|
|
|
الملك عبد العزيز آل سعود
بين
نصره لله ونصر الله له |
|
للشيخ إبراهيم محمد حسن الجمل |
|
المدرس بالمعهد الثانوي التابع للجامعة |
|
|
|
لقد وفق الله الملك عبد العزيز آل سعود في كل ما قام به ،
والتوفيق أمر عظيم لا يهبه الله إلا لرجل عظيم، ومما لا شك فيه أن عبد العزيز
كان عظيما، وتظهر هذه العظمة واضحة جلية في توفيق الله له، ونصره إياه في وقعة
الرياض وفتحها. |
|
كان عبد العزيز في سن دون العشرين من عمره المبارك، وما
تزال ترن في أذنه نصائح أبيـه الرجـل الصـالـح الإمام عبد الرحمن بن فيصل آل
سـعود، الذي كان دائماً يقص عليه تاريـخ الآباء والأجـداد، ومـواقف الضعف
والقـوة فيهم، ويـذكـر بالخير مواقف الصلحاء والأتقياء منهم، ويحـرص كل الحرص
على أن يبث في نفس ابنه عبد العزيز الروح الدينية، ويغـرس في قلبـه حب الجهـاد
والتضحية في سبيل إعلاء كلمة الله، ويذكره بالعهد الذي تم بين جده محمـد بن
سعـود والشيـخ محمد بن عبد الوهاب رحمهم الله، الذي يقضى بالعمل على نشر العقيدة
السلفية، وجذب الناس إلى توحيد الله سبحانه وتعالى، وإقراره بالعبادة، ودحض حجـج
الآثمين والمشركين، وإقـامة الأدلة والبراهين الناصعة على ثمرة التمسك بكتاب
الله وسنة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، وما يجنيه الإنسان من وراء ذلك من
سعادة في الدنيا والآخرة. |
|
لقـد رأى حوادث جسـامـاً، وهـو صغير، رأى الأعـداء على
أبواب عاصمة الآباء والأجداد، وشاهدهم وهم يحاولون الاستيلاء على الرياض وما
حولها، ثم استسلم للبيداء بقسوتها وبحرّها وبردها، حتى انتهى به المطاف إلى
الكويت, وفي الكويت عرف الكثير عن أمرائهـا وعلمائهـا، كان يجلس صامتـا، ويسمـع
أكثر مما يتكلم، وكـان ما يسمعـه ويقرؤه ويتعلمـه يلقى به في بئـر آمـالـه
وأحـلامه العريضة ويضطرب كل ذلك في بحر لجي تتدافقه الأمواج العالية، التي تصل
به إلى قمة التفكير ألا وهو كيف يخلص بلاده الغالية من يد الغاصبين. |
|
لقـد ذهب إلى الرياض مسـقط رأسه، ومحط آماله، وملعب طفولته
غازياً، ومكث بها أربعـة أشهر، لكنـه تركها أمام مالا قبَل له به، فوقعة الصريف[1]
وانتصار الأعداء بها، والهزيمة التي لحقت بجيش الشيخ مبارك كان لها أكبر الأثر
في التأثير على مجريات الأحداث في ذلك الوقت. |
|
ولقد مرت الأيام، وبلغ عبد العزيز الواحدة والعشرين، وما
تزال تراوده فكرة الرجوع إلى
بلده، فإمـا أن يعيش فيها، وإما أن يستشهـد في سبيلها، لقد اختمرت في ذهنه فكرة
استرداد الحق المغتصب، والمُلك الذي سلب، ونُهِب قسـراً عن أهله، والذي لا
يُسْتَطاع بغيره أن يُمْتَلك الزمام، فتقام حدود الله، وتطبق أسس الدعوة التي
كاد يقضى عليها، إلا من أنفس ما تزال تعض عليها بالنـواجـذ، ثم أقسم ليستردنّ
مجد آبائه وأجداده، ولينشرنّ الدعوة لربه جل وعلا، كـما قام بها أجداده الأوائل. |
|
ثم كاشف بما جال في خاطره الأصفياء من ذويـه، وأقاربه
الشباب، فوافقوه على ما دعا إليه، وذهب إلى والده الإمام، واستأذنه في السفر،
بعد أن بين له الدافع الشديد الذي دعاه إلى ذلـك فإيـمانه القوي بنصر الله،
وتوكله عليه، واطمئنان قلبه إلى توفيقه تعالى، جعله متأكداً من عون الله، وشد
أزره له. |
|
وتنفس الصعـداء الـرجل العارف بأخبار العدو وقوته، وحرصه
على ما اغتصبه، وقد أدرك أن عبد العزيز الذي رباه وعلمه لساعة آتية، قد أدرك
الآن أنه أصاب الهدف، واعتمد على من عليـه الاعتماد، وأوى إلى ركن حصين وسند
عظيم، ولذلك لم يتردد في الإذن له بالعمل، ودعا له بالتوفيق والنجاح[2].
|
|
وإذا وجـد الإيـمان والتوفيق، والنصر والتوكل على العليم
الخبير، فكل ما عداه من الأسباب هين لتحقيق الرغبة القوية. |
|
لقـد تمكن عبـد العـزيز الشـاب من
الحصـول على أربعين جملا، وثلاثين بندقية، وبعض الزاد، ومعه أربعون رجلاً من
عائلة آل سـعود الذين بالكويت، ومن المقربين إليه، ثم راح يغزو الأرض التي
استولى عليها ابن الرشيد، والناس يجتمعون معه، ويتفرقون عنه، حتى وصلوا إلى
الألفـين، لم يبق منهم في آخـر الأمر إلا عشـرون ضمهم إلى الأربع فأصبح جيش عبـد العزيز
ستين رجلا، واتجه ببصره إلى الرياض، واستطاع القائد الشاب عبد العزيز ابن عبد
الرحمن بما وهبه الله من الذكاء أن يخطط للاستيلاء على الرياض. |
|
ففي الخـامس من شوال عام 1319 هـ كان
الشاب عبـد العـزيز والستون شاباً على مسافة من الرياض. قالوا: إنها كانت على
بُعْد ساعتين، ترك فيها عشرين شابا ممن معه، وتقـدم بالأربعين الآخرين، فلما وصل
إلى البساتين خارج سور المدينة، ترك أخاه محمدا، ومعـه ثلاثـون رجـلاً، ومشى
بالعشـرة في الظلام الدامس، حتى تمكن من اقتحام الأسوار، والـوصـول إلى حاكم
الـرياض من قبل ابن الرشيد، وقتله في مغامرة مثيرة, رافقه فيها تأييد الله له
وتوفيقـه, وأظلته العناية الإلهية التي شدت من أزر الشاب عبد العزيز، حتى
تم له النصر، واستولى على الرياض[3]
|
|
أرسل من ينادي في الناس، في محل تجمعاتهم، وفي الأسواق،
وكان الخبر قد سرى في كل مكان، والبشر والفرح يعلو الوجوه، وهم يشكرون الله الذي
أرجع الحق إلى أصحابه، كان المنادي يقول بأعلى صوته: "الله اكـبر….
