|
|
|
من مراحل الدعوة الإسلامية في مكة |
|
أستاذ مساعد بكلية الدعوة وأصول الدين |
|
الدكتور جميل عبد الله المصري |
|
|
|
تحتاج الأمة أية أمة وهي تتلمس
طريقها نحو النهضة إلى ما يسمى بالحس التاريخي تعي فيه ذاتها وتحقق أصالتها، وأي
أمة خلت من هذا الحس التاريخي هي أمة تابعة مقلدة لاهثة، لا تعي ذاتها وبالتالي
لا تملك ذاتها، ومصيرها يكون إلى زوال. |
|
والأمـة العـربية والإسـلاميـة
لم تتميّز ولم تعرف إلا بالإسلام وبدعوته، والكشف عن جذور هذه الـدعـوة
وأصالَتها يجعلها أمة متميّزة شاهدة على الناس، فلا تبعية ولا تقليد ولا ذوبان
في حضارة شرقية أو غربية، ويوم تعي هذه الأمة ذاتها تشمخ عملاقة تسير في دروب
الخـير والعطاء للإنسـانية جمعاء، تمديدها لإنقاذ الإنسانية من مهاوي الردى،
تنير لها سبيل الخـلاص، وتخرجها من الظلمات إلى النور فيصدق فيها قوله سبحانه
وتعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ
لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ
وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ}. (سورة آل عمران: 110). |
|
وتـاريـخ الإسلام هو تاريخ
للدعوة الإسلامية، يتلازمان صعوداً وهبوطاً, وطبيعة تاريخ الدعوة تنبع من طبَيعة
الدعوة الإسلامية ذاتهَا التي من أخص خصائصها الشمول والاتساع والعالمية - فهي
لا تعترف بحدود جغرافية أو جنسية أو لغوية أو سياسية حتى في الوقت الذي تمزّق
فيـه المسلمون إلى دول ودويـلات وإمارات- لم يتأثر المسلمون بهذا التقسيم بل
كانوا ينظرون إلى ذاتهم كأمة دون الناس يطلقون على عالمهم دار الإسلام، يستطيع
كل مسلم أن يدخل أي قطر يقيم فيه ويتخذه وطنا هويته الإسلام وجنسيته دار
الإسلام. |
|
هكذا كان المسلمون يدركون ذاتهم
ويتميّزون عن غيرهم إلى أن عصفت بالمسلمين موجات الاستعمار الغربي التي حملت
معها أفكار القومية والتغريب والعلمانية، فبهت حسّهم التاريخي وتعثروا في تلمس
انتمائهم بين يمين ويسار، ورجعية وتقدمية، وشعارات بعيدة عن ذاتهم وعن أصولهم. |
|
ودراسة الدعوة الإسلامية في مراحلها الأولى طريق إلى إيجاد
الحس التاريخي في هذه الأمـة، وإنعاشه وبلورتـه إلى عمـل فعّـال في استثارة
كوامن الطاقات الإسلامية وتجميعها وتوجيهها نحو الخير والعطاء. وسأتحدث عن ثلاث
مراحل من مراحل الدَعوة الإسلامية في مكة المكرمة. |
|
المرحلة الأولى: الدعوة سّرًا: |
|
بعـدمـا نزل الوحي على الرسول صلى الله عليه وسلم وكلفه حمل
الرسالة وأمره بتبليغها بقوله: {قُمْ فَأَنْذِرْ}.
أخذ يدعو لدين الله فبدأت المرحلة السرية التي استمرت ثلاثة أعوام، فكان فيها
صلى الله عليه وسلم يدعو من آنس فيـه الاستعـداد لقبول هذه الدعوة بغضّ النظر عن
سنه ومكانته وبغضّ النظر عن جنسـه وأصله، فكان يدعو جميع من يتوسّم فيهم القبول
والتعقل، فأسلم خلالها جماعـة من ذوى العقـل والـرأي والنضـجِ مثـل خديجة بنت
خويلد زوجـه، وزيد بن حارثة مولاه، وعلي بن أبى طالب وكـان صبيا، وأبو بكر وعبد
الرحمن بن عوف والزبير بن العوام وسعد بن أبى وقاص وعثمان بن عفان وطلحة بن عبيد
الله وأبو عبيدة عامر بن الجراح وسعيد بن زيـد وخـالـد بن سعيد بن العاص والأرقم
بن أبي الأرقم وجميع هؤلاء من الأسر المتنفّذة القـويـة، كـما كان من السـابقين
إلى الإسلام أغنياء وفقراء، أقوياء وضعفاء، أحرار وموالي، عرب وعجم، تجار
وعـمال، وبعض الكتـابيـين أمثال صهيب الرومي، والأرقاء أمثال بلال الحبشي ويـاسر
وزوجتـه سميـة وابنهـما عـمار. فالإسـلام من بدايته لم يكن لفئة دون فئة من
النـاس ولا لجنس دون جنس أو طبقـة دون طبقـة، بل جاء للناس كافة، وخلاصاً
للإنسانية جمعاء, قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ
إِلا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ}. (سورة الأنبياء: 107). |
|
أخذ الرسول صلى الله عليه وسلم يعلم هؤلاء المؤمنين ما ينزل
عليه من القرآن الكريم بعيداً عن أعين المشـركـين، واتخـذ دار الأرقم بن الأرقم
مركزاً لبث الدعوة فكانت أول مدرسة في الإسلام، كان يلتقي بالمؤمنين سراً في هذه
المـدرسـة أوفي شعـاب مكـة أثناء الليـل أو في الهاجرة، فيحفظهم القرآن الكريم ويثير فيهم الفكر بالتأمل في
آيات الله والتدبر في مخلوقاته، ويعوّدهم الصـبر على الأذى وبروّضهم على
الطـاعـة والانقياد لأوامر الله حتى خلصـوا لله العلي القدير، وكان أثناء ذلك
يتصل بالعرب سراً يبلغهم الرسالة[1]
فاستجاب نفر غير قليل من قريش الظواهر التي كانت تتألف من بطون قريش المستضعفة
وحلفائها[2]
وكان صلى الله عليه وسلم يرسل لمن يدخل في الإسلام من يعلمه القرآن ممّن أسلموا من قبل وفقهوا في الدين، فقد أرسل
مثلاً خباب بن الأرت يعلم زينب بنت الخطاب[3]. |
|
المرحلة الثانية: الدعوة جهرا: |
|
نضـج الصحـابـة السابقون في الإسلام وأصبحت عقليتهم عقلية
