طباعة

 توثيق النص

 

 

 

كلمة التحرير

للدكتور صالح بن عبد الله العبود

رئيس قسم العقيدة بالجامعة الإسلامية

 

 

الحمد للّه رب العالميين والصلاة والسلام على رسوله الأمين.

أما بعد: فإن مجلة الجـامعة الإسـلامية حين تحفـل بمواضيـع مكثفة في العقيدة الإسلاميـة، عقيـدة أهـل السنـة والجـماَعة فإنـما تنطلق من هدف الجامعة وهو تعميق التديُّن المَبني على إخلاص العمل الصالح للّه وحده، وعلى الالتزام بسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - في ذلك.

 

وهذا هو جوهر العقيدة الإسلامية ومرتكزها...

والعقيدة: ضرورة حيـويـة, فالإنسـان الحي مضطر أن يعتقد عقيدة ما, يتحرك من أجلها ويـدور عليهـا حبه وبغضه عن اقتناع؛ لأن الإنسان حساس متحرك بإرادة تنبثق عن عقيـدة وقناعـة ولـو خلا الحي من عقيدة ما كان ذا حركـة إراديـة ولكن إن كانت عقيـدتـه صحيحة كانت حركته سليمة صالحة، وإن كانت عقيدته فاسدة كانت حركته خطرة مفسدة.

ولو تحسسنا أسباب فرِقة المسلمين لوجدناها تكمن في الشبهات التي طرأت على بعضهم وفي الشهـوات أيضـاً فبسبب ذلك فارقت فرق المسلمين التي تصـل إلى اثنتين وسبعين جماعة (؟) أهل السنة والجـماعة، وهذه الشبهات والشهوات ما هي إلا فساد في العقيدة.

وإذا ألقينا نظرة في عالم هذا العصر نجده يموج ويتجاذب بعقائد جازمة وأيديلوجيات حادة، كالشيـوعيـة والـديمقراطيـة والقـوميـة على المفهـوم الغربي مثلاً، ونجد أصحابها يتمسكـون بها أشـد التمسك ويتحركون من أجلها أعظم حركة، وبيد كثير منهم دولاً كبيرة لها ثقلهـا الـراجـح في ميزان الأكثريـة من الناس، ولهم قوة مادية هائلة، وقد أخذوا بزمام الصناعـة والتقـدم التكنولوجي والتفوق العسكرى، هذا فضلاً عن حصولهم على مباهج الشهوات الـدنيـوية وحضارتها ونظرتها، إلا أننا رغم هذا نرِى الإنسان في الحقيقة تحت ظل تلك العقائـد والايدلوجيات قلقا حائراً مضطربا خائفاَ لا يقر له قرار، ولا يعرف طريق الاستقرار، قد شقي في دنياه وأضـاع نصيبـه من أخـراه، وعموماً فهو منساق في متاهات الضلال وأوحال الفساد والشرور ومُنْتَهٍ إلى الهلاك والدمار، والشقاء والخسران.

وحين نختار العقيدة الإسلامية فإنما نختارها عَلى غيرها من العقائد لأنه ثبت في علم اليقين وعين اليقين أن كل عقيدة تخالفها غير صحيحة ولا صالحة فإما أن تكون مخالفة للواقع أو مخالفة للعدل .

أما العقيدة الإسلامية فقد احتوت كل الصحة والصلاح، فالصحة فيها هي مطابقتها للواقع علما ومعرفة وتصورا سواء في النفي أو الإثبات، والتزامها العدل في العمل والإرادة والتصديق فعلا وتركا، أخذا واجتنابا، وحظا ومنعا.

