
|
المبحث الثاني: كون المعتدة بالغة: |
|
البلوغ هو مظنـة رشد المكلف فإذا بلغ الصغـير فإنـه قد يعرف
مصالح نفسه ويكون رشيداً يحسن التصرف في
تعامله مع نفسه ومع غيره يبيِّن ذلك قوله تعالى: {وَابْتَلُوا
الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ
رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ}. (النساء: 6). |
|
والبلوغ ضد
الصغـر، والصغـير هو من لم يبلغ النكاح، والصغر مظنة لعدم الرشد لكون الصغير
فاقداً لآلة الفهم والتمييز وإدارك الأشياء على حقيقتها التي تمكنه من معرفة
مصالحه وعلى هذا فهل يجب الحداد على المرأة الصغيرة التي لم تبلغ مع اتفاق
الفقهاء على وجوبه على المرأة البالغة العاقلة؟. |
|
أقول: اختلف الفقهاء في وجـوب الحـداد على الصغيرة على قولين: |
|
القول
الأول: ذهب الجمهور إلى وجوب الحداد على الصغيرة فلا فرق عند هؤلاء بين
الصغيرة والكبيرة إلا في الإثم
[21].
وقول الجمهور هنا موافق لقولهم في إيجاب الحداد على فاقدة العقل بسبب الجنـون -
كـما تم ثبتـه قريباً- فلا فرق عنـدهم في إيجاب الإحداد على الزوجة بين أن تكون
عاقلة أو غير عاقلة مادام أنّ اسم الزوجية شامل لها. |
|
الاستدلال لهذا القـول: استدل أصحاب هذا القول بالمنقول
والمعقول: |
|
أما المنقول
فهو العمومـات التي تفيـد إيجـاب الإحداد على المرأة المتوفى عنها زوجها من غير
فرق بين ما إذا كانت كبيرة أو صغيرة من مثل قوله -صلى الله عليه وسلم-: "لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحدّ على
ميّت فوق ثلاثٍ إلا على زوج أربعة أشهر وعشراً". وقد ذكرنا طرفا من
هذه العمومات عند الكـلام على الفصـل الثاني وهي قاضية بوجوب الحداد، شاملة
بعمومها لكل أحد وإخراج الصغيرة من هذا العموم يحتاج إلى دليل ولا دليل عليه. |
|
وأما استدلالهم بالمعقول فمن وجوه: |
|
أ ـ إنّ العدة تجب على الصغيرة اتفاقاً فإذا كان الأمر كذلك
فإن الحداد يجب عليها لكونه حُكماً من
أحكام النكاح فهو يشترك مع العدة في ذلك بالإضافة إلى ما فيه من إظهار التأسف
على فراق الزوج، ونحن نعلم يقينـا فراغ رحم الصغـيرَة ومـع ذلـك وجبت العـدة
عليها. فالعدة إنـما وجبت عليها لحق الشرع لأن فراغ رحمها من ماء الزوج أمر
مقطوع به ومع هذا وجبت عليها العدة فكذلك الحداد يجب عليها. |
|
ب ـ إن الصغـيرة يحرم العقـد عليهـا بل تحرم خطبتها مادامت
في العدة وهذا المعنى يوجد في حق الكبيرة فظهر أنهما يشتركان في حكـم الحداد
أيضا[22]. |
|
ج ـ إنّ غير المكلفـة تسـاوي المكلفة في اجتناب المحرمات
كالخمر والزنا، وإنما يفترقان في الإثم[23]فإذا كان الأمر كذلك فإنّ ترك الحداد فـعل محرم والصغيرة ممنوعة من ذلك ويكون
المنـع إلى وليّها بمعنى أنـه لا يمكنها من ترك الحداد كـما أنه لا يمكنها من
ترك العدة فتحريم الطيب وسائر أنواع الزينة عليها إنما هو لحق الشرع، فالشرع هو
الذي منعها من ذلك، والغرض من هذا هو إظهار حق الزوج وهذا المعنى يستوي فيه
البالغة وغيرها. |
|
وذهب أبـو حنيفـة وأصحـابـه إلى عدم وجـوب الحـداد على
الصغيرة وجعلوا ذلك مخصوصا بالمرأة البالغة، وإنما قالوا بذلك لما يأتي[24]: |
|