إسلامية ونفسيتهم نفسيـة إسلاميـة، وأصبـح إدراكهم لصَلتهم بالله بارزة آثاره
على أعـمالهم، فنزلت الآيـة الكـريمة: {وَأَنْذِرْ
عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ}. (سورة الشعراء: 14). فجمع صلى الله عليه
وسلم قومه من بني عبد المطلب وكانوا يومئذ أربعين رجلا، واتبع معهم ضروب
الملاينة، وتحدث معهم في لطف وشرح لهم الدعوة في بساطة وعطف فقال لهم: |
|
"إني ما أعلم شاباً جاء قومه بأفضل مما جئتكم به، فلقد
جئتكم بخير الدنيا والآخرة"
[4]. |
|
ثم نزل قولـه سبحـانـه وتعالى: {فَاصْدَعْ
بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ}. (سورة الحجر: 94)
فأظهر صلى الله عليه وسلم الدعوة وخرج في أصحابه إلى الكعبة في نظام دقيق لم
تعهده العرب من قبل، فطاف بهم حول الكعبة، ونادى قريشاً وأبلغهم الدعوة فهتف به
عمه أبو لهب: "تبّاً لك ألهذا دعوتنا؟", فنزل قوله سبحانه: {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ مَا أَغْنَى عَنْهُ
مَالُهُ وَمَا كَسَبَ سَيَصْلَى نَاراً ذَاتَ لَهَبٍ}. (سـورة
المسـد: ا- 3). فانتقلت الـدعوة من دور الاستخفاء إلى دور الإعلان، ومن دور
الاتصال بمن يأنس فيهم الاستعداد إلى دور مخاطبة الناس جميعاً، فلقي المسلمون من
عداوة مشركي قريش وعنتهِم الشيء الكثير، ولكن الدعوة سارت في سبيلهـا، ولم يرفـع
المسلمون سيفاً أو يشرعوا رمحاً، إنما كانوا يدعون إلى سبيل ربّهم بالحكمة
والموعظـة الحسنة، يتفاعلون مع المجتمع، وتتنزل الآيات تصارع عقائد المشركـين
وعاداتهم وتقاليدهم دون مهادنة لزعمائهم. |
|
كان الـرسـول صلى الله عليه وسلم يصـارع بدعوة الإسلام
عقائد الجاهلية جاهداً لإحلال العقيدة الإسلامية محل العقـائـد الزائفة ببيان
زيف تلك المعتقدات وسخافة عقول معتنقيها، يتلو عَليهم ما ورد في القرآن الكـريم
من قصـص الأمم السـابقة التي تشبههم في عبادة الأوثان ليوقظ تلك العقول الجامدة
لعل أصحابها يتعمقون في التفكير، وينذرهم بالعذاب الشديد لعكـوفهم على عبـادة
الأوثـان، فكان يتلو عليهم: {إِنَّكُمْ وَمَا
تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ}.
(سورة الأنبياء: 98). |
|
وتعـدّى الأمر ذلـك إلى مهاجمة نظمهم القبلية وعـاداتهم
وتقاليدهم البالية التي يستمـدون منها نظـام حياتهم كالربا وجواز اسئتجار
الجواري للزنا والميسر واستشارة الكهنة والعراشين، ووأد البنات وقتل الأولاد
والنسيء، وتتنزّل الآيات تحمل الردود العنيفة القاسية على زعـماء قريش وسـادتهم
وكـبرائهم وأغنيائهم وطغاتهم كقوله تعالى: {كَلا
لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعاً بِالنَّاصِيَةِ نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ
فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ}. (سورة العلق: 15-17)
[5],
وقوله سبحانه: {وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلافٍ مَهِينٍ
هماز مشاء بنميم هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ
أَثِيمٍ عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ إِذَا
تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ سَنَسِمُهُ عَلَى
الْخُرْطُومِ}. (سورة القلم:. ا-16). وقوله سبحانه وتعالى: {وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ الَّذِي جَمَعَ مَالاً
وَعَدَّدَهُ يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ كَلا لَيُنْبَذَنَّ فِي
الْحُطَمَةِ}. (سورة الهمزة: 1-4). |
|
كان الـرسـول صلى الله عليه وسلم يتلو عليهم هذه الآيـات
ومثلها غير مبالٍ بقوتهم وضعفه وكثرتهم وقلتـه، جرأة في الحق وعدم خشية أحـد
فيـه، فكـان المثل الأعلى لأصحابه الدعاة، فلم يهادنوا عظِيماً ولم يراعوا في
الحقّ جباراً، ولم يغضوا البصر عن جانب من جوانب الفساد، ولم يتركوا باباً
لتبليغ دعوتهم إلا طرقوه، ولم يجدوا مسلكاً إلا سلكوه. |
|
مواقف قريش المضاد للدعوة الإِسلامية في مكة: |
|
واجهت الدعوة الإسلاميـة من اللحظـة الأولى لظهورها الوثنية
وتزعمتها قريش، وبشكل خاص بعد أن اعتَنق الدعوة كثير من أهل الفضل منهم ووقفوا
في سبيلها بمختلف الوسائل. ومن هذه الوسائل: |
|
1- اتهام الـرسـول صلى الله عليه وسلم بمختلف التهم
ليبعـدوا الناس عنه، فكانوا يقولون: "هذا أساطير الأولين", قال
تعـالى: {وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ
اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً}. (سورة
الفرقان: 5). |
|
ونعتـوا الرسول صلى الله عليه وسلم بالكـاهن حيناً والكاذب
المفتري حيناً والمتعلم المقتبس من غيره حيناً, وظلوا يكـرّرون ذلـك حتى آخر
العهد المكي, قال تعالى: {وَعَجِبُوا أَنْ
جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ}.
