|
|
|
أوّل
واجب على المكلّف عبادة الله تعالى |
|
وضوح
ذلك من كتاب الله ودعوات الرسل |
|
للشيخ عبد الله الغنيمان |
|
|
|
الحمد لله الغني الحميد، المبدىء المعيد، غني بذاته عن كل
من سواه، وكل من سواه فقير إليه، وصائر إليه، وهو تحت قهره وتصرفه، وصلى الله
وسلم على عبده ورسوله محمد وعلى آله وصحبه وأتباعه إلى يوم الدين... |
|
وبعد... فإنّ اللّه تعالى خلق الإنسان وفضله على كثير من خلقه،
بالعقل والفكر والنطق والبيان، ووهبـه القدرة على الكَسب والقوة على العمل،
ليكـون مؤهلاً للأمر والنهى، وجعل له دارين، داراً للابتلاء والاختبـار والتمييز
بين الصالـح والفاسد، ومحلا لكسب الأعمال، التي بها يستـوجب الثواب أو العقاب،
وجعـل لها مدة محددة، وأجلاً قصيراً، ثم ينقل إلى الـدار الأخرى التي لا تنتهي
ولا تنقطع، قال تعالى: {تَبَارَكَ الَّذِي
بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، الَّذِي خَلَقَ
الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ
الْعَزِيزُ الْغَفُورُ}. |
|
فالله تعـالى أوجـد الإنسـان بعـد أن كان معـدوماً، وأعطاه
ما يحتاج إليه في حياته, وما يكون سبباً لسعادته من العقل والفكر الذي يميز به
ما ينفعه مما يضره وما يلزم لذلك من السمـع والبصر، والقوى التي يتمكن بها من
العمل. قال تعالى: {هَلْ أَتَى عَلَى الإِنْسَانِ
حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً. إِنَّا خَلَقْنَا
الإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً
بَصِيراً. إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً}.
(الإنسان: 1- 3) فقوله تعالى: {لِيَبْلُوَكُمْ
أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً}. وقوله: {نَبْتَلِيهِ}
هذا ما خلق الإنسان من أجله، وقد بين ذلك تعالى بيانا واضحاً وضوح النهار. |
|
قال تعالى: {وَلَقَدْ
بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا
الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ
الضَّلالَةُ}. (النحل: 36). وقال تعالى: {وَمَا
أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا
إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ}. (الأنبياء: 25). |
|
وفي القرآن آيات كثيرة تنص على وجوب عبادة اللّه تعالى،
وتبيِّن لزوم ذلك للإنسان لزوم أمر أوجبـه اللّه تعالى عليه، وأكثر تعالى من
التهديد والوعيد لمن تركه، وأعرض عنه، ومن الترغيب والوعـد بالجزاء الجميل لمن
امتثل ذلك واتبع الرسل، ومع وضوح هذا الأمر وكثرة ما أحيط به من ترغيب في فعله
في الدنيا والآخرة، ومن ترهيب لمن أعرض عنه وجانبه مع ذلك كله فقد ضل عنه أكثر
الخلق إما جهلاً، وإما عمداً وعناداً، وذلك أن الذي يحمل العبد على امتثال أمر
اللّه واتباع رسله هو قوة الإيـمان باللّه، وبما أعده لمن آمن به وعمل صالحاً
وما أعده لمن عصاه وبارزه بالمعادات والمحاربة. |
|
ومـع الإيـمان فلابـد من العلم بأمره وشرعـه، ومـع فَقد
هذين الأمرين يستحكم الضلال، والبعـد عن كل خير، لهذا صار أهم ما على العبد
معـرفتـه ما أوجبـه اللّه عليه، والعمل به، وأول ما أوجب اللّه تعالى على العبد
وأعظمه هو الإيمان به تعالى وبرسوله- ثم الاهتداء إلى ذلـك وتفـاصيله بالوحي
الذي جاء به النبي صلى الله عليه وسلم قال تعالى: {قُلْ
إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا
يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي}. (سبأ: 50) فالاهتداء يكون بالوحي ولهذا أمر
الله تعالى أهل العقل بتدبر القرآن واستماعه والإنصات لتلاوته، وحض فيه على
التـدبـر والتفكـر والتـذكر والعقل والفهم والتأثر منه بالوجل، والبكاء والخشية
لما فيه من العلم والهدى، والمقصـود من إرسال الـرسـل إلى العباد، وإنزال الكتب
عليهم إصلاح أحوالهم في الدنيا والآخرة، وأن يعرفوا ما خلقوا من أجله ويصلوا
إليه وهو عبادة ربهم وحده لا شريك له. |
|
والعبادة أصلها عبادة القلب، المستلزمـة لعبادة الجوارح،
فإن القلب هو الملك، والأعضاء جنوده، وإذا صلح الملك صلحت الجنود، كـما قال صلى
الله عليه وسلم: "ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت
صلح لها سائر الجسد، وإذا فسدت فسد لها سائر الجسد ألا وهي القلب"[1]. |
|
والقلب
بعبادة اللّه تعالى والاستعانة به: معتصم مستمسك قد لجأ إلى ركن وثيق، واعتصم
بالدليل الهادي والبرهان المتين، فلا يزال في زيادة من العلم والإيمان، أو سلامة
من الجهل والضلال، سالماً من جهل أهل التصوف وعباد الخلق، وضلال المتكلمين أهل
الشك والحيرة والخـذلان. والعبـد لما كان مخلوقاً مربوباً، عاد في علمه وعمله
إلى خالقه وباريه فبه يهتدي ولـه يعمل، وإليـه يصـير، فلا غنى له عنـه،
وانصرافـه إلى غيره هو عين هلاكـه وفساده، وباللّه له عن كل شيء عوض، وليس لكل شيء
عن اللّه عوض وليس للعبد صلاح ولا فلاح إلا بمعرفـة ربـه وعبـادتـه، فإذا حصل له
ذلك فهو الغاية المرادة له والتي خلق من أجلها، فما سوى ذلـك إما فضـل نافـع أو
فضول غير نافعة أو فضول ضارة، ولهذا صارت دعوة الرسل لأممهم إلى الإيمان باللّه
وعبادته، فكل رسول يبدأ دعوته بذلك كـما يعلم من تتبع دعوات الرسـل في القرآن،
بخـلاف الطرق الكـلامية الفلسفية فإنهم يبدأون بنفوسهم فيجعلونها هي الأصـل الذي
يفرعون عليه، فيتكلمون في إدراكاتهم للعلم، أنه مرة يكون بالحس ومرة بالعقل، أو
بهما. |
|
ويجعلون العلوم الحسيـة والبـديهيـة هي الأصـل الذي لا يحصل
علم إلا بها على حد زعمهم، مثـل الأمـور الطبيعيـة والحسـابية، والأخلاق، وبنـوا
سائر العلوم على هذه الأمور الثلاثـة، ولهذا كانوا يمثلون بها في أصول العلم
والكلام كقولهم: إن الواحد نصف الاثنين، والعشرة أكثر من الخمسـة، والجسم لا
يكـون في مكانين، والضدان لا يجتمعان كالسـواد والبياض، هذا في الحسـابيـة
والطبيعية، وأمـا الأخلاق فمثل استحسان العلم، والعدل والعفة والشجاعة. |
|
ثم إذا تجاوزوا هذه الأمور إلى العالم العلوي فمقصودهم
إثبات خالق العالم والدلائل التي بها تثبت النبـوة على طريقهم فإذا ثبتت النبوة
تلقـوا عنها السمعيـات، وهي الكتاب والسنـة والإجماع، وهـذه الطـريقة فيها فساد
كثير في وسائلها ومقاصدها كـما بين ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية في كثير من كتبه،
أما الوسائل مع صعوبتها ففيها خطورة ومزلات عظيمة. وأمـا مقاصدهـا فغـايتها
إثبات ربوبية اللّه تعالى للكون فهي كـما قيل: "لحم جمل غث، على رأس جبل
وعر، لا سهل فيرتقى، ولا سمـين فينتقى"، مثال ذلك قولهم كـما في نهاية
المرام والإرشاد وغـيرهما: "إن اللّه لا يعرف إلا بإثبات حدوث العالم ثم
الاستدلال بذلك على محدثه، والدليل على أن العالم حادث، ما فيه من الأعراض،
والأعراض هي صفات الأجسام"[2]،
وجمهور المتكلمين يستدلون بهذا الدليل بعينه على نفي صفات اللّه تعالى حيث
قالـوا: إن حركـات الأجسام وأعراضها هو الذي دل على حدوثها، وسمَّوا الصفات
أعراضاً مثل العلم والرحمة والغضب والرضا وغير ذلك وقالوا: إذا اتصف بذلك صار
محلا للحوادث، وما كان محلا للحوادث فهو حادث. |
|
[والقدرية من المعتزلة يعتقدون أن إثبات الرب تعالى لا يمكن
إلا بعد اعتقاد أن العبد هو المحدث لأفعاله، وإلا انتقض الدليل]. وكثير منهم جعل
سلوك هذا متعينا لأنه الموصل إلى معرفة الله، ومن لم يسلك ذلك لم يعرف ربه.
