|
|
|
|
|
الجَمَاعَة في ضوءِ الكتاب وَالسُّنَّةِ |
|
للدكتور عبد العزيز بن عبد الله الحميدي |
|
عميد كلية الدعوة وأصول الدين – جامعة أم القرى |
|
|
|
|
|
|
|
الحمد لله رب العالمين
والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد... فهذا بحث يتناول
موضوعاً يهم المسلمين جميعاً إذ تتوقف على تحقيقه
سعادتهم في الدنيا والآخرة. كما تتوقف عليه سعادة البشر
جميعا لأن الإسلام دين عالمي وقد جاءت الأوامر الإلهية فيه بضرورة تكوين الجماعة
الإسلامية التي تنتظم المؤمنين بهذا الدين من جميع البشر. |
|
|
|
تمهيد: |
|
الإسلام دين الجماعة لأن الله
جلّ وعلا شرع هذا الدين ليجمع البشر جميعاً على منهج واحد للوصول إلى هدف واحد. |
|
والجماعة من لوازم قيام
هذا الدين لأنه لا يمكن تطبيقه تطبيقاً كاملاً إلاّ بوجود الجماعة، ولذلك جاءت
بعض تشريعات الإسلام على اعتبار وجود الجماعة المؤمنة سواء في مجال العبادات أو
المعاملات، كما جاءت التوجيهات الإسلامية في الحث على
لزوم الجماعة والتحذيرات الشديدة من مفارقة الجماعة. |
|
وسيتبين لنا من هذا
العرض الموجز لبعض ما جاء في كتاب الله تعالى وسنّة رسوله صلى الله عليه وسلم من الاهتمام بالجماعة كيف أن الله جل وعلا
بهذا الدينِ العظيم كان يريد قيام الجماعة الإسلامية القوية المتماسكة التي هي
على مستوى البشر جميعاً، وحماها جل وعلا بتشريعات محكمة حتى أصبحت من القوة
والرسوخ بحيث تندق دون الوصول إلى تفكيكها معاول
المخربين والمفسدين في الأرض. |
|
وقد كان عنوان البحث
المقترح ضمن الخطة التي وضعها منظموا هذا المؤتمر
(الوحدة الإسلامية في القرآن والسنّة) ولكن اللفظ الذي تكرر في الكتاب والسنّة
كثيراً هو لفظ الجماعة ولذلك آثرت أن يكون عنوان هذا البحث (الجماعة في ضوء
الكتاب والسنّة). |
|
|
|
الجماعة هي الأصل
والفرقة أمر حادث: |
|
|
كان الناس في أصل
وجودهم على هذه الأرض أمّة واحدة تنحدر من نسب واحد، وكانوا على الإسلام دين
أبيهم آدم- عليه السلام- فاختلفوا على هذا الدين وتفرقّوا فبعث الله النبيين
علَيهم السلام ليبينّوا للناس الطريق المستقيم الموصل إلى رضا الله تعالى مبشرين
من اتبعه بالسعادة ومنذرين من حاد عنه بالشقاء، قال تعالى:{كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ
النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ
بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا
اخْتَلَفَ فِيهِ إِلا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ
مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ
فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيه}. (البقرة: 213). |
|
|
قال ابن عباس- رضى الله عنهما: كان بين نوح
وآدم عشرة قرون كلهّم على شريعة من الحق فاختلفوا فبعث الله النبيّين مبشرين
ومنذرين، قال: هي في قراءة عبد الله: "كان الناس أمّة واحدة فاختلفوا"[1]. |
|
|
فالله سبحانه أراد
للبشر أن يكونوا أمّة واحدة كلهّم على الهدى ولكنهم اختلفوا فتفرقوا. |
|
|
ولو تذكر الناس دائماً
أن أباهم واحد وأمهم واحدة لكان ذلك دافعا لهم إلى الاجتماع والتآلف، ولذلك
ذكّرهم الله تعالى بهذا حيث يقول: {يَا أَيُّهَا
النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً
وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ}. (ا
لحجرات: 13). |
|
|
فالله جل وعلا قسمهم
إلى شعوب وقبائل ليعرف بعضهم بعضا فيتواصلوا لما بينهم من الرحم لا ليفتخروا
بأنسابهم ويختلفوا، ولذلك قال تعالى: {إِنَّ
أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ}. |
|
|
|
|
عوامل تكوين الجماعة
الإسلامية: |
|
|
لقد شرع الله جل وعلا
أسباباً لتكوين الجماعة الإسلامية ثم لتقويتها فمن ذلك: |
|
|
|
|
1- الإيمان بالإسلام عن وعي وبصيرة: |
|
|
إن أولَ ما يشعر
الإنسان بانتمائه لجماعة المسلمين هو دخوله في الإسلام عن وعي وفهم وبصيرة، ذلك
أن مجرّد فهمه للهدف الذي يسعى إلى تحقيقه هو والمسلمون جميعاً وهو عمارة الأرض
بطاعة الله تعالى وابتغاء مرضاته يجعله يشعر بالرابطة التي يجتمع المسلمون
جميعاً |
|
|
عليها
لبلوغ هذا الهدف ، وشعوره بهذه الرابطة هو أول عنصر من عناصر تكوين الجماعة الإسلامية. |
|
|
فالمسلم حينما يرسخ
الإيمان في قلبه يبحث فوراً عن المؤمنين الذين يشاركونه في السعي لبلوغ هذا