(سوره ص: 4). وقال سبحانه: {وَقَالَ الَّذِينَ
كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلاَّ إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ
آخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْماً وَزُوراًً}. (سورة الفرقان: 5). |
|
ووصفوا القـرآن بالسحر قال تعالى: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ
إِنْ هَذَا إِلا سِحْرٌ مُبِينٌ}. (سورة سبأ: 43). |
|
2- اتبعوا أسلوب الحِجاج فكانوا يحاجّون الرسول صلى
الله عليه وسلم وهو أسلوب أهل الكتاب ومن ذلك قصة النضر بن الحارث الذي حاول أن
يخصم الرسول صلى الله عليه وسلم فجاء بعظم بالٍ يتفتت بـين يديه ويقول:
"أتزعم يا محمد أن الله يبعث هذا؟ " فأجابه محمد صلى الله عليه وسلم: "نعم ويدخلك جهنم". ونزل قولـه تعـالى: {وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ
يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ
مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ}. (سورة يس: 78-79). |
|
ومن قوله سبحانه وتعالى يبيّن أسلوبهم في الحجاج: {سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا
أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ
الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ
عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ
إلاَّ تَخْرُصُونَ} (سورة الأنعام: 148). وقوله تعالى: {وَقَالُوا مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ
وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ
إِنْ هُمْ إِلا يَظُنُّونَ وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ مَا
كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلا أَنْ قَالُوا ائْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ
صَادِقِينَ}. (سورة الجاثية: 24- 25). |
|
3- مطالبة الرسول بالمعجزات وتحدّيه: فقد طالبوه بالمعجزات
والآيات برهاناً على صدق دعواه كـما فعل الأنبيـاء السـابقون، قال تعالى على
لسانهم: {فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الأَوَّلُونَ}.
(سورة الأنبياء: 5). وقـال سبحانه: {وَقَالُوا
لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأَرْضِ يَنْبُوعاً أَوْ
تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الأَنْهَارَ خِلالَهَا
تَفْجِيراً أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفاً أَوْ
تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلاً أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ
زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى
تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَاباً نَقْرَأُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلا
بَشَراً رَسُولاً}. (سورة الإسراء: 90-93). |
|
4- محاولة استمالة الرسول صلى الله عليه وسلم وإقناعه
بالعدول عن الدعوة: فقد عرض عليه زعماء قريش الملك والمال والنساء، أرسلوا إليه
عتبة بن ربيعة سيد قومه، فذهب إليه وهو يصلي في المسجد فقال له: "يا ابن أخي، إنك منا حيث قد علمت، من خيارنا
حسباً ونسباً، وإنك قد أتيت قومـك بأمـر عظيم فرقت به جماعتهم وسفهت به أحلامهم
وعبت به آلهتهم ودينهم، وكفرت به من مضى من آبائهم فاسمع مني أعرض عليك أمورا
تنظر فيها لعلك تقبل منها بعضها: إن كنت تريد بـما جئت به من هذا الأمر مالاً
جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالاً، وإن كنت تريـد شرفـاً سوّدنـاك
علينا حتى لا نقطع أمراً دونك، وإن كنت تريد ملكاً ملكناك علينا، وإن كان هذا
الذي يأتيك رئيا من الجن لا تستطيع رده عن نفسك طلبنا لك الطبيب, وبـذلنا فيه
أحوالنا حتى نبرئك منه ", فقال صلى الله عليه وسلم: "أفرغت يا أبا الوليد؟" قال:
"نعم" قال: فاسمـع مني: {بِسْمِ اللَّهِ
الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ حم تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ كِتَابٌ
فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ}.
(سورة فصلت:1 - 38) حتى انتهى إلى آية السجدة فسجد، ثم قال: "قد سمعت يا
أبا الوليد", فقام عتبة إلى أن جلس لقومه وقال: "إني سمعت قولاً والله
ما سمعت مثله قط، والله ما هـو بالشعـر ولا بالسحـر ولا بالكهانة... يا معشـر
قريش أطيعوني واجعلوها لي، وخلّوا بـين هذا الرجل وبين ما هو فيه، فاعتزلوه،
فوالله ليكوننّ لقوله الذي سمعت منه نبأ، فإن تصبه العرب فقد كفيتموه بغيركـم،
وإن يظهر على العرب فملكه ملككم، وعزّه عزكم، وكنتم أسعد الناس به".
فقالوا: "قد سحرك يا أبا الـوليـد بلسـانـه", قال: "هذا رأيي
فاصنعوا ما بدا لكم". فقال النضر بن الحارث: "بماذا جاءنا محمد؟"
واللات ما محمد بأحسن حديثا مني"[6]. |
|
هكـذا كان زعـماء قريش يحاولـون إقناع محمد صلى الله عليه
وسلم بالعدول عن الدعوة أو التنازل عن شيء منها مقابل تنازلهم عن أشياء، فكان
قوله تعالى: {وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ}.
(سورة القلم: 9). فثبت الرسول أصحابه في الموقف الذي لا يحتمل مساومة ولا
تعدداً. |
|
5- أسلوب التعذيب: |
|
لما رأى زعـماء قريش إصرار الرسول صلى الله عليه وسلم
وانتشار الإسلام توجهوا إلى مقاومة الإسلام عن طريق تعـذيب العبيد والضعفاء من
المسلمـين ليعودوا إلى الشرك وليحولوا دون إسلام المزيد، فكـان من صور هذا
التعذيب أن يعرّى صدر المسلم ويطرح فوق الرمال والصخور المحـرقـة المتـوهجـة من
شدة حرارة الشمس ويوضع على أجسادهم الصخور الثقيلة ويمنع عنهم المـاء والطعـام
وتقيّـد أيديهم وأرجلهم بقيـود الحـديـد ويجلدون بالسياط جلدا شديدا، فزهقت
أرواح بعضهم ومن بين الذين تعرضوا لمثل هذا العذاب ياسر وزوجته سمية وابنهما
عمار، وبلال بن رباح, وخباب بن الأرت، فكان المشركون يخرجون ياسراً وزوٍجة وابنه
إلى الأبطـح إذا حميت الرمضاء ويعذبونهم بحرّها فيمر الرسول صلى الله عليه وسلم
فيقول: "صبراً آل ياسر فإن موعدكم الجنة"[7].