1 ـ أن الحداد حق من حقوق الشرع ولهذا لو أمرها الزوج بتركه
لا يجوز لها تركه فلا تخاطب الصغيرة بذلك، وكذا شرط الإيمان فيه حيث قال رسول
الله صلى الله عليه وسلم: "لا يحل لامرأة تؤمن
بالله وباليوم الآخر" الحديث. |
|
2 ـ إنّ منع الصغيرة المتوفى عنها زوجها من اللبس والطيب هو
فعلها الحسّي محكوم بحرمته فلابد فيه من خطاب التكليف بخلاف العدة وإنها قد تقال
على كف النفس عن الحرمات الخاصة وعلى نفس الحرمات وعلى مضي المدة وهي اللازمة
لها على كل حال بمعنى أنـه يثبت بعـد الموت صحـة نكاح الصغيرة إلى انقضاء مدة
معينة وهي مدة العـدة فإذا باشـروا لها عقـد النكـاح قبـل انقضاء عدتها لا يصح
شرعا ولا خطاب للعبـاد فيـه تكليفي بل هو من ربـط المسببات بالأسباب وهـذا كله
لا يوجد في الحداد لأن الخطاب به خطاب تكليفي فلو اكتحلن أو لبسن المزعفر
واختضبن لا يأثمن لعدم التكليف به[25]. |
|
هذا ما استدل به الفريقان بالنسبة لهذه المسألة وهي مشكلة
كـما نرى ووجه الإشكال هو أن الصغيرة لا تخاطب بفروع الشريعة من الصوم والصلاة
والحج لأنها فاقدة للأهلية وهي التكليف فالخطاب إنما يتوجه إلى المكلفين, وعموم
السنة التي استدل بها الفقهاء على وجوب الحداد قاضية بوجوب الحداد على كل امرأة
من غير فرق بين الصغيرة والكبيرة, زد على هذا أن العـدة واجبـة من غير فرق أيضا,
وقـد قلبت النظر في هذه المسألة كثيراً لعلي أهتدي إلى الراجـح منهـما وبعـد نظر
طويـل وتفكير عميق شرح الله صدري بترجيح القول الأول وهو وجوب الحداد عليها وذلك
لما يأتي: |
|
1 ـ أن الصغيرة المتوفى عنها زوجهـا لا يجوز لها أن تفعـل
شيئا من المحرمات كالزنا والخمر والسـرقة وغيرها من المحرمات, والولي مطالب
بمنعها فإذا لم يمنعها من الوقوع في الفعل المحرم فهو آثم, ومن ذلك ترك الحداد
وفعل ما ينافيه كالطيب وسائر أنواع الزينة, فكما أنّ الولي لا يجوز له أن
يمكِّنَها من ارتكاب سائر المحرمات فكذلك لا يجوز له أن يمكّنها من ترك الحداد
وهو مخاطب بذلك كـما يفيده عموم قوله صلى الله عليه وسلم: "مروا أبناءكم بالصلاة لسبع واضربوهم عليها لعشر
وفرّقوا بينهم في المضاجع"[26],
فلو لم يفعل الولي ذلك فهو آثم ولاشك, وكذلك ما نحن فيه. |
|
2 ـ أنّ وجوب العدة على الصغيرة لا خلاف فيه عند أئمة
الفتوى فيما علمنا, يوضحه قولـه تعالى: {وَالَّذِينَ
يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ
أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً}. (سورة البقرة: 234). والصغيرة زوجة
والتنكير يفيد العموم والعدة عبادة وهي لازمة للصغـيرة فهل يقـول قائـل إنها تجب
هنا ولا يجب الحداد هنالك, فإن كان كذلك فهو مطالب بالدليل على وجود الفرق. |
|
3 ـ نعم الصغيرة لا تخاطب بفروع الشريعة وإنما الولي هو
المطالب بمنعها من فعل المحرمات على ما بينا, ألا ترى أن الولي لوليّ بالحج عن
الصغيرة أو الصغير؟. كانت أحكام الحـج لازمـة لوليها بمعنى أن الولي لا يمكنه من
فعل محظورات الإحرام من الطيب واللبس ونحو ذلك فلو فعل ذلك كان آثما فأي فرق بين
المسألتين إنني لا أجد فرقا. |
|
4 ـ العمـومـات التي استدل بها أصحـاب القـول الأول من مثل