الحكم لله ثم لعبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل آل سعود"[4] |
|
هذا الفتح العظيم جدير بأن نسميه "فتح الفتوح في العصر
الحديث" فلقد كان بداية لسلسلة من الانتصـارات التي مَنَّ الله بها لا على
عبـد العـزيـز وحده، بل على العالم الإسلامي، وهذا ما أثبته مرور الأيام. |
|
لقد تناول المؤرخون والكتاب والأدباء هذا الحدث العظيم
بالدرس والتحليل والثناء والإكبار، واتفقـوا على أن هناك توفيقا إلهيا، سار في
ركب تلك الفتيـة التي آمنت بربها، فظَلت عناية الله تحرسهم وترعَاهم فحققوا
النصر على أول طريق الجهاد والكفاح حتى أتم الله نوره. |
|
يقول نجيب نصار في كتابه (الرجل): "إن ابن سـعود الذي
تعلم الصعود إلى مراقي العظمة، في مدرسة الإسلام، كما تعلمه فيها أبو بكر وعمر
وعلي وخالد ومعاوية، وغيرهم من الصحابة الكرام، وتمرن على الخشونة، وشظف العيش،
والشدة في مدرسة بني مرة الساذجة، ارتقى أول درجة من سلّم العظمة بالاستيلاء على
الرياض"[5]. |
|
وقال حافظ وهبة: "إن هذه القصة تشبه قصص أبطال
اليونان، وترينا عظم الأخطار التي أحاطت بابن سعود"[6]. |
|
لقد جاء الناس من كل مكان، وتجمعوا في قصر الحكم، يرحبون
بالأمير عبد العزيز، ويبايعـونـه زرافات ووحدانا، والفارس الشجاع يدعوهم إلى
تناسي ما حدث في الماضي، وإلى المحبة والتعاون، والاستعداد للمستقبل. |
|
لم يضيع الأمير عبد العزيز لحظة من وقته، فقام بالبناء
والتحصين والاستعداد لكل ما يطرأ من أحداث، وكتب للوالد الإمام عبد الرحمن أن
يأذن لأخيه سعد بالقدوم إليه، ومعه نجدة من الرجال والعتاد، ثم أرسَل إلى والده
بالكويت، يطلب إليه العودة إلى الرياض؛ فسير الحوادث تفضي أن يكـون بجواره، فودع
الإمام والشيخ مبارك، وغادر الكويت تلبية لولـده، وسلك طريقا غير معـروف، فابن الرشيـد ما يزال يسيطـر على البلاد،
وليس من الصواب أن يعرف طريقه في ذاك الوقت. |
|
لم يمض زمن طويـل بل أيـام معـدودات حتى وصل الإمام عبد
الرحمن إلى الرياض بسلام، وأسرعت الوفود من كل مكان للتهنئة والتحية والسلام،
وتجديد البيعة لآل سعود، ثم دعا الإمام شيوخ العاصمة وعلماءها إلى اجتماع طلب
عقده في المسجد الكبير بالرياض بعد صلاة الجمعة، وبعد الصلاة وقف الإِمام فحمد
الله وأثنى عليه وصلى على نبيه صلى الله عليه وسلم، وأعلن أمام الجميع تنازله عن
جميع حقوقه في الإمارة والإمامة إلى ابنه عبد العزيز. |
|
ولكن الابن البار الذي تربى في رحاب الإسلام، ووعى قضاء
الله للوالدين رد قائلا: "الإمارة لكم وأنا جندي في خدمتكم". |
|
فجمع الإمام العلماء، وأرسل إلى عبد العزيز، وخاطبه قائلا:
"إذا كان قصدك في استدعائي إلى الرياض لأتولى الإمارة فيها، فهذا غير ممكن
ولا أقبله مطلقا...." |
|
وبعد مناقشات طويلة، قال الحاضرون من العلماء للقائد عبد
العزيز: "على الابن أن يطيع أباه" |
|
وقالوا للإمام: "أنت كوالد عبد العزيز رئيس عليه،
وبالتالي على أهل نجد". |
|
فقال الإمام رحمه الله: "ولكن الإمارة له". |
|
فقال عبد العزيز: "إني قابلهـا بشـرط أن يكـون والدي
مشرفا على أعمالي دائما، فيرشدني إلى ما فيه خير البلاد، ويردعني عـما يراه
مضراً في مصالحها"[7]. |
|
موقف فريد في زمنه، زمن قتل الطامع أخوته في سبيل الملك،
وتنمر الابن فيه للأب، وضـاعت فيه مُثُل الإسـلام العليا إلا من فئـة قليلة، ظلت
محافظـة على تعاليم الحنيفية السمحة، تمثلت في أصل عبد الرحمن وفرعه وعين الله
ترعاهم، وتوجههم إلى الطريق المستقيم. |
|
تمت البيعـة لعبـد العزيز، وأصبح قريبا من الله، متحملا
مسئولية من تولى أمرهم، فليضاعف النشاط، وليسهر على راحة رعيته، وليتجه إلى ربه،
يطلب منه العون والمساعدة والتوفيق. |
|
لو أسرع ابن الرشيد إلى الرياض بجيوشه الجرارة، وقوته
الكبيرة لتغير وجه التاريخ، ولقضى على تلك العصابة التي أخذت على عاتقها نشر
الدعوة، وإقامة حدود الله. |
|
قال الإمام عبد العزيز: |
|
"أمـا ابن الـرشيـد، فقد أشار عليه بعض رجاله بأن يسير
من "ثادق" ويضبط الحفر، ولكنه رفض، والحقيقة لو أطاع رأي قومه، ورحل
إلى الحفر، لكانت ضربة قوية علينا "[8],
ولكن الله شغل ابن الرشيد بآماله، وتطلعاته التي دار في فلكها، وشغلته عما
سواها، فهو يخطط ليستولي على الكويت، فقد طغى عليه التفكير في امتلاكها، وأخذها
من الشيخ مبـارك، وحسبها هي الأصل، والرياض هي الفرع, وإذا امتلك الأصل، فإن
الفرع يأتي إليه بأقل جهد. |
|
لقد مناه الأتراك بالمساعدة، ورسموا له كيفية الاستيلاء على
الكويت، ولكنه ما كاد يقـترب منها، حتى كان له الإنجليز -حلفاء الشيخ مبارك-
بالمرصاد، فقد قضوا على آماله وتطلعاته، وأخيرا وبعد فوات الوقت، عرف أنه أمام
قوة لا قبل له بها. |
|
كان كلما ذكروا له عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سـعود،
واستيلاءه على الرياض، أجـاب بلا مبالاة، وأظهر عدم الاهتـمام بهذا الاستيلاء،
وأن الأمر لا يستحق أقل مجهود، وحينما ألحوا عليه في الذهاب إليه، قال المثل
المشهور وهو غير مكترث: "أرنبة محجرة وأهلها مقيمون " أي أنه يستطيع
أي يوم شاء أن يخرج عبد العزيز من الرياض"[9].