الهدف، والذي أمره الله جل وعلا أن يصبر نفسه معهم على عبادة الله وابتغاء
مرضاته، ثم هو يبحث دائماً عن تكاليف هذا الدين التي نظمت علاقاته مع إخوانه في
الإيمان، التي تهدف في النهاية إلى إيجاد المجتمع المسلم. |
|
|
|
|
2- الأمر بلزوم الجماعة: |
|
|
علمنا أن الإيمان بهذا
الدين يقتضي ضرورة الانتماء إلى جماعة المسلمين، ومع
ذلك جاءت الأوامر الشرعية مؤكدة ضرورة لزوم هذه الجماعة، وذلك: |
|
|
أولاً: لأن النفوس تغفل
كثيراً عن فهم واجباتها، كما أنها تتكاسل أحيانا عن
أداء الواجب. |
|
|
وثانياً: لأن التفلت من الجماعة وعدم الاهتمام بأمور المسلمين له خطره
العظيم على حياة هذه الأمة في الدنيا والآخرة. |
|
|
ولذلك لما أمرنا الله جل
وعلا بالالتزام بهذا الدين العظيم الذي هو حبل الله المتين كان أمره بأن نلتزم
به جميعاً ونهانا عن التفرق حيث يقول تعالى:{وَاعْتَصِمُوا
بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا}. (آل عمران :103). |
|
|
قال أبو جعفر بن جرير
في تفسير هذه الآية: يعنى بذلك جل ثناؤه: وتعلقوا بأسباب الله جميعاً، يريد بذلك
تعالى ذكره: وتمسكوا بدينه الذي أمركم به وعهده إليكم في كتابه إليكم من الألفة
والاجتماع على كلمة الحق والتسليم لأمر الله، ثم استدل على ذلك بما أخرجه عن عبد
الله بن مسعود- رضى الله عنه- من طريقين أنه قال في
هذه الآية: حبل الله الجماعة. |
|
|
وفي هذه الآية دليل على
أن لزوم جماعة المسلمين من ضرورات هذا الدين، ومما يوضح ضرورة لزوم جماعة
المسلمين مع التمسك بأصول الدين ما أخرجه الإمام مالك وأحمد من حديث أبي هريرة
أن رسول الله صلى
الله عليه وسلم قال: " إن الله يرضى لكم ثلاثاً: يرضى لكم أن تعبدوه ولا
تشركوا به شيئاً، وأن تعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا، وأن تناصحوا من ولاّه الله أمركم، ويسخط لكم قيل وقال وإضاعة
المال، وكثرة السؤال "
[2]. |
|
|
وهذا صريح في أن
المسلمين لن يحوزوا رضا الله جل وعلا عنهم إذا رضوا بالتفرق والانقسام ولم ينصحوا لولاة أمورهم بما ينجيهم
وإياهم من المسئولية أمام الله تعالى وإن كانوا قد عبدوا الله وحده ولم يشركوا
به شيئاً لأن ذلك من تحقيق توحيده. |
|
|
وقد جاء الأمر صريحاً
من رسوله الله صلى
الله عليه وسلم بلزوم الجماعة كما جاء
في حديث عبد الله بن عمر- رضى الله عنهما- قال: خطبنا عمر بالجابية. فقال: يا أيها الناس إني
قمت فيكم كما قام رسول الله
صلى الله عليه وسلم فقال "أوصيكم بأصحابي... إلى أن قال: عليكم بالجماعة وإياكم
والفرقة فإن الشيطان مع الواحد وهو من الاثنين أبعد، من أراد بحبوحة الجنة
[3].
فليلزم الجماعة، من سرته حسنته وساءته سيئته فذلكم المؤمن".
رواه الإمام أحمد والترمذي وعبد الرزاق الصنعاني
[4]. |
|
|
ولزوم الجماعة من أسباب
التحلي بالأمانة والبراءة من الخيانة كما جاء في قوله صلى الله عليه وسلم : "ثلاث لا يُغل عليهن قلب امرئ مسلم: إخلاص العمل للّه،
والنصيحة لكل مسلم، ولزوم جماعة المسلمين فإن دعاءهم محيط من ورائهم ".
(أخرجه الإمام الدارمى)
[5]. |
|
|
وقوله: "يغل"
بضم الياء وكسر الغين من الأغلال وهو الخيانة، ويروى بفتح الياء وكسر الغين من
الغل وهو الحقد- ذكره ابن الأثير في النهاية- ولعل قوله: من الأغلال
بمعنى الخيانة أقرب إلى معنى الحديث لأن المعنى أن هذه الخصال الثلاث لا يتصور
أن تقع الخيانة فيهن من مؤمن صادق في إيمانه إذ أن الخيانة في خصلة من هذه
الخصال تتنافى مع الإيمان. |
|
|
وقد شدّد رسول الله صلى الله عليه
وسلم النكير
على من فارق الجماعة فاعتبره مخالفاً لهدى الإسلام وطريقه القويم، فقد أخرج
الإمام أحمد من حديث أبى هريرة- رضي الله عنه- عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الصلاة
إلى الصلاة التي قبلها كفارة والجمعة إلى الجمعة التي قبلها كفارة والشهر إلى
الشهر الذي قبله كفارة إلا من ثلاث" قال: فعرفنا أنه من أمر حدث:
إلا من الشرك بالله ونكث الصفقة وترك السنّة قال: قلنا يا رسول الله هذا الشرك
بالله قد عرفناه فما نكث الصفقة وترك السنة؟ قال: أما نكث الصفقة فان تعطى رجلاً بيعتك ثم تقاتله بسيفك، وأما
ترك السنة فالخروج من الجماعة"[6] |
|
|
3- الالتزام بالإخوة الإِيمانية: |
|
|
أمر الله جل وعلا المسلمين جميعاً بالتآخي وشرع التعامل بينهم على أساس الاخوة في الله فقال تعالى:
{إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ}.