قوله صلى الله عليه وسلم: "لا يحل لامـرأة تؤمن
بالله واليـوم الآخر أن تحدّ على ميّت فوق ثلاث إلا على زوج أربعة أشهر
وعشـر", لم تفرق بين ما إذا كانت الزوجة كبيرة أو صغيرة بل هي شاملة
بعمومها لكل أحد, فقوله: (لامرأة) نكرة تفيد العموم, وقد أكد هذا العموم بذكره
النكرة بعد النفي وهذا زيادة في العموم كـما تفيده قواعد الأصول, وسيأتي تحرير
المقام في قوله صلى الله عليه ويلم (أن تؤمن) عند الكلام على حكم الحـداد من
الكتابية. ولا حجة في قوله صلى الله عليه وسلم (امرأة) للقائلين بعدم وجوب
الحداد على الصغيرة وذلك لأمرين: |
|
الأمر الأول: أن الصغيرة تسمى امـرأة فلها من الحقوق كالكبيرة,
وعليها ما عليها, صحيح أنها لا تبتغى لطلب الولد لصغرها لكونها لا يوطأ مثلها
بيد أن اللفظ شامل لها. |
|
الأمر الثاني: لو سلمنـا أنها لا تسمى امرأة فلا
دلالة فيه للمخالفين لأننا نقول إنه خرج مخرج الغالب فإن الغالب الكثير أن المرأة لا يفارقها زوجها إلا وهي كبيرة وليس معناه أن الحداد لا يجب على
الصغيرة. |
|
المبحث الثالث: كون الحادة مسلمة: |
|
اتفق الفقهاء فيما علمنا على أن الحداد يجب على المرأة
الكبيرة العاقلة البالغة المسلمة على ما بيّنا, واختلف الفقهاء في سوالب ذلك,
ومنه اختلافهم في وجوب الحداد على الكتابية, وتجدر الإشارة هنا إلى أن أئمة
الفتوى لم يختلفوا في إباحة الحداد لكل من ذكرنا ومن سنذكر قريبا, وإنما الخلاف
في الوجوب أو السنية. |
|
وبيان اختلافهم في وجوب الحداد على الكتابية كالآتي: |
|
1ـ ذهب الجمهور ومنهم الأئمـة الثـلاثـة مالك والشافعي
وأحمد إلى وجوب الحداد على الكتابية, وقـد استـدلوا لذلك بأدلة بيانها كالآتي:
العمومات التي تفيد وجوب الحداد على الكتابية لأنها من جملة النساء, والأحاديث
لم تفرق بين ما إذا كانت المرأة مسلمة أو كتابية, و إخراج الكتابية من هذا
العمـوم يحتاج إلى دليل, ولا دليل عليه, ومن ادّعى خروج الكتابية فعليـه
الـدليـل, أضف إلى هذا أن الكتابية زوجة وقد أوجب الله تعالى العدّة على الزوجات
من غير تخصيص. يوضحـه قوِلـه تعالى: {وَالَّذِينَ
يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ
أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً} فهذا إيجاب من الله تعالى العدة على
الزوجات من غيرفرق ولا تجب عدة الوفاة إلا حيث يجب الحداد؛ لأن الحداد حق للزوج
فهو يلتحق بالعدة في حفظ النسب فتدخل الكافرة في ذلك بالمعنى كـما دخل الكافر في
النهي عن السوم على سوم أخيه[27]. |
|
فإن قيل كيف يكـون الحـداد واجبـاً على الكتابية وقد شرط رسول الله
صلى الله عليه وسلم في وجوبه الإيمان بدليل قولـه صلى الله عليه وسلم: "لا يحـل لامرأة تؤمن بالله أن تحد..".
فهذا دليل على عدم وجوبه على الكتابية؟ قيل الجواب عن ذلك من أوجه: |
|
أ ـ أن شرط الإيمان إنـما ذكر تأكيداً للمبالغة في الزجر
فلا مفهوم له كـما يقال هذا طريق المسلمين وقد يشاركهم غيرهم[28]. |
|
قال النووي في شرحه على صحيح مسلم مجيبا عن هذا الاعتراض
ومبيِّناً أنه لا دليل فيه "وأن المؤمن هو الذي يستثمر خطاب الشارع وينتفع
به وينقاد له فلهذا قُيّد به"[29].