|
|
ومرت شهور، وأتى ابن الرشيد، وفي حسبانه أنه سوف يتسلم
الرياض، وأن ساعة تخليصها له قد دنت، ولكنـه ارتـد على عقبـه أمام قوة لم تخطر
على باله، بل إنه كلما حاول الاقـتراب منها لم يستطع، فنكـص على عقبيه، ورجع غير
موفق فصرف النظر عنها مؤقتا، لكن كانت له جولات، ومواقـع في أمـاكن أخرى، لازم
النصر فيها الإمام عبد العزيز آل سـعود رحمه الله. |
|
ظلت الحرب سجالا بين الإمام عبد العزيز وابن الرشيد، وربـما
كان ابن الرشيد قويا وذا بأس، وكان أكثر عدة وعتاداً، إلا أن الإمام كان أصلب
عوداً وأكثر تحملا، وأشد إيماناً؛ فهو يحارب من أجـل حق اغتصب، وسُطي عليه، ومن
أجل دعوة ودين خف الوازع إليه، وإن له لمبدأ عظيماً يستمد منه الحـماسة والقوة. |
|
كانت الجيوش تصول وتجول من قبيلة إلى قبيلة، ومن أرض إلى
أرض، والناس قد قلّ تمسكهم بالدين، فتـاهوا في البيـداء الواسعة، يسعون لمغنم
دنيوي، وقد يكونون معك بالنهار، فإذا ما أتى الليل تراهم قد انقلبوا عليك،
وتعقدت الأمور بالتقارب الذي لم يكن يخطـر على بال، هذا التقارب الذي تم بين
الشيـخ مبارك وابن الـرشيـد، وكـان هذا مما يستبعـد، والعـداء ما يزال مستحكما
بـين طرفي الجزيرة، وبدأ النفاق في بعض القبائل ظاهراً جلياً، وبين رجـال
تنكبـوا الطريق، فكانوا متذبذبين بين الطرفـين فأحذ الإمام عبد العزيز الحذر
والحيطة منهم، وظل يتنقل وهو في أوج حماسه وقوته وتخطيطه، والمولى جَل وعلا يدبر
له الأمر، ويوفقه إلى الطريق الذي سيوصله بإذنه تعالى إلى النجاح الذي يريده. |
|
لقد وصل ابن الرشيد إلى روضة مهنا، بعد سلسلة من التنقلات
والمناوشات ولحق به الإمام عبـد العزيز، وشرع يجمع رجاله، ثم بدأ هجوما على خط
الدفاع الأول ليلا، على من تقدم من رجال ابن الرشيد، وتواقعا في 8 صفر سنة 1324،
وتمكن جيش الإمام من أن يزيح جيش ابن الرشيد قليلا، ويقهقره، ويحتل مكانه. |
|
وفجأة وبـدون تدخـل من البشر، والليل حالك الظلام، والنجوم
ترسل شعاعاً خافتاً على الرمال، والبصر محدود الرؤيا، والحرس يضعون أيديهم على
الزناد استعدادا لإخراج الطلقات، وعين الله الحارسة تتولى الأمور، وتصرفها كما
يشاء لها رب الكون، وفجأة يحدث ما لم يكن في الحسبان، ولم يخطر على بال إنسان،
وما أراه إلا من صنعِ الله العلي القدير. لقـد ركب ابن الرشيد فرسه، وراح يدور
في معسكره مستنهضاً همم القوم ممن معه، ومحرضاً للضرب والنزال، يجري هنا وهناك،
حتى وصل إلى المكان الذي كان له فيه فرقة من جنوده، ظن أنها لا تزال هناك، وأنسي
أنها تراجعت، وتركت مكانها لجيش الإمام عبد العزيز. |
|
صاح بحـامل البـيرق يحرضـه على الهجـوم، وما حسب أنه بين
القوم الذين يحرض عليهم، ويدبر لهم الشر، ويبتغي الغلبة عليهم. |
|
كان يصيـح باسم حامل البيرق، وعرف رجال الإمام الصـوت،
وعرفوا أنه ابن الرشيد، فصوبت عليه البنادق، ونفذت إرادة الله, وحمل سيفه وخاتمه
إلى الإمام[10]. |
|
أمـا الإمام عبـد العزيز آل سـعود فكان حينما يبشر بنصر من
الله سبحانه وتعالى يخر ساجـداً، ويطيل التضرع والدعاء، حامداً شاكـراً فضله
سبحانه على ما أولاه من نصر وتأييد، وبهذا قُضي على أكبر قوة كانت أمام الإمام
رحمه الله. |
|
لقد شمل تأييد الله جل وعلا لعبده عبد العزيز رحمه الله في
كل ما دخل من معارك، وإن كان قد خف أوارها في ملحقات الرياض، رغم تشعبها وكثرتها،
إلا أنها كانت تنتهي دائماً بنصر من الله، وفي النهاية الاستقرار والهدوء. |
|
وشـاء الله أن ينتقل الصراع من نجـد إلى الحجـاز، وكأن ما
حدث ما هو إلا مقدمة لتنفيـذ إرادة الله، حتى يوفي سبحـانـه وتعـالى بوعده،
فيستجيب دعاء سيدنا إبراهيم عليه السلام كلما اشتد البأس، وانعدم الأمن
والطمأنينة بأرضه المقدسة. |
|
{رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً
وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأَصْنَامَ}. (إبراهيم: 35). |
|
وكان ذلك في أرض الحجاز حيث البيت العتيق. والحرم الآمن،
وحيث يجب أن تقام شريعـة الله، وتنفـذ حدوده، والله أشـد غيرة من أحـدنـا على
حرماتـه، ولكن الله يؤخر، ويمهل ولا يهمل. |
|
لقـد ظلت حدود الله معطلة زمنـا طويـلا، وشرائعه مستباحة،
والمكان الطاهر مسرحاً للمسـاومـة والمزايـدة، والنهب والسلب في كثـير من
الأوقـات, تقـام فيه البدع والمنكرات، ويساق الناس وكأنهم قطعان ماشية، وكأنما
هذه الأرض الطاهرة ما هي إلا ضيعة لفئة من الناس بلا وازع، فليس لهم -كما يقال-
من الإسلام إلا اسمه، ولا من
الدين إلا رسمه؛ والدليل القوي على ذلك قانون (أبو نمى) وهو الدستور الذي كانت
تسير عليه الأمة في الحجـاز في معـاملتهـا مع السـادة الأشراف، فشرعت قوانينه
لأشراف الحجاز، وضعه (أبو نمى) الذي تولى إمارة مكـة سنة 932هـ، وظل يعمل به إلى
أن قضى عليه الإمام العادل عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سـعود، حينما طهر الأرض
المقدسة من الرجس والآثام. |
|
إن قانون
(أبو نمى) يمثل أفدح الظلم في أطهر بقعة على وجه البسيطة، وهو بعيد كل البعد عن
التشريع السماوي، ولم يسمع بمثله إلا في العصور الوسطى، ومحاكـم التفتيش. |
|
يقول حسين
محمد نصيف: |
|
"وهـذا
القـانـون على ما أعتقـد لم يوضـع أقسى ولا أظلم منه, وإذا بحثنا عن معنى الظلم
في أي قاموس، فلا نجده وافياً بمعناه الحقيقي إلا في هذا القانون"[11]. |
|
كانت انتصارات الإمام عبد العزيز في نجد وما يجاورها مثار
إعجاب وإكبار من أبناء شبه الجزيرة، وهو واحد من أبنائها، وهذا ما أوغر صدر حكام
الحجاز وأقضّ مضجع الحاكم في ذلـك الـوقت، وبخـاصـة أن الإمـام كلما أخضع جهة،
أقام فيها حدود الله، ونفذ حكم الشرع، والنـاس قد استجابوا، وسكنـوا إلى أحكام
الله، وحار الشريف فيما يفعل، وقد أصبحت بلاد نجد قوة لا يستهان بها!! |
|
ماذا يفعـل؟ إنـه كلما حاول مسـاعدة البقية الباقية من
الخارجين، أو معاونة واحد من أعداء نجد الذين يحاربهم الإمام، ارتدت إليه سهامه. |
|
كان الشـريف بين المَـد والجـزر، والبعد والقرب، فهو يتقرب
إلى الإمام أحياناً، حتى ليظن الإمام
أن الصفاء والمودة ستمحو كل ما سبق من عداء، وفجأة لا يلبث أن يقلب ظهر
المجن فيظهر ما يضمر فإذا به عداء مستحكَم، لا يستقر به على حال، والإمام عبـد
العزيز ينظر إلى تحركاته نظرة الواعي المستفيد من كل هذه التحركات، إلى أن ظهرت
نواياه أخيرا، وهي قوله: "إن الجزيرة بما فيها من نجدٍ من رعاياه، وأن كل
هذه البلاد من حق الشريف". |
|
وتـذرع الإمـام بالصبر والأناة كعادته، وتركه يقول كل ما
يريد أن يقوله, وكانت هناك عهود ومواثيق لحلفاء الشريف من الإنجليز، احـترمها
الإمام، ولم يثر أي مشكلة لهؤلاء الحلفاء إبان الحرب العـالمية الأولى، حتى كانت
القشة التي قصمت ظهر البعير؛ وهي مسألة الخلاف على الحدود بين نجد والحجاز،
وبالأخص تربة والخرمة -وهما قريتان على الحدود- الشـريف يرى أنها من قرى الحجاز،
والإمام عبد العزيز يؤكد أنها من نجد وكلاهما يدلي بحججه. |
|
لقـد كان من المتعـارف عليـه أنهما من نجد، وأن جبل (حَضَن)
هو الفاصل بين نجد والحجـاز, وأنـه يبعد عن القريتين بمسافة قدرت بسبعين
كيلومترا بالنسبة لتربة، وبخمسين كيلو بالنسبـة للخرمة، وأنّ البلدين وعربانهم
حنابلة المذهب من زمن بعيد، وأنّ كثيراً من تجار نجد يعيشون بين ظهرانيهم، كذلك
ما يزال ولاؤهم لآل سـعود قائماً منذ زمن بعيد. ولمـا لم تنفـع المكـاتبات، ولم
تغن الوساطات، ولم يجد الشريف ملاينة من الإمام عبد العزيز، وقد استقل الشريف
بالحجاز، وطرد الأتراك، وأصبح يتمنى حكم الجزيرة كلها عزم على غزو نجـد مبتدئاً
بتربة والخرمة، وهو يعتقد أنه سيفتحهما، بعد أن تكتسح جيوشه كل من يقف أمامه.