وبطلان هذا معلوم بالكتاب والسنة وإجماع المسلمين, قال تعالى: {وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ
لَهُ الدِّين} ( البينة: 5). وقال تعالى: {فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ} ( الزمر:2).
وقال: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ
الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}
(البقرة:21). وهذا كثير في القرآن يأمر الله تعالى أن يعبد ويخلص له الدين، وأن
يؤمن به ابتداء، وكذلك النبي صلى الله عليه وسلم لم يدع الناس إلى النظر ابتداء
إلى الاستدلال على وجود الله تعالى، ولا إلى مجرد إثبات وجوده، بل أول ما دعاهم
إليه شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وكان يأمر رسله والدعاة
الذين يبعثهم لنشر دعوته بأن يبدؤا بدعوة الناس إلى أن يوحِّدوا الله أولا بأن
يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله كما في حديث معاذ المتفق على
صحته حينما بعثه إلى أهل اليمن قال: "إنك تأتي
قوما من أهل الكتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله، وأن
محمداً رسول الله، فإن هم أجابوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في
اليوم والليلة, فإن هم أجابوك فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تُؤخذُ من
أغنيائهم فتُردُّ في فقرائهم"[3].
وقوله في حديث أبي هريرة الذي في الصحيحين وحديث ابن عمر: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأني
رسول الله، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دمائهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على
الله"[4]
وقد أجمع الصحابة وأئمة المسلمين من بعدهم على أن الكافر يدعى إلى الشهادتين
مهما كانت عقيدته وعمله فإذا أجاب ونطق بالشهادتين حكم بإسلامه ظاهراً، فإن كان
صادقا في نطقه فهو مسلم ظاهرا وباطنا، وإن كان كاذبا في الباطن فهو منافق. |
|
وليس في كتاب
الله أن النظر أول الواجبات، بل ولا فيه إيجاب النظر على كل أحد، وإنما فيه
الأمر بالنظر لبعض الناس الذين لا يحصل لهم الإيمان إلا به كقوله تعالى: {أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ
إِنْ هُوَ إِلاَّ نَذِيرٌ مُبِينٌ، أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ
السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَنْ
يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ}
(الأعراف:184 ـ 185). فقول الجويني مثلا في الإرشاد (ص 3): "أول ما ما يجب
على العاقـل البالـغ، باستكـمال سِنّ البلوغ أو الحلم شرعاً، القصد إلى النظـر
الصحيح المفضي إلى العلم بحدوث العالم", ومثل ذلك قال الرازي (انظر المحصل
ص 47), وكذلك الا
يجي في المواقف (ص 32) وغيرهم، وهذا كلامٌ مخالف لكتاب اللّه
تعالى ولما عُلِمَ من دعـوة رسـول اللّه صلى الله عليه وسلم, ولما أجمـع عليـه
أئمـة المسلمين، وإذا سُلِّم لهؤلاء، "أنّ أول الواجبات هو النظر، أو
المعرفة أو حتى الشهادتين كـما هو الصحيح قال ابن المنذر: "أجمع كل من أحفظ
عنه من أهـل العلم على أن الكافر إذا قال: أشهد أن لا إله إلا اللّه، وأشهد أن
محمداً عبده ورسوله، وأن كل ما جاء به محمد حق، وأبرأ من كل دين خالف دين
الإسلام، وهو بالغ صحيح العقل أنه مسلم، فإن رجع بعد ذلك فأظهر الكفر كان
مرتداً، يجب عليه ما يجب على المرتـد". (الأوسط: ص 735) فكيف يجب على البالغ
أن يفعله عقب البلوغ وقـد فعله قبل ذلـك، وخصوصاً إذا كان النظر مستلزماً للشك
المنافي لما حصل له من المعرِفة والإيمان، فيكون التقدير أن يقال:
"أُكْفُرْ ثم آمن، واجْهَلْ ثم اعْرِفْ ", وهذا كـما أنه محرَّم
شرعاً، فهو ممتنع في العقل، فإن تكليف العالم الجهل من باب تكليف مالا يقدر
عليه، فإن الجاهل يمكن أن يصير عالماً أما العالم فلا يقدر أن يصير جاهلاً. |
|
كما أن من رأى الشيء وسمعه لا يمكن أن يقال لا يعرفه، فمن
كان اللّه قد أنعم عليه بالإيمان وشرح صدره للإسلام قبل بلوغه كيف يؤمر بما
يناقض إيمانه ومعرفته. |
|
والسلف والأئمة متفقون على أن أول ما يؤمر به العباد
الشهادتان، وأن من فعل ذلك قبل البلوغ لم يؤمر بتجديد ذلك بعد البلوغ. |
|
والشهادة تتضمن الإقرار باللّه تعالى وبرسوله، لكن مجرد
معرفة اللّه تعالى لا يصير بها الإنسان مؤمناً وإن كان يعلم أنه رب كل شيء فلابد
للإيمان من شهادة أن لا إله إلا اللّه وأن محمداً رسول اللّه، وهذا هو الذي دل
عليه كتاب اللّه تعَالى. قال اللّه تعالى: {وَمَا
خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ} (الذاريات: 56).
فالعبادة هي الغـاية المقصودة من الخلق التي أرادهـا اللّه منهم بأمره وشرعه، وبها
يحصل محبوبه تعالى، وتحصل سعادتهم ونجاتهم، وهذا لا يخالف كون كثير منهم لم
يعبده؛ لأن اللّه تعالى لم يجعلهم عابدين له، لما في ذلك من تفويت محبوبات له
أخرى، هي أحب إليه من عبـادة أولئك, وحصول مفاسد أخرى هي أبغض من معصيتهم كما
قال تعالى: {وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلاَّ
مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ} (هود: 119). فهو تعالى
أراد بخلقهم ما هم صائرون إليه من الرحمة, والاختلاف إرادة كونية قدرية، ففي
قوله تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ
إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ}. ذكر الغاية لتي أمروا بها، وفى قوله تعالى: {وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ} ذكر الغاية
التي يصيرون إليها، وكـلاهما مرادة له تعـالى تلك مرادة بأمره وشرعه، والموجود
منها مراد بخلقه وأمره، والأخرى مرادة بخلقه، والمشروع منها مراد بخلقه وأمره،
وهذا معنى ما يروى عن علي بن أبي طالب في قولـه تعـالى: {إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ}, قال معنـاه: "إلا
لآمرهم أن يعبدون، وأدعوهم إلى عبادتي"، وقاله مجاهد أيضا. |
|
وقال ابن عباس: {إِلاَّ
لِيَعْبُدُونِ}: "ليقرُّوا لي بالعبودية طوعاً وكرهاً". |
|
وقال السدي: "خلقهم للعبادة، فمن العبادة عبادة تنفع،
ومنها عبادة لا تنفع كما قال تعالى: {وَلَئِنْ
سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَضَ لَيَقُولُنَّ:اللَّهُ}
(لقمان: 25), فهذا منهم عبادة ولكنها لا تنفعهم"، وقال الكلبي: "إلا
ليوحدوني، فأمـا المؤمن فيـوحده في الشدة والرخاء، وأما الكافر فيوحده في الشدة
والبلاء دون النعمة والرخاء، كما قال تعالى: {فَإِذَا
رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ}"
(العنكبوت: 65)[5]. |
|
وهـذه الأقـوال تُبيِّن أنّ جميع الإنس والجن مقرُّون
بالخالق معترفون به، خاضعون لعبـوديتـه طوعـاً وكـرهاً، وهـذا يقتضي أنّ هذه
المعرفة من لوازم نشأتهم لا ينفك عنها أحد منهم، وبه يعلم أن أصل الإقرار باللّه
تعالى، والاعتراف به ربّاً مستقر في قلوب جميع الإنس والجن، وأنه من لوازم
خلقهم، ضروري فيهم، وإن قدر أن الإقرار بالرب تعالى أنه يحصل بسبب يعرض للإنسـان
في حياتـه فهو في الحقيقـة يظهر بذلك ويبرز، وهذا واللّه أعلم هو الإقرار
والشهادة المـذكـورة في قولـه تعالى: {وَإِذْ
أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ
وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى
شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا
غَافِلِينَ أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا
ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ}
(الأعراف: 172- 173). وشهادة المرأ على نفسه في القرآن يراد بها إقراره،
فمن أقر بحق عليه فقد شهد به على
نفسه كما قال تعالى: {مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ
أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْر}
(التوبة: 17)؛ لأنهم كانوا مُقرِّين بما هو كفر، فصار ذلـك شهادة منهم على
أنفسهم, وقال تعالى: {يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ
وَالإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي
وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى
أَنْفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ
أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ} (الأنعام: 130), فشهادتهم على أنفسهم
هو إقرارهم على أنفسهم. |
|
وقـولهم: {بَلَى شَهِدْنَا}
أي أنهم أقرُّوا بأن اللّه ربهم، ومن أخبر بأمر عن نفسه فقد شهد به على نفسـه.
وقـوله: {وَأَشْهَدَهُمْ} يدل على أنه
هو الذي جعلهم شاهدين على أنفسهم بأنـه ربهم، وهـذا الإشهاد مقرون بأخـذهم من
ظهور آبائهم، وهو أخذ المني من أصلاب الآباء ونـزولـه في أرحـام الأمهات
فالمعنى: أُذْكُرْ حين أخذوا من أصلاب الآباء فخلقوا حين ولدوا على الفطرة
مُقرِّين بالخالق شاهدين على أنفسهم بأن اللّه ربهم، فالأخذ يتضمن خلقهم،
والإشهاد يتضمن هداه إلى الإقرار بأنه ربهم. |
|
ولهذا صار الإقرار بوجود اللّه تعالى مما لا يحتاج إلى
برهـان؛ فإن الفطر الإنسانية السليمة تشهد بضرورة فطرتها وبديهة فكرتها على
خالقٍ حكيمٍ، قادرٍ عليمٍ {أَفِي اللَّهِ شَكٌّ
فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْض}, {وَلَئِنْ
سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ: اللَّهُ} (الزخرف: 87). |
|
ومن غفل عن هذه الفطرة في حال السـراء فإنه يلوذ بها في حال
الضراء {وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ
ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ} (الإسراء: 67). ولهذا لم يأت
الأمر التكليفي بوجوب معرفـة وجود اللّه تعالى خلافاً لما يقوله أهل الكلام ومن
سلك طريقهم، وإنما جاء الأمر بوجوب عبادته وتوحيده ونفي الشرك كـما قال صلى
الله عليه وسلم : "أُمرتُ أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا
اللّه". وقال تعالى: {فَاعْلَمْ
أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ}. (محمد:
19). وهـذا هو محل النزاع بين الرسـل وأممهم كما قال تعالى: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ
اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ
وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ}. (النحل: 36). |
|
وهذا هو التوحيد الواجب على كل الخلق، وهو مبنيٌّ على أن
اللّه واحد في إلهيته لا ندَّ له، وواحد في ذاته وصفاته وأسمائه لا نظير له،
وواحد في ملكه وأفعاله لا شريك معه، فلابد أن يعبد اللّه وحده لا يشرك معه غيره، والشرك في العبادة: هو أن يجعل معه إِلهٌ آخر يتوجه إليه بنـوع من أنواع
العبادة، وهـذه أقسـام التوحيد الثلاثة، توحيد العبادة، وتوحيد الربوبية، وتوحيد
الأسماء والصفات, وهذا هو الدين الذي جاءت به الرسل من عند اللّه موجبين على
الخلق أخذَهُ والإيمانَ به, وهو إخلاص التأله والتوجه إلى اللّه وحده، وعبادته بأسمائه
وصفاته، وفعل أمره، واجَتناب نهيه. |
|
ثمـرة التوحيـد |
|
والتـوحيـد الخـالص هو الذي يرفـع نفـوس معتقديه ويخلِّصُها
من رقِّ الاغيار ويفك إرادتهم من أسر الرؤساء الروحانيين كـما يسمون، وشيوخ
الطرق الباطلة والدجل، والضلال والتعلقات بالأحياء والأموات، ويخلصها كذلك من
إله المادة والتعلق بالطواغيت الماديين وكـل مخلوق، فيطلق عزائمهم من قيود
العبـودية لغـير اللّه والتعلقات بالأحياء والأموات، فيكـون المؤمن مع النـاس
حراً عزيزاً كريماً، ومع اللّه عبداً خاضعاً ذليلاً خائفاً، فهذا الذي يجب على
العبـد أن يعتني به أشـد الاعتناء، ويحـذر أشد الحـذر أن ينحـرف عنـه؛ لأن
الانحـراف عنه هو الهلاك المحتّم والخسران الأكبر والخلود في جهنم، مع أن أقسام
التوحيد الثلاثـة متلازمة ولكن توحيد الربوبية أمر فطري خلقي: "والرب: هو
المربي الخالق الرازق الناصر الهادي"[6]. |
|
"فالرّب هو الذي يُرَبِّي عبده فيعطيه خلقه الذي تتم
حياته به، ثم يهديه إلى جميع مصـالحـه"[7]. فتوحيد
الربوبية: هو العلم بأن اللّه تعالى هو مالك الأشياء كلها، ومصرِّفُها على
ما يريد, فالأمر كله راجع إليه تعالى، من خلق السماوات وما فيهن، وتصريف شأنها،
وخلق الأرض ومَنْ عليها، وما فيها من معادن، وأسرار، وخلق الرياح وتصريفها،
والسحب وتسخـيرها تحمل المـاء إلى ما شـاء اللّه تعـالى من الأماكن، فينزله، وبه
تحي الأرض الميتة وإيجاد الأرزاق للحيوانات والدواب والأناسي، والإحياء
والإماتة، وتنظيم أمور الكون كله من بدايـة وجوده إلى نهايتـه، وإلى ما شـاء
اللّه تعالى، فالجميع ملك اللّه تعالى وتحت قهره وتصـرفـه، حسب إرادته جل وعلا،
وهذا يُقرُّ به كل المكلفين من مؤمن وكافر إلا من عاند وكابر منهم، والمعاند لا
تجدي فيه الأدلة، ولا تزيده المجادلة إلا تماديا في ضلاله، وإنما خلق له الحديد
الذي فيه البأس الشديد, قال اللّه: {فَإِنَّهُمْ
لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ}
(الأنعام: 33), فبيَّن اللّه تعالى أنّ الكفار يعلمون أنّ ما جاء به الرسول -
صلى الله عليه وسلم - حق، وقال تعالى: {إِنَّكَ لا
تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا
مُدْبِرِينَ، وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ
إِلاَّ مَنْ يُؤْمِنُ بِآياتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ} (النمل: 80-
81). وأشهر من عرف في الماضي في تجاهله وإنكاره للّه تعالى هو فرعون، وكان مستقيناً
في قلبه وجود اللّه تعالى، وأنه مالك كل شيء كما قال تعالى عن موسى أنه قال له: {لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلاءِ إِلاَّ رَبُّ
السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ بَصَائِرَ} (الأسراء: 102), وقال تعالى
مخبرا عنـه وعن قومـه: {وَجَحَدُوا بِهَا
وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً} (النمل: 14),
ولهذا قال منكـراً على موسى: {وَمَا رَبُّ
الْعَالَمِينَ} (الشعراء: 23), فقال له موسى: {قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا
إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ، قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلا تَسْتَمِعُونَ، قَالَ
رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الأَوَّلِينَ، قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي
أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ، قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا
بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ} (الشعراء: 24- 28). وما زعمه
بعضهم أن قول فرعـون: {وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ}
استفهام استعلام، وسؤال عن الماهية، وأن موسى عجز عن الجواب؛ لأن اللّه تعالى لا
ماهية له, هو زعم باطل, بل الاستفهام للإنكار كـما دلت عليه الآيات الأخر: {وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً
وَعُلُوّاً}, وقوله: {لَقَدْ عَلِمْتَ
مَا أَنْزَلَ هَؤُلاءِ إِلاَّ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ بَصَائِرَ}.