وقد مات ياسر وهو يعذّب وأما زوجه فقد طعنها أبو جهل بحربة فقتلها[8].
وكان بلال يخرجه مولاه ويأمره أن يستلقي على الرمّل المتّقد تحت الشمس المحرقة
في الصحـراء ثم يضـع قطعـا ثقيلة من الحجارة على صدره، ويبقى على هذه الحال إلى
أن يُغشى عليه وهو يقول: "أحد.. أحد" لا يزيد على كلمة التوحيد، وقد
ضرب المسلمون مثلاً خالـدا للتمسّـك بالعقيـدة وتحمّل أنواع الأذى والتضحيـة
بالنفس، وكان بعضُ المسلمين الأغنياء وخاصة أبو بكر يشترون الأرقاء المضطهدين من
مالكيهم وينقذونهم من الاضطهاد. |
|
ثم خطـا المشركـون خطـوة أخـرى في التعذيب فأخذوا يعتدون
على المسلمين جميعاً ودون تمييز حتى شمل
الاعتداء ذوي الثراء والوجاهة والقوة كأبي بكر وعثمان والزبير وطلحة وأبي عبيدة
وعثـمان بن مظعون، فقد شدّ نوفل بن خويلد وكان يسمى (أسد قريش) أبا بكر وطلحة
القرشيين بحبل واحد، فسميا القرينين[9],
وعذب أبو أحيحة ابنه خالد بن سعيد ابن العـاص، فكـان يضـربه بقراعة في يده حتى
يكسرها على رأسه ثم يأمر بحبسه ويضيّق عليه ويجيعه ويعطشه حتى لقد مكث في حر
ّمكة ثلاثاً ما ذاق ماء[10]. |
|
ونتيجـة لتعرض المسلمـين جميعـاً للعذاب أذن رسول الله صلى
الله عليه وسلم لأصحابه بالهجرة إلى الحبشـة في السنـة الخـامسـة من بعثتـه،
واختياره للحبشة يعود لشخصية النجاشي أصحمة بالـذات لعـدلـه، خلافـاً لما يراه
المستشرقون بأن الإذن بالهجرة كان لكون الحبشة على صلة ببيزنطة, بانين ذلك على
ما ورد في سورة الروم من تنبؤ بنصر الروم على الفرس، وخلافاً لما ذهب إليـه
الأستاذ الكبير الصعيدي من أن الإسلام كان ناشئا ولم تفسد السياسة بعد بينه وبين
النصرانية فآثر المسلمون مصافاتها على مصافاة أعدائهم من مشركي قريش[11].
والأمر واضح في قوله صلى الله عليه وسلم لأصحابه: |
|
"لـو خرجتم إلى أرضِ الحبشـة فإن فيها
ملكـاً لا يظلم عنده أحد وهي أرض صدق حتى يجعل الله لكم مخرجـاً مما أنتم
فيه"[12]. وقوله كـما في
اليعقوبي: "ارحلوا مهاجرين إلى أرض الحبشة إلى
النجاشي فإنه يحسن الجوار"
[13]. |
|
فتسلل بعض المسلمـين مهاجـرين، ومـع الذين هاجروا جعفر بن
أبي طالب، وقد يكون ندبه الرسول صلى الله عليه وسلم ليكون وكيله في المهاجرين
ورسوله إلى ملك النجاشي، وبنو هاشم كانـوا ينصرون النبي صلى الله عليه وسلم مع
احتفاظ أكثرهم بدينه وكان رئيسهم في ذلك أبو طالب الذي تولى قيادة النصرة
والتعصب للنبي صلى الله عليه وسلم وجعفر هو ابنه. |
|
6- تهديد الرسول صلى الله عليه وسلم بالكف عن دعواه والعدوان عليه: |
|
حين باءت أسـاليب مقـاومـة كفار قريش بالفشـل لجأوا إلى
عمـه أبي طالب وقـال زعماؤهم: "يا أبا طالب إن ابن أخيك قد سبّ آلهتنا وعاب
ديننا وسفّه أحلامنا، فإما أن تكفّه عنا وإما أن تخلّي بيننا وبينـه".
فردّهم أبو طالب ردّاً جميلاً دون أن يتوقف صلى الله عليه وسلم عن نشاطه أو
يتهاون في الـدعوة، فعاودوا الكرة وخاطبوا أبا طالب بلهجة المتوعد المهدد وأنهم
لن يصبروا على هذا الحال، وخيرّوه بين أن يمنعه عـمّا يقول أو ينازلوه وإياه حتى
يهلك أحد الطرفين، فعظم الأمر على أبي طالب فكلّم محمداً صلى الله عليه وسلم بما
جاء به إليه قومه وقال له: |
|
"يـا ابن أخي، إن قومك جاءوني وقـالـوا لي كذا وكـذا،
فأبق عليّ وعلى نفسك ولا تحملني من الأمر مالا أطيق". فكـان ردّ المبلّغ
الـداعيـة إلى الحقّ الذي يحمل نفساً أبيّة لا تعرف الذل ولا تنحني للوهن، ينظر
إلى خصمه من علٍ لأنه يستمد القوة من عزيز حكيم، ينظر إلى زخارف الدنيا وكأنها
أوراق الخريف تتطاير في الهواء، ويحتقر أبهة المشرك وعظمته، يستعلي على الدنيا
بإيـمانه، فهو على الحق وان لقي العنت الشديد, قال صلى الله عليه وسلم: "والله يا عم، لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في
شمالي، ما تركت هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك دونه"[14].
فطمأنه أبو طالب ووعده الاستمرار في حمايته. فعاد زعـماء قريش إلى أبي طالب
يعرضون عليه عمارة بن الوليد أوسم شباب قريش ليسلموه إليه على أن يسلمهم محمداً
صلى الله عليه وسلم فردهم ساخـراً بقولـه: "بئس ما تسومونني، أتعطونني
ابنكم أغذوه لكم، وأعطيكم ابني تقتلونـه!!"[15].