ومما تجدر الإشارة إليه ما حصل بين خالد بن لؤي أمير الخرمة والذي يعتبر عاملا من
قبلِ الشريف على هذه الجهة وبين ابن الشريف الأمير عبد الله بن الحسين، وكان
بالعيص قريباً من المدينـة المنـورة بعـد أن اشترك مع الأمير عبد الله في القضاء
على الحكم التركي بالمدينـة المنورة، فقد ضرب خالداً على وجهه أحدُ المقربين إلى
الأمير عبد الله هو فاجـر بن شليويـع أحـد شيوخ الرقة، فاشتكى خالد إلى الأمير،
ولكن الأمير لم يهتم كثيراً لخالد، لحاجة في نفسه, وكل ما فعله أنه حبس فاجراً
ثم أطلق سراحه بعد أيام. |
|
لم يرض خالد عن هذا الحكم، ولما خاطب الأمير في ذلك لم يأبه
به، فغضب خالد، واستأذن على خلاف المعهود في الرحيل، فأذن له غير مكـترث به، ولا
بما سيتم عليه الأمر، ورجع خالد إلى الخرمة[12].
|
|
إن آثـار هذه الحـادثـة البسيطـة كانت السبب في تغيير مجرى
الحـوادث، ولا نكـون مبالغين إذا قلنا إنها غيرت وجـه التاريخ، فبمجرد أن وصل
خالد إلى موطن إقامته، وثق علاقتـه مخلصـا بالإمـام عبـد العزيز، وقد كان على
علاقة طيبة به، إذ كانت تجمعهما وحدة المذهب ويرى أنه من رجاله, وربما كانت هذه
من الأسباب التي أوغرت صدر الأمير عبد الله. |
|
صار خالـد من رجـال الـدعوة، وما عاد يخفي شيئاً، فقد أخلص
لها، واستعد لأن يضحي في سبيلها بكـل شيء، وكأنـما رسمت المقادير لخالـد دوراً،
كان له أكـبر الأثر في الاستيلاء على الحجاز. |
|
قطع خالد كل صلته بحكام الحجاز، فكان كلما أرسل إليه الشريف
بالحضور والمثول بين يديه، تخلص من هذا بحيلة من الحيل، وتكرر منه ذلك، وعلم
الشريف أن خالداً غير راغب في مقابلته، ورأى أن القوة هي الفيصـل بينه وبين خالد
الذي هو واحد من رجاله، واعتبره خارجاً على طاعته، فأرسل إليه جيشاً تلو جيش،
فكان نصيبه الهزيمة، ففكر في أن يرسل إليه جيشاً قوياً بقيادة صهره، الشريف عبد
الله بن محمد فلما وصل إلى جبل (حَضن) كان القدر له بالمرصاد، فقد تفشت فيه الأمراض
فأفنته[13]
وكفى الله المؤمنين القتال. |
|
ويقال: إن
الشـريف طلب من صهره ألا يباشر عملاً عسكرياً وأن يلتزم مكانه حتى يصل الأمير
عبد الله قائد الجيوش[14].
|
|
عبأ الشريف كل قوتـه استعـداداً لإعلان الحرب على الخارجين
على طاعته أولا ثم على الإمام عبـد العـزيز، واستحث ابنه الأمير عبد الله الذي
ولاه قيادة الجيوش الغازية أن يعجل بإخضاع القبائل في تربة والخرمة، وأن يقضي
على من فيها من الولاة والخارجين، ثم يتجه إلى الرياض. |
|
بدأ الأمـير عبـد الله في الإغارة والتأديب، واستـمالـة
القبائل على حدود تربة، وقتل بعض التجـار النجـديـن، واستَكـان له الأعراب
المتفرقة في هذه الجهات، فأخذه الزهو، واستصغر شأن خصمه حينما نظر إلى جيشه وكان
تعداده 12000 مقاتل على أن هناك من يقـول إن تعـداد الجيـوش وصلت إلى 25000
مقاتـل[15]
منهم خمسـة آلاف من الجيش النظامي، والباقي من المتطـوعة والأعراب، ومعهم
المعدات وآلات الحرب والقتال التي لا تعد ولا تحصى مما أخـذ من الإنجليـز، وغنـم
من الأتـراك, فنظر إلى كل هذا الأمير القائد، وأرسل إلى والده قائلا: "إني
في 30 يوماً سأطوي نجداً بأجمعها وأخاطبكم من البحرين"[16]. |
|
كان الإمام يراقب ما يجرى في تربـة، وتأتيـه الأخبار تحت
جناح السرعة، فأعدّ جيشا قوامه 000 12 مقاتل،
تحرك به من الرياض، إلا أنه حينما وصل إليه أخبار جيش الشريف أرسل سريعاً إلى
سلطان بن بجاد كبير هجرة الغطْغُط، أن يلتحق بسرعة وسرية مع جيشه بخالد بن لؤي
بالخرمة لنجدته، حتى يصل هو ومن معه، وأسرع سلطان بن بجاد، والتقى بخـالـد،
وجلسـا يفكـران في كيفيـة الـوصـول إلى هذه الجيوش، وكيف يدفعان هذه القوه
العظيمة التي لا قبل لهما بها. |
|
وراودهما التفكير أن ينتظرا ابن سعود، ومدده الذي سيأتي به
إليهما، ولكن إيـمان خالد بالله كان أقوى من كل شيء، وأن من معه متعطشون إلى الجنة،
وهُدِي إلى خطة عجيبة، راح يخطط لها: وهي مهاجمة جيش الأمير عبد الله، واتفقا
على كيفية الهجوم. |
|
اتفقا على تقسيم القوة إلى ثلاثة أقسام: |
|
الأول: يهاجم مخيم الأمير عبد الله. |
|
الثاني: ينازل القوات النظامية. |
|
الثالث: ينتشر على الخطوط لقطع خط الرجعة عليها. |
|
ومـا إن سكن الليـل، وهـدأ كل شيء، واستسلم الجيش والأمـير
