|
|
||
|
تنَبيهـَاتٌ هَـامّـةعلى ما كتبه الشيخ
محمد علي الصابوني |
||
|
في صفـات الله عزّ وجـلّ |
||
|
لسماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز |
||
|
الرئيس العام لإدارة البحوث العلمية والإفتاء
والدعوة والإرشاد |
||
|
|
||
|
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن
والاه. أما بعد: |
||
|
فقـد اطلعت على المقابلة التي أجرتها مجلة
"المجتمع" مع فضيلة الشيخ محمد علي الصابوني ونشرت في العدد رقم 613
وتاريخ 7/ 6/1403 هـ, وعلى مقالاته الست المنشورة في أعداد المـجـتـمـع رقـم 637
وتـاريـخ 17/ 17/1403 هـ ورقـم 628 وتـاريـخ 24/ 9/ 1403هـ ورقـم 629 وتـاريـخ
9/ 10/ 403ا هـ ورقـم 630وتـاريـخ 16/ 10/ 1403 هـ ورقـم 631 وتـاريـخ 23/ 10/
1403هـ ورقـم 646 وتـاريـخ17/2/1404. وقـد اشتملت على أخطاء نبّه على بعضها صاحب
الفضيلة الـدكتور صالـح بن فوزان الفوزان في مقالـه المنشـور بمجلة الـدعـوة في
عدد 15 رقم 904 وتاريخ 29/ 10/1403هـ وفي مجلة المجتمـع بعـددها رقم 646 وتاريخ
17/ 2/ 1404 هـ و650 في 24/2/ 1404 هـ. وقد أجاد وأفاد وأحسن جزاه الله خيرا
ونصر به الحق. وقد رأيت التنبيه على ما وقـع فيها من أخطـاء تأكيـداً لما ذكـره
الـدكتـور صالح ومشاركة في الخير ونشر الحق واستدراكا لأخطاء لم يتعرض لها فضيلة
الدكتور صالح في مقاليه المشار إليهما والله الموفق. فأقول: |
||
|
1- قوله عن تقليد الأئمة الأربعة: "إنه من أوجب
الواجبات" لاشك أن هذا الإطلاق خطأ إذ لا يجب تقليـد أحد من الأئمة الأربعة
ولا غيرهم مهما كان علمه؛ لأن الحق في اتباع الكتاب والسنـة لا في تقليـد أحـد
من الناس وإنما قصارى الأمر أن يكون التقليد سائغاً عند الضرورة لمن عرف بالعلم
والفضل واستقامة العقيدة كـما فصّل ذلك العلامة ابن القيم رحمه الله في كتابه
إعلام الموقعـين, ولذلك كان الأئمة رحمهم الله لا يرضون أن يؤخذ من كلامهم إلا
ما كان موافقا للكتاب والسنـة, قال الإمـام مالـك رحمه الله: "كل يؤخذ من
قوله ويرد إلا صاحب هذا القبر" يشير إلى قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وهكذا قال إخوانه من الأئمة هذا المعنى. |
||
|
فالذي يتمكّن من الأخذ بالكتاب والسنة يتعيّن عليه ألا
يقلّد أحداً من الناس ويأخذ عند الخلاف بما هو أقرب الأقوال لإصابة الحق والذي
لا يستطيع ذلك فالمشروع له أن يسأل أهل العلم كـما قال الله عز وجل: {فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا
تَعْلَمُونَ}. |
||
|
2- قال: "إذا كان ابن تيمية رحمه الله مع درجة علمه لم
يصل إلى مرتبة الاجتهاد وإنما مذهبه حنبلي يتقيّد به في كثير من الأحيان"
وهذا القول فيه نظر بل هو خطأ ظاهر؛ فان شيخ الإسلام رحمه الله من أعلم
المجتهدين, وقد توافرت فيه شروط الاجتهاد, وانتسابه إلى المذهب الحنبلي لا
يخرجـه عن ذلـك؛ لأن المقصـود من ذلـك موافقته لأحمد في أصول مذهبه وقواعده,
وليس المقصود من ذلـك أنـه يقلده فيما قاله بغير حجة, وإنما كان يختار من
الأقوال أقربها إلى الدليل حسبما يظهر له رحمه الله. |
||
|
3- ذكـر أن الخـلافـات في العقيدة ضيّقـة وقـال:
"الـذين يقـولـون بضلال مذهب الأشاعرة نقول لهم: ارجعوا إلى فتاوى ابن تيمية
واقرءوا ماذا كتب ابن تيمية عن أبي الحسن الأشعري حتى نفهم أن هؤلاء جهلة"
ا هـ. |
||
|
والجـواب أن يقال: لاشـك أنـه ضلّ بسبب الخلاف في العقيدة
فرق كثيرة كالمعتزلة والجهمية والرافضة والقدرية وغيرهم, وأيضا الأشاعرة ضلّوا
فيما خالفوا فيه الكتاب والسنة وما عليه خيار هذه الأمة من أئمة الهدى كالصحابة
رضي الله عنهم والتابعين لهم بإحسان والأئمة المهتدين فيما تأولوه من أسماء الله
وصفاته على غير تأويله, وأبو الحسن الأشعري رحمه الله ليس من الأشاعرة وإن
انتسبـوا إليه لكـونـه رجع عن مذهبهم واعتنق مذهب أهل السنة, فمدح الأئمة له ليس
مدحاً لمذهب الأشاعرة. |
||
|
ولا يصـح أن يرمى من اعترض على الأشاعرة فيـما خالفـوا فيـه
عقيدة أهل السنة بالجهل؛ لأن حقيقة الجهل هو القول على الله بغير علم, أما من
أخذ بالكتاب والسنة وقواعد الشرع المعتبرة, وسار على طريق سلف الأمة, وأنكر على
من تأول أسماء الله وصفاته أو شيئا منها على غير تأويلها فإنه لا يرمى بالجهل. |
||
|
4- قال: "إنما القوامة للرجل قوامة تكليف وليست قوامة
تشريف". |
||
|
والجـواب أن يقال: هذا خطأ والصواب أن يقال إن قوامة الرجال
على النساء قوامة تكليف وتشـريف لقول الله جل وعلا: {الرِّجَالُ
قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ
وَبِمَا أَنْفَقُوا} الآية. فأوضح سبحانه أنه جعل الرجال قوّامين على
النساء لأمرين: |
||
|
-
أحدهما: فضل جنس الرجال على جنس النساء. |
||
|
-
والأمر الثاني: قيام الرجال بالإنفاق على النساء
بما يدفعونه من المهور وغيرها من النفقات. |
||
|
5- قال في مقاله الأول بعد المقدمة ما نصه: "ولا يجوز
أن تجعلهم -يعني بتلك الأشاعرة والماتريدية- في صف الروافض والمعتزلة والخوارج
الذين انحرفوا عن أهل السنة والجـماعة غايـة ما في الأمر أن نقـول إنهم مخطئـون
في التأويـل, ذلـك لأن الأسلم أن نفـوّض الأمر في موضوع الصفات إلى علام الغيوب
الذي لا تخفى عليه خافية" ا هـ. |
||
|
والجواب أن يقال: الفرق المخالفة لأهل السنة متفاوتون في
أخطائهم فليس الأشاعرة في خطئهم كالخـوارج و المعتزلة والجهمية بلا شك ولكن ذلك
لا يمنع من بيان خطأ الأشاعرة فيـما أخطأوا فيـه ومخـالفتهم لأهـل السنة في ذلك
كـما قد بيّن خطأهم غيرهم لإظهار الحق وبيان بطـلان ما يخالفه تبليغـاً عن الله
سبحـانـه وعن رسوله صلى الله عليه وسلم وحذراً من الوعيد المذكور في قوله
تعـالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا
أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ
لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ
اللاَّعِنُونَ إِلا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ
أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ}. ثم يقال ليس
الأسلم تفويض الأمر في الصفات إلى علاّم الغيوب لأنه سبحانه بيّنها لعباده