وكل من أنكر وجود اللّه تعالى فلا يخلو من العناد والكـبر. |
|
أما غير المعـانـد فإنه يعترف بأن اللّه لا منازع له في
الملك والإيجاد والقهر والتدبير ولا مشارك له فيه ولا معين، كـما قال تعالى: {قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا
يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ وَمَا
لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ، وَلا تَنْفَعُ
الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلاَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ} (سبأ 22- 23). |
|
واللّه عز وجل فطر جميع خلقه على معرفة هذا النوع من
التوحيد، فلذلك يلجئون إليه عنـد النوائب، ويفزعون إلى اللّه كُلَّما ألجأتهم
الأزمات، وألمت بهم الكربات، وأصابتهم النكبات، فيخلصـون له العبادة عند ذلـك،
كـما لجأ إليـه كبراء الملاحدة وقت الشدة مثل فرعون وذويه، فقد أخبر اللّه تعالى
أنهم أنكروا وجود اللّه تعالى وقت المجادلة لموسى عليه السـلام عنـد العـافيـة،
فلما أدركهم الغـرق ذهب عنادهم، واعـترفـوا بالحق الذي كانوا ينكـرونـه عناداً
وتكـبراً، قال اللّه تعالى: {وَجَاوَزْنَا بِبَنِي
إِسْرائيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْياً وَعَدْواً
حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ
الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرائيل} (يونس: 90). |
|
وقال تعالى: {قُلْ
أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ
أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ، بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ
فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ}
(الأنعـام: 40- 41). وهـذا صريـح في أنهم يعلمون أن اللّه هو المالك لكل شيء
المتصرف فيه بـما شاء، ولهذا صار الإقرار بهذا النوع من التوحيد لا ينفع ولا
ينجي من العـذاب حتى ينضاف إليـه توحيد القصد والنية والإرادة والتوجه، والمقر
بتوحيد التصرف والملك لا يصير به مسلماً كـما دلت على ذلك آيات كثيرة من كتاب
اللّه تعالى، قال تعالى: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ
مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ} (الزخرف: 87). وقال تعالى: {قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ
أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ
الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الأََمْرَ
فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ} (يونس: 31). |
|
وقال تعالى: {وَلَئِنْ
سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ مِنْ
بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ} (العنكبوت: 63). وآيات
القرآن في هذا كثيرة، وهي تدل على أن الكفار يؤمنون بهذا القسم من التوحيد ولم
يجعلهم ذلك مسلمين، بل فوق هذا كانوا يخلصون الدعاء للّه- الذي هو توحيد العبادة
- في حالة الاضطرار، ثم يعودون إلى شركهم في الرخاء، كـما قال اللّه تعالى عنهم:
{فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ
مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ
يُشْرِكُونَ} (العنكبوت: 65). ومعنى قوله تعالى: {دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ}
أنهم توجهـوا إلى اللّه وحـده بالعبادة، من الـدعـاء، والـذل، والخضـوع، والرغبة
والخوف، والالتجـاء، لعلمهم أن شركـاءهم لا يملكـون لهم نفعـا، ولا يستطيعـون
دفعاً عنهم، وإنما الأمر كله بيد اللّه تعالى وحده والذي صيرهم مشركين وأوجب
خلودهم في النار هم زعمهم أن أصنامهم ومن يتوجهون إليهم يشفعون لهم عند اللّه
كما قال اللّه تعالى: {وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ
اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ
شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي
السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ}
(يونس: 28), والمعنى أن اللّه لا يعلم أحـدا يشفـع عنـده لهؤلاء لا من أهـل
السماء ولا من أهل الأرض؛ لأن الشفاعة للّه وحده, ولا أحد يستطيع أن يشفع عنده
حتى يأمره بذلك ويأذن له فيمن يشفع فيه، وإذا كان اللّه تعالى لا يعلم شافعا لهم
لا في السماوات ولا في الأرض فالشافع لا وجود له. |
|
روى الحاكم والدار قطني وابن مردويه: أنّ النّبي - صلى
الله عليه وسلم - لما فتح مكة فرَّ عكرمة بن أبي جهل
فركب البحر، فأصـابهم عاصف، فقال أصحـاب السفينة: "أخلِصُوا فإنّ آلهتكم لا
تغني عنكم هاهنا شيئاً"، فقال عكـرمـة: "واللّه لئن لم ينجني في البحر
إلا الإخلاص لا ينجيني في البر غيره, اللهم إنّ لك عليّ عهداً إن عافيتني مما
أنا فيه أن آتي محمداً حتى أضع يدي في يده فلا أجدنّهُ إلا عفوا كريـماً",
قال: "فنجا فأسلم"[8]. |
|
قال قتادة: "الخلق كلهم يقرون للّه أنه ربهم، ثم يشركون
بعد ذلك "[9]. |
|
المشركون اليوم أعظم شركاً ممن بعث فيهم رسول اللّه صلى
الله عليه وسلم, وبهذا يتبيَّن
سفاهة عقول مشركي هذا الزمان، وعظم شركهم، وأنه لم يصل إليه شرك السابقين.