أضف إلى هذا أن السبكي نقـل في فتاويـه عن بعضهم أن الـذمية داخلة في "تؤمن
بالله واليوم الآخر"[30]. |
|
ب ـ أنّ الحداد حق للزوجية على ما بيّنا فهو ملتحق بالنفقة
والسكن فكما أن الزوج تجب عليه نفقة زوجته وسكنها فكذلك يجب على الزوجة الحداد
على زوجها[31]. |
|
ج ـ أن العـدة لا تجب على الـذميـة إلا إذا كان زوجها
مسلماً أما إذا كان زوجها ذميا فإن الحـداد لا يجب عليها, وأهل الذمة مطالبون
بتنفيذ عقودهم مع المسلمين وهذا منها. قال ابن القيم في الهدي مشيراً إلى ما
قلنا: "ولكن عذر الذين أوجبوا الحداد على الذمية أنه يتعلق به حق الزوج
المسلم وكان منه إلزامها به كأصل العدة ولهذا لا يلزمونها به في عدتها من الذمي
ولا يتعرض لها فيها فصار هذا كعقودهم مع المسلمين فإنهم يلزمون فيها بأحكام
الإسلام وإن لم يتعـرض لعقـودهم مع بعضهم بعضا"[32].
وذهب الحنفية وبعض المالكية وأبو ثور إلى عدم وجوب الحداد على الذمية سواء كان
زوجها مسلماً أو ذمياً[33]. |
|
وقد استدل أصحاب هذا القول بـما يأتي: |
|
1 ـ إنَّ الكتـابيـة غير مخاطبـة بحقـوق الشرع والحداد من
حقوقه يوضحه قوله عليه الصلاة والسلام: "لا يحل
لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر.." الخ. |
|
فالإيمان شرط لوجوب الحـداد وهو لا يوجد في الكتابية لكونه
حقاً من حقوق الشرع, والـذميـة ليست أهـلا لذلـك يوضحـه أن المسلمة لو أمرت بترك
الحداد لم يكن لها ذلك فدل على أنه تكليفي, والأحكام التكليفية خاصة بالمسلمين
قال ابن القيم في الهدي مستدلا لهذا القـول بأن النّبي صلى الله عليه وسلم
"جعل الإحـداد من أحكام من يؤمن بالله واليوم الآخر فلا تدخل فيه الكافرة
ولأنها غير مكلفة بأحكاَم الفروع فعدوله عن اللفظ العام المطلق إلى الخاص المقيد
بالإيمان يقتضي أن هذا من أحكام الإيمان ولوازمه وواجباته فكأنه قال: من التزم
الإيمان فهذا من شرائعه وواجباته"[34]. |
|
هذا ما يمكن أن يستـدل به بهذا القـول, وقـد عرفت الجواب عن
اشـتراط الإيمان في وجـوب الحـداد عنـد الكـلام على أدلـة الجمهـور, ونضيف هنا
ما ذكره ابن القيم عند عرضه للمسألـة حيث قال: "والتحقيق أنّ نفي حل الفعـل
عن المؤمنين لا يقتضي نفي حكمه عن الكفار ولا إثبات الحكم لهم أيضا, وإنما يقتضي
أنّ من التزم الإيمان وشرائعه فهذا لا يحل ويجب على كل حال أن يلزم الإيمان
وشـرائعـه ولكن لا يلزم الشارع شرائع الإيمان إلا بعد دخوله فيه, وهذا كما لو
قيل للمؤمن أن يترك الصلاة والحج والزكاة فهذا لا يدل على أن ذلك حل للكافر وهذا
كـما قال في لباس الذهب: "لا ينبغي للمتقين" فلا يدل إنه ينبغي لغيرهم
وكذا قوله: "لا ينبغي للمؤمن أن يكون لعاناً"
[35]. |
|
كـما عرفت مزيـداً من أدلـة الفريقين عند الكلام على وجوب
الحداد على الصغيرة, وسبب اختـلاف الفقهاء في هذه المسألـة راجـع من حيث الجملة
إلى أمرين: |
|
الأمر الأول: الاختـلاف في خطاب أهـل الـذمـة بفـروع الشرع هل
يخاطبون بها أولا؟ فمن قال: إنهم يخاطبون بها قال: يجب الحـداد على الـذميـة,
ومن قال: إنهم لا يخاطبون بها قال: لا يجب الحداد عليها. |
|
الأمر الثاني الاختلاف في العدة هل هي حق لله أم حق للزوج؟ فمن
قال: إنها حق لله قال: لا تجب العدة على الذمية, ومن قال: إنها حق للزوج قال:
تجب العدة عليها, والذي يترجح عندي هو أن الـذمية لا يجب عليها الحـداد إلا إذا
رفع ذلك إلى الحاكم المسلم فإنه يلزمها حينئذ بالحداد. |
|
وأمـا إذا لم يترافعـوا إلينا فلا نتعـرض لهم, ومن المعلوم
أنهم لا ينزجرون عن ارتكاب الذنـوب والآثـام ولا يتورعـون عن فعـل المحرمات على
اختلاف أنواعها من ترك الصلاة والصوم والحج والزكاة وغير ذلك من صنوف الذنوب
والآثام, ولا ذنب أعظم من الكفر فكيف يرجى منهم فعل الحداد وهم لا يفعلون ما هو
أعظم من الحداد, وإلى ما قلنا أشار ابن القيم في الهدي بقـولـه: "وسـر
المسألـة أن شرائـع الحلال والحرام والإيجاب إنما شرعت لمن التزم أصل الإيمان,
ومن لم يلتزمه وخلى بينه وبين دينه فإنه يخلى بينه وبين شرائع الدين الذي التزمه
كـما خَلى بينه وبين أصله ما لم يُحاكم إلينا وهذه القاعدة متفق عليها بين
العلماء"[36].