(الحجرات: 10)، فجعل الله تعالى الأمر بالإصلاح بين المؤمنين مرتباً على ما
بينهم من الأخوة في الله، ذلك لأن شعور المسلم بأنه يتعامل مع
أخيه يزيل ما في نفسه من الأخلاق السيئة كالحسد واللاثرة
وسوء الظن، كما أن شعوره بأنه أخوه يمنعه من الاعتداء عليه ويوجب عليه نصرته،
وفي هذا المعنى يقول رسول الله صلى الله
عليه وسلم : "لا تحاسدوا ولا تناجشوا
ولا تباغضوا ولا تدابروا، ولا يبع بعضكم على بيع بعض،
وكونوا عباد الله إخواناً، المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره،
التقوى هاهنا- ويشير إلى صدره ثلاث مرات- بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه
المسلم، كل المسلم على المسلم حرام، دمه وماله وعرضه"0أخرجه الإمام
مسلم
[7]. |
|
|
وإذا وجدت
الأخوة الإسلامية فإن المسلمين سيجتمعون على هدف واحد ومنهج واحد وهذه هي
الجماعة التي أمر الله جل وعلا بلزومها. |
|
|
ومن أبرز ما يقوى الأخوة الإسلامية التعارف بين المسلمين وقد جعل الله
سبحانه التعارف حكمة لتقسيم الناس إلى شعوب وقبائل، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ
وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا}. (الحجرات: 13). يعنى ليتم التعارف بينكم فتترتب عليه الصلة
والمحبة لا التفاخر بالنسب والتباغض. |
|
|
وقد شرع
الله جل وعلا للمسلمين ما يقرب بعضهم من بعض ويكون وسيلة للتعارف بينهم فمن ذلك: |
|
|
(أ) تبادل التحية: |
|
|
فقد أمرنا رسول الله
صلى الله عليه وسلم
بإفشاء السلام واعتبره دافعاً إلى المحبة التي هي شرط الإيمان حيث يقول: "لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا ولا تؤمنوا حتى تحابوا،
أولا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟. أفشوا السلام بينكم ".
أخرجه الإمام مسلم.
[8] |
|
|
والسلام ليس
على من نعرف فقط بل هو أول السبل إلى التعارف ولذلك لما سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم أي الإسلام
خير؟. قال: "تطعم
الطعام وتقرأ السلام على من عرفات ومن لم تعرف". أخرجه الإمام
البخاري ومسلم
[9]. |
|
|
فالسلام على من نعرف
لتوثيق المحبة والأخوة، والسلام على من لا نعرف لإيجاد التعارف الذي هو مدخل الاخوة الإسلامية. |
|
|
ومن أجل أن تتوثق الصلة
بين المؤمنين وتتقوى روابط الجماعة بينهم أمرنا الله عز وجل برد التحية بأحسن
منها فقال تعالى: {وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ
فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا}. (النساء:
86)، لأن الذي بدأ بالتحية قد تقدم بالفضل فينبغي لمن يرد عليه أن يبادله الفضل
بالمبالغة في التحية. |
|
|
(ب) التزاور بين المؤمنين: |
|
|
لقد أرشدنا رسول الله صلى الله
عليه وسلم إلى تبادل الزيارات لأن ذلك يقوى الصلة، ويثبت
الأخوة فقد بين صلى
الله عليه وسلم الجزاء الأعظم للمتزاورين في
الله حيث يقول: "إذا عاد الرجل أخاه أو زاره قال
الله له: طبت وطاب ممشاك وتبوأت منزلا في الجنة".