وأوضحها في كتابه الكريم وعلى لسان رسوله الأمين صلى الله عليه وسلم ولم يبيّن
كيفيتها, فالواجب تفويض علم الكيفية لا علم المعاني, وليس التفويض مذهب السلف بل
هو مذهب مبتدع مخالف لما عليه السلف الصالح. وقد أنكر الإمام أحمد رحمه الله
وغيره من أئمة السلف على أهـل التفـويض، وبـدّعـوهم؛ لأن مقتضى مذهبهم أن الله
سبحانه خاطب عباده بما لا يفهمون معناه ولا يعقلون مراده منـه, والله سبحـانـه
وتعـالى يتقـدس عن ذلك, وأهل السنة والجـماعـة يعـرفون مراده سبحانه بكلامه ويصفونه
بمقتضى أسمائه وصفاته وينزهونه عن كل مالا يليق به عز وجـل. وقـد علموا من
كلامـه سبحـانـه ومن كلام رسـولـه صلى الله عليه وسلم أنه سبحانه موصـوف
بالكـمال المطلق في جميـع ما أخـبر به عن نفسـه أو أخبر به عنه رسوله صلى الله
عليه وسلم, وأنا أذكر بعض النقول المهمة عن السلف الصالح في هذا الباب ليتضح
للقاريء صحة ما ذكرنا. |
||
|
قال شيخ
الإسلام ابن تيمية رحمه الله في رسالة (الفتوى الحموية) ما نصه: "روى
أبو بكر البيهقي في الأسـماء والصفـات بإسناد صحيح عن الأوزاعي قال: "كنا
-والتابعون متوافرون- نقول: "إن الله تعـالى ذكـره فوق عرشـه ونـؤمن بما
وردت به السنة من الصفات". فقد حكى الأوزاعي -وهو أحـد الأئمـة الأربعة في
عصر تابع التابعين الذين هم مالك إمام أهل الحجاز والأوزاعي إمـام أهـل الشام
والليث إمام أهل مصر والثوري إمام أهل العراق- حكى شهرة القول في زمن التابعين
بالإيمان بأن الله تعالى فوق العرش وبصفاته السمعية. |
||
|
وإنـما قال الأوزاعي هذا بعـد ظهـور مذهب جهم المنكر لكون
الله فوق عرشه والنافي لصفاته ليعرف الناس أن مذهب السلف كان يخالف هذا. |
||
|
وروى أبو بكر الخلال في كتاب السنة عن الأوزاعي قال: "سئل مكحول
والزهري عن تفسير الأحاديث فقالا: "أمروها كـما جاءت", وروى أيضا عن
الوليد بن مسلم قال: "سألت مالك ابن أنس وسفيـان الثـوري والليث بن سعد
والأوزاعي عن الأخبار التي جاءت في الصفات فقـالـوا: "أمروها كـما
جاءت" وفي رواية قالوا: "أمروها كـما جاءت بلا كيف". وقولهم رضي
الله عنهم:" أمروها كـما جاءت" رد على المعطلة وقولهم: "بلا
كيف" رد على الممثلة. |
||
|
والزهري ومكحول هما أعلم التابعين في زمانهم, والأربعة
الباقون أئمة الدنيا في عصر تابعي التابعين ومن طبقاتهم حماد بن زيد وحماد بن
سلمة وأمثالهما. |
||
|
وروى أبو القاسم الأزجي بإسناده عن مطرف بن عبد الله قالت:
سمعت مالك بن أنس إذا ذكـر عنـده من يدفـع أحـاديث الصفات يقول: "قال عمر
بن عبد العزيز: "سن رسول الله صلى الله عليه وسلم وولاة الأمر بعده سننا
الأخذ بها تصديق لكتاب الله واستكمال لطاعة الله وقوة على دين الله ليس لأحد من
خلق الله تغييرها ولا النظر في شيء خالفها, من اهتدى بها فهو مهتد, ومن استنصر
بها فهو منصور, ومن خالفها واتبع غير سبيل المؤمنين ولاه الله ما تولى وأصلاه
جهنم وساءت مصيرا. |
||
|
وروى الخـلال بإسناد كلهم أئمـة ثقات عن سفيان بن عيينة
قال: سئل ربيعة بن أبي عبـد الرحمن عن قولـه: {الرَّحْمَنُ
عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} كيف استوى؟ قال: "الاستواء غير
مجهول, والكيف غير معقول, ومن الله الرسالة, وعلى الرسول البلاغ المبين, وعلينا
التصديق". وهذا الكلام مروي عن مالك بن أنس تلميذ ربيعة بن أبي عبد الرحمن
من غير وجه. |
||
|
(ومنها) ما
رواه أبو الشيخ الأصبهاني وأبو بكر البيهقي عن يحي بن يحي قال: كنا عند مالك بن
أنس فجاءه رجل فقال: يا أبا عبد الله {الرَّحْمَنُ
عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى}كيف استوى؟ فاطرق مالك برأسـه حتى علاه
الرحضـاء ثم قال: "الاستـواء غير مجهول والكيف غير معقول والإيمان به واجب
والسؤال عنه بدعة وما أراك إلا مبتدعا " فأمر به أن يخرج. |
||
|
فقـول ربيعـة ومـالـك: "الاستـواء غير مجهول والكيف
غير معقول والإيمان به واجب" موافق لقـول البـاقين: "أمروها كـما جاءت
بلا كيف"؛ فإنما نفوا علم الكيفية ولم ينفوا حقيقة الصفـة. ولـو كان القـوم
قد آمنـوا باللفظ المجرد من غير فهم لمعناه على ما يليق بالله لما قالوا:
"الاستـواء غير مجهول والكيف غير معقول" ولما قالوا: "أمروها
كـما جاءت بلا كيف"؛ فان الاستواء حينئذ لا يكون معلوما بل يكون مجهولا
بمنزلة حروف المعجم, وأيضا فانه لا يحتاج إلى نفي علم الكيفية إذا لم يفهم عن
اللفظ معنى وإنما يحتاج إلى نفي علم الكيفية إذا أثبتت الصفات. |
||
|
وأيضـا فإن من ينفي الصفـات الجزئيـة أو الصفات مطلقا لا
يحتاج إلى أن يقول بلا كيف فمن قال: "إن الله ليس على العرش " لا
يحتاج أن يقول: "بلا كـيف" فلو كان مذهب السلف نفي الصفـات في نفس
الأمـر لما قالـوا: "بلا كيف". وأيضـا فقولهم: "أمروها كـما
جاءت" يقتضي إبقاء دلالتها على ما هي عليـه, فإنها جاءت ألفاظاً دالة على
معاني, فلو كانت دلالتها منتفية لكـان الـواجب أن يقـال: "أمروا لفظها مع
اعتقاد أن المفهوم منها غير مراد" أو "أمروا لفظها مع اعتقاد أن الله
لا يوصف بـما دلت عليـه حقيقـة, وحينئـذ تكـون قد أُمرّت كـما جاءت, ولا يقال
حينئذ: "بلا كيف" إذ نفي الكيف عما ليس بثابت لغو من القول" ا
هـ. |
||
|
6- نقـل في المقـال المـذكور عن الشيخ حسن البنا رحمه الله
ما نصه: "نجتمع على ما اتفقنا عليه ويعذر
بعضنا بعضا فيما اختلفنا فيه". |
||
|
والجـواب أن يقـال: نعم يجب أن نتعـاون فيـما اتفقنا عليـه
من نصر الحق والدعوة إليه والتحذير مما نهى الله عنـه ورسوله, أما عذر بعضنا
لبعض فيما اختلفنا فيه فليس على إطلاقه بل هو محل تفصيل؛ فـما كان من مسائل
الاجتهاد التي يخفى دليلها فالواجب عدم الإنكار فيها من بعضنـا على بعـض. أمـا
ما خالف النص من الكتـاب والسنـة فالواجب الإنكار على من خالف النص بالحكمـة
والمـوعظـة الحسنـة والجـدال بالتي هي أحسن عمـلا بقـولـه تعـالى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا
تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} وقوله سبحانه: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ
بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَر} الآية.