|
|
فهـذا ابن القيم يرى أن الحـدود لا يجب على الـذمية بإيجـاب
الشرع إلا أن يحصل الـترافـع منهم إلى المسلمين فحينئـذ يلتزمـون بأحكـام
الإسلام, وإلا فهم لا يتورعون عن ارتكـاب المعاصي من الكبـائـر والصغـائـر
والإسلام, لم يوجب على أتباعه إلزام أهل الذمة بشرائـع الإسـلام, وإنـما يخلى
بينهم وبين أحكَام الدين الذي يدينون به ما لم يترافعوا إلينا أو يتعرضوا
للإسلام أو أحدٍ من أتباعه بالإهانة؛ لأنهم بعقدهم الذمة مع المسلمين وفرض
الجزية عليهم وهم صاغرون إنـما هو لحفـظ دمـائهم وأموالهم وعدم التعرض لهم إلا
في الأمور التي فيها ضرر على الإسلام والمسلمين, وإيجاب الحداد على الذمية ليس
فيه شيء من ذلك نعم الله عز وجـل أرادَ منهم الإسـلام, ولكن هم لم يمتثلوا فإذا
دخلوا في الإسلام وجب عليهم ما يجب على المسلمين. |
|
المبحث الرابع: هل شرط وجوب الحداد كونه من
الوفاة؟: |
|
اتفق الفقهاء على أن الحداد يجب على المعتدة من الوفاة إذا
توفرت الشروط الأخرى التي ذكـرناهـا آنفاً والتي سنـذكـرها قريبا ولا نعلم في
هذا خلافاً إلا خلافاً شاذاً ذكرناه في الفصل الثاني. |
|
أما المعتدة من طلاق فهي على قسمين: رجعية
وبائن. فالرجعية لا يجب عليها الحداد اتفاقاً لأنها في حكم الزوجـات, لها
أن تتزيّن لزوجها وتستشرف له ليرغب فيها[37],
فنعمة النكاح لم تفت بعد لأن الزوج له أن يراجعها, والتزين مما يبعثه على
مراجعتها فتكون مندوبة إلى التزين لهذا المعنى[38]. |
|
أما البائن فقـد اختلف الفقهاء في وجوب الحداد عليها على قولين
مع اتفاقهم على إباحة ذلك لها, ونحن نبيّن هذين القولين وأدلة كل قول وما قد يرد
على الدليل المرجوح من المناقشة مسترشدين في ذلك بالمراجع المعتمدة في كل مذهب, فنقول: |
|
1 ـ ذهب الجمهور ومنهم مالك والشافعي في الجديد وأحمد في أحد
قوليه وبه قال عطاء وربيعة وابن المنذر إلى عدم وجوب الحداد على المبتوتة[39]. |
|
الاستدلال لهذا الرأي: |
|
وقد استدل أصحاب هذا الرأي بالمنقول والمعقول: |
|
أما المنقول: فقد استدلوا منه بقوله صلى الله عليه
وسلم: "لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن
تحد على ميت فوق ثلاث ليال إلا على زوج أربعة أشهر وعشر"[40].