أخرجه الإمام البخاري في الأدب المفرد
[10]. |
|
|
وكما في قوله صلى الله
عليه وسلم :
"قال الله تبارك وتعالى: وجبت محبتي للمتحابين في
والمتجالسين في والمتزاورين فيّ والمتباذلين
فيّ". أخرجه الإمام مالك في الموطأ[11]. |
|
|
ففي هذه الأحاديث وغيرها
حث المسلمين على مبادلة الزيارات بينهم حتى تتقوى الروابط الاجتماعية بين أفراد
المجتمع الإسلامي. |
|
|
وربما يكون الإخوان
المتحابون نما الله متفرقين في البلاد فيصيبهم الكسل وتقعد بهم العوائق الدنيوية
عن السفر من أجل زيارة إخوانهم فقد جاءت التوجيهات النبوية تبشرهم بما أعده الله
لمن تحمل مشقة السفر لا لغرض من أغراض الدنيا بل لزيارة أخ له في الإسلام حيث
أخرج الإمام مسلم من حديث أبى هريرة- رضى الله عنه-
عن النبي صلى الله
عليه وسلم :
"أن رجلا زار أخاً له في قرية أخرى فأرصد الله
على مدرجته ملكاً، فلما أتى عليه قال: أين تريد؟. قال:
أريد أخاً لي في هذه القرية، قال: هل لك عليه من نعمة تريها؟. قال: لا غير أنى
أحببته في الله عز وجل، قال: فإني رسول الله إليك: بأن الله قد أحبك كما أحببته
فيه "
[12]. |
|
|
وفي هذا رفع للهمم
المريضة المتقاعسة عن المزيد من توثيق عرف الروابط الاجتماعية بين المتعارفين بتوثيق المحبة المتبادلة التي يثبتها ويرسخها في
النفوس كثرة الزيارات فإنها من العوامل المهمة لبناء صرح الأخوة الإسلامية
وحمايتها من التصدع والانهيار. |
|
|
4- عمارة المساجد بطاعة الله تعالى: |
|
|
فالمسجد هو مركز اجتماع
أهل الحى بواسطته يتعارفون، وبتجدد اللقاء يتآلفون،
وهو وسيلة من وسائل جمع شمل الأمة وتوثق رابطة الأخوة الإسلامية ثم هو بالتالي
من دعائم تكوين الجماعة الإسلامية التي هي ضرورة من ضرورات هذا الدين. |
|
|
وبواسطة المسجد يعرف
المسلمون أحوال جيرانهم، فيتعرفون على أخبارهم، فمن مرض منهم عادوه وقدموا له ما
يحتاج من المساعدة، ومن غاب منهم تفقدوا أحوال أسرته وقاموا بما كان يقوم به إذا
حضر، ومن عليه دين فاعسر أو نزلت به نائبة واسوه
بأموالهم حتى يزول عنه عسره. |
|
|
وبهذا يصبح الجيران في
الحي الواحد كأنهم أسرة واحدة وبغير المسجد لا يستطيع الجيران أن يتعارفوا ولا
أن يتآلفوا وبالتالي تسود في المجتمع الانانية
والفردية فلا يجد الفقير والمريض من يمد إليه يد المساعدة ولا يأمن الإنسان على أهله إذا غاب عنهم لأنه ليس بينه وبين
جيرانه ألفة ومودة. |
|
|
وعلى هذا النحو تسير
المجتمعات البعيدة عن الإسلام لأنها لا تملك المبادئ
السامية التي توجد الإخاء والتكامل الاجتماعي. |
|
|
وقد يضم الحى الواحد طبقات متفاوتة في الغنى والجاه... وبالتالي
تتفاوت درجاتها في مظاهر الحياة من مسكن ومركب وملبس، وهذه المظاهر تزيد من
الفجوة بين الطبقات لأن من يسكن في القصور الشاهقة ويركب في المراكب الفخمة قد
يتكبر على من بجواره من أصحاب المساكن المتواضعة والمعيشة البسيطة، وهؤلاء في
نفس الوقت لا يحاولون التعرف على الكبراء لأنهم يرون أنهم طبقة أعلى منهم
وبالتالي تنفصم الروابط الاجتماعية وتحصل الفجوة بين أفراد هذه الطبقات حيث تضعف
الأخوة الإسلامية وتتضاءل دوافع التكامل الاجتماعي وبالتالي يختل الأمن في
المجتمع وتكثر حوادث الاعتداء وتبقى بعض طبقات المجتمع في حالة شديدة من البؤس
والشقاء. |
|
|
ولكن بوجود المسجد تزول
هذه الفوارق لأن الجميع يصفون صفاً واحداً خلف إمام واحد وليس لأحد أفضلية على
أحد، ففي صلاة الجماعة في المسجد فرصة كبيرة للكبراء كي يتذكروا بأنه ليس
باستطاعتهم في كل وقت أن يتعالوا على الضعفاء، وبالتالي يتضاءل ما في نفوسهم من
التكبر عن الاجتماع مع من هم دونهم منزلة في الحياة الدنيا، كما أن في ذلك فرصة
للفقراء كى يسموا بأنفسهم ويعلموا بأن الفقر لا يحول
بينهم وبين الوقوف جنباً إلى جنب مع الأغنياء. |
|
|
ولذلك كانت صلاة
الجماعة في المسجد تفضل صلاة الرجل بسبع وعشرين درجة كما أخرج الإمام البخاري من
حديث ابن عمر- رضى الله عنهما-
أن رسول الله صلى
الله عليه وسلم قال: "صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة".