فاتجـه بعضهم إلى إنزال الأذى بالرسـول صلى الله عليه وسلم مباشرة، قال الهيثمي: "ورجاله |
|
ثقات", عن منيت الأزدي قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في
الجاهلية وهو يقول: "يا أيها الناس قولوا لا إله
إلا الله تفلحوا، فمنهم من تفل في وجهه, ومنهم من حثا عليه التراب, ومنهم من
سبّه حتى انتصف النهار، فأقبلت جاريـة بعسّ من ماء، فغسـل وجهـه ويديه وقال:
"يـا بنيّـة لا تخشَيْ على أبيك غيلة ولا ذلة"[16].
ومن الذين اشتدوا في إيذائه صلى الله عليه وسلم: أبو جهل عمر وبن هشام، وأبو لهب
عمه، وأم جميل زوجة أبي لهب، وعقبة بن أبي معيط، ولكنّ إسلام حمزة ثم عمر بن
الخطاب كفّ القرشيين عن بعض ما كانوا ينالون به الرسول صلى الله عليه وسلم من
أذى خوفـاً منهـما. وفي أثناء ذلـك استمر القرآن الكـريم يردّد مشـاهـد الشدة
والعنف مع المشـركـين يندّد بهم وينذرهم بسوء المصير، ويصبّر الرسول صلى الله
عليه وسلم والمسلمين ويعدهم بالنصر والتأييد وحسن العاقبة. |
|
أسلوب المقاطعـة: |
|
إزداد حنق المشـركين من قريش إزاء صبر الـرسـول صلى الله
عليه وسلم والمسلمـين على الأذى والتعذيب وإصرارهم في المضي بالـدعوة وإزاء فشوا
لإسلام في القبائل، فاجتمعوا وائتمروا وقرروا مقاطعة المسلمين وبني هاشم دون أبي
لهب، فلا يتزوجون منهم ولا يزوّجونهم، ولا يبيعون لهم شيئاً ولا يشترون منهم،
وتعاهدوا وتواثقوا على ذلك، وعلقوا صحيفة المقاطعة بالكعبـة[17].
فاضطر بنو هاشم وبنـو عبد المطلب إلى النزوح إلى شعب أبي طالب شرقي مكة، وقطعت
عنهم قريش كل أنواع المؤن، ولم يكن يتاح لهم الاختلاط بغيرهم من الناس إلا في
الأشهر الحرم حـين يفد العرب إلى مكة لزيارة البيت الحرام, وبلغ بهم الجهد حدّاً
لا يطاق، فذاقوا الجوع والحرمان حوالي ثلاث سنوات لا يصل إليهم القوت إلا خفية. |
|
وأخيراً أخذت الحمية والرأفة نفراً من القرشيين منهم: هشام
بن عمرو بن الحارث العامري, وزهير بن أمية بن المغيرة المخزومي, والمطعم بن عدي
بن نوفل بن عبد مناف, وأبو البختري ابن هشام, والأسود بن عبد المطلب بن أسد,
وتعاهدوا على نقض الصحيفة رغم اعتراض أبي جهل, وخرجوا إلى بني هاشم وبني عبد
المطلب وطلبوا منهم العودة إلى منازلهم وشقوا الصحيفة فوجدوا الأرض قد أكلتها
إلا ما كان من: "بسمك اللهم, وهي فاتحة ما كانت تكتب قريش[18].
|
|
وأخـيراً أخـذت الحميـة والرأفة نفراً من القرشيين منهم:
هشام بن عمر وبن الحارث العامري، وزهير بن أبى أميـة بن المغـيرة المخـزومي،
والمطعم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف، وأبـو البختري ابن هشام، والأسود بن عبد
المطلب بن أسد، وتعاهدوا على نقض الصحيفة رغم اعتراض أبي جهل، وخرجوا إلى بني
هاشم وبني عبد المطلب وطلبوا منهم العودة إلى منازلهم وشقـوا الصحيفة فوجـدوا
الأرضة قد أكلتها إلّا ما كان من: بسمـك اللهم، وهى فاتحة ما كانت تكتب قريش[19]. |
|
المرحلة الثالثـة: عرض الرسول صلى الله
عليه وسلم نفسه على القبائل: |
|
فقد الرسول صلى الله عليه وسلم بعـد المقاطعة بقليل عمه أبا
طالب وزوجه خديجة فخسر نصـيرين كبيرين، وتألم لفقدهما، فسمي ذلـك العام بعام
الحزن[20].
وأدرك صلى الله عليه وسلم أن مجتمع الشرك في مكـة وصل مرحلة التحجـر فلا تجدي
الدعوة فيه، فأخذ يتلمسّ النصرة من قبائل العرب، فكان يقف على منازل القبائل مِن
العرب فيقول: "يا بني فلان: إني رسول الله إليكم
آمركم أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً وأن تخلعوا ما تعبدون من دونه من هذه
الأنداد وأن تؤمنوا بي وتصدقوا بي وتمنعوني حتى أبينّ عن الله ما بعثني به"[21]. |
|
عرض الرسول صلى الله عليه وسلم نفسه على بني عامر بن صعصعة
وغسان وفزارة وبني مرة وبني حنيفة وبني سليم وبني عبس وبني نصر وكندة وكلب وبني
الحارث بن كعب وبني عذرة، دون مساومة. |
|
فقد دعا بني شيبان بن ثعلبة فقال لهم: "أدعوكم إلى شهادة أن لا إله إلا الله، وأني رسول
الله، وأن تؤووني وتمنعوني وتنصروني حتى أؤدي عن الله ما أمرني به",
فقال له المثنى بن حارثـة: "ولعـل هذا الأمر الذي تدعو إليه تكرهه الملوك،
فأما ما كان مما يلي بلاد العـرب فذنب صاحبـه مغفـور وعذره مقبول، وأما ما كان
مما يلي بلاد فارس فذنب صاحبه غير مغفور وعذره غير مقبـول، فإن أردت أن ننصرك
مما يلي بلاد العـرب فعلينا ", فأجابه رسول الله صلى الله عليه وسلم بحـزم
لا يقبل المسـاومة: "ما أسأتم الردّ إذا أفصحتم
بالصدق, إنه لا يقوم بدين الله إلا من حاطه من جميع جوانبه "[22]. |
|
وقال له أحد بني عامر بن صعصعة: "أرأيت إن نحن تابعناك
على أمرك، ثم أظهرك الله على من خالفك، أيكون لنا الأمر من بعدك؟ فقال صلى الله
عليه وسلم: "الأمر إلى الله يضعه حيث يشاء"[23]. |
|
وذهب صلى الله عليه وسلم إلى الطائف يتلمسّ نصرة ثقيف فاتصل
بسادتها وأشرافها ودعاهم إلى عبادة الله وإلى نصرته فلم يجيبوه وخافوا على
أحداثهم أن يتأثروا بدعوته، فأمروه بالخروج من بلدهم، وأغروا به سفهاءهم يسبون
ويصيحون به، وقد اصطفوا على جانبي الطريق على مسافات طويلة في داخل المدينة،
فلما مر ّمن بينهم جعلوا يرشقونه بالحجارة حتى أدموا قدميه، حتى إذا وصل شجرة
فاستظل بظلها اتجه إلى ربه سبحانه يستمدّ منه القوة والعون ودعا قائلا: "اللهم إن لم يكن بك عليّ غضب فلا أبالي"[24]. |
|
ورجع الرسول صلى الله عليه وسلم إلى مكة فوجد قومه يقفون له
بالمرصاد، ليمنعوه من دخول مكة، فاستجار بالمطعم بن عدي فأجاره، وتسلح هو وبنوه
لحـمايته حتى دخل مكة وطاف بالبيت ثم انصرف إلى منزلـه في حراسة المطعم وأولاده
ليعود إلى الكفاح من جديد وليستأنف تبليغ الـدعـوة في ذلـك الجـو العـاصف المليء
بالأخطار والمخاوف, فامتدت له يد الرحمن بالرحمة والخير والحنان واحتضنت العناية
الإلهية محمداً صلى الله عليه وسلم لترتفع به إلى أسمى مكان، فأسري به من المسجد
الحرام في مكة إلى المسجد الأقصى في القدس، ثم عرج به من الصخرة المشرفة إلى
سدرة المنتهى بجسـده وروحـه حيث فرضت الصلوات الخمس، واطِّلع على جوانب الإعجاز
الإلهي في الكون الكبير, قال تعالى: {سُبْحَانَ
الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ
الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ
السَّمِيعُ الْبَصِيرُ}. (الإسراء: 1). |
|
وبحـادثـة الإسراء والمعـراج تأكد الرباط المتين الذي يشدّ
البلدين مكة والقدس إلى بعضهـما، حيث انطلق الأنبياء على مدار القرون يدعون إلى
عبادة الله الواحـد ورفض الأصنام والطواغيت، ففي مكة حيث أقام إبراهيم أبو
الأنبياء وابنه إسماعيل- عليهما السلام - أول بيت وضـع للناس لعبـادة الله على
الأرض، وفي القدس حيث انبعثت نبوات متتالية تكـافـح من أجـل تعـزيز دعوة
إبراهيم، حيث اجتمع هؤلاء الأنبياء الكرام في صلاة جماعية أمهّم فيها خاتمهم
تعبيراً عن الدور الذي جاءوا إلى العالم لأدائه، واتجاهاً إلى الهدف الواحد الذي
بعثوا لتحريك الناس إليه، وسجوداً لله الواحد الذي كرم الإنسان وشرّفه بالدين. |
|
لقـد سرّت
الحـادثـة عن رسـول الله صلى الله عليه وسلم وأيقن بنصر الله، وزادت من إيـمان
المؤمنين المخلصـين من أصحـابـه، فاستمر ّيقدم نفسه إلى قبائل العرب في موسم
الحج، ويدعوهم إلى الله والإسـلام ويقـول: "من
رجـل يحملني إلى قومه فيمنعني حتى أبلغ رسالة ربي فإن قريشاً قد منعوني أن أبلغ
رسالة ربي"[25]. |
|
وكانت قد لاحت بشائر النصر حين التقى
صلى الله عليه وسلم بستة من
الخزرج من عرب يثرب التي أنهكتهـا المنـازعـات القبلية ودسائس اليهود، فحدّثهم
صلى الله عليه وسلم عن دعوته وبيّن لهم أسس الدين فاستجابوا له وقبلوا ما عرض عليهم
من الإسلام ووعدوه أن يحدّثوا قومهم، وقالوا: "إنا تركنا قومنا ولا قوم
بينهم من العداوة والشر ما بينهم، فعسى أن يجمعهم الله بك، فسنقدم عليهم
فنـدعوهم إلى أمـرك، وتعـرض عليهم الذي أجبناك إليه من هذا الدين، فإن يجمعهم
الله عليه، فلا رجل أعز منك"[26]. |
|
وفي موسم الحـج في السنة الحـاديـة عشرة من بعثته صلى الله
عليه وسلم قدم اثنا عشر رجلا, تسعة من الخزرج وثلاثة من الأوس، قابلهم الرسول
صلى الله عليه وسلم عند العقبة بمنى وبايعوه على الإسلام بيعة العقبـة الأولى،
وسميت بيعـة النساء لأنها لم تكن بيعة على القتال وإنـما أخذاً للعَهد والميثاق
على الشـروط التي ورد ذكـرهـا في سورة الممتحنـة قال تعـالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ
يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئاً وَلا يَسْرِقْنَ وَلا
يَزْنِينَ وَلا يَقْتُلْنَ أَوْلادَهُنَّ وَلا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ
يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرُجُلِهِنَّ وَلا يَعْصِينَكَ فِي
مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ
رَحِيمٌ}. (سورة الممتحنة: 12). |
|
وأرسـل فيها معهم مصعب بن عمـير معلماً ومرشـداً، يقـرؤهم
القـرآن، ويعلمهم الإسلام ويفقههم في الدين، فانتشر الإسلام في يثرب وغزا كل بيت[27].