وقوله عز وجل: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ
بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ
أَحْسَنُ}. وقـول النبي صلى الله عليه وسلم: "من رأى منكم منكـراً فليغيّره بيده فان لم يستطع فبلسانه فان لم
يستطـع فبقلبـه وذلـك أضعف الإيمان", وقوله صلى الله عليه وسلم: "من دل على خير فله مثل أجر فاعله" أخرجهما
مسلم في صحيحه. والآيات والأحاديث في هذا المعنى كثيرة. |
||
|
7- ثم نعى الكاتب الشيخ محمد علي الصابوني في مقاله الثاني
على المسلمين تفرقهم إلى سلفي وأشعري وصـوفي وماتوريدي... الخ. ولاشك أن هذا
التفرق يؤلم كل مسلم, ويجب على المسلمـين أن يجتمعـوا على الحق ويتعـاونوا على
البر والتقوى, ولكن الله سبحانه قدر ذلـك على الأمـة لحكم عظيمـة وغايات محمودة
يحمد عليها سبحانه ولا يعلم تفاصيلها سواه ومن ذلـك: التمييـز بين أوليائه
وأعدائه, والتمييز بيـن المجتهدين في طلب الحق والمعرضين عنه المتبعين لأهوائهم,
إلى حكـم أخرى, وفي ذلك تصديق لنبيه صلى الله عليه وسلم ودليل على أنه رسول الله
حقاً لكونه قد أخبر عن هذا التفرق قبل وقوعه فوقع كـما أخبر حيث قال صلى الله
عليه وسلم: "ستفترق أمتي على ثلاث وسبعـين فرقـة
كلها في النار إلا واحـدة, قالـوا: من هي يا رسول الله؟ قال: هي الجـماعـة",
وفي روايـة أخـرى قال: "ما أنا عليه
وأصحابي". وهذا يوجب على المسلمين أن يجتمعـوا على الحق وأن يردوا
ما تنـازعـوا فيـه إلى الله والرسـول لقول الله عز وجل: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ
وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ
خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً}, وقـولـه سبحـانـه: {وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى
الله} الآية., وهاتان الآيتان الكريمتان تدلان على أن الواجب على
المسلمين رد ما تنازعوا فيه في العقيدة وغيرها إلى الله سبحانه وتعالى, وإلى
رسوله صلى الله عليه وسلم, وبذلك يتضح الحق لهم وتجتمع كلمتهم عليه ويتحد صفهم
ضد أعـدائهم, أمـا بقاء كل طائفـة على ما لديها من باطـل وعـدم التسليم للطائفة
الأخرى فيما هي عليه من الحق فهذا هو المحذور والمنهي عنه وهو سبب تسليط الأعداء
على المسلمـين, واللوم كل اللوم على من تمسـك بالباطل وأبى أن ينصاع إلى الحق,
أما من تمسك بالحق ودعا إليه وأوضـح بطلان ما خالفـه فهـذا لا لوم عليه, بل هو
مشكور وله أجران: أجر اجتهاده وأجر إصابته للحق. |
||
|
8- ذكـر الصابـوني في مقـالـه الثـاني أن أهـل السنة
اشتهروا بمذهبيـن اثنين: أحدهما مذهب السلف والآخر مذهب الخلف... الخ. |
||
|
وهـذا غلط بين لم يسبقـه إليه أحد فيما أعلم فان مذهب أهل
السنة واحد فقط وهو ما درج عليـه أصحـاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأتباعهم
بإحسان وهو إثبات أسماء الله وصفاته وإمرارها كـما جاءت والإيمان بأنها حق وأن
الله سبحانه موصوف بها على الوجه الذي يليق بجلاله من غير تحريف ولا تعطيل ولا
تكييف ولا تمثيل ولا تأويل لها عن ظاهرها ولا تفويـض بل يؤمنون بأن معانيها
معلومة وأنها حق لائقة بالله سبحانه وتعالى لا يشابه خلقه في شيء منها ومذهب
الخلف بخلاف ذلك كـما يعلم ذلك من قرأ كلام هؤلاء وكلام هؤلاء- ثم ذكر أن أهل
السنة يفـوضـون علم معـاني الصفات إلى الله وكرر ذلك في غير موضع وقد أخطأ في
ذلك ونسب إليهم ما هم براء منه كـما تقدم بيان ذلك فيما نقلناه من كلام شيخ الإِسلام
ابن تيمية رحمه الله عن جمع من أهل السنة رحمة الله عليهم وإنـما يفوض أهل السنة
إلى الله سبحانه علم الكيفية لا علم المعاني كـما سبق إيضاح ذلك. |
||
|
9- ثم ذكـر الصـابـوني هداه الله تنـزيـه الله سبحـانـه عن
الجسم والحـدقة والصماخ واللسـان والحنجـرة وهـذا ليس بمـذهب أهـل السنـة بل هو
من أقـوال أهل الكلام المذموم وتكلفهم فإن أهل السنة لا ينفون عن الله إلا ما نفاه
عن نفسه أو نفاه رسوله صلى الله عليه وسلم ولا يثبتون له إلا ما أثبتـه لنفسـه أو أثبتـه له رسـولـه
صلى الله عليه وسلم ولم يرد في النصـوص نفي هذه الأمور ولا إثباتها فالـواجب
الكف عنها وعـدم التعرض لها بنفي ولا إثبات ويغني عن ذلك قول أهل السنة في إثبات
صفات الله وأسمائه أنه لا يشابه فيها خلقه وأنه سبحانه لا ند له ولا كفوا له, قال
الإمام أحمد رحمـه الله: "لا يوصف الله إلا بما وصف به نفسـه أو وصفـه به
رسوله صلى الله عليه وسلم لا يتجاوز القرآن والحديث", وهذا هو معنى كلام
غيره من أئمة السنة, وأما ما وقع في كلام البيهقي رحمه الله في كتابـه الاعتقاد
من هذه الأمور فهـو ممل دخل عليه من كلام المتكلمين وتكلفهم فراج عليه واعتقد
صحته والحق أنه من كلام أهل البدع لا من كلام أهل السنة. |
||
|
15- ثم قال الصابوني في مقـالـه الثاني ما نصه: "أما
ما يتخيله بعض الجهلة من أدعياء العلم اليـوم الذين يصورون الله بصورة غريبة
عجيبة ويجعلون الله تعالى كأنه جسم مركب من أعضاء وحواس له وجه ويدان وعينان وله
ساق وأصابع وهو يمشي وينزل ويهرول ويقولون في تقرير هذه الصفات أن الله يجلس
كـما يجلس الواحد على السرير, وينزل كـما ينزل أحدنا على الدرج. يريد بزعمه أن
يقرر مذهب السلف الصالح للتلاميذ ويثبت لهم حقيقة معنى الاستـواء والنزول وأنـه
جلوس حس لا كـما يتأولـه المؤولـون فهـذا والعياذ بالله عين الضـلالـة لأنـه
شبـه وجسم وهو كمن فرّ من حفرة صغيرة ليقع في هوة عميقة يتحطم فيها ويهوى فيها
إلى مكان سحيق" أ. هـ. |
||
|
وأقـول: "إن الأخ الصابوني هداه الله قد جمع في هذا
الكـلام حقا وبـاطلا يعلمه كل صاحب سنة وإليك أيها القارئ المؤمن التفصيل في
ذلك: |
||
|
أمـا الـوجـه واليـدان والعينان والساق والأصابع فقد ثبتت
في النصوص من الكتاب والسنة الصحيحـة وقـال بها أهـل السنة والجماعة وأثبتوها
لله سبحانه على الوجه اللائق به سبحانه وهكذا النزول والهرولة جاءت بها الأحاديث
الصحيحة ونطق بها الرسول صلى الله عليه وسلم وأثبتها لربـه عز وجـل على الوجـه
الـلائق به سبحـانـه من غير مشابهة لخلقه ولا يعلم كيفية هذه الصفات إلا هو
سبحانه فإنكار الصابوني هذه الصفات إنكار على النبي صلى الله عليه وسلم بل إنكار
على الله عز وجل لأنه سبحانه ذكر بعضها في كتابه العزيز وأوحى البعض الآخر لنبيه
صلى الله عليه وسلم فإنه صلى الله عليه وسلم لا ينطق عن الهوى, وإنـما يخبر عن
الله سبحانه بـما أوحى إليه. فالصابوني هداه الله تارة يقول: "إنه يلتزم
بمـذهب أهـل السنـة", وتـارة ينقضـه ويخالفه فإنا لله وإنا إليه راجعون,
ونسأل الله لنا وله الهدايـة والـرجـوع إلى الحق، وأمـا قوله: "ويقولون في
تقرير هذه الصفات أن الله يجلس كـما يجلس الواحد على السرير وينزل كـما ينزل
أحدنا على الدرج.. الخ". فهذا أهل السنة براء منـه بل هو من كلام المشبهـة