القائد للنوم، وإذ بخطة خالد تبدأ في التنفيذ وإذا بالأصوات تملأ عنان السماء
تنادي: "الجنة.. الجنة.. الجنة "، ودارت معـركـة رهيبـة، استخـدمت
فيها مختلف الأسلحـة، وكـان في مقدمتها السلاح الأبيض، واختلط الحـابـل بالنابل،
وصار جنود الأمير عبد الله يضرب بعضهم بعضا في وسط الظلام على غير هدى، ووصل
خالد بن لؤي إلى مخيم الأمير، وأحاطوا به من كل جانب يريدون قتله، فاستيقـظ من
نومـه مذعوراً، فشق له خادمـه الخيمة، وخرج منها، وأقبل على فرس فامتطـاه
بمـلابس نومه، وأطلق له العنان، ولم يتوقف به العَدْو إلى أن بلغ الطائف، وكانت
نجاته من تلك المجزرة التي لم ينج منها إلا النزر القليل من رجاله أعجوبة
الأعاجيب. |
|
أمـا الـذين نجـوا من المعـركـة، ومن المذبحة، ولم يستطيعوا
الفرار، فقد التجأوا إلى حصن من الحصون القريبة، فهجم عليهم جيش خالد وابن بجاد
في اليوم التالي، فجعلوا خاتمة المذبحة كأولها. |
|
تراكمت الجثث بعضها فوق بعض، ولم ينـج إلا من سابق الـريـح،
ومن انضم إلى جيش خالد، وكان أكثرهم من عتيبة، وكان عدد القتلى خمسة آلاف، بينما
خسر خالد وابن بجاد من جنودهما حوالي خمسمائة، أربعمائة من رجال الغُطْغُط،
ومائة من أهل تربة والخرمة. تمت هذه المعركة التي قضت على كل آمال الشريف، والتي
قصمت الظهر، ليلة 25 شعبان 1337 هـ على مقربة من تربة، واستولى خالد بن لؤي
وسلطان بن بجاد ومن معهما على معدات جيش الشريف وذخائره، وكان أكثرها لم يزل في
صناديقه[17]. |
|
ثم وصل الإمـام عبـد العزيز على رأس جيشـه، وكان تعداده
12000 اثني عشر ألف مقاتـل بقيَادتـه إلى تربـة بعـد انتهاء المعركة، ولم يعلم
بها إلا وهو في الطريق, رأى ضحـايا الـواقعـة، ولم يطق الإمام رؤيـة هذه المناظر
الرهيبة، فقد جيفت الجثث، ولعبت برائحتها الـريح، ونقلتها من مَكان إلى مكان،
فأطرق رحمه الله حزيناً، وتساقطت الدموع من عينيه[18],
ثم أمر بدفن الجثث، وقد حمّل الشريف نتيجة كل ما حدث. |
|
بعـد هدوء الحـالـة في منطقـة تربة والخرمة، واستقرار الوضع
بها، اجتمع الإمام عبد العـزيز بجيـوشـه وقـواده، واستعرضوا موقف الشريف، وبينوا
أنه هو الذي اعتدى، وعليه دارت الدائرة، وأن هذا النصر من الله وحده، فله الحمد
في الأولى والآخرة. |
|
كان في قيادة الإمـام من يرى أن ساعـة الخـلاص من حكـام
الحجاز قد قربت، وأنه ينبغي الزحف إلى مكةَ، وكان الجنود متحمسين لإنهاء الأمر،
وتخليص الأراضي المقدسة من كل دنس إلا أن الإمام عبد العزيز رأى أن الأمر يقتضي
التريث حتى يُسْمَع الصدى الذي ستأتي به هذه المعَـارك، وأن الاحتياط واجب، فليس
المهم الآن ما عليـه الشريف وإنما مَنْ هم وراء الشريف. |
|
لقد كان الإمام رحمه الله يخاف من تدخل قوة خارجة عن
المنطقة، ويرى أن ما أصاب الـدعوة ورجـالهَا من كوارث في الماضي كان بسبب تدخل
هذه القوة، وأنه يسير بتؤدة وتأن وصبر، ليفـوت على الجميـع أمراً قد لا تحمـد
عقباه، ومن هنا نرى براعة الإمام في معرفته ووعيه للتاريـخ، ودراسة أحداثه،
والخوف كل الخوف أن يتجمع الصليبيون مرة أخرى مع المسلمين الجـاهلين بأمور
الـدين وتشريعاته، ولكنهم والحمد لله كانوا مشغولين بأمورهم، ففرنسـا منصرفـة
إلى حروبها ونتائجها، وتركيا أصبحت وليس لها من الأمر شيء، أما الإنجليز الذين
يهمهم أمر المنطقة، والذين يعتقد الشريف أن لهم التأثير الكبير، ويرى أنهم يستطيعون
أن يمدوا له يد العون والمساعدة، فإنهم يدورون في فلك مصلحتهم وحدها، وقد يكونون
معك، ولكن حينما لا يرجون الخير منك، فإنهم سينصرفون عنك حتما، ولقد كانوا في
طريق الانصراف عن الشريف، حينما رأوا أن التوفيق تخلى عنه. |
|
لقـد هال الشريف ما حدث في تلك المأسـاة المروعـة، وحـار
فيـما يفعـل، وأخـيراً استغاث بحلفائه الإنجليز الذين أخذتهم الشفقة والرثاء
لحاله، وأرادوا أن يفعلوا له شيئاً، فأرسلوا إلى الإمام هذا الكتاب: |
|
"ترجوكم حكومة جلالة الملك -ملك الإنجليز- أن تعودوا
إلى نجد عند وصول هذا الكتاب إلى أيـديكم، وتـتركـوا تربـة والخـرمة منطقة حرة،
وغير مملوكة لأحد، حتى عقد الصلح، وتحـديـد الحـدود، وإذا لم تعـودوا فإن حكـومة
بريطانيا تعدّ كل اتفاق بينكم وبينها ملغى، وتتخذ ما يلزم من التدابير ضد
حركاتكم العدوانية، ونأسف كل الأسف لما حصل بين أصدقائها، وكانت ترجو ألا يقع"[19].