إما إيجاباً أو قبولاً, أو رفَضـاً ومناهضـة, فتفـاعلت الـدعوة مع مجتمع يثرب
تفاعلا قوياً وتهيأت يثرب لتكون نقطة ارتكاز للدعوة تمهيداً لانطلاقها إلى شبه
الجزيرة ثم العالم. |
|
وفي موسم الحـج التالي وفـد مصعب إلى مكة ومعه ثلاثة وسبعون
رجلاً وامرأتان من المسلميـن، وأعلمـه أن يثـرب أصبحت جاهزة لتتلقى رسول الله
صلى الله عليه وسلم وأنّ الغرس نـما واشتد وبدأ يعطي ثـماره، واجتمع الرسول صلى
الله عليه وسلم بمسلمي يثرب اجتماع العقبة الثانية ليلاً وسرّاً بعيدا عن عيـون
قريش وعرض عليهم شروطـه التي رآها ضرورية للدعوة والضمانات الضرورية ليـترك مكـة
وينتقـل إلى يثرب، فكـانـوا على استعـداد أن يمنعوا ما يمنعون منه أنفسهم
وأبناءهم ونساءهم، وأن يحاربوا معه الأسود والأحمر وأن ينصروه على القريب
والبعيد, وشرط لهم الـوفـاء بذلـك والجنـة[28]
. فقـال له أحـدهم: "يا رسول الله، إن بيننا وبـين الرجال حبالا (يقصـد
عهـودهم مع اليهود) وإنّا قاطعوها، فهل عسيت إن نحن فعلنا ذلك ثم أظهرك الله أن
ترجع إلى قومك وتدعنا؟", فتبسّم الرسول صلى الله عليه وسلم ثم قال: "بل الدم الدم، والهدم الهدم، أنا منكم وأنتم مني،
أحارب من حاربتم وأسالم من سالمتم"[29].
وطلب منهم أن يخرجوا من بينهم اثني عشـر نقيباً ليكـونـوا على قومهم فأخـرجوا
تسعة من الخزرج وثلاثة من الأوس، وبايعوا الرسول صلى الله عليه وسلم بيعة العقبة
الثانية التي مهّدت لهجرة المسلمين
إلى يثرب. |
|
كانت زعـامـات قريش المشركة تدرك أبعاد اتصال الرسول صلى
الله عليه وسلم بالقبائل وبخطر ذلك
على
كيـانها وعقيـدتها وزعـامتها الـدينيـة والسياسيـة فكـانت تعمل للحيلولة دون هذه
الاتصالات، وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يدرك قوة قريش وتزعّمها للعرب وقوة
تأثيرها، ولذلك أحاط اتصـالاتـه هذه بمنتهى السرّية، ورغم ذلك فقد تسللت الأخبار
إلى قريش فجاء وفد منهم إلى اليثربيين وتهدّدوهم، فحلف لهم عبد الله بن أبيّ أنه
لا علم له بذلك، وكان لا يعلم بالفعل، وتعقب بعض قريش مسلمي يثرب وقبضوا على
بعضهم وضربوهم وعذبوهم[30].
|
|
بدأت بيعـة العقبـة الثانية مرحلة جديدة من مراحل الدعوة
الإسلامية فأذن الرسول صلى الله عليه وسلم لأتباعه بالهجرة قائلا: "إن الله عز وجلّ قد جعل لكم إخواناً وداراً تأمنون
بها"[31].
فأخذ المسلمـون يتجهزون بسـرعة وفي ستر وخفية، فخرجوا جماعة بعد جماعة وفرادى،
وأخذت مكـة تقفر من المسلمين يوماً بعد يوم، وزعماء قريش يلحظون ذلك والغيظ يملأ
قلوبهم وقد خرج الأمر من أيديهم، حتى لم يبق في مكة من المسلمين غير الرسول صلى
الله عليه وسلم وأبي بكر الصديق وعلي بن أبي طالب، فلجأوا إلى آخـر سهم ليسـددوه
إلى الـدعوة الإسـلاميـة في قلبها وصميمها، للقضاء على محمد صلى الله عليه وسلم نفسه،
في الوقت الذي كان يعدَّ للهجرة واللحاق بالمسلمين. |
|
اجتمع مشركوا قريش في دار الندوة فتشاوروا في أمر الدعوة
الإسلامية ففكروا في ثلاث وسائـل وهي: حبسـه صلى الله عليه وسلم أو اغتيالـه أو
نفيـه. قال تعـالى: {وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ
الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ}.
(سورة الأنفال: 30). واتفق رأيهم أخيراً على قتله شريطة اشتراك شبان من مختلف
بيوتات قريش حتى يتوزع دمه فلا يستطيعِ آله المطالبة بدمه. |
|
علم الرسول
صلى الله عليه وسلم بذلك فخرج من داره ليلاً بعد أن ترك عليا ليقوم بتأدية
الأمانات، وشق طريقه مع صاحبه أبي بكر- رضي الله عنه- إلى المدينة المنورة
لتتشرف باستقبال رسول الله صلى الله عليه وسلم وتبدأ الدعوة مرحلة جديدة مليئة
بالكفاح والنضال والجهاد. |
|
وقد يتساءل المرء عن استجابة يثرب لدعوة الإسلام وللإجابة
على ذلك: |
|
كان نشاط الأوس والخزرج الاقتصادي والسياسي قد اتسع، فلجأ
اليهود إلى الدسّ والوقيعة بينهما وأخذوا يحالفون القبيلة المهزومة على المنتصرة
حتى تضعف شوكتها فيحتفظون بالسيادة واحتكار الموارد الاقتصادية، وكانت يوم
(بعاث) آخر حرب عنيفة بين الأوس والخزرج فشعر الفريقان بالخطر فاتفقا على أن
يضعا حدّاً لهذه المآسي، وشعر اليهود مقدار الخطر الذي يهدد مصالحهم من جرّاء
هذا التقارب فاتبعوا أسلوب الدسّ الذي برعوا فيه وتمكنوا أن يرشحّوا عميلهم عبد
الله بن أبي، ليكون ملكاً على الأوس والخزرج. |
|
ولا ريب أن بعض المستنيرين من الأوس والخزرج أدركوا ما
ينطوي عليه تتويج عبد الله من محافظة على مصالح اليهود حلفائه فأسرعوا لتصديق
الرسول صلى الله عليه وسلم لإنقاذهم فبايعوه. |
|
كـما كان أهل يثرب قد ألفوا فكرة
المسيح[32]
المخلص الذي ينتظر اليهود عودته فكان اليهود يستفتحون به على الأوس والخزرج
بقولهم: إن نبيّاً الآن مبعوث قد أطلّ زمانه نتبعه ونقتلكم معـه قتـل عاد وإرم،
فسارع الأوس والخزرج لتصديق الرسول صلى الله عليه وسلم، فقد قال النفر الذين
بايعوا بعضهم لبعض: "تعلمنّ والله أنه للنبي الذي
توعدكم به يهود فلا يسبقنكم إليه"[33]. |
|
وقد أرجع جورجي زيدان أسباب انتشار الإسلام في يثرب إلى
كثرة من في المدينة من اليهـود وهم أهـل كتاب يعتقدون الوحي ويدركون معنى
النبوة، وليس فيهم من يخاف على تجارتـه إذا بطلت عبـادة الأصنام، بل هم يفضلون
إبطـالها لتسقـط مكـة وتنهض مدينتهم وخصـوصاً إذا هاجر إليها صاحب الـدعوة نفسـه
وصارت مركزاً للدين الجديد[34].