الـذين كفرهم السلف الصالح وأنكروا مقالتهم لكونها مصادمة لقول الله عز وجل:
{لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ}
وما
جاء في معناها من الآيات, فلا يجوز لأحـد أن يخلط بين كلام أهـل الحق من أهـل
السنـة وكلام أهل الباطل من المشبهة وغـيرهم, ولا يميز بينهما بل الواجب التفصيل
والتمييز. |
||
|
11- ثم زعم الصابوني في مقـالـه الثالث أنّ أوّل من كتب في
أصـول الـدين ورد شبهات أهل الزيغ والضلال أبو الحسن الأشعري وأبو منصور
الماتوريدي. |
||
|
وهـذا جزم غير صحيـح فقـد سبقهـما في ذلـك الإمام أبو حنيفة
رحمه الله والإمام عبد العـزيـز بن عبـد الله بن أبي سلمـة المـاجشون والإمام
مالك رحمه الله والإمام أحمد بن حنبل والإمام محمـد بن إسحاق بن خزيمة والإمام
عثمان بن سعيد الدارمي في الرد على المريسي والإمام عبد العزيز الكناني صاحب الحيدة وغيرهم ممن لا يحصى. |
||
|
12- ثم كرر الصابوني هداه الله في قـال الثـالث قوله: "إن
السلف لهم مذهبـان مذهب أهل التفويض ومذهب أهل التأويل.." إلى آخر ما قال,
إلى أن قال: "إنّ بعضهم يفضل مذهب السلف ويقول: "إنه أسلم"
والبعـض الآخر يفضل مذهب الخلف ويقول هو أحكـم".اهـ |
||
|
والجواب: أن هذا التقسيم باطل كما تقدم وليس للسلف إلا مذهب
واحد وهو مذهب أهل السنة والجـماعة وهم الصحابة رضي الله عنهم, وأتباعهم بإحسان,
وهو الأسلم والأعلم والأحكم، أما المـذهب الثاني فهو مذهب الخلف المذموم, وهو
مذهب أهل التأويـل والتحـريض والتكلف, ولا يلزم من ذم مذهب الخلف والتحـذيـر منه
القـول بتكفـيرهم؛ فإن التفكـير له حكم آخر يبنى على معرفـة قول الشخـص ومـا
لديـه من الباطل ومدى مخالفته للحق فلاَ يجوز أن يقال إنه يلزم من ذم مذهب الخلف
أو الإنكَار على الأشاعرة ما وقعوا فيه من تأويـل الصفـات وتحريفها إلا صفات
قليلة استثنوها القول بتكفيرهم, وإنـما المقصود بيان مخالفتهم لأهل السنة في ذلك
وبطلان ما ذهب إليه الخلف من التأويل وبيان أن الصواب هو مذهب السلف الصالح وهم
أهل السنة والجـماعة في إمرار آيات الصفات وأحاديثها وإثبات ما دلت عليه من
الأسماء والصفات على الوجه اللائق بالله سبحانه من غير تحريف ولا تعطيل ولا
تأويـل ولا تكييف ولا تمثيـل كـما سبق ذكـر ذاك غير مرة والله المستعـان. ثم
ذكـر كلام البيهقي هنا وقـد تقدم ما فيه وأنه رحمه الله دخلت عليه ألفاظ من
ألفاظ أهل البدع فراجت عليـه وظنها صوابـا فأدخلهـا في كتابـه وهو من جملة الذين
خاضوا في الكلام وعلق باعتقاده بعض ما فيه من الشر سامحه الله وعفى عنه, كـما
نبه على ما يدل على ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في الفتاوى ج 6 ص 53. |
||
|
13- ثم قال الصابوني في مقـالـه الثـالث ما نصه: "ولا
يظن أحد أننا نفضل مذهب الخلف على مذهب السلف ولسنا على الرأي الذي يقـولـه
علماء الكلام: "مذهب السلف أسلم ومذهب الخلف أحكم", بل نقـول عن إيمان
ويقـين: "إن مذهب السلف هو الأسلم وهو الأحكم فلا نحاول أن نؤول صفات الخالق جل وعلا, بل نؤمن بها كـما
جاء, ونقربها كـما وردت مع نفي التشبيه والتجسيم". |
||
|
ثم استشهد بقول بعـض الشعراء: |
||
|
مما تكلفه المـؤول |
|
إنّ المفـوّض سـالم |
|
إلى أن قال: "وإذا كان من أول في الصفـات ضال فسنضلل
السلف الصـالـح جميعـاً لأنهم أوّلوا قوله تعالى: {مَا
يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلا هُوَ
سَادِسُهُمْ}. |
||
|
قالوا معهم بعلمـه لا بذاتـه وأوّلوا قوله تعالى: {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ} قالوا:
"معية علم لئلا تتعدد الذات". وسنحكم بضلال الحافظ بن كثير لأنه قال
في قوله تعالى: {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ
وَلَكِنْ لا تُبْصِرُونَ} ملائكتنا أقـرب إليـه منكم ولكن لا ترونهم
كـما أولى قولـه تعالى: { وَنَحْنُ أَقْرَبُ
إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ} قال: "المراد ملائكتنا أقرب
إلى الإنسان من حبل وريده إليـه والحلول والاتحـاد منفي بالإجماع تعالى الله
وتقدس". وقال: "بل نقول إنه يتعين التأويل أحيانـا كـما في الحديث
الصحيح: "الحجر الأسود يمين الله في أرضه" وكـما قال عن سفينة نوح {وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ تَجْرِي
بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ}ا.هـ. |
||
|
والجـواب أن يقـال: قد أحسنت في اختيار مذهب السلف الصالح
واعتقاد أنه الأسلم والأحكم ولكنـك لم تثبت عليه بل تارة تختـار مذهب التأويـل
وتارة تختار مذهب التفويض والواجب على المؤمن الثبات على الحق وعدم التحوّل عنه,
وما ذكرته عن السلف من تفسير قوله تعالى:{وَهُوَ
مَعَكُمْ} بالعلم ليس بالتأويل, ولكنه هو معنى آيات المعية عند أهل
السنة والجماعة. كـما حكى الإمام أبو عمر بن عبد البر وأبو عمر الطلمنكي إجماع
أهل السنة على ذلـك؛ وذلـك لأن النصـوص من الكتاب والسنة الدالة على علوه
وفوقيته وتنزيهه سبحانه عن الحلول والاتحاد تقتضي ذلك, ومن تأمل الآيات الواردة
في ذلك علم أنها تدل على أن المراد بالمعيـة العلم بأحوال عبـاده واطلاعه على
شؤونهم مع دلالـة المعيـة الخاصة على كلاءته ورعايته وحفظه ونصره لأنبيائه
وأوليائه, مع علمه واطلاعه على أحوالهم والعرب الذين نزل الكتاب وجـاءت السنـة
بلغتهم يعلمون ذلك ولا يشتبه عليهم, ولهذا لم يسألوا النبي صلى الله عليه وسلم
عن معاني هذه الآيات لظهورها لهم. أما النصوص الأخرى فلا تحتاج إلى تأويل لأن
المعنى فيها ظاهر مثل قوله سبحانه: {تَجْرِي
بِأَعْيُنِنَا} و {وَلِتُصْنَعَ عَلَى
عَيْنِي}, {وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ
فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا} فلا يدور بخلد أحد أن السفينة بعين الله
سبحانه ولا أن محمداً عليه الصلاة والسلام في عين الله, وإنـما المراد بذلك أن
السفينة تجري برعاية الله وعنايته وتسخيره لها وحفظه لها وأنّ محمدا صلى الله
عليه وسلم تحت رعـايـة مولاه وعنايتـه وحفظه كلاءته, وهكذا قوله في حق موسى: {وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي} أي تحت رعايتي
وحفظي, وهكذا حديث: "كنت سمعه الذي يسمع به
وبصـره الـذي يبصـر به" يفسـره قوله في الرواية الأخرى: "فبي يسمع وبي يبصر وبي يبطش وبي يمشي" ولا
يظن من له أدنى بصـيرة ممن يعـرف اللغـة العـربيـة أن المـراد بذلك: أن الله
سبحانه هو سمع الإنسان وبصره, وهو يده ورجله, تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً,
وإنـما أراد من ذلك سبحانه بيَان توفيقه لأوليائه وتسديده لهم في حواسهم
وحركاتهم بسبب طاعاتهم له وقيـامهم بحقـه, وهكـذا الأحـاديث الأخرى كقـوله: "الحجر يمين الله" فإنه حديث ضعيف والصواب