وفي رواية أخرى للبخاري: "صلاة الرجل في الجماعة
تضعف على صلاته في بيته وفي سوقه خمساً وعشرين ضعفاً"، وفي هذه
الرواية دليل على أن صلاة الجماعة لا يعتبر لها هذا الثواب إلا إذا كانت في المسجد
[13].
|
|
|
ومسجد الحي هو بداية
التعارف والتآلف لأن مداومة اللقاء في جو المسجد الروحى
والصلاة جماعة فيه من أقوى الروابط التي تربط بين جماعة المسلمين إضافة إلى ما
يقوم به إمام المسجد من تذكير الجماعة بواجبهم في
التآلف والتآخي وإصلاح ذات البين. |
|
|
وهذا التعارف والتآخي
مرحلة لتعارف أكبر وتآلف أشمل حيث يجتمع المسلمون في القرية الواحدة أو أهل جزء
من المدينة يوم الجمعة في مسجد واحد، ومهمة خطيب الجمعة في هذا المجال أن يكمل
ما بدأه المسلمون من التآخي في أحياء مختلفة ومساجد متعددة وذلك بالتركيز على
معاني الأخوة الإيمانية ولزوم الجماعة الإسلامية... حتى
يخرج المسلمون من المسجد وهم يشعرون بأن لهم أَخوة في الله كثيرون ويكفي أنهم
يرون منهم يوم الجمعة هذا الحشد الكبير. |
|
|
إن المسلم يوم الجمعة
ليس بإمكانه أن يتعرف على من في المسجد من الأمة ولكن
يكفي شعوره بأن جميع من صلوا معه أخوة له في الإيمان وأن يشعر بأن هؤلاء ليسوا
إلا نموذجاً واحداً لمجموعات كبيرة من إخوته في الله في سائر بقاع المعمورة. |
|
|
إن موضوع التذكير بواجبات
الأخوة الإسلامية والتركيز على لزوم الجماعة من أهم الموضوعات
التي يجب على خطيب الجمعة أن يهتم بها لأنها تجسم الحكمة التي من أجلها شرعت
صلاة الجمعة والجماعة. |
|
|
ونظراً لما لصلاة
الجمعة من الأهمية البالغة في الإسلام فقد جاء التغليظ الشديد في وعيد تاركها
كما أخرج الإمام مسلم من حديث أبي هريرة وابن عمر- رضي الله عنهما-
أنهما سمعا رسول الله
صلى الله عليه وسلم يقول
على أعواد منبره: "لينتهين أقوام عن ودعهم الجمعات أو ليختمن الله على
قلوبهم ثم ليكونن من الغافلين". |
|
|
وهل أعظم غفلة ممن حرم
نفسه من استماع الموعظة الأسبوعية الوحيدة التي فرض عليه سماعها وأداء الصلاة
جماعة مع العدد الكبير من إخوانه المسلمين. |
|
|
ثم تتجلى رابطة الجماعة
الإسلامية بشكل آخر حيث يخرج المسلمون في صلاة العيد مرتين في العام خارج البلد. |
|
|
ثم هناك الاجتماع السنوي
الكبير حينما يفد الحجاج إلى بيت الله الحرام فإن فيه مجالاً كبيراً لتعارف
المسلمين وتآلفهم وكم من تعارف وإخاء كان مبدؤه اللقاء في الحج ثم ينمو ويبقى
بعد ذلك بالاتصال المتكرر. |
|
|
وليت المسلمين الذين يحجون
هذا البيت الحرام يدركون هذا المعنى السامي فيخططون للاستفادة الكاملة من الحج
في هذا المجال فإنه من حكم الحج وأسراره. |
|
|
وبهذه الاجتماعات
المتكررة التي أمر الله بها جل وعلا عن طريق العبادات التي شرعت لتزكية النفوس
وجمع شمل المسلمين تتكون الجماعة الإسلامية على مستوى الحي فالقرية فالأمة من
جميع أقطار الإسلام، وبملازمة هذه العبادات والإدراك السليم لحكمة تشريعها تنمو
جامعة الإسلام وتقوى ثم تؤتى ثمارها المطلوبة في حماية الإسلام والمسلمين ونشر
الإسلام في ربوع هذه الأرض. |
|
|
أثر الجماعة في قوة
الأمة |
|
|
حينما تكون الأمة
مجتمعة على هدف واحد وتسير صفاً واحداً فإن دولتها تكون قوية مهيبة الجانب ولا
يطمع الأعداء في اقتطاع جزء منها، وحينما تتفرق إلى دويلات وتتعدد أهدافها يسهل
على الأعداء إضعاف قوتها والاستيلاء على ما يريدون منها، هذا على مستوى الأمة،
وكذلك على مستوى الأفراد، فالجماعة وإن كان فيهم بعض الضعفاء لهم من القوة
والهيبة ما ليس للأفراد وإن كانوا أقوياء، وفي هذا المعنى يقول رسوله الله صلى الله عليه
وسلم : "إن المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه
بعضاً - وشبك بين أصابعه- أخرجه الشيخان
[14]
فالبناء مكون من مجموعة من المواد المتناثرة التي يسهل على اللصوص اختطاف شيء
منها ولكن حينما تجتمع هذه المواد وتدخلها يد الفن والتعمير تصبح قصراً شاهقاً
يصعب اقتطاع جزء منه ويصبح له كيان يدهش الناظر ويعجب المتأمل. |
|
|
وحينما كانت الأمة
الإسلامية دولة واحدة لم يكن الأعداء يقدمون على الاستيلاء على أراضيها بالرغم
من ضعف دولة الإسلام آنذاك وحينما استطاع الأعداء أن يقضوا على الخلافة
الإسلامية هان عليهم الاستيلاء على أجزاء كثيرة من بلاد الإسلام. |
|
|
ولقد وقف الأعداء
حائرين زمناً طويلاً أمام وحدة هذه الأمة فلم يستطيعوا أن يقتطعوا
منها شيئاً لأن هيبة الدولة الإسلامية واجتماع الكلمة كانت تقف سدا منيعا أمام
كل محاولاتهم بالرغم مما كان يعتري وحدة الأمة الإسلامية من التصدع والضعف، ولكن
اجتماع الكلمة مهما كانت نسبته من القوة والتماسك خير من الفرقة والخلاف. |
|
|
أثر لزوم الجماعة في
النصر على الأعداء |
|
|
إن الجماعة المؤمنة
حينما تكون صفاً متماسكاً وتواجه أعدائها وهى كتلة واحدة جديرة أن تظفر بنصر
الله جل وعلا وأن تحول بين أعدائها ومحاولة تفتيت شملها وأضعاف قوتها. |
|
|
ذلك أنه مهما قل عددها
وقلت عدتها فإنها قوية بتماسكها واجتماع كلمتها أمام أعدائها الذين مهما بلغ
عددهم وقويت عدتهم فإنهم ضعفاء بتفرق كلمتهم واختلاف مقاصدهم، إذ أنه لا يمكن
لجماعة على وجه الأرض أن يتآلف أمرها وتجتمع كلمتها بالمستوى الذي تكون عليه
الجماعة الإسلامية ولا بمستوى يقرب منه، ذلك أن الذي ألف بين الجماعة الإسلامية
هو الله جل وعلا والذي يؤلف بين الجماعات الأخرى هم البشر أنفسهم، ولا يمكن بحال
أن يوضع تشريع الله جل وعلا في المقارنة مع تشريع البشر، بل إن مجرد التفكير في
ذلك يعتبر انحطاطاً في التفكير وانقلاباً في المفاهيم حتى رسول الله صلى الله عليه
وسلم الذي هو أفضل البشر وأقدرهم على
جمع الكلمة ما كان باستطاعته لولا وحي الله الذي يتنزل عليه أن يؤلف بين قلوب
البشر:{وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ
أَنْفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ
وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}. (الأنفال: 63). |
|
|
أضف إلى ذلك أن الهدف
الذي من أجله جمع الله المؤمنين وشرع لهم الجهاد وهو ابتغاء رضا الله جل وعلا
والسعادة في الدار الآخرة يدفع المؤمنين إلى التضحية بالأموال والأنفس لأن هذه
التضحية هي الطريق الصحيح لبلوغ هذا الهدف، وكلما بالغ المؤمن في بذل ماله ونفسه
في سبيل الله كان أسرع إلى بلوغ هذا الهدف السامي. |
|
|
أما الجماعات الأخرى
فان مقاصدها قريبة وأهدافها مقصورة على الحياة الدنيا والسبيل الأمثل للوصول إلى هذه الأهداف هو استبقاء الحياة لأطول
فترة ممكنة حتى يتمتع الإنسان بثمرات انتصاره وبالتالي يقع الفشل والتراجع
أمام إقدام الجماعة الإسلامية على بذل الأموال والأنفس في سبيل الله. |
|
|
وبينما نجد الجماعات
الدنيوية تتنافس على الوصول إلى هذه الأهداف التي تفرض عليها الإحجام والتردد
وتفرق الكلمة فإننا نجد أن الجماعة الإسلامية تتنافس في الوصول إلى هدف يفرض
عليها الاقدام والتضحية واجتماع الكلمة. |
|
|
ومن هنا نعلم أن
أعداء المؤمنين مهما
كثروا وقويت عدتهم فهم ضعفاء لدناءة مقاصدهم وتفرق كلمتهم. وإن أظهروا الاجتماع على حرب المسلمين: { تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ
بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ}. (الحشر:
14). والمسلمون مهما قلوا وضعف استعدادهم فهم أقوياء
باتحاد هدفهم وسمو مقصدهم واجتماع كلمتهم ما داموا مؤمنين حقا بالإسلام. |
|
|
وفي هذه الآية
الكريمة أقوى رادع للمؤمنين عن التفرق واختلاف الكلمة لأنهم حينما يتفرقون لا
يظفرون بحب الله جل وعلا والمحروم من الخير من حرم من محبة الله سبحانه
وتعالى. |
|
|
ولقد أثبت الله جل وعلا
محبته للمؤمنين الذين يقاتلون أعداءهم صفا متماسكا:{إِنَّ
اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفّاً كَأَنَّهُمْ
بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ}. (الصف: 4). |
|
|
وحينما يتفرقون تكثر
الفجوات التى ينفد منها الأعداء إلى جسم الأمة
الإسلامية فيسهل عليهم القضاء عليها خصوصاً إذا بلغ المسلمون من ضعف الإيمان إلى
الحد الذي يخذل فيه بعضهم بعضا ويتيحون الفرصة للأعداء
كي يقضوا عليهم. |
|
|
عوامل تفريق الجماعة |
|
|
وبعد أن عرفنا عوامل تقوية
الجماعة الإسلامية فإن هناك أسباباً تضعف الجماعة أو تفرق شملها فمن هذه
الأسباب: |
|
|
أ- الدعوة إلى العصبية: |
|
|
علمنا مما مضى أن سر
اجتماع المسلمين جميعاً في جماعة واحدة على مختلف أجناسهم ولغاتهم وألوانهم هو
كونهم جميعاً ينشدون الوصول إلى هدف واحد هو طلب رضوان الله عز وجل، ومعلوم أن
الوصول إلى تحقيق هذا الدف يفرض عليهم الاجتماع والتآخي والتآلف، فإذا ما أوجدوا
لأنفسهم مقاصد مخالفة وأهدافا متضاربة فإنهم تبعا لذلك يختلفون ويتناحرون وتنحل
جماعتهم وبالتالي تضعف قوتهم وتذهب ريحهم. |
|
|
ولقد أدرك أعداء
الإسلام فعالية هذا السلاح المدمر فحاولوا إشعال نار الفتنة بين المسلمين منذ