|
|
كانت الحكمـة تقضي بأن يتريث الإمـام حتى تهدأ العـاصفـة
فيتجـه بجيشـه إلى الرياض، وقد كان هذا ما قام به فعلاً، فأخذ طريقه إلى
العاصمة، بعد أن حذر رجاله من عدم التحرك حتى تحـين الفرصة وهى قريبة إن شاء
الله. |
|
حقيقـة إن الذي كان يشغل الإمـام الخوف من التدخل الأجنبي،
ومن إثارة الرأي العام الإسلامي في الخارج. |
|
"إنني إذا أمنت من جانب تدخل بريطانيا في الأمر من أجل
الشريف، فما يدرينا لعلها تتدخل فيما بعد من أجل العالم الإسلامي إذا أنا بسطت
نفوذي على الحرمين الشريفين، وحاولت إقامة الدين الحق، ولذلك فلا بد أن أنتظر،
وأنتظر طويلاً حتى يأذن الله لي وهو خير الحاكمين"[20]. |
|
ولكن الله مؤيـده ونـاصـره، ومن كان الله معـه، فكـل شيء
يهون، وكل الأمور تحل بتـوفيقـه سبحـانـه وتعالى، وقد بدأ هذا التوفيق بأن أرسلت
له جمعية الخلافة المعروفة بشدة تعصبها للدين، وللدولـة العثـمانيـة تطالبه
بتحرير الحجاز من المظالم، وأن يعمل على عقد مؤتمر إسلامي يقرر فيه مصير البلاد. |
|
وكـان أول الغيث قطـرة، استراح لها قلب الإمـام، وهـدأت
نفسه قليلاً، وحمد الله سبحانه وتعالى، ولكنه مازال يفكر في مخرج مما قد يحدث،
وإذا بالبشير يجيئه ليقول له: "إن جيش خالد بن لؤي وسلطان بن بجاد قد دخلا
مكة ملبياً طائعاً كما يريد من غير
إراقة
قطرة واحدة من الدماء، ودون أن يلحق بأحد من جيرة بيت الله أي أذى"
[21] |
|
سجد الإمام لله شاكراً، معدداً فضله عليه، وكرمه له، ثم شرع
رحمه الله في الإعداد ليتـوجـه إلى مكَـة فكتب إلى جميع ملوك المسلمين وأمرائهم
يشعرهم بسفره إلى مكة المكرمة غير باغ ولا آثم، وأنه عازم على عقد مؤتمر هناك،
يفكر فيما يراه كفيلا بتوطيد الأمن، ونشر السلام. |
|
وجمع كبار قومه ومعهم العلماء، وخطب فيهم خطبته التاريخية. |
|
بدأ الخطبة بحمد الله والصلاة والسلام على نبيه.... وكان
مما قاله: |
|
"إني مسافر إلى مكة لا للتسلط عليها، بل لرفع المظالم
التي أرهقت كاهل عباد الله، إني مسافر إلى حرم الله لبسط أحكام الشريعة
وتأييدها؛ فلن يكون بعد اليوم سلطان إلا للشرع، الذي يجب أن تطأطأ جميع الرءوس
له. |
|
إن مكة للمسلمين كافة، فيجب أن يكون أمر إدارتها وتنظيمها
طبق رغائب العالم الإسلامي. |
|
إننا سنجتمع بوفود العالم الإسلامي هناك، وسنتبادل معهم
الرأي في كل الوسائل التي تجعل بيت الله بعيداً عن الشهوات السياسية، وتحفظ راحة
قاصدي حرم الله"[22]. |
|
غادر الإمام عبد العزيز آل سعود الرياض يوم 13 ربيع الثاني
عام 1343 هـ في موكب كبـير في طريقـه إلى الحجـاز، ومعـه كبار القوم وعلماؤها،
وألوية من أهل الحضر، وسكان الهجر، والفرحة قد عصت الوجوه، وسار الموكب على بركة
الله، وجاء البريد من مكة، وهو على آبار المصلوم (المصلوق) مسـاء 22 ربيـع
الثاني عام 1343 هـ، فأمر بفتحه في الحال- على عادتـه- وعُـرضَ عليـه، فإذا به
كتـاب موقـع عليـه من معتمدي قناصـل الحكومات البريطانية، والإيطَالية،
والفرنسية، والهولندية والإيرانية، وهذا نصه: |
|
جدة في 4 نوفمبر سنة 1924 م |
|
إلى خالد بن لؤي، وسلطان بن بجاد: |
|
بعد الاحترام |
|
وصلنا كتابكـما, ولا يخفى كما أن
حكـومتنا ملتزمة الحياد التام في الحرب بين نجد والحجاز، وعلى ذلك فنحن محايدون،
ولا يمكننا التدخل بأي وجه كان في هذا الخصام، وقد أخذنا علماً بتصريحكما بأن ليس
لكـما نظر في رعايانا، ونؤيد مضمون كتابنا الأول المختص بهم. والسلام. |
|
إمضاءات[23] |
|
وعندما انتهى من قراءة الكتاب، خر الإمام عبد العزيز ساجداً
لله، ورفع رأسه يشكر الله، ثم قال: "قد لزموا الحياد". |
|
يقول الزركلي: |
|
"فعرفنا أن سبب قلقـه ترقبه ما سيكون عليه موقف بعض
الحكومات الأجنبية، فلما اطلع على الرسالة زال ما كان يساوره"[24].