وهذه عدة الوفاة فيدل على أن الإحداد إنما يجب في عدة الوفاة[41]. |
|
وأما استدلالهم بالمعقول فمن وجوه: |
|
أ ـ أنّ الحداد في عدة الوفاة إنما هو لإظهار الأسف على
فراق زوجها وموته وهذا مالا يوجد في الطلاق فإنه فارقها باختيار نفسه وقطع
نكاحها فلا معنى لتكليفها الحزن عليه. |
|
ب ـ أنّ
المتوفى عنها لو أتت بولد لحق الزوج الميت لكونه ليس له من ينفيه على فرض أنـه
ليس له فاحتيـط عليها بالإحـداد لئلا يلحق بالميت من ليس منـه بخـلاف المطلقة
فإن زوجها باق فهو يحتاط عليها بنفسه وينفي ولدها إذا كان من غيره. |
|
ج ـ إنّ المبتوتة معتدة من غير وفاة فلا يجب عليها الحداد
قياسا على الرجعية والموطؤة بشبهة. |
|
2 ـ وذهب أبو حنيفة وأصحابه وأحمد في إحدى الروايتين
والشافعي في القديم وبعض المالكية وأبو ثور وأبو عبيد إلى وجوب الحداد على
المبتوتة[42]. |
|
الاستدلال لهذا الرأي: |
|
استدل أصحاب هذا الرأي بالمنقول والنظر. |
|
أما المنقـول فقد استدلوا منه بما يأتي: |
|
1ـ ما روي أنّ النبي صلى الله عليه وسلم : "نهى المعتدّة أن تختضب بالحنّاء, وقال: الحناء
طيب"[43]. |
|
فأنت ترى أنـه لم يفرّق بين معتدة الـوفاة وغيرها فدل هذا
على وجوب الحداد على المعتدة مطلقا كـما يفيده عموم الحديث. |
|
ويجاب عن هذا الاستدلال بأمرين: |
|
أ ـ أنـه ضعيف لا تقـوم به حجـة؛ لأنـه لم يذكر في كتب
السنة المعتبرة ولو كان صحيحا لذكروه, والحديث الضعيف لا يحتج به في الأحكام. |
|
ب ـ لو سلّمنا بصحته لم نسلّم بعمومه في كل المعتدات,
فالرجعية لا يجب عليها الحداد
اتفاقـاً, فعلى هذا يكـون محمـولا على المعتدّة من الـوفـاة, وتخـرج
البائن من هذا العموم كـما خرجت الـرجعية[44]. |
|
2ـ روى الطحـاوي في شرح الآثـار بإسناده إلى حماد عن
إبراهيم قال: "المطلقة والمختلعة والمتوفى عنها زوجها والملاعنة لا يختضبن
ولا يتطيبن ولا يلبسن ثوباً مصبوغاً ولا يخرجن من بيوتهن". وإبراهيم أدرك
عصر الصحابة وزاحمهم في الفتوى فيجوز تقليده[45]. |
|
ويجـاب عن هذا الاستدلال: بأنه قول تابعي, وقـول التابعي
ليس بحجة, فإنه إذا وقع الاختلاف بين الفقهاء في الاحتجاج بقول الصحابي فعدم
الاحتجاج بقول التابعي أولى, زد على هذا أنه معارض لقول من قدّمنا من الصحابة. |
|
وأما استـدلالهم من طريق النظر: فهو إلحاق المبتوتة
بالمتوفى عنها زوجها بطريق الدلالة, وتقريره أن النص ورد في وجـوب الإحداد على المتوفى
عنها زوجها بلا خلاف, ومناط حكمه: إظهار التأسف على فوت نعمة النكاح الذي هو سبب
لصونها وكفاية مؤنها, والإبانة اقطع لها من الموت حتى كان لها أن تغسله ميتا
قبـل الإبانة لا بعدها فكان إلحاق المبتوتة بالمتوفى عنها زوجها كإلحاق ضرب
الوالدين بالتأفيف[46]. |
|
والجواب عن هذا الاستدلال من وجهين: |
|
1ـ أن القياس
غير صحيح وذلك لوجودِ الفارق بين المقيس والمقيس عليه, فإن الحداد إنـما وجب على
المتـوفي عنها زوجها إظهاراً للتأسف على فوت زوج وفي لها حتى المـوت بخلاف
المبتوتة فإن زوجها لم يكن وفياً لها بل على العكس من ذلك فإنه أوحشها بالإبانة
فلا تتأسف بفوته. |
|
ومن جهة أخـرى فإنـه لا مناسبة بين البينونة وبين الموت؛ إذ
أن البينونة لا يمتنع معها عود النكـاح بعقد جديـد بخلاف الموت فإنه لا يتصور
عود النكاح بعده, ثم لو سلمنا بهذا في المطلقة لم نسلم به في المختلعة؛ لأنها قد
افتدت نفسها برضاها لطلب الخلاص منه فكيف تتأسف. |
|
ب ـ لو سلمنا بأن الحـداد يجب على المبتوتة لفوات نعمة