فمشركوا وقتنا هذا يُخلصون الدعاء وتزداد إنابتهم، ويتضاعف ذلّهم وخضوعهم لمن
يعبـدونـه من دون اللّه تعـالى ممن يدَّعـون لهم بالولايـة، عنـدمـا يقعـون في
الشدائد،والكربات، ويشركونهم مع اللّه تعالى حتى في الربوبية، ويجعلون لهم
التصرف، والهداية وجلب النفع، ودفع الضر بخلاف مشركي العرب زمن الرسول صلى
الله عليه وسلم فـما كان أحد منهم
يدّعي ذلك لآلهته وإنما كانوا يقولون: إنها تشفع لهم عند اللّه، وتقربهم إليه
تعالى، كما قال تعالى عنهم: {وَالَّذِينَ
اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا
إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} (الزمر: 3), ومـع ذلـك لم يكن شركهم مستمراً
في كل وقت كهـؤلاء المشركين الذين يزعمون أنهم مسلمون، بل في وقت الشدائد يخلصون
العبادة للّه تعالى كـما سبق بعض الأدلة على ذلك. |
|
ومن سفاهة هؤلاء أنهم جعلوا الشرك الذي هو أعظم الذنوب أفضل
أعمالهم، ورموا من أنكر عليهم ذلك بالجفاء، وتنقص الأنبياء والأولياء، وبأنهم
خوارج يكفرون المسلمين. وذلـك لأنهم جهلوا معنى العبادة، ومعنى الإلـه، فظنوا أن
معنى الإله: الرب الخالق المحيي الميت، القادر على كل شيء، وظنوا أن الدعَاء
والاستغاثة ليست عبَادة، وسموا ذلك توسلا وتعلقا؛ لأن القرآن صرح أن عبادة غير
اللّه كفر، واستبعدوا أن تكون هذه الأعمال التي أدركـوا عليها آبـاءهم وقومهم
شرك من أعمال المشركـين، فسموا العبادة بغير اسمها لجهلهم دين الإسلام ولغته. |
|
وجهلوا الشرك، فظنوا أنه السجود للصنم، والصلاة له، واعتقاد
أنه تدبير الأمور مع اللّه والتصرف في الكون، واعتقدوا أن المشركين السابقين
يعتقدون في آلهتهم هذا المعنى، فحملوا آيات القرآن في الشرك على هذا المعنى. |
|
قال صاحب فرقـان القرآن في (ص: 111) في تعريفه العبادة:
"الإتيان بأقصى غاية الخضوع قلباً باعتقاد ربوبية المخضوع له أو قالباً مع
ذلك الاعتقاد، فإن انتفى ذلك الاعتقاد لم يكن ما أتى به من الخضوع الظاهري من
العبادة شرعا في كثير ولا قليل، مهما كان المأتى به ولو سجودا". |
|
وقال في (ص: 87): "توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية
متلازمان عرفاً وشرعاً، فالقول بأحدهما قوْلٌ بالآخر، والإشراك في أحدهما إشراك
في الآخر، فمن اعتقد أنه لا رب ولا خالق إلا اللّه لم ير مستحقا للعبادة إلا هو,
ومن اعتقد أنه لا يستحق العبادة غيره فذلك بناء منه على أنه لا رب إلا هو، ومن
أشرك مع اللّه غيره في العبادة كان لا محالة قائلا بربوبية هذا الغير هذا مالا
يعرف الناس سواه "... |
|
ونقل محمود حسن عن هذا الرجل أنه قال في مؤلف له آخر:
"إن من ود الرب تعالى إنزال الغوث والرحمـة على من يذكـر أحباءه وينـاديهم
ويستغيث بهم ولـو كانوا غائبين أو متوفين". (ص ه 6): كشف الشبهات. |
|
وقـال محمود حسن ربيـع في كتابـه كشف الشبهات أيضا:
"إن استعانتك بالأولياء الـذين تعتقـد أن لهم حياة وتصـرفـا بأقـدار اللّه
ليس شركاً، وأن الشرك لو اعتقدت فيهم ربـوبيـةً" (ص 57). وقـال في (ص 58):
"فمن اتخـذ من الأنبياء والأولياء وسيلة إلى اللّه لجلب نفـع أو دفـع ضر من
اللّه فهـو سائل اللّه"... "ومن قال: يا رسول اللّه أريد أن تردّ
عليَّ عيني، أو ترفع عنا الجدب، أو يزول عنا المرض، وهو من المؤمنين كان ذلك
دليلاً على أنه يطلب من اللّه". |
|
فهذه التعريفات للعبادة والشرك أخذت من الواقع الذي عاش فيه
هؤلاء وأحزابهم لا من الشـرع الذي جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم فأراد هؤلاء
أن يكون الواقع الذي هم عليه متفقاً مع دين الإسـلام، فجمعوا بين المتضادات،
وقلبوا الحقائق, فجعلوا الشرك توحيداً، والتوحيد ضلالاً، وسلوكـاً لطريق
الخـوارج الـذين يكفرون المسلمـين، واستبعـدوا أن تكـون هذه الأوضاع المنتشـرة
في سائر أنحاء البلاد الإسلامية هي التي كان يفعلها المشركون السابقون مع
معبـوداتهم، لذلـك حاولـوا تبريـر أفعاَلهم وجعلها على نهج الإسلام بأحاديث
ملّفقة أو موضـوعـة مكـذوبـة أو حكـايـات لا قيمة لها في الشـرع الإسلامي، وأقل
ما يقال في تلك الأحـاديث أنها ضعيفة لا يجوز أن يعتمـد عليها في فرع من فروع
الشرع، فكيف في أصل الأصـول- العبـادة - التي خلق الجن والإنس من أجلهـا، وأرسلت
الرسـل وأنزلت الكتب لإقامتها وإخلاصها للّه. |
|
إن دعـاة الـوثنيـة لا يفتئون يؤلّفون الكتب، ويزوّقون
الكلام بتحسين الشرك والثناء على أهله، وتقبيـح التـوحيد، وعيب أهله ودعـاتـه،
ورميهم بالعظائم اتباعاً لأهوائهم وأغراضهم الدنيوية، فهم يجهدون في تحريف أدلة
الكتاب والسنة حتى تتفق مع ما يقولونه أو يفعلونـه، أو يفعله معظموهم من الـرعاع
أتباع كل ناعق، ولهذا قال هؤلاء: "العبادة هي الإتيان بأقصى غايـة الخضـوع
قلبـا وقـالبا باعتقاد ربـوبية المخضوع له، فإن انتفى ذلك الاعتقاد - يعنى
اعتقاد الربوبية - لم يكن المأتى به من العبادة في كثير ولا قليل ولو كان سجود". |
|
فهل يصـدق العـاقل أن المشركـين في عهد النبوة الذين نزل
فيهم القرآن- وهم أكمل عقولا من هؤلاء - يعتقدون أن الأحجار هي ربهم الذي يحييهم
ويميتهم، وينزل عليهم المطر وينبت الزرع والكلأ، ومـا يقتاتونه هم وأنعامهم. قال
اللّه تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا
رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ
تَتَّقُونَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاءَ بِنَاءً
وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً
لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ}
أي تعلمون أن اللّه تعالى هو الفاعل لما |
|
ذكر في الآية من خلقهم وخلق من قبلهم، وخلق الأرض وجعلها
فراشـا لهم يفترشـونها وينتفعون بها بـما شاؤوا وخلق السماء وبناها وأنزل من
السماء ماء فأنبت به الثمرات والأرزاق لكم ولأنعامكم فكيف تعبدون معه غيره مع
علمكم أنه لا مشارك له في الخلق والرزق والإحياء والإماتة، وتصريف أمور الكون. |
|
"وحـال مشركي العرب مع أوثانهم معلـومة، وأنهم إنما
كانوا يعتقدون حصول البركة منها بتعظيمها ودعائها، والاستغاثة بها، والاعتماد
عليها في حصول ما يرجونه منها ويؤملونه ببركتهـا وشفاعتها، فالتبرك بالصالحين
وبقبورهم هو عين فعل المشركين باللات والعزى ومناة وسائر أوثانهم"[10]. |
|
وهو العبادة التي أوجبت لهم الخلود في النار، وحرّمت عليهم
الجنة، وأخبر اللّه تعالى أنه لا يغفر ذلك إلا بالتوبة منه وفعل التوحيد الذي هو
ضده. |
|
وتسمية هذه الأفعال تبركا، أو توسلا أو غير ذلك لا يغير من
الحقائق شيئا، فالشرك: هو الاتجاه بالعبادة إلى غير اللّه مهما سمّي ذلك،
(وهو نوعان: شرك في الربوبية وشرك في الإلهية). |
|
فالأول: إثبات فاعل مستقـل غير اللّه تعالى كمن يجعل الإنسان