وقفـه على ابن عبـاس, ومعناه ظاهر سواء كان مرفوعا أو موقوفا, وقد قال في نفس
الحـديث: "فكأنما صافـح الله وقبّـل يمينـه"
فدل على أن الحجـر ليس هو يمين الله وإنما شبه مستلمه ومقبله بمن صافح الله
وقبّل يمينه ترغيبا في استلامه وتقبيله, وهكذا قول الله سبحانه في الحديث الصحيح
لعبده "مرضت فلم تعدني, وجعت فلم تطعمني" قد
بيّن في هذا الحديث ما يدل على معناه حيث قال سبحـانـه: "أما علمت أنـك لوعدته لوجدتني عنده, ولو أطعمته لوجدت ذلك عندي
" فعلم بذلك أن الله سبحانه لم يمرض ولم يجع, وإنما أراد سبحانه من
ذلك حث العباد على عيادة المريض وإطعام الجائع. |
||
|
وأما قوله سبحانه: {وَنَحْنُ
أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ}, وقوله: {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ} فقد فسره
جماعة بقرب الملائكة لأن قربهم من العبـد حين يتلقى المتلقيان وحين الموت كان
بأمره سبحـانـه وتقديره ورعايته لعباده, وفسره آخرون بأنه قربه سبحانه بعلمه
وقدرته وإحاطته بعباده كالمعية وكقربه من عابديه وسائليه مع علوه وفوقيته
سبحـانه, وليس المراد الحلول ولا الاتحاد -تعالى الله عن ذلك وتقدس- لأن الأدلة
القطعية من الكتاب والسنة تدل على أن الله سبحانه فوق العرش بائن من خلقه عال
عليهم, وعلمه في كل مكـان, فمن تدبر النصـوص من الكتاب والسنة وفسّر بعضها ببعض
اتضح له المعنى ولم يحتج إلى التأويل, وقد اختار أبو جعفر بن جرير رحمه الله في
تفسيره القول الثاني في سورة (ق), والقول الأول في سورة الواقعة, وقد أنكر أهل
السنة على من تأول نصوص الصفات وبـدّعوه لما يترتب على تأويلها من أنواع الباطل
وتحريف الكلم عن مواضعه وتجريد الرب سبحانه من صفات الكمال وسوء الظن به وأنه
خاطب عباده بـما ظاهره تشبيه وتمثيل وأن المراد غيره. وهـذا هو التأويـل المذموم
وهذا هو الذي سلكه أهل الكلام وأنكره عليهم أهل السنة وضللوهم في ذلـك لكـونهم
تأولوا النصوص عن ظاهرها وصرفوها عن الحق الذي دلت عليه بلا حجة ولا برهان من
كتاب ولا سنة بل بمقتضى عقولهم وآرائهم التي لم ينزل الله بها من حجة ولا قام
عليها برهان. وقد ألزموهم فيما أثبتوا نظير ما فرّوا منه فيما تأولوه, وهو لازم
لهم بلا شك ولا يسلم من التناقـض واللوازم الباطلة إلا من أثبت ما أثبته الله
ورسوله ونفى ما نفاه الله ورسوله وهم أهل السنة والجـماعة والله المستعان. |
||
|
14- ثم دعـا في مقالـه الرابع إلى جمع الكلمة بـين الفئات
الإسلامية وتضافر الجهود ضد أعـداء الإسلام وذكر أن الوقت ليس وقت مهـاجمـة
لأتباع المذاهب ولا للأشاعرة ولا للإخوان حتى ولا للصوفيين" ا. هـ. |
||
|
والجواب أن يقال: |
||
|
لاريب أنـه يجب على المسلمين توحيد صفوفهم وجمع كلمتهم على
الحق وتعاونهم على الـبر والتقـوى ضد أعـداء الإسلام كـما أمرهم الله سبحـانـه
بذلـك بقـولـه عز وجـل: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ
اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا} وحذّرهم من التفرّق بقوله
سبحانه: {وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا
وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ} الآية. ولكن
لا يلزم من وجوب اتحاد المسلمـين وجمـع كلمتهم على الحق واعتصامهم بحبل الله ألا
ينكروا المنكر على من فعله أو اعتقـده من الصـوفيـة أو غيرهم بل مقتضى الأمـر
بالاعتصام بحبل الله أن يتآمروا بالمعروف ويتناهوا عن المنكر ويبينوا الحق لمن ضل
عنه أو ظن ضدّه صواباً بالأدلة الشرعية حتى يجتمعوا على الحق وينبذوا ما خالفه
وهذا هو مقتضى قوله سبحانه: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى
الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى اْلإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ}
وقوله سبحانه: {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ
يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ
الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} ومتى سكـت أهـل الحق
عن بيان أخطاء المخطئين وأغلاط الغالطيـن لم يحصل منهم ما أمرهم الله به من
الدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكـر, ومعلوم ما يترتب على ذلـك
من إثم السـاكت عن إنكار المنكر وبقاء الغالط على غلطه والمخالف للحق على خطئه
وذلك خلاف ما شرعه الله سبحانه من النصيحة والتعاون على الخير والأمر بالمعروف
والنهي عن المنكر, والله ولي التوفيق. |
||
|
15- ثم ذكر في مقاله الخامس ما نصّه "ليس مذهب السلف
الصالح -الذي أسلفنا الحديث عنه في مقالاتنا السابقة في موضوع صفات الباري جل
وعلا- هو (التفويض المطلق) كـما يتـوهم البعض من الناس بل هو مسلك آخـر يدل على
نظـر ثاقب وفهم سليم مستقيم لنصوص الكتاب والسنة, ويتلخص هذا المسلك والمنهج في
الآتي: |
||
|
أولاً: تأويـل ما لابـد من تأويله من آيات الصفات وأحاديث الصفات
مما لا مندوحة عن تأويله لأسباب لغوية أو شرعية أو اعتقادية. |
||
|
ثانياً: إثبات ما أثبته القرآن الكـريم أو السنـة المطهّرة من
صفات الله جل وعلا: (السمـع والبصـر والكـلام والمحبة والرضى والاستواء والنزول
والإتيان والمجيء) وغيرها من الصفات, والإيـمان بها على مراد الله عز وجـل
بطـريق التسليم والتفـويض دون تشبيه أو تعطيل أو تجسيم أو تمثيل" ا.هـ. |
||
|
والجواب أن يقال: |
||
|
إنّ هذه الـدعوى على مذهب السلف دعوى لا أساس لها من الصحة
فإنّ السلف الصالح ليس مذهبهم التفويض لأسماء الله وصفاته لا تفويضاً عاماً ولا
خاصاً, وإنما يفوّضون علم الكيفيـة كـما تقـدم بيان ذلـك, وكـما نصّ على ذلك
مالك وأحمد وغيرهما, وقبلهما أم سلمة رضي الله عنهما وربيعة بن أبي عبـد الرحمن
شيـخ مالـك رضي الله عن الجميع, وليس من مذهب السلف أيضاً تأويـل الصفات بل
يمرّونها كـما جاءت ويؤمنون بمعانيها على الوجه اللائق بالله سبحانه من غير
تحريفا ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل كـما سلف ذكر ذلك غير مرة. |
||
|
وليس من مذهب السلف أيضا نفى التجسيم ولا إثباته لأن ذلك لم
يرد في الكتاب ولا في السنة ولا في كلام سلف الأمـة كـما نصّ على ذلـك غير واحـد
من أئمة السنة ومنهم شيخ الإسـلام ابن تيميـة رحمـه الله فقـد نصّ على ذلـك في
كتابه التدمرية حيث قال في القاعدة السَادسة: "ولهذا لما كان الرّد على من
وصف الله تعالى بالنقائص بهذا الطريق طريقاً فاسداً لم يسلكه أحد من السلف أو
الأئمة فلم ينطق أحد منهم في حق الله بالجسم لا نفياً ولا إثباتاً ولا بالجوهر
والتحيّز ونحو ذلك؛ لأنها عبارات مجملة لا تحق حقاً ولا تبطل باطلاً. ولهذا لم
يذكر الله في كتـابـه فيـما أنكره على اليهود وغيرهم من الكفار ما هو من هذا
النوع بل هذا هو من الكلام المبتدع الذي أنكره السلف والأئمة" اهـ. |
||