بزوغ شمس هذا الدين وقيام الجماعة الإسلامية، وأول من حاول تفريق جماعة المسلمين
هم اليهود وذلك عند تكوين أول جماعة إسلامية في المدينة المنورة حيث كانوا
يذكرونهم بحروبهم الجاهلية وعصبيتهم الممقوتة فمن ذلك ما حدث من أحد كبار اليهود
حيث أمر شاباً منهم أن يعمد إلى مجلس الأنصار فيذكرهم بيوم بعاث
آخر أيام حروبهم في الجاهلية وأن ينشدهم ما قيل فيه من الأشعار، فثارت بينهم
حمية الجاهلية وتواعدوا للقتال في الحرة خارج المدينة ولما خرجوا للقتال علم
رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرج إليهم مع بعض الصحابة فأدركهم قبل أن
يقتتلوا فقال: "يا معشر المسلمين، الله الله أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم بعد أن هداكم الله
للإسلام وأكرمكم به وقطع به عنكم أمر الجاهلية واستنقذكم من الكفر وألف بين
قلوبكم ". فعرف القوم أنها نزغة من
الشيطان وكيد من عدوهم فبكوا وعانق الرجال من الأوس
والخزرج بعضهم بعضاً ثم انصرفوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سامعين مطيعين. وقد ذكر ابن إسحاق هذه
الرواية مطولة[15]. |
|
|
وهكذا أدركهم النبي
صلى الله عليه وسلم قبل
أن يتفرقوا وكان لهم من إيمانهم القوى ما غطى على نزعة الجاهلية، ولكن المسلمين
بعد عصر الصحابة- رضي الله عنهم- قد استجابوا إما قليلاً وإما كثيراً لنداء
العصبية الجاهلية فقامت بينهم بسبب ذلك الحروب الطاحنة
التي أضعفتهم على مدى العصور وكان آخر ذلك الدعوة للقوميات التي شتت شمل الأمة
حتى استطاع الأعداء بسبب ذلك أن يقضوا على الخلافة الإسلامية وأن يقسموا بلاد
الإسلام إلى دويلات صغيرة. |
|
|
2- انتشار الأخلاق السيئة في
المعاملات: |
|
|
وذلك فيما يتعلق بأفراد المجتمع في تعاملهم فيما بينهم، فمن الأخلاق السيئة
التي تدمر جماعة الأمة الكذب والغيبة والنميمة وسوء الظن، فالكذب خلق ذميم يدل
انتشاره في المجتمع على انحطاطه وانهيار تحصيناته
الواقية من الرذائل. |
|
|
فالتحرز من
الكذب يقي المجتمع من الأخبار المختلقة التي يقصد من وراء اختلاقها وترويجها
إفساد الأمة وإضعاف معنوياتها وقد تؤدي إلى التناحر والشقاق بين الأمة الواحدة. |
|
|
والتحرز من
الكذب ينتج معاملات سليمة لا غش فيها ولا خداع ولا تزوير، والتعامل النزيه كما
أنه يقي المجتمع من التفكك الذي يحدثه التباغض والأثرة فإنه يعطي الأمة سمعة
جيدة تجعل الأمم الأخرى تحترمها وتحاول تقليدها. |
|
|
ولهذا فإن النبي
صلى الله عليه وسلم نفي
الإيمان عن الكذابين كما أخرج الإمام مالك عن صفوان ابن مسلم قال: قيل لرسول
الله صلى الله عليه وسلم : أيكون المؤمن
جباناً؟ فقال: نعم، فقيل له: أيكون المؤمن بخيلاً؟
فقال: نعم، فقيل له: أيكون المؤمن كذاباً؟ فقال: لا
[16]. |
|
|
والإسلام كما حرم الكذب فقد حرم عيب المؤمنين في حال غيبتهم وإن لم يشتمل ذلك على الكذب لأن كلام المغتاب حينما يبلغ من وقع
عليه يؤثر على ما بينهما من رابطة الأخوة فيبدأ
التفكك من داخل المجتمع، وأشد من ذلك ضرراً وأبلغ أثراً في تقطيع أوصال الأمة
نقل كلام المسلمين في إخوانهم على وجه الإفساد بينهم. |
|
|
ولذلك كثرت
في الكتاب والسنة التحذيرات المنفرة من الغيبة والنميمة قال تعالى: |
|
|
{وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ
يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ}. فاعتبر جل
وعلا الغيبة قتلاً للأمة فالذي ينتهك أعراض المسلمين إنما يقطع جسم الأمة،
فليتصور أمته وهي أشلاء ممزقة فإنه في تمزيقها سهم وافر. |
|
|
كما جعل الله جل وعلا
الغيبة والنميمة من أخلاق أعتى الكفار وأعنفهم حيث
قال تعالى: {هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ}. |
|
|
أمَا سوء الظن فهو
الشرارة الأولى في إحراق حبل الأخوة الإسلامية لأن الإنسان قد يسمع من أخيه
كلاما فيه احتمال الخير والشر فإذا خلا الإنسان إلى تفكيره بعد ذلك وسوس إليه
الشيطان فقلل في فكره جانب الخير وضخم جانب الشر حتى يوقع بين المؤمنين ثم قد
يبنى على سوء الظن هذا تصرفات أخرى حيث ينظر إليها من زاوية الشر فتقع بعد ذلك
القطيعة بين أفراد المجتمع، والمجتمع مكون من الأفراد فإذا كثر التقاطع بينهم
أثر ذلك على تماسك الجماعة وقوتها، ولذلك حذرنا الله جل وعلا من سوء الظن فقال
تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا
اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ}.
(الحجرات: 12). وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث ".
أخرجه الإمام مسلم
[17]. |
|
|
مظاهر الانتماء
للجماعة. |
|
|
إن الانتماء إلى جماعة
الإسلام له مظاهر تبين صدق هذا الانتماء ومقدار قوته من ضعفه ومدى فعاليته في
المجتمع فمن ذاك: |
|
|
1- طاعة الإمام المسلم في الحدود التي
أوجبها الله تعالى وذلك لأن المجتمع لا ينتظم أبداً بغير طاعة ولي الأمر ومن
يوليهم نوابا عنه. |
|
|
2- الالتزام بأنظمة المجتمع التي تنبثق من الإسلام أو التى يرى علماء الدين أنها توافق الإسلام ولا تتنافي مع
تشريعاته الحكيمة، إذ أن التمرد على هذه الأنظمة أو استغلال غفلة الرقباء على
تنفيذها يحدث خللا في المجتمع فيضعف الشعور بالمسئولية ويسود الرعاع من الناس
الذين لا يحاولون فهم هذه الأنظمة ولا يراعون حرمتها، وبذلك تسود الفوضى ويعم
الفساد في الأرض. |
|
|
3- الاهتمام بأمور المسلمين فلا يكون المسلم ملتزماً بالجماعة
حتى يهتم بأحوال إخوانه المسلمين في جميع بقاع الأرض ويشعر بمشاعرهم فيفرح
لفرحتهم ويغتم إذا حل بهم مكروه ويشاركهم في مصائبهم فيبذل لهم من نفسه وماله
ويكثر من الدعاء الخالص لهم حتى يزول كربهم وتصلح أحوالهم. |
|
|
فالذين يعيشون حياتهم وليس
لهم صلة بإخوانهم المسلمين في بقاع الأرض فلا يسألون عن أخبارهم ولا يهتمون بها
إذا سمعوا عنها ولا يفرحون لانتصار المسلمين ولا يغتمون لهزيمتهم ولا يحاولون
المشاركة في نجدتهم بما استطاعوا... هؤلاء مقصرون في لزوم جماعة المسلمين وإن كانوا ملتزمين بالإسلام في بعض تشريعاته. |
|
|
وبعد: |
|
|
فهذه لمحات موجزة أردت فيها أن أسلط الأضواء على هذا الموضوع
الهام من باب التذكير بالواجب علينا جميعاً من أجل أن نخرج من هذا الاجتماع وقد
علمنا تكليفاً كلفنا به الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم نحو لزوم جماعة المسلمين ولم أرد أن يكون
بحثاً علمياً وافياً نحو هذا الموضوع فليسر هذا المجال مما يسمح بمثل هذا البحث
والله وحده المستعان فهو جل وعلا حسبنا ونعم الوكيل... |
|
|
|
|
[1] تفسير ابن كثير (1/259). |
|
[2]مسند أحمد (2/ 377)، موطأ مالك، كتاب الكلام (ص990). |
|
[3]بحبوحة الجنة يعني وسطها، يقال تبحبح إذا تمكن وتوسط المنزل ـ النهاية. |
|
[4] مسند أحمد (1/26)، سنن الترمذى: كتاب الفتن باب رقم (7)، المصنف رقم (20710) . |
|
[5]سنن الدارمى (ص76). |
|
[6] مسند الإمام أحمد: (/506) |
|
[7]صحيح مسلم، كتاب البر حديث رقم: (32). |
|
[8]صحيح مسلم، كتاب الإيمان حديث رقم: (93). |
|
[9]صحيح البخاري، كتاب الإيمان حديث رقم: (28)، صحيح مسلم، كتاب الإيمان حديث رقم (63). |
|
[10] الأدب المفرد ص (96) رقم: (3510). |
|
[11]الموطأ، كتاب الشعر رقم: (16). |
|
[12]صحيح مسلم: كتاب البر رقم: (38). |
|
[13]صحيح البخاري: كتاب الصلاة حديث رقم: (645-647). |
|
[14]صحيح البخاري: كتاب الصلاة رقم: (481)، صحيح مسلم: كتاب البر رقم: (65). |
|
[15]سيرة ابن هشام: (2/396)، تفسير الطبري: (7/56). |
|
[16] الموطأ: كتاب الكلام رقم: (19). |
|
[17]صحيح مسلم: كتاب البر رقم: (28). |