مستقلاً بأحداث فعله مهـما كانت مرتبته نبياً فـما دونـه، وكـذا من يجعـل
الكـواكب أو الأجسام الطبيعية، أو العقـول كـما تقـولـه الفلاسفة، أو النفوس
كـما يقوله عُبّاد القبور، أو الملائكة أو غير ذلك من المخلوقات، من جعل شيئاً
من ذلك مستقلاً بشيء من الأحداث فهو مشرك في الربوبية. |
|
"وكل ما
سوى الخالق الواجب الوجود بنفسه مفتقر إلى غيره، فلا يتم به حدوث حادث، ولا
وجـود ممكن، وجمهور العرب لم يكن شركها من هذا النوع، بل كانت مقرة بأن اللّه
خالق كل شئ وربه ومليكه، وإنما كان من الشرك في العبادة". |
|
والنوع الثاني من الشرك: الشرك في الإلهية: وهو أن يجعل مع اللّه
أحداً من خلقه يتوجه إليه في عبادته أو محبته أو خوفه أو رجائه أو إنابته أو أي
نوع من أنواع العبادة، وضد هذا الشرك التـوحيـد في الإلهية: وهو عبـادة
اللّه تعـالى وحده لا شريك له، فإن المشركـين المقرين بأن اللّه رب كل شيء كانوا
يتخذون آلهة يستجلبون بعبادتها المنافع، ويستدفعون بها المضـار، ويتخـذونها وسائل تقرّبهم إلى اللّه زلفى،
وشفعاء يستشفعون بها إليه، وهذه الآلهة خلق من خلقه لا يملكون لأحد نفعاً ولا
ضراً إلا بإذنه، فكل ما يطلب منهم لا يحصل منه شيء إلا بإذن اللّه تعالى، وهو عز
وجل لم يأمر بعبادة غيره، ولم يجعل هؤلاء شفعاء ووسائل تقرب إليه، قال تعالى: {وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا
أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ} (الزخرف:
45), وقال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ
قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا
فَاعْبُدُونِ} (الأنبياء :25), وقال تعالى: {وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا
يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ
أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ
سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ}. (يونس: 18). |
|
(والمعنى أن اللّه تعـالى لا يعلم أن أحـدا يشفـع عنـده
لهؤلاء لا في السـماوات ولا في الأرض فلا وجود لذلك...) |
|
فبين اللّه تعالى في هذه الآيات وغيرها أنه لم يشرع عبادة
غيره، ولا أذن في ذلك، بل أخبر أنه لو كان في السماوات أو الأرض آلهة إلا اللّه
لفسدتا، فإنه كـما يمتنع أن يكون غيره ربّاً فاعلاً منصرفا، يمتنع أن يكون إلها
معبودا)
[11]. |
|
"والإنسـان بل وجميـع الكـائنـات عباد اللّه تعـالى،
فقراء إليه مماليك له، وهو ربهم المتصرف فيهم، وهو إلههم لا إله إلا هو،
فالمخلوق ليس له من نفسه شئ أصلاً، بل نفسه وصفاتـه وأفعاله، وما ينتفع به أو
يستحقه إنما هو من خلق اللّه تعالى. هو الذي أوجده ومَنَّ به، وفقر المخلوق
وعبـوديته أمر لازم له، لا ينفك عنـه بحال، ولا وجود له بدونه, والحاجة ضروريـة
لكـل المخلوقـات؛ لأنها ملك لخالقها وموجدها إذ لا قيام لها بدونه، ولكن الناس
أو أكثرهم تعـزب قلوبهم عن شهـود هذه الحـاجـة الملِّحة وهذا الفقر
الاضطراري"[12].
وتشهد توحيد الـربـوبيـة العـام، الذي تشترك في شهوده سائر المخلوقات، وهو أنه
لا خالق إلا اللّه تعالى، فلا يستقل شيء سواه بإحداث أمر من الأمور، بل ما شاء اللّه كان وما لم
يشأ لم يكن، فكل ما سواه إذا كان سبباً فلابـد له من شريك معاون، وضد معوق، فإذا
طلب العبد من غير اللّه إحداث أمر من الأمور، فقد طلب منه ما لا يستقل به، ولا يقدر
عليه وحده، حتى أفعال العبد الاختيارية لا يستطيع فعلها إلا بإعانة اللّه له
عليها بأن يجعله فاعلا بما يخلقه فيه من الإرادة الجازمة، والقدرة على ذلك
الفعل. |
|
فمشيئـة اللّه وحده هي المستلزمة لكـل ما يريد، فـما شاء
كان، وما لم يشاء لم يكن وما سواه لا تستلزم إرادتـه شيئـاَ، بل ما أراده لا
يكـون إلا بأمور خارجة عن مقدوره، إن لم يعنه الرب بها لم يحصل مراده، ونفس
إرادته لا تحصل إلا بمشيئة اللّه تعالى كـما قال تعالى: {وَمَا تَشَاءُونَ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ
الْعَالَمِينَ}. |
|
وبهذا يتبـين أن السـائـل للمخلوق يسأله ما لا يستقل بملكه،
هذا إذا كان المسؤول بمقـدوره ظاهراً، فكيف إذا سألـه مالا يقدر عليه أصلا مثل
الشفاعة عند اللّه؛ لأنها لا تكون إلا بإذنه، ومثل هداية القلوب، وشفاء الأمراض
ونحو ذلك. |
|
والراجي لمخلوق، طالب بقلبـه لما يريده من ذلك المخلوق،
والمطلوب منه عاجز عن المطلوب، ولهذا صار ذلك من الشرك الذي لا يغفره اللّه إلا
بالتوبة منه. |
|
ومن نعم اللّه على عبده أن يمنـع مطلوبـه بالشرك، ليصرف
قلبـه إلى توحيد اللّه تعـالى فإن وحَـدّه توحيد الألهية حصلت له سعـادة الـدنيا
والآخرة، وإن كان ممن قال اللّه فيهم: {وَإِذَا
مَسَّ الإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِداً أَوْ قَائِماً
فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ
مَسَّهُ} (يـونس: 22) كان ما حصل له من توحيد حجة عليه، كـما احتج
سبحانه على أمثاله من المشركين، الذين يقرون بأنه خالق كل شيء ثم يشركون غيره
معه في العبادة، ولا يخلصونها له، قال تعالى: {قُلْ
لِمَنِ الأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ، سَيَقُولُونَ لِلَّهِ
قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ، قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ
الْعَرْشِ الْعَظِيمِ، سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ، قُلْ مَنْ
بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ
كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ، سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ}[13](المؤمنون:
83-89). وهذا كثير في القرآن، وهو يدل على ما تقدم من أن الإقرار بتوحيد
الربوبية وبوجود اللّه تعالى أمر فِطريٌ مسلَّمٌ به عند جميـع الخلق، إلا من
أخـذتـه العـزة بالإثم فكابر عقله، وخالف فطرته، وعاند الحق، ولهذا لم تكن رسالة
الرسل في دعوة الناس إلى الإيمان بوجود اللّه تعالى والإقرار بربوبيته، إذ كان هذا مستقراً في القلوب. |
|
ولـذلـك جعـل اللّه تعـالى هذا دليلاً وحجـة على وجـوب
التزام القسم الثاني من التوحيد، الذي هو توحيد العبادة. |
|
فالإقـرار بالخـالق، وكـمالـه يكـون فطريـاً ضروريـاً في حق
من سلمت فطرتـه من الانحـراف، ومـع ذلـك فقـد قامت عليه الأدلة الكثيرة؛ لأنه قد
يحتاج إليها كثير من الناس لفساد فطرهم وتغيُّرها ولأحوال تعرض لهم، وإن كانت
مسألة الإقرار بوجود اللّه - كـما قلنا - ليست من المسـائـل التي تحتاج إلى
برهـان، "فـإن الفطر الإنساَنية السليمة تشهد بضرورة فطرتها وبديهة فكرتها
على خالق حكيم، قادر عليم". {أَفِي اللَّهِ
شَك}, {ولئن وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ
مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ}.