|
|
كانت جموع الله وعلى رأسهـا الإمـام عبـد العـزيـز قد وصلت
إلى قرن المنازل، وهو ميقات أهل نجد، فأحرموا بالعمرة، وانحدر الجمع من فوق جبال
الهَدي حتى كانوا بأعلى مكة، بمكان يقال له "الأبطح". |
|
"..... ولم يكن يخطـر على بالي أن أحضر مكة على هذه
الصورة، بل إنني لو رأيت في المنام ما تم لي الآن، لما عبرت رؤياي لدى أحد
المشايخ (العلماء) مخافة أن يسخروا مني، لكن فضل الله لا يحد، وهذا من محض
إحسانه جل وعلا، وإكرامه لي، أسأله تعالى أن ينصر دينه، ويعلي كلمته، وأن يوفقني
للعمل بكتاب لله، وإحياء سنة سيد المرسلين إنه سميع مجيب الدعوات"[25]. |
|
ومما لا شك فيه أن هذا من فضل الله وكرمه وعطفه الذي أولاه
لقائد المسيرة عبده وابن عبده الذي كان يستصغر نفسه أمام عطاء الله، وتأييده له،
ولقد أثبتت الأحداث أن الله كان دائما معه موفقا وناصرا. |
|
كان حاكم الحجاز قد ترك مكة إلى جدة، يريد أن يلعب بآخر
ورقة معه، فراح يعد العدة، ويجمع جيوشا، وحاول أن يعمل شيئا لكنه لم يستطع، ولم
يجد مالا يدفعه لجنده، فثـاروا عليـه، وهـاج الناس بجـدة بسبب ما وقع عليهم من
النهب والسلب، وعمت جدة فوضى عظيمـة، ولم يستطـع الحـاكم أن يسيطر عليها، فيئس،
وقد ضاعت كل أمانيه[26]،
فتقدم بموافقته على تسليم آخر البلاد. |
|
أما الملك عبد العزيز فقد بقي خارج جدة، وكلما طالبه جنده
بالسماح لهم بدخول جدة دعاهم إلى الصـبر والتؤدة، وطال الحصار لجدة وعبد العزيز
واثق من توفيق الله له، ويؤكد خير الدين الزركلي هذا التوفيق ببعض ما حدث في
أثناء هذا الحصار فقال: "جهز الشـريف عليّ طائرة بمـدفع رشاش، وكلف الطيار
بأن يغير على قيادة جيش الملك عبـد العـزيز، ولم يكن عنده مدافع مضادة ولا مخابئ،
ووصل الخبر إلى الملك عبد العزيز فقال: "وقانا الله شّرها". |
|
وقال الزركلي مكملا: |
|
"وحلقت الطائرة فوق الخيام، ومن في الخيام ينظرون،
وحامت حول أكابر سرادق في المخيم، حيث يجلس عبـد العـزيز وخاصته، وكان الوقت
قبيل الظهر، ومن في الطائرة يرى من في الأرض بالعين المجردة، وكان مع قائدها شاب
أعرفه، روى لي من تمنى له النجاح في مطار جدة قبل قيام الطائرة، وأنه رآه يحمل
قنبلتين من اللواتي تقذف باليد وسمعه يقول: "سألقيها على رأس عبد
العزيز..." |
|
ولم يكن بين الطائرة ورأس ابن سـعـود أكثر من مئات الأمتار؟
وقد أحكم القائد جعل السرادق هدفاً له، وهيئ الرشاش وإحدى القنبلتين, ولكن
التوفيق يقظ، فإذا بالقنبلة تنفجر في الطائرة، وإذا بالنار تشتعل في الجو، وتهوي
الطائرة، ثم تصبح ومن فيها كومة من الرماد أمام خيمة عبد العزيز"[27].
|
|
وبينـما رجـال عبـد العزيز يواصلون إلحاحهم عليه بدخول جدة،
وهو يأمرهم بالتأني والصبر وردت رسـالة الملك علي بالتسليم، وأجـابه عبد العزيز
بالموافقة، ورحل عن جدة والبـلاد، وتم الحكم لله ونودي بعبد العزيز في مكة
المكرمة في 22 جمادى الثانية 1344 هـ الموافق 8 يناير سنة 1926م ملكاً على
البلاد[28]. |
|
كلمتان
لأبي بكر وعلي |
|
كان من دعاء خليفة رسوله الله أبي بكر الصديق إذا مدحه
الناس أن يقول: |
|
"اللهم أنت أعلم بي من نفسي، وأنا أعلم بنفسي منهم
اللهم اجعلني خيراً مما يحسبـون، واغفـر لي، واجعلني خيرا مما يعلمون، ولا
تؤاخذني بما يقولون "… |
|
وكان أمير المؤمنين علي يقول لمن يتملقه مغاليا في مدحه: |
|
"أنا دون ما تقول وفوق ما في نفسك".. |
|
|
|
[1] وقعة الصريف كانت بين قرية الطرفية وماء الصريف بين الشيخ مبارك شيخ الكويت وابن الرشيد عام 1318هـ، وبالرغم من أن الأمير عبد العزيز كان مستقلا عن هذه الوقعة إذا اتجه بحملته إلى الرياض إلا أن هزيمة الشيخ مبارك في هذه الوقعة كان لها تأثير عليه ففضل الانسحاب هذه المرة. |
|
[2] الإمام العادل الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود ج ا ص 19. |
|
[3] القصة الكاملة لفتح الرياض رواها بتواضع جم الملك عبد العزيز رحمه الله، نقلها عنـه فؤاد حمزة في كتابه "الـبلاد العربية السعـوديـة" ونقل جزءاً منها الكاتب خير الدين الزركلي في كتابه "شبه الجزيرة في عهد الملك عد العزيز" وكذلك نقلها الكاتب أمين الريحاني في كتـابه "تـاريـخ نجد وملحقاتها" بتصرف، وتناولها جميع الكتاب الذين كتبوا عن الملك عبد العزيز رحمه الله من عرب وأجانب بالشرح والتحليل. |
|
[4] المتوكل على الودود عبد العزيز آل سعود 90. |
|
[5] شبه الجزيرة ج ا ص 87. |
|
[6] شبه الجزيرة ج ا ص 87. |
|
[7] نجد وملحاقتها ص129. |
|
[8] فتح الرياض كما يرويها الملك عبد العزيز آل سعود من كتاب "المتوكل على الورود عبد العزيز آل سعود "ص 322 .. |
|
[9] نجد وملحقاتها لأمين الريحاني ص 127. |
|
[10] نجد وملحقاتها ص158. |
|
[11] تاريخ الحجازص17. |
|
[12] صقر الجزيرة ج 1 ص 207. |
|
[13] صقر الجزيرة ص 210. |
|
[14] المتوكل على الودود عبد العزيز آل سعود ص 189. |
|
[15] تاريخ الحجاز ص 64. |
|
[16] نفس المصدر ص 64. |
|
[17] شبه الجزيرة في عهد الملك عبد العزيز ج 1 ص 323. |
|
[18] نفس المصدر ج ا ص 323. |
|
[19] المتوكل على الودود عبد العزيز آل سعود. |
|
[20] الإمام العادل عبد العزيز عبد الرحمن الفيصل آل سعود ج ا ص 79 – 80. |
|
[21] شبه الجزيرة في عهد الملك عبد العزيز ج ا ص333. |
|
[22] صقر الجريرة ج 2 ص ه 31. |
|
[23] جريدة أم القرى العدد 2 السنة الأولى، وتاريخ الحجاز ص 151. |
|
[24] شبه الجزيرة في عهد الملك عبد العزيز ج ا ص340. |
|
[25] الإمام العادل عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل آل سعود ج 1 ص 3. |
|
[26] تاريخ الحجاز ص 199. |
|
[27] شبه الجزيرة العربية في عهد الملك عبد العزيز ج 2 ص 584 . |
|
[28] قلب جزيرة العرب لفؤاد حمزة ص 394. |