النكاح لقلنا بوجوبه على الأزواج أيضا؛ لأن نعمة النكاح مشتركة بينهما. |
|
وهكـذا تتصـور المسألـة بين القول والدليل والاستدلال
والمناقشة, والحق واحد ومصيبه واحد, وسبب اختلاف الفقهاء في هذه المسألة راجع
إلى أمرين: |
|
الأمر الأول: هل وجـوب الحـداد على المرأة لإظهار التأسف على
الزوج أو لإظهار التأسف على فوات الزوجية؟ فمن قال: هو لإظهار التأسف على فوات
الزوج قال: بعدم وجوب الحداد على المبتوتة, ومن قال: هو لإظهار التأسّف على فوات
الزوجية وبيان ذلك هو أن الحـداد لإظهار التأسف على فوت نعمـة النكـاح والـوطء
الحلال بسببه قال بوجوب الحداد على المبتوتة؛ لأن عين الزوج ما كان مقصوداً لها
حتى يكون التحزّن بفواته بل كان مقصودها نعمة النكاح, وهذا يفوتنا في الطلاق
والوفاة بصفة واحدة. |
|
الأمر الثاني: هل الحداد حق لله أو حق للزوج؟ |
|
فمن قال هو حق لله قال بوجوب الحداد على البائن, ومن قال هو
حق للزوج قال بعدم وجوب الحداد عليها. |
|
والذي أراه راجحا في هذه المسألة هو عدم وجوب الحداد على
البائن, وإنما رجحت هذا القول لما يأتي: |
|
1ـ الأدلـة التي استدل بها القائلون بهذا القول أقوى في
نظري من أدلة المخالفين, فحـديث الصحيحين الذي ذكرناه في الاستدلال يفيد أن
الحداد لا يكون إلا على ميّت كـما هو ظاهر اللفظ, ثم قيّد الجواز بما ذكر في
الحديث واستثني من ذلك الحداد على الزوج الميت وبين المـدة التي يكـون بها
الحـداد, فالمستثنى هنا من جنس المستثنى منه, وكذلك الأدلة التي ذكـرنـاهـا
هنـالك كلهـا تلتقي حول هذا المعنى, وقد عرفت الجواب عن أدلة المخالفين عند
ذكرها وهي كلها محتملة, والدليل إذا تطرق إليه الاحتمال بطل به الاستدلال. |
|
2 ـ إنّ الحـداد حكم أوجبـه الشارع على المرأة المتوفى عنها
زوجها لأن تركه (أي الحـداد) بفعل ما ينافيه من التطيب واللبس والتزيّن يدعو إلى
الجـماع, فمنعت المرأة منه زجراً لها عن ذلك فكان ذلك ظاهراً في حق الميت لأنه
يمنعه الموت عن منع المعتدة منه عن التزويج ولا تراعيه هي ولا تخاف منه بخلاف
المطلّق الحي في كل ذلك ومن ثم وجبت العدة على كل متوفى عنها وإن لم تكن مدخولا
بها بخلاف المطلقة قبل الدخول فلا إحداد عليها اتفاقا
[47]. |
|
3 ـ إنّ المطلّقة البائن يمكنها العود إلى الزوج بعينه بعقد
جديد وليس الأمر كذلك في المتوفى عنها زوجها؛ فإن عودتها إلى الـزوج الميت
مستحيلة فليس ثمـة ما يدعو إلى إيجاب الحداد على المبتوتة, فإن قيل: هذا لا
يستقيم في الملاعنة فإن تحريمها على الملاعن تحريم أبدي ومع هذا فلا حداد عليها؟
قيل: الجواب عن ذلك من وجهين: |
|
الوجه الأول: أن تحريم الملاعنة على الملاعن ليس محل اتفاق عند
أئمة الفتوى, بل من الفقهاء من قال: إنها لا تحرم تحريما أبدياً, وإنما يكون
الملاعن بعد الفرقة خاطبا من الخطاب, وقد قال بهذا فقهاء الحنفية. |
|
الوجه الثاني: لو سلّمنا بأن الملاعنة تحرم على
الملاعن على التأبيد لم نسلم بالاعتراض؛ لأننا نقول: إن وجوب الحداد إنما هو
لفقد الزوج بعينه لا لفقدان الزوجية. |
|
4 ـ إن الزوج الميت فارق زوجته وهو على نهاية الإشفاق عليها
والرغبة فيها, ولم تكن المفارقة من قبله, فلزمها لذلك الإحداد وإظهار الحزن,
والمطلقة فارقها مختارا لفراقها مقابحاً لها فلا يتعلق بها حكم الإحداد
كالملاعنة
[48]. |
|
5 ـ روت أم سلمـة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "المتـوفى عنها زوجها لا تلبس المعصفر من الثيـاب ولا
الممشق ولا الحلي ولا تختضب ولا تكتحـل" رواه أبـو داود والنسائي[49].