|
وقال الحافظ بن رجب الحنبلي رحمه الله في كتابه (فضل علم
السلف على علم الخلف) -بعـد كلام سبق-: "والصـواب ما عليـه السلف الصالح من
إمرار آيات الصفات وأحاديثها كـما جاءت من غير تفسـير ولا تكييف ولا تمثيل, ولا
يصـح عن أحـد منهم خلاف ذلـك البتة خصوصاً الإمام أحمد ولا خاضوا في معانيها ولا
ضربوا مثلا من الأمثال لها, وان كان بعض من كان قريبا من زمن الإمام أحمد فيهم
من فعل شيئا من ذلك إتباعا لطريقة (مُقاتِل) فلا يقتدى به في ذلك إنـما الاقتداء
بأئمة الإسلام كابن المبارك ومالك والثوري والأوزاعي والشافعي وأحمد وإسحاق وأبي
عبيد ونحوهم, وكل هؤلاء لا يوجد في كلامهم شيء من جنس كلام المتكلّمين فضلا عن
كلام الفلاسفة ولم يدخل ذلك في كلام من سلم من قدح وجرح, وقد قال أبوزرعة
الرازي: "كل من كان عنده علم فلم يصن علمه احتاج في نشره إلى شيء من الكلام
فلستم منه" اهـ. |
||
|
وليس فيـما ثبت في الكتاب والسنـة من أسـماء الله وصفـاته
ما يجب تأويله بل لابد أن يوجـد في النصوص ما يدل على المعنى المراد الذي يجب
إثباته لله على الوجه اللائق به من غير حاجـة إلى تأويـل يخالف الظاهر من كلام
الله ومن كلام رسـوله صلى الله عليه وسلم مع تفويض علم الكيفية إلى الرب عز وجل
كـما سبق بيان ذلك في كلام أئمة السنة. |
||
|
16- ثم قال الصابوني في مقاله الخامس - هداه الله وألهمه
التوفيق - ما نصه: "ولكني أربأ بإخـواني السلفيين أن يتحملوا في أعناقهم
وزر تضليل الأمة وتكفير أئمة المسلمين من أهل الفقـه والحـديث والتفسـير الـذين
هم على مذهب الأشـاعرة فـماذا سنجني إن فرّقنا صف المسلمـين ونسبنا إلى الضلال
شيـخ الإسـلام ابن حجر العسقلاني شارح البخاري", وذكر جماعة آخرين ثم قال:
"وكـل هؤلاء الأئمة الأجلاء وغيرهم من مذهب الإمام الأشعري.. الخ"
اهـ. |
||
|
والجواب أن يقال: ليس من أهل العلم السلفيين من يكفّر هؤلاء
الذين ذكرتهم, وإنما يوضحون أخطاءهم في تأويل الكثير من الصفات ويوضحون أن ذلك
خلاف مذهب سلف الأمة وليس ذلك تكفيراً لهم ولا تمزيقاً لشمل الأمة ولا تفريقاً
لصفهم وإنـما في ذلك النصح لله ولعباده وبيان الحق والرد على من خالفه بالأدلة
النقلية والعقلية والقيام بما أوجب اللّه سبحانه على العلماء من بيان الحق وعدم
كتمانه والقيام بالدعوة إلى اللّه والإرشاد إلى سبيله ولو سكت أهل الحق عن بيانه
لاستمر المخطئون على أخطائهم وقلدهم غيرهم في ذلك وباء الساكتون بإثم الكتـمان
الذي توعـدهم اللّه عليـه في قولـه سبحـانـه: { إِنَّ
الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ
بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ
اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاعِنُونَ إِلا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا
وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ}
وقد أخذ اللّه على علماء أهل الكتاب الميثاق لتبيينه للناس ولا يكتمونه وذمهم
على نبذه وراء ظهورهم وحذرنا من أتباعهم. |
||
|
فإذا سكت أهل السنة عن بيان أخطاء من خالف الكتاب والسنة
شابهوا بذلك أهبة الكتاب المغضـوب عليهم والضالين ثم يقال للأخ الصابوني ليس
علماء الأشاعرة من اتبعا أبي الحسن الأشعـري لأنـه رجـع عن تأويـل الصفات وقال
بمذهب أهل السنة والجـماعة في إثبات الأسماء والصفات وإمرارها كما جاءت من غير
تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل كل أوضح ذلك في كتابيه الإبانة والمقالات
فعلم مما ذكرنا أن من أول الصفات من المنتسبين للأشعري فليس على مذهبه الجديد بل
هو على مذهبه القديم ومعلوم أن مذهب العالم هو ما مات عليـه معتقـدا له لا ما
قالـه سابقا ثم رجـع عنه فيجب التنبه لذلك والحذر مما يلبس الأمور ويضعها في
غـير موضعها واللّه المستعان. |
||
|
17- ذكر الصابوني في مقاله السادس الذي بدأه بقوله:
"هذا بيان للناس.. إنّ التأويل لبعض آيات وأحاديث الصفات لا يخرج المسلم عن
جماعة أهل السنة فمنه ما هو خطأ ومنه ما هو صواب, وهنا آيات صريحة في التأويل
أوّلها الصحابة والتابعون وعلماء السلف وما يتجرأ أحد أن ينسبهم إلى الضلال أو
يخرجهم عن أهل السنة والجماعة", ثم ضرب لذلك أمثلة منها قوله تعالى: {نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُم}, ومنها ما ذكره
سبحانه من استهزائه بالمستهزئين وسخريته من الساخرين بالمؤمنين ومكره بالماكرين
وكذلك أيضاً الحديث الصحيح عن قول الله عزوجل: "مرضت
فلم تعدني, وجعت فلم تطعمني". إلى أن قال: "...إذن ليس الأمر
كما يظن البعض أن مذهب السلف ليس فيه تأويل مطلقاً بل مذهب السلف هو تأويل ما
لابد من تأويله" اهـ. |
||
|
والجواب أن يقال: هذا الكلام فيه تفصيل وفيه حق وباطل
فقوله: "إنّ التأويل لبعض الصفات لا يخرج المسلم عن جماعة أهل السنة صحيح
في الجملة فالمتأول لبعض الصفات كالأشـاعرة لا يخرج بذلـك عن جماعـة المسلمـين
ولا عن جماعة أهل السنة في غير الصفات ولكنه لا يدخل في جماعة أهل السنة عند ذكر
إثباتهم للصفات وإنكارهم للتأويل, فالأشاعرة وأشباههم لا يدخلون في أهل السنة في
إثبات الصفات لكونهم قد خالفوهم في ذلك وسلكوا غير منهجهم, وذلـك يقتضي الإنكار
عليهم وبيان خطئهم في التأويل وأن ذلك خلاف منهج أهل السنة والجـماعة كـما تقدم
بيانه في أول هذه التنبيهات كـما أنه لا مانع أن يقال: إن الأشاعرة ليسوا من أهل
السنة في باب الأسماء والصفات وإن كانوا منهم في الأبواب الأخرى حتى يعلم الناظر
في مذهبهم أنهم قد أخطأوا في تأويـل بعض الصفـات وخـالفوا أصحاب النبي صلى الله
عليه وسلم وأتباعهم بإحسان في هذه المسألـة تحقيقا للحق وإنكارا للباطل وإنزالا
لكل من أهل السنة والأشاعرة في منزلته التي هو عليها. |
||
|
ولا يجوز أن ينسب التأويل إلى أهل السنة مطلقا بل هو خلاف
مذهبهم وإنما ينسب التأويل إلى الأشاعرة وسائر أهل البدع الذين تأوّلوا النصوص
على غير تأويلها. |
||
|
أما الأمثلة التي مثل بها الأخ الصابوني للتأويل عند أهل
السنة فلا حجة له فيها وليس كلامهم فيها من باب التأويل بل هو من باب إيضاح
المعنى وإزالة اللبس عن بعض الناس في معناهـا وهـاك الجواب عنها: أما قوله
تعالى: {نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُم} (التوبة:
من الآية 67) فليس المراد بالنسيان فيها النسيان في قولـه تعالى: {نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُم} (مريم: من الآية
64) وفي قوله تعالى: {فِي كِتَابٍ لا يَضِلُّ
رَبِّي وَلا يَنْسَى} (طه: من الآية 52) بل ذلك له معنى والنسيان
المثبت له معنى آخر فالنسيان المثبت في قوله تعالى: {نَسُوا
اللَّهَ فَنَسِيَهُم} هو تركـه إيـاهم في ضلالهم وإعراضه عنهم سبحانه
لتركهم أوامره وإعراضهم عن دينـه لنفاقهم وتكـذيبهم, والنسيان المنفي عن الله