وكأن جورجي يحاول أن يثبت أن الـذين استجـابـوا لدعـوة الإسلام كانوا من اليهود،
وواضح أن ذلـك بعيد عن الحقيقـة ومجـافٍ لها فاليهـود أول من وقف في وجه الدعوة
الإسلامية، كـما أن نص الطبري السابق يوضح أن استجابة الأوس والخزرج كانت بناءاً
على قنَاعتهم بصحة ما حدثهم به اليهود. |
|
كـما حاول جورجي أن يرجـع الاستجابة إلى أثر العصبية
الجاهلية فيقول: "ناهيك بما كان بـين تينك المدينتن من المنافسة والمسابقة
والتحاسد لتباعدهما في الانساب، لأن أهل مكة من العدنانيين وأهل المدينة من
القحطانين...[35] |
|
ولسنـا نريـد تفنيـد هذه المزاعم فهي واهية ويكفي أن نذكر
من مظاهر العلاقة الحسنة بين المـدينتين المصاهرات التي تمت بين قريش وأهل
المدينة، ثم محاولات الأوس قبل بعاث أن تستنجد بقريش ضد الخزرج فرفضت قريش حتى
لا ترضى فريقاً دون آخر. |
|
والحق أن استجـابـة الأوس والخزرج للإسلام كانت لحسن إدراك
الزعماء فيهما لدعوة الإسـلام نكـايـة باليهود، ومحاولة للتخلص من استغلالهم
الاقتصادي وللتخلص من فتنهم ودسـائسهم ومن حليفهم الذي رشحته لحكم المـدينـة، ثم
لا ننس أسلوب الرسول صلى الله عليه وسلم
في عرض دعوته عليهم واجتذابهم. وإذا أراد الله أمراً هيأ أسبابه. |
|
رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يربي أصحابه |
|
كان صلى الله
عليه وسلم في سفر فأمر بذبح شاة، فقال رجل: "يا رسول الله عليّ
ذبحها"، وقال آخر: "عليّ سلخها"، وقال ثالث: "عليّ
طبخها"، فقال صلى الله عليه وسلم : "وعليّ
جمع الحطب". |
|
قالوا: "يا رسول الله نحن نكفيك ذلك", فقال: "قد علمت، ولكني أكره أن أتميز عليكم، فإن الله يكره من
عبده أن يراه متميزا بين أصحابه"، وقام صلى الله عليه وسلم فجمع
الحطب. |
|
|
|
[1] حسن إبراهيم: تاريخ الإسلام السياسي (ج ا ص 70). |
|
[2] ابن هشـام. السيرة (ج 1ص 218). |
|
[3] تهذيب سيرة ابن هشام: (ج ا ص 78). |
|
[4] البداية والنهايةج3 ص 24. |
|
[5]ناديه: تعني مجلس قومه، ولعلها دار الندوة. |
|
[6] ابن هشـام: السيرة: (ج 1 ص 248). |
|
[7] ابن الأثـير: (ج3 ص 30). |
|
[8] انظر ابن هشـام: السيرة: (ج 1 ص172 - 202). |
|
[9] البداية والنهايـة: (ج 3 ص 29). |
|
[10] انظر تاريخ الطبري: (ج 2 ص 323-326). |
|
[11] السياسة الإسلامية في عهد النبوة: (ص 51). |
|
[12] ابن هشام: السيرة: (ج ا ص 343 ), الكامل: (ج2 ص 327). |
|
[13] اليعقـوبي: تاريخ: (ج 2 ص 29). |
|
[14] ابن هشـام السيرة: (ج ا ص 278). |
|
[15] ابن هشام: (ج ا ص277 - 279) الطبري: (ج 2 ص327) ، طبقات ابن سعد: (ج4 ق1 ص 68). |
|
[16] الكاندهلوي: حياة الصحابة: (ج ا ص 289). |
|
[17] الطبري: (ج 2 ص 74), ابن هشام: (ج ا ص 231). |
|
[18] الطبري: ج2 ص80, وابن هشام: ج1 ص231). |
|
[19] الطبري. (ج 2 ص 80) ابن هشام (ج ا ص ا 23). |
|
[20] ابن هشـام: (ج 1 ص416). |
|
[21] حياة الصحـابة: (ج 1 ص71), اليعقوبي: (ج 2 ص 36). |
|
[22] حياة الصحـابة: (ج ا ص 74-75). |
|
[23]الطبري: (ج 2 ص 84). |
|
[24] البداية والنهاية: (ج 3 ص 136). |
|
[25] المقريزي: إمتاع الأسماع (ج ا ص 30). |
|
[26] ابن هشام: السيرة: (ج1ص429). |
|
[27] الطبـري: (ج 3 ص60). |
|
[28] اليعقوبي: تاريخ: (ج 2 ص 38). |
|
[29]ابن هشـام : (ج 2 ص 412). |
|
[30]ابن هشام: (ج ا ص 468). |
|
[31]ابن هشـام: (ج2 ص 76). |
|
[32] أرنولد: الدعوة إلى الإسلام (ص 42). |
|
[33]الطبـري. (ج 2 ص 354). |
|
[34]التمدد الإسلامي: (ج 1 ص 48). |
|
[35] نفسـه: (ج1ص48). |