فهذا الحـديث نص في وجـوب الحـداد على المعتدة من الـوفاة وهو مخصص لعموم الحديث
الذي استـدل به المخـالفـون على فرض صحتـه. فإن قيل: هذا الحـديث لا يدل على عدم
وجوب الحـداد على المبتوتة بدليل
آخر؟ قلنا: بل هو يدل على عدم وجوب الحداد عليها إذ أنـه لم يوجد دليل أقوى منه
بل ولا مساوياً له يفيد هذا الوجوب, فلما لم يوجد ذلك دل على أن المصير إلى
مدلوله واجب. |
|
والحاصل أن الاقتصار على مورد النص هو الذي تقتضيه قواعد
الشرع عملا بالبراءة الأصلية فيما عداه, فمن ادّعى وجوب الحداد على غير المتوفى
عنها زوجها فعليه الدليل. |
|
إذا تبين هذا فاعلم أنهم لم يختلفوا في عدم وجوب الحداد على
المعتدة الرجعية على ما بينا بيد أن فقهاء الشافعية اختلفوا فيما بينهم هل يسن
لها الحداد أولا؟ على قولين: أحدهما: يسن, والثاني: لا يسن لها الحداد بل أولى
لها أن تتزين بما يدعوا الزوج إلى رجعتها, وضعف هذا الاحتمال أن يظن أنها فعلت
ذلك إظهارا للفرح بفراقه وعلى تقدير صحته فينبغي تخصيصه بمن ترجو عودته[50]. والمعمول به الأول. |
|
كذلك لم يختلفوا فيما أحسب في إباحة الحداد على المبتوتة بل
إن فقهاء الشافعية يرون أن أقل أحواله
الاستحباب لئلا تدعو الزينة إلى الفساد. |
|
وقد نقل صاحب المبدع الإجماع على جواز الحداد من المبتوتة
وبين أنه لا يُسَنُّ لها[51]. |
|
وبهذا تعلم أن اختلاف الفقهاء في هذه المسألة إنما هو في
الوجوب فقط. |
|
المبحث الخامس: هل من شرط وجوب الحداد كون النكاح صحيحا؟ |
|
النكـاح الصحيـح هو المستكمل لأركـانـه وشروطه من الإيجاب
والقبول والشاهدين والولي والمهر وخلو الزوجين من الموانع فإذا وجد النكاح على
هذه الصورة وحصلت الفرقة بين الـزوجين بالموت وذلك بأن توفي الزوج قبل الزوجة
وجب الحداد على الزوجة العاقلة البالغة المسلمة من غير خلاف أعلمه عند أئمة
الفتوى اللهم إلا ما نقل عن الحسن البصري والشعبي من القول بعدم وجوب الحداد
كـما تمّ ثبته قريبا. |
|
ولهذا أجمع الفقهاء على عدم وجوب الحداد على المرأة
المنكوحة بنكاح فاسد أو نكاح شبهة. |
|
أما المنكـوحـة بنكـاح فاسد فلأنها ليست زوجة حقيقية والنبي
صلى الله عليه وسلم إنما أوجب الحداد على الزوجـات وذلـك بقوله صلى الله عليه
وسلم: "لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن
تحد على ميت فوق ثلاث إلا على زوج أربعة أشهر وعشراً" فقوله صلى
الله عليه وسلم "إلا على زوج" يفيد
بمنطوقه وجوب الحـداد على الزوجـة كـما يفيد بمفهـومه عدم وجـوب الحـداد على
غيرها, زد على هذا أن المنكـوحـة بنكـاح فاسد لا تحزن على فقد الزوج لأنها لا
يجب لها ما يجب للزوجة من الحقوق |