سبحـانـه هو النسيان الذي بمعنى الذهول والغفلة, فالله سبحانه منزه عن ذلك لكمال
علمه وكـمال بصيرته بأحوال عباده وإحاطته بكل شؤونهم فهو الحي القيوم الذي لا
تأخذه سنة ولا نوم ولا ينسى ولا يغفل - تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا -, وبذلك
يعلم أنّ تفسير النسيان بالترك في قوله تعالى: {الْمُنَافِقُونَ
وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ
وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ
فَنَسِيَهُم} (التوبة: من الآية 67) ليس من باب التأويـل, ولكنه من
باب تفسير النسيان في هذا المقام بمعناه اللغوي لأن كلمة النسيان مشتركة يختلف
معناها بحسب مواردها كـما بيّن ذلك علماء التفسير رحمهم الله قال الحافظ ابن
كثير رحمه الله في معنى الآية ما نصه: "{نَسُوا
اللَّهَ }، أي نسوا ذكر الله {فَنَسِيَهُم}
أي عاملهم معاملة من نسيهم كقوله تعالى: {وَقِيلَ
الْيَوْمَ نَنْسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا}
(الجاثـية:34) اهـ. |
||
|
وهكـذا ما ذكـره الله سبحـانـه من استهزائه بالمستهزئين
وسخريته بالساخرين ومكره بالماكـرين وكيده للكـائدين لا يحتاج إلى تأويل لكونه
من باب الجزاء من جنس العمل لأن السخـريـة منه سبحانه بالساخرين كانت بحق وهكذا
مكره بالماكرين واستهزاؤه بالمستهزئين وكيده للكائدين كله بحق وما كان بحق فلا
نقـص فيه, والله سبحانه يوصف بذلك لأن ذلك وقع منه على وجه يليق بجلاله وعظمته,
ولا يشابه ما يقع من الخلق؛ لأن أعداءه سبحانه فعلوا هذه الأفعـال معـاندة للحق
وكفراً به وإنكاراً له فعاملهم سبحانه بمثل ما فعلوا على وجه لا يشابه فيه
أفعالهم, ولا يعلم كيفيته إلا هو سبحانه, وما ظلمهم الله ولكن كانوا أنفسهم
يظلمون, ومن كيده لهم ومكـره بهم وسخـريته بهم واستهزائـه به إمهالهم وإنظارهم
وعدم معاجلتهم بالعقوبة, ومن ذلك ما يظهره للمنافقين يوم القيامة من إظهاره لهم
بعض النور ثم سلبهم إياه كـما قال عز وجل في سورة الحديد: {يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ
لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا
وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُوراً فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ
بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ
يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ
أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّى
جَاءَ أَمْرُ الله وَغَرَّكُمْ بِالله الْغَرُورُ فَالْيَوْمَ لا يُؤْخَذُ
مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ
مَوْلاكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} (الحديد:13) ... |
||
|
وهكذا قال علماء التفسير من أهل السنة في هذا المعنى: |
||
|
قال الإمـام ابن جرير رحمه الله بعـد أن ذكـر أقوال العلماء
في تفسير قوله تعالى: {اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ
بِهِمْ} (البقرة:15). والصـواب في ذلـك من القـول والتأويل عندنا أن معنى
الاستهزاء في كلام العرب: إظهار المستهزئ للمستهزأ به من القول والفعل ما يرضيه
ظاهراً وهو بذلك من قبله وفعله به مورثه مساءة باطنا وكذلك معنى الخداع والسخرية
والمكر فإذا كان ذلك كذلك وكان الله جل ثناؤه قد جعـل لأهـل النفاق في الدنيا من
الأحكام بما أظهروا بألسنتهم من الإقرار بالله ورسولـه وبـما جاء به من عنـد
الله الذي أدخلهم في
عداد من يشمله اسم الإسلام وان كانوا لغير ذلك مستبطنين
أحكام المسلمين المصدّقين إقرارهم بألسنتهم بذلك بضَمائر قلوبهم وصحائـح عزائمهم
وحميـد أفعـالهم المحققة لهم صحة إيمانهم مع علم الله عز وجل بكذبهم واطـلاعه
على خبث اعتقادهم وشكّهم فيـما ادّعـوا بألسنتهم إنهم به مصـدّقون حتى ظنوا
بالآخرة إذ حشروا في عداد من كانوا في عدادهم في الـدنيا أنهم واردون موردهم
وداخلون مدخلهم والله جل جلاله مع إظهاره ما قد أظهر لهم من الأحكام الملحقة هم
في عاجل الدنيا وآجل الآخرة إلى حال تمييزه بينهم وبين أوليائه, وتفريقه بينهم
وبينهم, معدٌّ لهم من أليم عقابه ونكال عذابه ما أعدّ منه لأعدى أعدائه وشر
عباده حتى ميّز بينهم وبين أوليائه فألحقهم من طبقات جحيمه بالدرك الأسفل. كان
معلوماً أنه جل ثناؤه بذلك من فعله بهم وإن كان جزاء لهم على أفعالهم وعدلا ما
فعل من ذلك بهم لاستحقاقهم إياه منه بعصيانهم له كان بهم بما أظهر لهم من
الأمـور التي أظهرها لهم من إلحاقه أحكامهم في الدنيا بأحكام أوليائه وهم له
أعداء وحشره إيـاهم في الآخرة مع المؤمنين وهم به من المكذبين إلى أن يميز بينهم
وبينه مستهزئـا وبهم ساخراً ولهم خادعـاً وبهم ماكـراً إذ كان معنى الاستهزاء
والسخـريـة والمكر والخديعة ما وصفنا قبل دون أن يكون ذلك معناه في حال فيها
المستهزئ بصاحبه له ظالم أو عليـه فيها غير عادل بل ذلـك معناه في كل أحواله إذا
وجدت الصفات التي قدمنا ذكرها في معنى الاستهزاء وما أشبهه من نظائره" اهـ. |
||
|
وقال الحافظ ابن كثير رحمه الله في تفسير قوله تعالى: {يَوْمَ يَقُولُ
الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ
مِنْ نُورِكُمْ} الآية. قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي حدثنا عبدة بن سليـمان
حدثنا ابن المبارك حدثنـا صفوان بن عمرو وحدثني سليم بن عامر قال: "خرجنا
على جنازة في باب دمشق ومعنا أبو أمامة الباهلي فلما صلى على الجنازة وأخذوا في
دفنها قال أبو أمامة: "أيها الناس إنكم قد أصبحتم وأمسيتم في
منـزل تقتسمون
فيه الحسنات والسيئات, وتـوشكـون أن تظعنـوا منه إلى منزل آخر - وهو بهذا يشير
إلى القبر - بيت الوحدة وبيت الظلمة وبيت الدود وبيت الضيق إلا ما وسع الله ثم
تنتقلون منه إلى مواطن القيامة, فإنكم في بعـض تلك المواطن حتى يغشى الناس أمر
من الله فتبيض وجـوه وتسوّد وجوه, ثم تنتقلون منه إلى منزل آخر فيغشى النـاس
ظلمـة شديـدة ثم يقسم النـور فيعطى المؤمن نوراً ويترك الكافر والمنافق فلا
يعطيان شيئاً وهو المثل الذي ضربه الله تعالى في كتابه فقال: {أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ
مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ
إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ
نُوراً فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ} (النور:40). فلا يستضيء الكـافر
والمنافق بنور المؤمن كـما لا يستضيء
الأعمى ببصر البصـير, ويقـول المنافقـون والمنافقات للذين آمنوا: {انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا
وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُوراً}. وهي خدعـة الله التي خدع بها
المنافقين حيث قال {يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ
خَادِعُهُمْ} (النساء: من الآية 142), فيرجعون إلى المكان الذي قسم
فيه النور فلا يجدون شيئا فينصـرفون إليهم وقد ضرب بينهم بسور له باب {بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ
الْعَذَابُ} الآيـة. يقـول سليم بن عامر: "فما يزال المنافق
مغترّاً حتى يقسم النور ويميّز الله بين المنافق والمؤمن ثم قال: حدثنا أبي
حدثنا يحي بن عثمان حدثنا ابن حيوة حدثنا أرطاة بن المنـذر حدثنا يوسف بن
الحجـاج عن أبي أمامة قال: "يبعث الله ظلمة يوم القيامة فـما من مؤمن ولا
كافر يرى كفّـه حتى يبعث الله بالنور إلى المؤمنين بقدر أعمالهم فيتبعهم
المنافقون فيقـولون: {انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ
نُورِكُمْ}", وقال العوفي والضحاك وغيرهما عن ابن عباس:
"بينما الناس في ظلمة إذ بعث الله نوراً فلما رأى المؤمنون النور توجّهوا
نحوه وكان النور دليلا من الله إلى الجنة فلما رأى المنـافقـون المؤمنـين قد
انطلقـوا اتّبعوهم فأظلم الله على المنافقيـن فقالوا حينئذ: {انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ} فإنا
كنا معكم في الدنيا قال المؤمنون: "ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا
نُوراً من حيث جئتم من الظلمة فالتمسوا هنالك النور". انتهى ما ذكره الحافظ
ابن كثير. |
||
|
وبما ذكرناه عن ابن جرير وابن كثير رحمة الله عليهما يتضح للقارئ
أن المكر والسخرية بالكافرين والخداع والاستهزاء بالمنافقين والكيد منه سبحانه
لأعدائه كله على بابه ولا يحتاج إلى تأويل بل هو حق من الله وعدل وجزاء لهم من
جنس عملهم يليق به سبحانه وليس يماثل ما وقع من أعدائه لأن صفة الله سبحانه
وأفعاله تليق به وكلها حق وعدل ولا يعلم كيفيتها إلا هو سبحانه وإنما يعلم
العباد من ذلك ما أخـبرهم به عز وجل في كتابه الكريم أو على لسان رسوله الأمين
عليه من ربه أفضل الصلاة والتسليم. |
||
|
18- نقل الصابوني في مقاله السادس وفي بعض
مقالاته السابقة
عن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله ما نصه: "والعلماء أنصار علوم الدين والأشاعرة أنصار أصول الدين". وعزاه إلى المجلد الرابـع من الفتاوى
وبمراجعة الفتاوى ص 16 من المجلد الرابع اتضح أن هذا الكلام من فتوى الفقيه أبي
محمد لا من قول شيخ الإسلام وبذلك يعلم وهم الأخ الصابوني في النقل المذكور وهذا
الكلام على فرض صحته لا يدل على أن الأشاعرة لا ينكر عليهم ما أخطأوا فيه فان
القاعدة الشرعية كـما نبّه عليها شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وغـيره أن
العـالم يمدح بما وافق فيه الكتاب والسنة ويذم على ما خَالف فيه الكتاب والسنة,
وهـذا الذي قالـه رحمه الله هو الحق الذي عليـه أهـل السنـة والجـماعة فالأشاعرة
وغيرهم يمدحون على ما قالوه وكتبوه في نصر الحق في أبواب أصول الدين وفي غيرها
ويذّمون على ما أخطأوا فيه إحقاقا للحق ورداً للباطل حتى لا يشتبه الأمر على من
قلّ علمه. والله المستعان. |
||
|
19- ذكـر الصابوني في مقالـه السادس ما نصه: "وفي
الحديث الصحيح ثلاثة من أصول الإيمان: الكف عمن قال: لا إله إلا الله ولا نكفر
مسلما بذنب والإيمان بالأقدار أو كما قال صلى الله عليه وسلم" اهـ. |
||
|
وبمراجعتنا لهذا الحـديث في الأصول المعتبرة اتضـح أنـه
ضعيف جداً, وقد رمز له السيوطي في الجامع بعلامة الضعف, وأخرجه أبو داود من طريق
يزيد بن أبي نشبة عن أنس رضي الله عنه, ويزيـد هذا مجهول كـما في التهـذيب
والتقريب. قال المناوي في فيض القدير: "يزيد بن أبي نشبة بضم النون لم يخرج
له أحد من الستة غير أبي داود وهو مجهول كـما قال المزي وغيره". |
||
|
وبهذا يعلم أن جزم الأخ الصابوني بأنه صحيح ليس في محلّه,
والأولى أن يقال في مثله هذا: "وروى عن النبي صلى الله عليه وسلم",
فينقـل بصيغـة التمـريض كـما نص عليـه أهـل العلم في روايـة الأحاديث الضعيفة,
ولم يسق الأخ الصابوني لفظه كـما ورد, وإليك أيها القاريء نصه عند أبي داود لمزيد
الفائدة: حدثنا سعيد بن منصور ثنا أبو معاوية ثنا جعفر بن برقان عن يزيد بن أبي
نشبة عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ثلاثة من أصل الإيمان: الكف عمن قال: لا إله إلا الله,
ولا تكفره بذنب, ولا تخرجه من الإسلام بعمل, والجهاد ماض منذ بعثني الله إلى أن
يقاتل آخر أمتي الدجال, لا يبطله جور الجائر, ولا عدل عادل, والإيمان
بالأقدار" ا.هـ. |
||
|
وهذا الذي دلّ عليه الحديث قد جاء في معناه أحاديث أخرى
صحيحة والقول بمعناه هو قول أهـل السنـة والجـماعة فإن أهل السنة يعتقدون أنّ من
شهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسـول الله والتزم بمعنـاه ولم يأت بناقـض من
نواقض الإسلام فإنه يجب الكف عنه وحسابه على الله عز وجـل كـما قال النبي صلى
الله عليه وسلم فيـما رواه الشيخـان من حديث ابن عمر رضي الله عنهما: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله
وأن محمداً رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك عصموا مني
دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله عز وجل". ومن
عقيدة أهل السنة أن المسلم لا يكفر بذنب من الذنوب التي دون الشرك ولا يخرج من
الإسلام بعمل من الأعمال التي لا تلحقه بالمشركين, خلافا للخوارج لقول الله عز
وجـل: {إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ
بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاء} (النساء: من الآية
48), وكان الأخ الصابوني ذكر هذا الحديث ليستدلّ به على وجوب الكف عن الكلام في
الأشاعرة وبيان ما أخطأوا فيه, وهكذا ما أخطأ فيه غيرهم من الفرق الإسلامية وليس
الأمر كـما زعم فإن الحديث المذكور لو صح لا يدل على شرعية الكف عن من خالف الحق
كـما أنه لا يدل على ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وبيان ما أخطأ فيه
المخطئون وغلط فيه الغالطون من الأشاعرة وغيرهم, بل الأدلة من الكتاب والسنة الصحيحة كلها تدل على
وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والإنكار على من خالف الحق وإرشاده إلى
طريق الصـواب حتى يهلك من هلك عن بينـة ويحيي من حيّ عن بينة كـما بينا ذلك فيما
سبق, وإنـما المقصود من الحديث - لو صح -: الكف عن قتال من أظهر الإسلام وتكلم بكلمة
التوحيد حتى ينظر في أمره بعد ذلك ويعامل بما يستحق حسب الأدلـة الشـرعيـة كـما
دلت على ذلـك الأحاديث الصحيحة التي أشرنا إليها آنفا. والله سبحانه ولي التوفيق
وهو حسبنا ونعم الوكيل ولا حول ولا قوة إلا بالله. |
||
|
وهـذا آخر ما تيسّـر التنبيه عليه والحمد لله رب العالمين
وصلى الله على عبده ورسوله وأمينه على وحيه وصفوته من خلقه إمام المجاهدين ورسول
رب العالمين نبيّنا محمد وعلى آله وأصحابه ومن سلك سبيله، واهتدى بهداه إلى يوم
الدين. |
||
|
المجتمع |
||