و ومن غفل عن هذه الفطرة في حال السراء، فإنه يلوذ إليها في حال الضراء {وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ}.
|
|
فالأدلة على اللّه تعالى كثيرة: منها ما شهدت به الفطر السليمة
من احتياج المخلوق إلى مدبـر هو منتهى طلبـه، يرغب إليـه، ولا يرغب عنه، ويستغني
به، ولا يستغني عنـه، ويفزع إليه في الشدائد، واحتياج الإنسان في نفسه أوضح من
احتياجِ الممكن الخارجي إلى موجد، والحادث إلى محدث، ولهذا ذكر اللّه تعالى هذا
المعنى مُحتجاً به على وجوب عبادته كـما قال تعالى: {أمَّن
يجيب أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ
وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلاً مَا
تَذَكَّرُونَ}. (النمل: 62). ومن رجع إلى نفسه أدنى رجوع عرف احتياجه
إلى ربه في تكوينه، وبقائه، وتقلبه في أحواله. وكذلك النظر في آيات الآفاق
والملكوت تدل دلالـة واضحـة على اللّه تعـالى، ولكن المعارف التي تحصل من
تعريفات أحوال الاضطرار أشد رسوخاً في القلب من المعارف التي هي نتائج الأفكار
في حالة الاختيار[14]. |
|
وكذلك النظر في مخلوقات اللّه تعالى، وما فيها من العجائب،
وإتقان الصنعة، وباهر الحكمـة، وتقلّب الليـل والنهار، ودوران الشمس والقمر
والنجـوم، وما يتجدد في طلوعها وغروبها، ودوران الأفلاك، وهبـوب الرياح، والسحاب
المسخر بين السماء والأرض يحمل الماء إلى حيث يشاء اللّه، وعوالم المخلوقات مما
يطول وصفه. |
|
ومن ذلـك خلق الإنسـان من نطفـة مستـوية الأجزاء، متنقلة
الأطوار، من نطفة إلى علقة، ومن علقة إلى مضغة، ثم خلق منها لحـما وعظاما وعصبا،
وبصرا وعقلا وإدراكا، وما يشم، وما يطعم، وما يمشي على بطنه, وما يمشي على أربع,
وما يمشى على رجلين، وذكر وأنثى، وهل يمكن أن يكون المداد بنفسه كتاباً معرباً
مرتب المعاني والمواضيع, منسق الكتابة والحروف بطبيعة المداد من غير كاتب عالم, {قُتِلَ الإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ}… الآيات. |
|
ومن ذلك المعجزات التي جاءت بها الأنبياء وهي من أوضح
الدلائل على اللّه تعالى مثل إحياء الموتى، وجعل العصا التي هي عود يابس مقطـوع
من شجـرة حية تلتهم ما أمامها، وفلق البحر بضربه بالعصا، وقلب طبيعة النار
ومنعها من الإحراق، وإنباع الماء من أصباع الرسـول صلى الله عليه وسلم حتى يتوضأ
منه الجمع الكثير، وتكثير الطعام القليل حتى يتزوَّد منه الجيش بأكمله, وغير ذلك
كثير جدا. |
|
ولما كان الطريق إلى الحق هو السمع والعقل، وهما متلازمان،
كان من سلك الطريق العقلي دلـه على الطـريق السمعي وهو صدق الرسل، ومن سلك
الطريق السمعي بين الأدلة العقلية، كـما بين ذلك القرآن. |
|
وكان الشقي المعذَّب من لم يسلك لا هذا ولا هذا كـما قال
أهل النار: {لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ
مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ} (الملك:10), وقال اللّه
تعـالى: {أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ
فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا
فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي
الصُّدُورِ} (الحج: 46). |
|
والإلحاد يعرض لكثير من الناس، ويتبناه بعضهم إما ظاهراً
دون باطن كحال فرعون ونحوه من المجرمين، وإما باطناً وظاهراً كحال ملاحدة اليوم. |
|
والإلحاد لا يمنـع أن تكـون معرفة اللّه مستقرة في الفطرة،
ثابتة بالضرورة؛ لأن إنكار وجود اللّه تعالى حال تعرض لكثير من الناس عمداً أو
خطأ واغترارا، مع أن كثيراً من الناس قد ينازع في كثـير من القضايا البـديهيـة،
والمعارف الفطرية، من الحسيات والحسابيات، والإلهيات، ومن تأمل ما يذكره أصحاب
المقالات في العلوم المختلفة رأى عجائب وغرائب، فمن الطرائف في هذا ما ذكر أن
رجلاً صنّف كتاباً في نفي العلوم فـمات له ولد قد قارب الحلم فقال: أسفت لموت
ولـدي قبـل أن يقرأ كتابي، فقيل له: وما يدريك أنه كان لك ولد، وأنه مات، وأنه
لم يقرأ كتابك، وما يدريك أنك موجود وأنك صنفت كتاباً فلم يدر ما يقول. |
|
وبنو آدم لا
ينضبـط ما يخطر لهم من الآراء والإرادات، فإنهم جنس عظيم التفاوت، فليس في
المخلوقات أعظم تفاوتاً وتفاضلاً منهم، فخيارهم خير المخلوقات أومن خيرهم،
وشرارهم أشر المخلوقـات كـما قال تعـالى: {وَلَقَدْ
ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا
يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا
يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ
الْغَافِلُونَ} (الأعراف: 179). |
|
ولكن الحق عزيز، ومع عزَّته كلٌّ يدَّعيه، ودعواهم الحق
تحجبهم عن مراجعة الحق، |
|
إنّ على الباطل ظلمة، وإن الحق نور، ولا يبصر نور الحق إلا
من حشى قلبه بالنور {وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ
لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ}
[15]. |
|
القسم الثاني من التوحيد: توحيد الأسماء الصفات،
وهذا القسم شبيه بالذي قبله - توحيـد الـربـوبية - من حيث ثبوته في الفطر، وكثرة
الأدلة عليه، كثرة عظيمة، وكون الأمم السـالفـة لم تنكره إلا من شذ وندر، وقد
اختلف الصحـابـة ومن بعدهم في كثير من آيات الأحكام، ولم يختلفـوا في شيء من
آيـات الصفات وأخبارها، بل اتفقوا على إقرارها على ظاهرهـا مع فهمهم معـانيها،
واثبات حقائقها، وذلك لأنها أعظم عناية، وأوضح بيانا من آيـات الأحكام، ومن يقرأ كتاب الله تعالى، ويستعرض سنة
رسوله صلى الله عليه وسلم يرى مدى العناية بهذا القسم، وإثباته بطرق مختلفة،
وكثرة النصوص فيه فـما سر ذلك؟ وما مغزاه؟ ذلك لأنه منبـع الإيـمان والمعـرفـة
بالله على بصيرة وهدى، وهو مصدر التوحيد الكامل, فأكمل الناس توحيداً أَعلمهم
بهذا القسم، أبصرهم بمعانيه وفقهه، والفقه فيه هو الفقه الأكـبر. |
|
إن معرفة الله تعالى على التفصيل لا يمكن الوصول إليها إلا
عن طريق الوحي الذي جعله الله لعباده روحـاً ونـوراً وهدى، والله تعالى أعلم
بنفسه وبغيره من خلقه, ورسوله صلى الله عليه وسلم أعلم الخلق بالله، وما يجب له،
وما يمتنع عليه، وما ينزّه منه، وما وصف الله به نفسه وجب قبـولـه والإيـمان به
وأنـه الحق، وكـذا ما قالـه الرسـول - صلى الله عليه وسلم - وهو أفصح الخلق
وأقدرهم على البيان، وَأنصـح الخلق لأمتـه، وقـد بين للناس ما نُزِّل إليه من
ربه، وأعظم ذلك معرفة الله تعـالى التي هي بها هدايـة القلوب، فقد بين خياله
أوصـاف الله تعـالى التي تعـرّف بها إلى عباده، وأمرهم بدعوته بها، إذ هي الطريق
إلى معرفة الله تعالى وعبادته. |
|
فكل اسم من أسمائه الحسنى له تعبّد يختص به علماً وحالاً،
وأكمل الناس عبودية لله المتعبِّدُ بجميـع الأسـماء الحسنى والصفات العليا التي
يعرفها الخلق، فلا تمنعه عبودية اسم عن عبودية اسم آخر، وهو جل وعلا يحب مقتضى
أسمائه وصفاته، فلمحبته التوبة والمغفرة والعفو خلق من يتـوب عليـه، ويغفر له،
ويعفـو عنـه كـما جاء في الحديث: "لو لم تذنبوا
لذهب الله بكم وجاء بقوم يذنبون فيستغفرون فيغفر الله لهم"[16]. |
|
وإذا كان الإيـمان بأسماء الله تعالى وصفاته فرض على العبد؛
لأنه داخل في الإيمان بالله تعالى، ومعلوم عجز العقول عن الوصول إلى معرفة ذلك
بدون هداية الوحي لأنّ ذلك |
|
من الغيب، فلابد أن تعتصم من الزلل والاضطراب بعاصم وليس
ذلك إلا كتاب اللّه وسنة رسولـه صلى الله عليه وسلم ففي ذلـك فقط تحديد المسلك
الصحيح الذي يهتدي المرء بارتياده، كـما فيه أيضا التحذير من السبل الأخرى التي
إذا سلكها الإنسان وترك فيها وشأنه لا يمكن أن يجني إلا الحيرة والاضطراب، كـما
وقـع لكثـير من أذكيَاء علماء الكلام الذين فتحوا المجال لعقولهم تجول في كل
طريق، وفى النهاية أصبح أحدهم يتمنى أن يموت على عقيدة العجائز. |
|
إن الكون مفتوح أمام العقل فعليه أن يعبر وينظر ما يريد،
أما أن يحاول ارتياد الغيب بلا عاصم وبدون دليل من الوحي الإلهي، فمن الحق أن
يقال له حينئذ "ليس هذا بعشِّك فادرجي", ولكن عليه أن يقبل من الغيوب
ما جاء به الكتاب والسنة، ومن ذلك ما وصف اللّه تعـالى به نفسـه أو وصفه الرسول
به بدون تأويل أو تبديل بل يؤخذ على ظاهره، وذلك أن الوحي أنزل للهـدى والبيان،
وهو كـما قال اللّه تعالى: {نور} و{رحمة} و{بصائر
للناس}. فمن غير المعقـول أن اللّه تعـالى يصف القرآن بأنـه هدىً
للناس، ونور، وبيان، ورحمة ثم يخاطب الخلق فيه بألفاظ لا يقصد منها ما تدل عليه
ظاهراً، بل يكون ظاهرها التشبيه والكفر, كـما أنه محالا أن تكون آياته رموزاً
وألغازاً أشير بها إلى معان باطنة لا تفهم إلا بصعوبة بالغة, ولا يصل إليها إلا
النادر من الأذكياء كـما يقـوله الذين لم يؤمنوا باللّه ورسله, قال تعالى: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ
جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ
بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} (الزمر: 67),
وقال تعالى: {قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ
أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ
الْعَالِينَ} (سورة ص: 75), وقال تعالى: {هَلْ
يَنْظُرُونَ إِلاَّ أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ
يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ} (الأنعام: 158). |
|
فهذا التقسيم والتنويع يُبْطِلُ تأويل إتيان الرب تعالى
بإتيانه أمره أو الملائكة كـما يقوله أهـل التحـريف، ومثل هذه الآية قوله تعالى:
{وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً},
وقال تعالى: {قَالَ لا تَخَافَا إِنَّنِي
مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى} (طه: 46). |
|
والآيات في ذكر أوصاف اللّه تعالى كثيرة جداً، والإيمان بها
على ظاهرها من غير تحريف لها ولا تأويـل، ولا تشبيـه ولا تمثيل هو سبيـل
المؤمنين- صحابة رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ومن تبعهم بإحسان - وقد قال
تعالى: {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ
مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ
مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً} (النساء:
115). فمن سبيلهم الإيمان بصفات اللّه تعالى وأسمائه التي وصف بها نفسه، وسمَّى
بها نفسه في كتابه، أو على لسَـان رسـولـه، من غير زيـادة عليها ولا نقص منها
ولا تجاوز لها، ولا تأويـل لها بما يخالف ظاهرها، ولا تشبيه لها بصفات
المخلوقين؛ لأنهم تيقنوا أن المتكلم بها صادق، وأراد منهم اعتقاد معانيها
فصدَّقوه، وسكتوا عما لم يعلموه من حقيقة معناها، وأخذ ذلك الآخر عن الأول،
ووصَّى بعضهم بعضاً بحسن الاتبـاع، والـوقـوف حيث وقف أولهم، وحـذَّروا من
التجاوز لمذهبهم، والعدول عن طريقتهم. |
|
وبرهـان ذلـك أنهم نقلوا إلينا القرآن العظيم، وأخبار الرسول صلى الله عليه وسلم نقل
مصدق لها مؤمن بها، قابـل لها، غير مرتـاب
فيهـا، ولا شاك في صدق قائلهـا, ولم
يفسـروا ما يتعلق بالصفات منها، ولا تأوَّلوا، ولا شبهوه بصفات المخلوقـين؛
إذ لو فعلوا شيئاً من ذلك لنقل عنهم، ولا يجوز أن يكتم بالكلية إذ لا يجوز
التواطؤ على الكتمان لما يحتاج نقله ومعرفته.
|
|
"للبحث صلة" |
|
أصاب الشيخ وأخطأت أنا |
|
مرّ أمير المؤمنين سليمان بن عبد الملك بالمدينة - وهو يريد
مكة - فأقام بها أياما فقال: |
|
هل بالمدينة
أحد أدرك من أصحاب النبي صلى الله
عليه وسلم ؟ |
|
قالوا له: أبو حازم, فأرسل إليه، فلما دخل عليه قال: |
|
يا أبا حازم ما هذا الجفاء؟ |
|
قال أبو حازم: يا أميرا لمؤمنين وأيُّ جفًا رأيت مني؟ |
|
قال: أتاني وجوه أهل المدينة ولم تأتني. |
|
قال: يا أمير المؤمنين أعيذك بالله أن تقول ما لم يكن, ما
عرفتني قبل هذا اليوم، ولا أنا رأيتك. فالتفت أمير المؤمنين إلى محمد بن شهاب
الزهري فقال: |
|
أصاب
الشيخ وأخطأت أنا... |
|
|
|
|
|
[1] رواه البخاري ومسلم انظر الفتح ج 1ص 126 وج 4 ص 0 29 ومسلم ج 3 ص1220. |
|
[2] انظر غاية المرام ص 7 وانظر الإرشاد ص 18. |
|
[3] البخاري انظر الفتح ج3 ص 261،322،357 ومواضع أخر وانظر مسلم ج1 ص50 . |
|
[4] البخاري ومسلم انظر الفتح ج3 ص 262 ج12 ص 275 وانظر مسلم ج1 ص 52 ـ 53 . |
|
[5]أنظر تفسير ابن كثير ج 7 401 -452. ط. الشعب. |
|
[6]مجموع الفتاوى ج 14 ص 13. |
|
[7] المصدر نفسه. |
|
[8]الإصابة ج ه ص 539 وانظر البداية والنهاية ج 4 ص 298. |
|
[9]انظر تفسير الطبري ج 13 ص
78. |
|
[10] الضياء الشارق ص 183. |
|
[11] درأ تعارض العقل ج 7 ص ا 39 بتصرف. |
|
[12] انظر مجموع الفتاوى ج 14 ص ا 3. |
|
[13] انظر مجموع الفتاوى ج10 ص 331. |
|
[14] انظر
نهاية الإقدام ص 124. |
|
[15]نظر صوت المنطق ص 198 ج 1. |
|
[16] درأ تعارض العقل ج 7 ص ا 39. |