وهذا ما تفيده شهادة أن لا إله إلا الله، لأن هذه الشهادة تهني أن يعتقد العبد بعلم ويقين، وصدق وإخلاص أنه لا إله يتصف بالتفرد بالأسماء الحسنى وصفات الكمال المطلق واستحقاق العبودية على الحقيقة إلا الله تبارك وتعالى وهذا الاعتقاد اعتقاد صحيح مطابق للواقع، وتعني تلك الشهادة أن يعمل العبد بمقتضاها فلا يصرف شيئاً من عبادته كالحب والإرادة والدعاء والنذر لغير الله تعالى لأن ذلك ونحوه من الأعمال التعبدية التي شرع الله أن يعبد بها, لا يستحقه إلا الله, فصرفه أو صرف نوع منه لغير الله ظلم عظيم {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ}, وإخلاصه لله تعالى هو العدل الذي لا عدل فيما خالفه .

والمخالفون لأهل السنة والجماعة إذا لم يخلصوا عبادتهم لله وأشركوا مع الله غيره لم يكونوا عابدين لله وإن كانوا يقصدون بشركهم التقرب والتزلف إلى الله قال تعالى: {وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ}. وإذا عينوا الله بصفات نفي أو إثبات ليست واردة في الكتاب والسنة فإن ما عينوه بتلك الصفات ليس هو الله في الحقيقة والواقع، كما إذا قال قائلهم: "ليس الرحمن على العرش استوى", أو قال: "إن الله لم يتكلم بالقرآن، وإنما القرآن عبارة عن كلام الله", فهذا القائل إذا عبد من يعتقده بهذا الوصف لم يكن عابدا لله وإن قصد الله بعبادته بل يكون عابدا لما اعتقده معطلا عن وصف الكمال .

والله برئ من عبادته لأن موصوفه ليس هو الله فتنصرف عبادته إلى غير الله كما انصرف سبُّ قريش عن محمد صلى  الله عليه وسلم قال عليه الصلاة والسلام: " ألا ترون كيف يصرف الله عني سب قريش، يسبون مذمَّما" أي: أنه محمد لا مذمم . اللهم صل وسلم عليه.

وبالجملة، فإن كل من لم يؤمن بما وصف به الرسول صلى الله  عليه وسلم ربه فهو في الحقيقة لم يعبد ما عبده الرسول صلى الله  عليه وسلم وقس على هذا .     

وأما صفة الصلاح في العقيدة الإسلامية فهي بناؤها على شهادة أنّ محمداً صلى الله  عليه وسلم عبد الله ورسوله، ومعنى ذلك اعتقاد أنه صلى الله عليه وسلم عبد لا يعبد ورسول لا يكذب، بل يطاع ويتبع, ويصدق فيما أخبر, ويجتنب ما نهى عنه وزجر, ولا يعبد الله إلا بما شرع, ويرفض ما يعارض من ذلك من عقل وذوق وسياسة وعرف وتقليد وعادة.

وبهـذا صارت العقيـدة الإسلامية هي الصالحة المقبولة، وصارت مادة للحياة الطيبة، وإن لم تكن الحياة طيبة لم تكن حَياة حقيقية، قال تعالى: {أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}.

قال ابن كثير- رحمه اللّه- في تفسيره: "هذا مثل ضربه الله تعالى للمؤمن الذي كان ميتـاً أي في الضـلالـة, هالكـاً حائراً فاحيـاه الله أي أحيا قلبه بالإيمان وهداه له ووفّقه لاتباع رسله". اهـ.

وقـال الله تعـالى: {مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}.

ولقد سمى الله ما أنزله على رسوله صلى الله  عليه وسلم  روحاً لتوقف الحياة الحقيقية عليه ونوراً لتوقف الهداية عليـه، فقـال تعـالى: {يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ}، وقال تعالى: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الأِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الأُمُورُ}.

ومما تقدم يتبيَّن لنا أنَّ العقيدة الإسلامية هي روح الحياة ونور الهداية، فلا أشرف ولا أطيب من حياة تنبني عليها, ولا أصلح ولا أهدى من عمل يسير بمقتضاها ولا حول ولا قوة إلا باللّه العليِّ العظيم.

وصلى الله وسلم على رسوله الأمين وأصحابه الغر الميامين وأتباعهم ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين…